الإثنين , 20 يناير, 2020
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » نحو نظرية جديدة للمسؤولية التاريخية

نحو نظرية جديدة للمسؤولية التاريخية

Michael Rothberg, The Implicated Subject: Beyond Victims and Perpetrators. Stanford University Press, 2019. 288 p.

1- لماذا الحاجة إلى مفهوم الذات المتورطة؟

ثمة إرث تاريخي يترتب عن كل عنف استثنائي (كالحروب الأهلية والاستعمار وحملات التطهير العرقي والقمع السياسي الشامل والممنهج لأنظمة ما بعد الاستعمار)، وهذا الإرث بدوره يطرح أسئلة ملحة حول قضايا الذاكرة والعدالة والمسؤولية. وقد دأبت النقاشات النظرية حول هذه القضايا سواء في الدراسات السوسيولوجية أو القانونية أو في العلوم السياسية أو دراسات الذاكرة على التسليم بوجود طرفين أساسيين مباشرين في فصول العنف هذه هما الضحية (victim) والجاني أو مرتكب الجريمة (perpetrator). ويضيف الباحثون في علم النفس الاجتماعي شريحة أو صنفا ثالثاً سموه بالمتفرج السلبي (bystander)، وهو مصطلح اكتسى أهمية متعاظمة خاصة في سياق الدراسات التي ازدهرت في العقود الخمسة أو الستة الأخيرة حول المحرقة اليهودية أو الهولوكوست.

لكن هل هذا التصنيف كاف للإحاطة بالمسؤوليات والأدوار المختلفة في فصول العنف والاضطهاد؟ هل التركيز على هذه الأدوار الثلاثة (الضحية والجاني والمتفرج) يسمح لنا بفهم فيه من العمق ما يكفي لاستيعاب طبيعة المسؤوليات التاريخية والأخلاقية، خاصة منها غير المباشرة، لكل طرف على حدة؟ في أية خانة مثلاً يمكننا أن نضع من هم بعيدون زمانياً ومكانياً عن الحدث/العنف لكن تربطهم علاقة قرابة بالضحايا أو بالجناة التاريخيين؟ وكيف يمكننا أن نصنف أولئك الذين لا تربطهم أية علاقة قرابة بهؤلاء لكنهم يستفيدون اليوم من مخلفات البنيات السوسيو-اقتصادية التي أنتجها ذلك العنف؟ ما مسؤولية مواطني بعض الدول الأوروبية اليوم مثلا فيما ارتكبته القوى الاستعمارية في إفريقيا؟ وما مسؤولية مواطن يهودي يعيش في فرنسا أو الولايات المتحدة مثلاً في الجرائم التي ترتكبها إسرائيل ضد الفلسطينيين؟ ما دورنا كمستهلكين عاديين لمنتوجات يومية لشركات كبرى في الاستغلال البشع للأطفال ولليد العاملة الرخيصة في دول فقيرة كالبنغلاديش؟ ما هي الدرجات المتفاوتة للمسؤولية الأخلاقية والسياسية عن جرائم ارتكبت في الماضي أو ترتكب في الحاضر؟ وكيف يمكن تصور نظرية جديدة لهذه المسؤولية التاريخية غير المباشرة؟

هذه هي بعض الأسئلة التي يحاول مايكل روثبرج (Michael Rothberg) أن يجيب عنها في آخر كتاب صدر له في غشت من سنة 2019 تحت عنوان “الذات المتورطة، نحو تجاوز مفهومي الضحية والجاني”، وهو كتاب يتكون من سبعة فصول. يعترف روثبرج، وهو أستاذ للأدب المقارن بجامعة كاليفورنيا-لوس أنجلس، ومتخصص في التاريخ الثقافي للهولوكوست وقضايا الذاكرة، بأن الكتاب هو ثمرة التفكير في أسئلة حارقة كانت تستفزه منذ عقود، وهي أسئلة تتعلق بموقعه كمواطن أمريكي أبيض ذي أصول يهودية أشكنازية هاجر أجداده إلى الولايات المتحدة في بداية القرن العشرين. من بين هذه التساؤلات مثلاً: ما موقعه وما مسؤوليته كمواطن أبيض في الجرائم التي تأسست عليها الولايات المتحدة (إبادة الهنود واستعباد السود)؟ وما موقعه وما مسؤوليته كيهودي في جرائم إسرائيل ضد الفلسطينيين، وهي الدولة التي تتحدث باسمه وباسم كل يهود العالم؟ صحيح أن الكاتب بعيد زمانياً عن اللحظة الأولى (العبودية وإبادة الهنود) وبعيد مكانياً عن اللحظة الثانية (فهو ليس مواطناً إسرائيلياً)، لكن سيكون من الخطأ حسب روثبرج اعتبار ذلك بمثابة صك براءة. فكونه أبيضاً يخول له امتيازات قد لا تكون متاحة لمواطنيه السود مثلاً، وكونه يهودياً يخول له الحصول على الجنسية الإسرائيلية وامتيازاتها إن هو أراد ذلك، وهو امتياز  يمنحه قانون العودة في إسرائيل لكل يهودي. يتأكد هذا التورط المزدوج، حسب روثبرج، إذا أضفنا الضرائب التي يدفعها كمواطن أمريكي والتي يذهب جزء منها لدعم الجيش الإسرائيلي وسياسة الاحتلال في فلسطين. ما يعنيه كل ذلك حسب روثبرج هو أن التورط مسألة مركبة وشائكة، إذ أنه يشكل نقطة تقاطع صيرورات تاريخية مختلفة، منها إرث الاحتلال والاستعمار والإبادة العرقية والعبودية والعنصرية ومعاداة السامية.

إن مقاربة هذه الأسئلة المحرجة والمركبة من زاوية ثنائية الضحية والجاني هي مقاربة محدودة ولا تسمح لنا بفهم معمق ودقيق لمستويات المسؤولية التاريخية وتعقيداتها. يرى روثبرج بأننا نعاني من نقص على مستوى المفاهيم والمصطلحات في فهمنا لقضايا المسؤولية والعنف واللامساواة والامتياز والسلطة، وبشكل خاص لتوصيف ما تسميه حنا أرندت (Hannah Arendt) “بتلك المسؤولية غير المباشرة عن أشياء لم نقم بها نحن” (ص. 1)، أي أشكال الفعل أو اللافعل الجماعية والبنيوية غير المباشرة والتي من شأنها أن تكرس الاستغلال والهيمنة، لكنها تبقى بعيدة عن الأضواء. يشرح روثبرج في الفصل الأول والذي هو فصل نظري بأنه اهتدى من خلال أعمال كل من أرندت وكارل ياسبرز (Karl Jaspers) إلى ضرورة التمييز بين نوعين من المسؤولية وعدم الخلط بينهما: مسؤولية مباشرة وغير مباشرة، أي بين ما يسميه ياسبرز بالإثم الجرمي أو المسؤولية الجرمية (criminal guilt) من جهة، وما تسميه أرندت بالمسؤولية الجماعية (collective responsibility). لكن مفهوم المسؤولية الجماعية عام وفضفاض، ولا يأخذ بعين الاعتبار تفاوت علاقاتنا بالماضي والحاضر، وكذا تفاوت مواقعنا الاجتماعية ضمن البنيات السائدة.

لذلك يرى روثبرج بأننا بحاجة إلى نظرية جديدة للمسؤولية التاريخية غير المباشرة في فصول عنف يرتكب في حق الآخرين سواء في الماضي أو الحاضر دون أن نكون مشاركين فعليين فيها. وهي نظرية تتجاوز القوالب القانونية الجنائية المتمثلة في الثنائية التقليدية ضحية/جاني. هنا تكمن أهمية مفهوم الذات المتورطة الذي ابتكره روثبرج. فالذوات المتورطة توجد في مواقع متحالفة مع السلطة والامتيازات التي تجلبها، لكنها ليست فاعلاً مباشراً في إلحاق الحيف والتمييز ضد الآخرين. إنها ذوات تتموقع داخل أنظمة هيمنة وتساهم فيها أو قد ترثها أو تستفيد منها، لكنها لم تساهم في تأسيسها أو في تدبيرها. ليست الذات المتورطة ضحية ولا جانياً، بل هي جزء من البنيات الاجتماعية والسياسية التي تنتج ضحايا وجناة وإن بشكل غير مباشر أو متأخر في الزمن أو متباعد في المكان. إن الذات المتورطة تساهم في تكريس إرث العنف التاريخي من خلال تكريس بنيات اللامساواة التي تحكم الحاضر.

يرى روثبرج بأن التركيز فقط على مفهومي الضحية والجاني يقزم المسألة فيظهرها على أنها علاقة بين بريء ومذنب، فهي بالتالي محاولة لإنكار مسؤوليتنا عن الظلم والحيف ودورنا فيه الذي قد يلحق بالآخرين حتى وإن كان ذلك بشكل غير مباشر أو واع. إن المسألة هي أعقد من ذلك، إذ إننا ننتمي لسياقات اجتماعية قد لا نكون واعين بدورها في البنيات التي تنتج الظلم لأنها قد تكون متباعدة زمانياً أو مكانياً عن السياقات التي يقع فيها هذا الظلم. تتعدد سياقات الحيف واللامساواة وقد تكون متناقضة أو متضاربة. لذلك يقول روثبرج بأنه يجب اعتبار مفاهيم الضحية والجاني والذات المتورطة مفاهيم مجردة مفيدة في التحليل وليست توصيفاً لجوهر الإنسان وكينونته، أي إن الذات المتورطة ليست هوية أنطولوجية قارة بل حالة أو موقعاً معيناً نحتله كأفراد أو جماعات ضمن بنيات السلطة وصيرورتها التي هي ديناميكية ومتحركة وأحياناً متضاربة. وهو ما يعني مثلاً أننا قد نكون أحفاداً لضحايا ضمن سياقات وبنيات تاريخية سابقة ونكون في نفس الوقت جناة ضمن بنيات أخرى مختلفة في الحاضر. يسمي روثبرج هذا “التعايش” لمختلف أنماط العلاقة مع حيف الماضي والحاضر بالتورط المركب (complex implication). لكن أشكال التورط صعبة على التصور والاستيعاب ليس فقط لأنها معقدة ومتحولة، لكن لأنها أيضاً عادة ما تتوارى وراء أشكال من الإنكار الاجتماعي والنفسي. فالذات المتورطة ليست بالضرورة واعية بتورطها.

في هذا السياق، يميز روثبرج بين التورط التعاقبي (التاريخي) والتورط التزامني (الآني). فرغم أن الأول يحيل على التورط ضمن بنيات السلطة والعنف في فصول حيف حدثت في الماضي، بينما يحيل الثاني على مسؤوليتنا في فصول حيف في الزمن الراهن، إلا أن هذين البعدين لا ينفصلان بل يتفاعلان فيما بينهما ويرتبطان ببعضهما البعض بشكل وثيق. فمثلاً، قد لا تعنينا جرائم الماضي في شيء إلا من زاوية تاريخية ومعرفية وبيداغوجية لأنه تاريخ قد مضى ولم نكن مشاركين فيه بأي حال من الأحوال. لكن أليس الحاضر الذي نعيشه اليوم سوى نتاج لأحداث وديناميات تاريخية هي التي أنتجت لنا هذا الواقع الذي نعيشه اليوم؟ حسب روثبرج، ليست هناك استمرارية كاملة بين الماضي والحاضر كما أنه ليست هناك قطيعة بين هذين البعدين الزمنيين. إن مفهوم التورط يعني اختراق الماضي بسياقاته المتفاوتة وغير القابلة للإلغاء لحاضر جديد لا يستطيع الانفكاك كلياً عن تأثير هذه السياقات الماضية.

2- صور التورط وأنماطه:

يؤكد روثبرج بأن مفهوم الذات المتورطة لا يعني نفياً لمفهومي الضحية والجاني، أو إنكاراً لأهميتهما أو محاولة لتجاوزهما، لأنهما يبقيان ضروريين في تحديد المسؤوليات الجنائية المترتبة عن جرائم العنف والانتهاكات الجسيمة، لكنهما غير كافيين للإحاطة بكل أشكال المسؤولية في هذه الجرائم خاصة منها غير المباشرة. يمكِّننا مفهوم الذات المتورطة، حسب روثبرج، من التفكير في قضية المسؤوليات السياسية والاجتماعية داخل ما يسميه الكاتب الإيطالي الناجي من معسكرات الاعتقال النازية بريمو ليفي (Primo Levi) بالمنطقة الرمادية (gray zone). يكتب ليفي: “لم تكن شبكة العلاقات الإنسانية داخل معسكرات الاعتقال بسيطة، إذ لم يكن ممكناً اختزالها في صنفين فقط، ضحايا وجناة” (ص. 38). وهذه طبعاً إشارة للأدوار التي قام بها بعض المعتقلين داخل معسكرات الاعتقال النازية (المتعاونون collaborators)، من خلال مشاركتهم في ملاحقة ضحايا آخرين وإذلالهم، مصبحين بذلك في نفس الوقت ضحايا وجلادين. تتواجد في هذه المنطقة الرمادية أنماط وصور متفاوتة من التورط يناقش روثبرج عدداً منها في الكتاب.

هنا يؤسس روثبرج تصوره للذات المتورطة على حوار غني وإشكالي في مختلف فصول الكتاب مع عدد من المفاهيم والمفردات في القاموس النظري الذي وظف في معالجة قضية المسؤولية السياسية. يقارن روثبرج مثلاً التورط (implication) بمفهوم التواطئ (complicity). ففي التواطئ حمولة قانونية وجنائية واضحة، وهو مفهوم قد تناوله عدد من الباحثين بالتحليل والتنظير. يناقش روثبرج في هذا السياق أعمال كل من مارك ساندرز (Mark Sanders) وناعومي ماندل (Naomi Mandel). لكن خلافاً لمفهوم التواطئ، يرى روثبرج بأننا ما زلنا بحاجة لملء فراغ نظري فيما يتعلق بمفهوم التورط، ويخلص إلى أنه أنسب لتوصيف أشكال المسؤولية غير المباشرة: “إن التواطؤ يفترض التورط بالضرورة، بينما لا يعني التورط دائماً التواطؤ المباشر” (ص. 13). فمثلاً، قد نكون مستفيدين من نظام سياسي واجتماعي معين ورثناه عن صيرورة تاريخية سابقة لم نكن قد ولدنا فيها بعد. وهذا ما يجعلنا متورطين في تكريس هذا النظام، لكننا لم نتواطأ أو نشارك مباشرة في خلقه أو تدبيره. لكننا نبقى متورطين في تكريسه في الحاضر: “إننا متورطون في الماضي، لكن لا يمكن أن نكون متواطئين في جرائم حدثت قبل أن نولد” (ص. 14). يرتبط مفهوم التواطؤ بتصور قانوني جنائي للمسؤولية تكون فيه السببية مباشرة وخطية (linear)، فهو إذن مفهوم محدود ولا يمكن أن يرقى لتحليل القضايا البنيوية التي تكون فيها المسؤولية غير مباشرة، وتكون فيه السببية مركبة ومعقدة وغير ذات منحى خطي مباشر. لذلك فإن مفهوم الذات المتورطة يملأ فراغاً نظرياً، حسب روثبرج، بحيث يخول لنا إمكانية توصيف من يستفيد -أو من يكرس بشكل غير مباشر- من نظام اجتماعي أو اقتصادي أو سياسي معين، لكنه لم يكن حاضراً أو مشاركاً في الجريمة أو الحدث أو الديناميات التاريخية التي أنتجت النظام الذي يستفيد منه في الحاضر. إن المقاربات النظرية السائدة اليوم لا تأخذ بعين الاعتبار بأن الانتماء البنيوي لفئة الضحايا أو فئة الجناة له بعد تعاقبي تاريخي لا ينتهي بانتهاء الحدث التاريخي. ولذلك فإن نظرية الذات المتورطة تقوض التبرير الذي يتردد عادة في النقاشات حول قضايا الدين التاريخي والتعويض وجبر الضرر والذي مفاده أن من يُطالَب بالتعويض (بفتح اللام) لم يكن قد وُلد بعد زمن الحدث، ولم يكن له أي دور في إلحاق الأذى والاضطهاد في حق الضحايا، ولذلك فهو ليس مطالباً أخلاقياً بتحمل مسؤولية شيء لم يقترفه(1).

ثمة أنماط أخرى للتورط يناقشها روثبرج في فصول الكتاب، من بينها المستفيد (the beneficiary) والمقترف للجريمة (the perpetuator) والسليل (the descendant) أو ما يسميه روثبرج “بجيل ما بعد الذاكرة” (the postmemory generation)، وهو مفهوم اقتبسه من أعمال ماريان هيرش (Marianne Hirsch)، أي تلك الأجيال من أحفاد الضحايا الذين لم يعايشوا الصدمة (trauma)، لكنهم باتوا يربطون نوعاً من العلاقة معها مبنياً على نوع خاص من التذكر من خلال الروايات والصور والسلوكات داخل العائلة وفي الفضاءات العامة للجماعة البشرية التي ورثت الصدمة.

يمثل مفهوم المستفيد بشكل خاص نموذجاً معبراً وإشكالياً في نفس الوقت لتداخل البعدين التعاقبي والتزامني. يناقش الكاتب في هذا السياق أطروحة روبرت مايستر (Robert Meister)، أستاذ الفكر السياسي بجامعة كالفورنيا-سانتا كروز، ويتبنى نقده لخطاب حقوق الإنسان ما بعد الحرب العالمية الثانية ومنظومة العدالة الانتقالية. يرى مايستر بأن النقاشات حول العنف السياسي اليوم لا تعير الاهتمام الكافي لموقع “المستفيد”. حيث أصبح خطاب حقوق الإنسان يركز خاصة على ضحايا وجلادي نظام بائد (أو يفترض أنه كذلك). لكنه لا يناقش علاقة الضحايا بالمستفيدين البنيويين (structural beneficiaries) “الذين حصلوا على امتيازات مادية واجتماعية من النظام القديم، والذين لم تكن رفاهيتهم لتستمر في حالة ما لو تأسس نظام جديد انتصر فيه الضحايا ولم يصالحوا” (ص. 15). إن نفي العلاقة بين الضحية والمستفيد، حسب مايستر، “لم تكن محض صدفة، بل هي دليل على الطابع السياسي للخطاب المعاصر حول حقوق الإنسان”. فهو خطاب يعطي الأولوية للمصالحة على العدالة ويحث الضحايا على التخلي عن مطلب إعادة توزيع الثروة مقابل الحصول على “نصر أخلاقي”. بل حتى في الحالات التي يعاقب فيها الجناة، يطمئن المستفيدون بأن امتيازاتهم التي ورثوها أو حصلوا عليها في النظام القديم لن تكون موضوع نقاش أو مساءلة.  يخلص مايستر إلى أن الخطاب المعاصر حول حقوق الإنسان وبرامج العدالة الانتقالية تضمن للمستفيدين من جرائم الماضي الاستمرار في التمتع بالامتيازات والثروات التي حصلوا عليها بشكل غير عادل. في حين أن التركيز على مفهوم المستفيد يسلط الضوء على الرابط بين أشكال التورط في الماضي والحاضر، ويفتح النقاش على مصراعيه حول قضايا العدالة الاجتماعية.

لكن إذا كان روثبرج يتفق مع هذه الرؤية النقدية، إلا أنه مع ذلك يرى أن مايستر يخلط بين مفهومين مختلفين وهما المستفيد والجاني، بحيث يكاد يجعلهما مرادفين لبعضهما البعض. وهو ما يختلف معه روثبرج الذي يؤكد بأنه من الضروري الفصل بين المفهومين إذا أردنا صياغة رؤى واضحة ومشاريع سياسية بديلة. هنا يوظف روثبرج وجهة نظر كل من الأكاديمي الأمريكي بروس روبنز (Bruce Robbins)، الذي يميز بين المفهومين في عمله حول المستفيدين من العولمة الاقتصادية المجحفة، والأكاديمي الأوغندي محمود مامداني (Mahmood Mamdani) الذي يؤكد على ضرورة التمييز بين الجاني والمستفيد في دراسته المقارنة بين جنوب افريقيا ما بعد نظام الفصل العنصري (الأبارتايد) ورواندا ما بعد الإبادة العرقية. ويتساءل مامداني: “ماذا تعنيه العدالة الاجتماعية في السياق الجنوب-افريقي حيث الجناة قلة والمستفيدون كثر، بخلاف رواندا حيث المستفيدون قلة والجناة كثر؟ أيهما أصعب، التعايش مع جناة الماضي أم مع مستفيدي الحاضر؟ وإذا كان هناك ماض وجب على الجناة والضحايا تجاوزه، أليس هناك حاضر يجب على المستفيدين والضحايا التعامل معه؟”

يرى روثبرج بأن هذه الأسئلة ضرورية وتفتح آفاقاً لمعالجة قضايا العنف التاريخي واستمرار بنيات الحيف واللامساواة الراهنة. وهي آفاق غير متاحة عندما نخلط بين مفهومي المستفيد والجاني. على أن روثبرج ينبه إلى أن مفهوم المستفيد نفسه قد ينطوي على شيء من التعميم. صحيح أنه يسمح بربط الماضي بالحاضر وصحيح أن كل عنف استثنائي ينتج مستفيدين، لكن لا يمكن مثلاً اعتبار المواطن الألماني العادي اليوم مستفيداً من الهولوكوست، كما لا يمكن اعتبار المواطن اليهودي في دولة ما في العالم مستفيداً بالضرورة من المشروع القومي لإسرائيل. من هنا تأتي أهمية مفهوم الذات المتورطة الذي قد يتسم في الظاهر بالعمومية، غير أنه يخول لنا التمييز بين أنماط ومراتب مختلفة وسياقات متباينة للتورط.

يرى روثبرج بأن أحد أبلغ نماذج التداخل العميق بين الماضي والحاضر في مفهوم الذات المتورطة هو ما يتعلق بالعنصرية والإرث التاريخي لنظام العبودية في الولايات المتحدة والتي يخصص لها الفصل الثاني من الكتاب. إن مقاربة قانونية جنائية للعنف العرقي في الولايات المتحدة اليوم غير صالحة لفهم الأبعاد الكاملة لأي حدث ما متعلق بالاحتقان على أساس عرقي، إذ لا بد من الأخذ بعين الاعتبار الإرث التاريخي الجماعي والبنيوي للعنصرية وتاريخ مؤسسة العبودية والتي رغم إلغائها وإلغاء العمل بالقوانين العنصرية، إلا أن ثقل الماضي العنصري يستمر بأشكال اجتماعية ونفسية وثقافية متعددة. يرى روثبرج بأن مفهوم الذات المتورطة هو محاولة لتصور إرث العنف التاريخي والديناميات السوسيو-سياسية التي أنتجت واقع التمييز والحيف في الزمن الراهن. ويوظف في هذا السياق مفهومين يعبران عن أنماط استمرار ثقل الماضي في التأثير على الحاضر. فمن جهة هناك ما يسميه روثبرج بالتورط النسبي، الجينيالوجي (genealogical implication) أي عندما يكون الفرد سليلاً أو حفيداً لمن عانى محنة العبودية أو لمن استفاد منها من الملاكين البيض. ومن جهة أخرى وحتى في حالة انتفاء قرابة الدم، يكون التورط بنيويا (structural implication).

لكن إلى جانب إرث نظام العبودية في الولايات المتحدة، يؤكد روثبرج على أن مفهوم الذات المتورطة صالح أيضا لفهم عدد من الصراعات الاجتماعية والسياسية المعقدة والمركبة، خاصة تلك التي تتداخل أو تتصادم فيها ذاكرات مختلفة. يدرس الكاتب هذه الإشكالية من خلال نموذج الصراع في فلسطين. ففي الفصل الرابع المعنون “من غزة إلى وارسو: الذاكرة المتعددة الاتجاهات ومفهوم الجاني”، يتناول الكاتب علاقة الشتات اليهودي عبر العالم بقضية “الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين”، والتي تختلف المواقف منها. فمن جهة، هناك من يتعاطف مع إسرائيل من منطلق “الشعور القومي عن بعد” (long-distance nationalism) كما سماه دارس الدولة القومية الحديثة بينيديكت أندرسن (Benedict Anderson). ومن جهة أخرى، هناك مثقفون ونشطاء وفنانون يهود يتبنون موقفاً نقدياً أو معادياً تجاه الدولة التي تتحدث باسمهم. ويوظف الفريقان إرث الهولوكوست لشرعنة هذا الموقف أو ذاك، إذ يوظف مساندو إسرائيل ذاكرة الهولوكوست للتعبير عن المظلومية والحق في وطن قومي ولتبرير الممارسات الإسرائيلية، بينما يوظف معارضو إسرائيل فظائع الهولوكوست للمقارنة بينها وتلك الفظائع التي تقترف في حق الفلسطينيين. يرى روثبرج بأن هذا التوظيف يدل على الارتباط الوثيق بين ذاكرة معسكرات الاعتقال (وارسو) وفصول أخرى من العنف العرقي والقومي، وهو ما يحيل على تقاطع الذاكرات وتشابكها، أو ما يسميه بالذاكرة المتعددة الاتجاهات (multi-directional memory)(2)، أو في موضع آخر، بعقد الذاكرة (noeuds de mémoire)(3). وغالباً ما يفرض هذا التقاطع بين ذاكرتين على الأقل (الهولوكوست والنكبة) نزوعاً لدى الفريقين نحو المقارنة والتنافس بين الذاكرات، بحيث يعمد المساندون لإسرائيل إلى اعتبار الهولوكوست حدثاً استثنائياً وشراً مطلقاً لا يمكن مقارنته بأية جريمة أخرى، وبأن أية مقارنة اليوم تدخل في سياق معاداة السامية، بينما يوظف المساندون للقضية الفلسطينية المقارنة بين الجرائم النازية وجرائم إسرائيل للفت الانتباه لمعاناة الفلسطينيين، مثلما حدث في حملات التضامن مع الفلسطينيين بعد العدوان على غزة سنة 2009. ومن بين تعبيرات هذه المقارنة مثلاً مقابلة صور من معسكرات الاعتقال النازية مع صور من غزة أثناء الهجوم الإسرائيلي.

يتنقد روثبرج هذه المقاربة المعتمدة على المقارنة والتنافس، لأننا عندما نساوي بين تجربتين للمعاناة فإننا نمحو الخصوصية التاريخية والعاطفية لضحايا كل تجربة على حدة. وبالمقابل فإنه عندما يرفع شعار الاستثناء لفائدة تجربة معاناة معينة، فإن ذلك يؤدي إلى السقوط في التمركز على الذات وتهميش معاناة شعوب أخرى. لذلك يرى روثبرج ضرورة تجاوز هذه الرؤية ويقترح نموذجاً للذاكرة المتضامنة بدل الذاكرة المتنافسة (solidarity vs competition). حسب هذه الرؤية، يصبح التفاعل والتقاطع بين الذاكرات فضاء توظف فيها ذاكرة الهولوكوست لرد الاعتبار لذاكرات أخرى طالها التهميش. وهو ما يعني حسب روثبرج تجاوزاً للربط التقليدي في دراسات الذاكرة بين الذاكرة والهوية الجماعية. يساهم التركيز على معاناة جماعة بشرية معينة في تقوية إحساسها بالهوية الجماعية لكن أيضاً في الميل نحو الانغلاق على الذات وتهميش أو احتقار معاناة شعوب أخرى. يعتبر الكاتب بأن المقاربة المتضامنة أساسية في سبيل وعي الذات المتورطة بتورطها وذلك في أفق صياغة مشاريع متجاوزة للهويات المنغلقة وبدائل سياسية جوهرها العدالة. وهو ما يعني أنه عندما تصطدم ذاكرة أو تتقاطع مع ذاكرات معاناة أخرى، يجب علينا أن نتساءل كيف يمكن أن تلتقي وتتضامن وتتثاقف بدل أن نتساءل تساؤلاً فيه كثير من الإغراء وهو: أية معاناة كانت الأقسى والأفظع؟ هنا يوظف روثبرج مفهوم “التقاطعية” (intersectionality) الذي استعاره من النظرية النسوانية السوداء ويشكل أحد أهم المفاهيم في الترسانة النظرية للكتاب(4).

وهكذا فبعد التأسيس النظري لمفهوم الذات المتورطة في المقدمة والفصل الأول، وتوسيع هذا النقاش من خلال نموذجين في الفصل الثاني (إرث العبودية) والرابع (الصراع في فلسطين)، يتناول روثبرج إمكانيات الالتزام الواعي للذات المتورطة التي تُسائل تورطها وذلك من خلال نماذج أعمال ثقافية وفنية خصص لها الفصل الثالث والخامس والسادس. يركز الفصل الثالث على أعمال الفنان الجنوب افريقي ويليام كينتريدج (William Kentridge) الذي يسائل تورطه كمواطن يهودي أبيض في نظام ما بعد الميز العنصري/ الأبارتايد من خلال رسوماته وأفلامه المتحركة التي تتقاطع فيها أسئلة حول العنصرية ونظام الميز العنصري والهولوكوست للتعبير عن رؤية نقدية لتجربة العدالة الانتقالية في جنوب افريقيا. أما الفصلان الخامس والسادس فيتمحوران حول نموذج معين من الذات المتورطة وهو المتضامن الدولي (the internationalist) الذي يسائل تورطه أو تورط بلده لينتقل إلى فعل متضامن مع الآخر الضحية، وقد يصل هذا التضامن حد تعريض حياة المتضامن لنفس الخطر الذي تتعرض له الضحية بشكل يومي. يتمحور الفصل الخامس حول حياة المخرجة مارسلين لوريدان إيفنس (Marceline Loridan-Ivens)، وهي إحدى الناجيات من المعسكرات النازية وقد أخرجت فيما بعد أعمالاً عن حرب التحرير الجزائرية وحرب الفيتنام. أما الفصل السادس الموسوم “ألمانيا في كردستان”، فيتمحور حول الفنانة الألمانية هيتو ستييريل (Hito Steyerl) التي خصصت عدداً من أعمالها لمسار صديقة طفولتها أندريا وولف (Andrea Wolf)، التي التحقت لتحارب في صفوف حزب العمال الكردستاني ثم قتلت في معارك ضد القوات التركية سنة 1998. وإذا كانت وولف قد اعتُبرت إرهابية في وسائل الإعلام، وشهيدة بالنسبة لرفاقها من اليسار الجذري والمحاربين الأكراد، فإن أعمال ستييريل تسائل هذه الثنائية وتطرح أسئلة ملحة حول التضامن الدولي. يطرح هذان النموذجان في الفصلين الخامس والسادس من الكتاب أسئلة جوهرية حول الذات المتورطة ومآزق الفعل الدولي المتضامن ومطباته في عصر العولمة. ويخلص روثبرج إلى أن بلورة تضامن متباعد المسافات تحد ضروري لمساءلة التورط لكنه مع ذلك لا يخلو من مآزق ومخاطر من بينها “سوء الفهم، ومصادرة القضايا والتصلب الإيديولوجي”. (ص. 203).

*           *         *

تعتبر نظرية الذات المتورطة التي يؤسس لها روثبرج في هذا الكتاب إسهاماً نظرياً مهماً في النقاشات حول المسؤولية غير المباشرة عن إرث العنف التاريخي. وهي بذلك محاولة لتجاوز نقص يرى روثبرج بأنه موجود على المستوى النظري لفهم المسؤولية التاريخية غير المباشرة والتي تلعب دوراً محورياً في تكريس بنيات التمييز والحيف في الحاضر. لا يدعي روثبرج أن نظرية الذات المتورطة تعوض المقاربة القانونية الجنائية التي تنظر إلى فصول العنف من زاوية مفهومي الضحية والجاني، فهو لا يدعو إلى إلغاء هذين المفهومين، لكنه يؤكد بأن جانباً من محدودية النقاشات الراهنة حول العدالة الانتقالية وجبر الضرر سببه اقتصارها على هذه الثنائية. ولذلك فإن مفهوم الذات المتورطة يقدم مساهمة نقدية ضرورية في النقاش حول قضايا المسؤولية والذاكرة وعلاقتها ببنيات الهيمنة.

وفي واقع معولم تتشابك فيه العلاقات بين شعوب العالم بشكل يزداد تعقيداً كل يوم، وهي علاقات يطبعها الحيف والعنف في أحيان كثيرة، فإنه من الصعب ألا يكون كل واحد منا ذاتاً متورطة في نوع ما من الظلم والحيف الذي يستهدف الآخرين سواء بشكل واع ومفكر فيه أو في الغالب بشكل غير واع أو غير مباشر. هنا تكمن أهمية مفهوم الذات المتورطة. يقر روثبرج بأن نظرية التورط لا تجيب عن كل المعضلات التي تطرحها قضايا المسؤولية التاريخية غير المباشرة، لكنها تفتح آفاقاً للنقاش تساعدنا على أن نتصور كيف تضعنا حالات الصراع والعنف وتضارب المصالح في مواقع مركبة أخلاقياً وسياسياً وعاطفياً، وبشكل يدعونا لمساءلة أدوارنا في بنيات الهيمنة. كما أنها ضرورية للعمل على ابتكار بدائل للالتزام السياسي القادر على استيعاب هذا الإرث المركب وتجاوز صعوباته وتناقضاته لنصرة قضايا العدالة.

الهوامش:

1. كمثال على ذلك، وفي سياق الاستعمار الإسباني في شمال المغرب وخاصة فيما يتعلق بالحرب الكيماوية التي استهدفت أقاليم الريف وجبالة، تعبر المؤرخة الإسبانية ماريا روسا ذي ماضارياغا (Maria Rosa de Madariaga) عما يشبه هذا الرأي حين تقول بأن “هذه الدعاوى لطلب الصفح اليوم عن شيء قام به آخرون في الماضي تبدو لي سخيفة”. انظر:

Ignacio Cembrero, “Debe España pedir perdón?” El Pais, 9 Febrero 2002. https://elpais.com/diario/2002/02/10/domingo/1013316760_850215.html

2. يعتبر روثبرج عمله حول الذات المتورطة استكمالاً للتساؤلات والإشكاليات التي تناولها في كتابه “الذاكرة المتعددة الاتجاهات: تذكر الهولوكوست في زمن إنهاء الاستعمار”، والذي يحمل تصوراً لإرث الهولوكوست كذاكرة يمكن أن تتفاعل مع ذاكرات أخرى للشعوب المناضلة للتحرر من الاستعمار وترد الاعتبار لها. ولذلك تحتل حركات التحرر في الجزائر وافريقيا حيزاً مهما من الكتاب. انظر

Michael Rothberg, Multidirectional Memory: Remembering the Holocaust in the Age of Decolonization. Stanford University Press, 2009.

3- يستعمل روثبرج مصطلح (nœuds de mémoire) بصيغته الفرنسية، وذلك في تلميح ونقد لمقولة بيير نورا (Pierre Nora)  الشهيرة(Lieux de mémoire)  

 Rothberg, “Introduction: Between Memory and Memory: From Lieux de Mémoire to Noeuds de Mémoire.” Yale French Studies, No. 118/119, Noeuds de Mémoire: Multidirectional Memory in Postwar French and Francophone Culture (2010), pp. 3-12.

4. التقاطعية في النظرية النسوية مفهوم استعمل لتحليل المستويات المختلفة والمتزامنة للميز ضد النساء الإفريقيات الأمريكيات، أي إنهن يتعرضن للميز على أساس عرقي مثل الرجال السود، وكذلك لميز جنسي وجنوسي مثل النساء من الجنس الأبيض. وهو ما يعني تعدد مستويات الحيف والميز حسب تعدد مكونات الهوية، لكن أيضاً تعدد إمكانيات التضامن والعمل النضالي المشترك. وهو مفهوم ابتكرته كيمبرلي كرينشو (Kimberlé Crenshaw)، الناشطة النسائية وأستاذة القانون بجامعة كاليفورنيا-لوس أنجلس، لنقد قصور النظرية النسوية عن تحليل الميز المزدوج الذي تتعرض له النساء من العرق الأسود.

- محمد الداودي

كلية الحقوق/ جامعة الحسن الثاني، الدار البيضاء

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.