الخميس , 14 نوفمبر, 2019
إخبــارات
الرئيسية » أطروحات » العلاقات الصفوية العثمانية بين المهادنة والمواجهة

العلاقات الصفوية العثمانية بين المهادنة والمواجهة

لشهاب عبد الصمد، العلاقات الصفوية العثمانية بين المهادنة والمواجهة 1501) -1520)، أطروحة لنيل شهادة دكتوراه في التاريخ، تحت إشراف عبد الرحمان المودن ولطفي بوشنتوف، نوقشت بـكلية الآداب والعلوم الإنسانية-جامعة محمد الخامس بالرباط، بتاريخ 21 يونيو 2018.

      يحاول هذا العمل رصد طبيعة العلاقات الصفوية العثمانية والتطورات التي عرفتها والعوامل الفاعلة فيها، كما يحاول البحث عن مظاهر اِستمرار الصراع بين الدولتين وتمدده والانعكاسات المترتبة عنه. وقد أنجزت بعض الأعمال حول هذا الموضوع، غير أن بعضها افتقر إلى الموضوعية ومثل وجهة النظر التركية المألوفة التي تفسر الصراع بين الجانبين بالعوامل الدينية المذهبية فقط. وركزت دراسات أخرى اهتمامها على إبراز السياسة العدوانية للصفويين، وتحالفهم مع القوى المعادية للعالم الإسلامي. واختزلت الصراع بين الجانبين في المواجهة العسكرية بين الدولتين، وضخمت الخسائر البشرية التي مني بها الصفويون، لتؤكد دور هذه المعركة في حسم الصراع لصالح العثمانيين، ولتبين شدة آثار الهزيمة ودورها في تراجع الهيبة السياسية والعسكرية للصفويين أمام العثمانيين والقوى المحلية المنافسة، مبررة موقفها بالوضعية النفسية التي أصبح عليها الشاه. وهو عكس ما نحاول تأكيده في هذا العمل، الذي يؤكد اِستمرار قوة الشاه بعد معركة جالدران.

      وقد عرفت العلاقات الصفوية العثمانية تطورات مهمة خلال الفترة الممتدة من 1501م إلى 1520 م. فخلال فترة حكم بايزيد الثاني ظهرت أولى عوامل الصراع العثماني الصفوي، وارتبطت بالتاريخ الاجتماعي لغرب إيران وجنوب الأناضول، وهي المنطقة التي كانت تقطنها قبائل تركمانية تقلصت سلطتها بفعل السياسة المركزية العثمانية. وكانت هذه الوضعية ملائمة لنجاح الدعاية الصفوية ذات الأبعاد السياسية الواضحة، استغلها الشاه إسماعيل للتوسع داخل الأناضول ولتطبيق سياسة “الهدم من الداخل” عبر إثارة الفتن والفوضى. وإذا كان إقرار المذهب الشيعي في إيران قد مكن من إيجاد هوية سياسية وثقافية للدولة الصفوية وتقوية “روحها الوطنية”، فإنه ضمن استقلال إيران ووسع نقاط الاختلاف بين الصفويين والدولة العثمانية ومحا العناصر المشتركة بينهما. ونظر العثمانيون إلى المذهب الشيعي على أنه تهديد سياسي، وعارضوا الصفويين ليس بسبب خطر وجودهم فقط، بل أيضا لأن المذهب الشيعي كان يمثل تحديا للمذهب السني الذي يعتنقه الأتراك وعائقا أمام طموحاتهم لتبوئ منصب الخلافة على المسلمين. ورغم تدخل الصفويين في الشؤون الداخلية للإمبراطورية العثمانية، وابتلاع العديد من المناطق الحدودية التي كانت محل أطماعها، فإن العلاقة بينهما تراوحت بين الحذر والتهديد ومحاولة الاحتواء، ولم تصل إلى المواجهة العسكرية بين الطرفين. فالسلطان بايزيد الثاني تردد تحت ضغط عوامل داخلية وخارجية في شن هجوم مباشر على الصفويين، لذلك حاول مهادنة الصفويين واِحتواء تهديداتهم وجعلها في موقف الدفاع، واكتفى بتحريض كل من المماليك والأوزبك ضد الصفويين، واتخاذ إجراءات احترازية للحد من اتصال الصفويين بالقبائل التركمانية.

ولا يمكن رصد خصائص العلاقات الصفوية العثمانية، إلا على ضوء العلاقة المتعارضة لكل من الطرفين مع المماليك والأوزبك وحكام الهند من المغول من جانب، ومع الغرب المسحي من جانب آخر. فالرسائل المتبادلة بين هذه الأطراف توضح ازدواجية الموقفين العثماني والصفوي، ففي الوقت الذي حاول السلطان بايزيد الثاني مهادنة واسترضاء الصفويين، كان يحاول من خلال الرسائل المتبادلة مع كل من المماليك والأوزبك تحريضهما على تنظيم حملات ضد الصفويين. نفس السياسة اِتبعها الصفويون، فعندما كان الشاه إسماعيل يتبادل رسائل المودة مع العثمانيين، كان يسعى لتشكيل تحالف مضاد للعثمانيين مع كل من البنادقة والبرتغاليين. وقد كانت سياسة بايزيد المرنة تجاه الصفويين فرصة استغلها الأمير سليم لإجبار أبيه على التنازل عن العرش، بعد أن ساندته الإنكشارية. وقد شكل عهده البداية الحقيقية لنمو الصراع سياسيا واقتصاديا وعسكريا ومذهبيا.

وشكلت فترة حكم السلطان سليم الأول، منعطفا مهما في تاريخ العلاقات الصفوية العثمانية حيث ستتجه العلاقات بين الجانبين نحو صراع تنوعت مظاهره، من حرب اقتصادية ودعائية وسياسية وسجال كلامي إلى صدام عسكري. وارتبط كل مظهر باستراتيجية السلطان تجاه الصفويين. وإذا كانت أغلب المصادر التي تناولت الموضوع، قد ركزت على الجانبين المذهبي والعسكري، فإننا حاولنا من خلال هذا العمل أن نسلط الضوء على الحرب الاقتصادية بين الجانبين، والتي تمثلت مظاهرها في الحصار الاقتصادي الذي فرضه السلطان سليم الأول على الصفويين، والذي استهدف من خلاله شل الاقتصاد الصفوي وعزل الشاه عن قاعدته في الأناضول والشرق، تمهيدا لمواجهته عسكريا. أما الحرب الكلامية، فحاولنا رصدها من خلال مجموعة من الرسائل المتبادلة بين الطرفين. وخلصنا من خلال تفحصها، إلى أن العثمانيين توخوا من خلالها البحث عن مبررات للحرب، واستفزاز عدوهم الصفوي لاستدراجه بأقصى سرعة ممكنة نحو ساحة المعركة قبل حلول فصل الشتاء. وفي سياق البحث عن دور الجانب المذهبي في الصراع الصفوي العثماني، لاحظنا نسبية الجانب المذهبي في الصراع بين الدولتين، وأن الاختلاف المذهبي تم توظيفه من طرف الصفويين والعثمانيين كذريعة لتبرير الحرب والحشد لها. ومما يؤكد ذلك قتل الشاه إسماعيل للحكام الشيعة المنافسين له، وتحالفه مع الإمبراطور المغولي بابر الذي كان سنيا، وعدم تعقب السلطان سليم الأول لكل الشيعة، بل فقط الخاضعين للدعاية الصفوية. وترتبت عن الأخطاء التي ارتكبها الشاه إسماعيل في معاملته للسنة، والفتاوى التي أصدرها ضدهم، ردود فعل مماثلة من طرف السلطان سليم الأول، الذي نظم دعاية مضادة للصفويين استندت على الإشاعة والمؤسسة الدينية، التي أصدرت فتاوى تكفر القزلباش وتجيز قتلهم. وكانت هذه الدعاية ناجحة قبل معركة جالدران، إلا أنه بعد احتكاك الجيش العثماني بالصفويين، تبين لهم عدم صحة الدعاية العثمانية تجاه الصفويين التي وصفتهم بالكفر، فالإنكشارية أكدوا بعد معركة جالدران عدم شرعية الحرب واعتبروا فتاوى رجال الدين خدعة. وكان من الطبيعي أن تتطور هذه الحرب الكلامية والاقتصادية والدعائية إلى مواجهة عسكرية. وهناك عوامل عديدة لعبت أدوراها في خلق وبلورة هذا الاصطدام، منها الطابع السلوكي لكل من السلطان سليم الأول والشاه إسماعيل، وتدخل هذا الأخير في النزعات الأسرية وتهديده لاستقرار الأناضول، والتحالفات المضادة للعثمانيين، بالإضافة إلى سيطرة الشاه إسماعيل على مناطق استراتيجية كانت محط أطماع العثمانيين، كما أنه لا يمكن أن نغفل دور قبائل الحدود المتأرجحة الولاء في إثارة هذا الصراع.

 واستنتجنا خلافا لما تداولته العديد من الدراسات التركية والأجنبية، أن انتصار العثمانيين في جالدران لم يكن حاسما، ولم تكن توسعاتهم المجالية شاملة ودائمة، فالسلطان سليم الأول لم يستثمر انتصاره للقضاء على الخطر الصفوي، بل اقتصر على جعله في موقع دفاعي وسبَّبَ تراجعا في نشاطاته داخل الأناضول. وإذا كانت بعض الدراسات تربط انسحاب العثمانيين من تبريز وعدم استثمارهم لانتصارهم بقساوة الظروف الطبيعية وقلة المؤن، فإننا خلصنا إلى أن هذا التراجع ارتبط بتأثر بعض جنود الإنكشارية بالدعاية الصفوية، وتمردهم على السلطان سليم الأول ورفضهم مواجهة الصفويين. ويرى المؤرخون الأتراك، أن سيطرة العثمانيين على المناطق الحدودية كانت شاملة ودائمة، في حين توصلنا من خلال بحثنا إلى عكس ذلك، حيث أن بعض المناطق الحدودية فضلت الحفاظ على ولاءها للصفويين، وقبائل أخرى تمسكت باستقلالها ولم تعلن ولاءها لأي طرف من الأطراف المتصارعة، في حين تأرجحت قبائل أخرى في ولاءها بين الصفويين والعثمانيين، وهذا التأرجح شكل إحدى أسباب اِستمرار الصراع. ومثلت معركة جالدران انتصارا للاستراتيجية الصفوية، التي تمكنت بواسطة سياسة الأراضي المحروقة واستمالة بعض عناصر الإنكشارية عن طريق الدعاية الصفوية، من خلق تمرد داخل الجيش أعاق مواصلة الحرب، وأجبر السلطان سليم الأول على الانسحاب دون تحقيق أهداف الحملة، مما أتاح المجال لاِستمرار الخطر الصفوي.

وما نؤكده كذلك، أن معركة جالدران شكلت بداية لتشكل معارضة ضد سياسة السلطان سليم الأول تجاه الصفويين، من طرف المؤسستين العسكرية والدينية وبعض الزعماء. فقد أصبح الجيش يرفض الدخول مجددا في أية مواجهة مع الشاه إسماعيل، كما أن العلماء عارضوا بشدة معاملة السلطان سليم للسفراء وللأسرى الصفويين. وتميل العديد من المصادر والمراجع، إلى تأكيد عزلة الشاه بعد معركة جالدران وضعفه، إلى درجة أنه أصبح غير قادر على الاهتمام بشؤون دولته وتهديد الدولة العثمانية. غير أننا رجحنا أن هذه العزلة كانت مؤقتة، ففي هذه الفترة التي تصفها الكتابات التاريخية بفترة الجمود، استمر الشاه قويا وتمكن من الحفاظ على اِستمرار دولته، ويستشف ذلك من خلال نجاحه في القضاء على التمردات الداخلية، وتحديث جيشه والقيام بحملات ارتدادية ضد العثمانيين مكنته من استرجاع العديد من القلاع الحدودية، وفي الصدد نفسه تمكن الشاه إسماعيل من هزم العثمانيين في جورجيا، ومن ضمان منفذ على البحر الأسود أتاح له الفرصة للتحكم في الطرق التجارية المارة عبر جورجيا، وتصدير منتجاته عبرها والاتصال المباشر بالأوروبيين. وحفاظا على اِستمرارية الدولة، بذل الشاه إسماعيل جهودا حثيثة لتحقيق التقارب مع العثمانيين بعد معركة جالدران، تقارب لم يكن الهدف منه إبرام الصلح، بل كان الهدف منها تفادي حملة عسكرية يمكن أن تهدد وجود الدولة الصفوية.

وشكلت سيطرة العثمانيين على الأماكن المقدسة وتقلدهم مهام الخلافة على المسلمين عاملا أساسيا ساهم في تعقيد الصراع واِستمراريته، إذ أصبح لزاما على الصفويين الاعتراف بالخلافة العثمانية لتجنب الصراع مع العثمانيين، وشكل رفض الصفويين لفكرة الخلافة، إحدى عوامل استمرارية الصراع وتعقده، إذ سيواجه الشاه إسماعيل مشروع العثمانيين لخلافة المسلمين بتقوية التشيع والغلو فيه.

في الوقت الذي سعت إسبانيا والبرتغال إلى تجاوز أزماتها الاقتصادية والنقدية والديمغرافية عبر حركات الكشوفات الجغرافية، دخل الصفويون والعثمانيون في صراع، كانت له نتائج سلبية على الدولتين. ولقي الصراع الصفوي العثماني دعما وتأجيجا من طرف الدول الأوروبية، التي استغلته لصالحها، واعتبرته إحدى آليات إضعاف الدولتين، حيث سعت من خلاله إلى كبح الانتشار المتواصل للدولة العثمانية على أراضيها وفي الخليج العربي، وترتب عن هذا الصراع استنزاف قوة الصفويين والعثمانيين سواء من الناحية البشرية أو المادية، وتشتيت مجهود الدولة العثمانية بين الجبهتين الشرقية والغربية، وإضعاف قدرتها على الصمود وسط أوروبا.

- عبد الصمد لشهاب

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.