الخميس , 4 يونيو, 2020
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » رسومات من إيقاع الذاكرة

رسومات من إيقاع الذاكرة

عبد الغني أبو العزم، هكذا حدثني المنفى، سيرة ذاتية شعرية، مؤسسة الغني للنشر، الرباط، 2018.

الشعر ليس فقط كلمات وأسلوباً وبنية فنية، وإنما هو أيضاً رؤية خاصة للحياة والكون والطبيعة وللعالم، والشاعر كائن أرضي يحمل رؤية جديدة ومختلفة للواقع الذي عاشه ويعيشه، فتأتي القصيدة مؤشراً تحمل في ثناياها جميع أشكال الانفعال والتوجه الشمولي الذي يحمله الفكر الذي ينتمي إليه الشاعر.

 يعدّ عبد الغني أبو العزم مناضلاً وفاعلاً في حركة اليسار المغربي التي عرفت نهوضاً إيديولوجياً وممارسة واعية خلال سبعينيات القرن العشرين، بالرغم من أنها لم تتمكن فيما بعد من تحقيق أهدافها المنشودة. وقد ساعده وجوده خارج المغرب على التعبير بقدر كاف من الحرّية على عكس رفاقه الذين عاشوا معاناتهم داخل الوطن، فتمكن من الكتابة والتعبير عن همومهم المشتركة من خلال إهداء بعض قصائد ديوانه “هكذا حدثني المنفى” إلى مجموعة من المناضلين، الذين ذاقوا ويلات السجن والتعذيب والنفي، ومنهم: عبد اللطيف زروال، ومولاي عبد السلام الجبلي، وسعيدة المنبهي، وعبد اللطيف اللعبي، ومحمد الحبيب طالب، ومحمد بن سعيد أيت إيدر، وسعيدة أبو العزم، ومحمد بن عبد الجليل فراح، وفاطمة شحلان، وأحمد التوفيق.

للنظر في هذا العمل لا بدّ من معالجة تربط الشكل بالمضمون وتعمل على إدراك المفارقات بين الحقائق الموضوعية والمتخيلة، ووضع اليد على مواطن الجمال والإبداع في النصوص من أجل الاقتراب من العمل واستيعابه وتذوقه، ومحاولة التماهي مع التجربة النفسية التي عاشها الشاعر أثناء الكتابة؛ حينذاك تتجاوز العملية مسألة استنباط المضامين وفهمها إلى الانغماس في تجربة إدراكية وحسّية وشعورية تؤثر في المتلقي وتخلق له حيرة أو دهشة أو تساؤلا، وتقوده إلى استكناه أدوات الربط بين الشكل والمضمون على أساس أن المعنى لا يقتصر على المضمون وحده، بل يوجد في الشكل والمضمون معاً، ويبدأ مع أول كلمة على صدر الديوان ثم ينمو ويتطوّر عبر العتبات الخارجية والداخلية  والنصوص حتى يكتمل تماماً مع آخر كلمة فيه.  

يحيلنا عنوان الديوان على التجربة بأكملها، دون إهمال المضمر الذي يحتم على المتلقي أن يسبح مع الشعر في نفس النهر؛ فالعنوان “هكذا حدثني المنفى” كعتبة خارجية تفتح شهية القارئ وتوجهه إلى مداخل النص، يوحي لنا بأننا في حضرة شعر المنفى الذي يتميز بعدة خصائص ترتبط بحياة الشاعر أثناء وجوده في بلد ليس بلده، وتتجسد من خلالها رغبته في العودة إلى الماضي والحنين إليه من خلال قاموس المصطلحات المستعملة، أو من خلال الاستناد إلى رموز معينة قابعة في الذاكرة. ويضعنا العنوان الفرعي “سيرة ذاتية شعرية” أمام كتابة شعرية تتحاور مع السيرة الذاتية أو الغيرية حسب تشكل النص، وهنا يمكن أن نتساءل عن الحدود بين الشعري والسردي وعن انبثاق جماليات الأنا السيرذاتية وتخييلاتها داخل فضاء الشعر.

للإحاطة بكيفية استلهام الشاعر سيرة أناه تخييليا لا بد من تناول النصوص ومحاولة استكناه خباياها، علماً أن الذاكرة تقع بين الشاعر ونصه، التي عرّفها المعجم الفرنسي لالاند “كحفظ للماضي الحيّ”، وأسند إليها “الوظيفة النفسية التي تنجزها كمعاودة إنتاج حالة الوعي الفردي”1، أو التداعي الذي يرتكز على تشكل التفاصيل التي نستطيع تصنيفها هنا إلى مستويين: مستوى ذاكرة الغربة ومستوى المرجع السياسي.

على مستوى ذاكرة الغربة، تتماهى الذاكرة مع هيمنة الماضي والصوت الجماعي بوصفها وعاء قد يضيق بمحتوياته فيسعى إلى إعادة تشكيل الأحداث وفق نموذج متخيل أو تم تأويله بشكل مغاير للأصل. تبرز في الديوان مقاطع كثيرة ترتكز على الغربة في مختلف تجلياتها كتيمة أساسية، وغرض شعري مستقل بذاته، حيث يحس الشاعر بالاغتراب عن الذات والوطن في وجوده بأكمله، فيخرجها من مكامنها في نفسه كلّ ما يذكّره بالوطن، إذ يقول على سبيل المثال:  

سأجري بلا انقطاع

أقتفي كل أثر بلا مبيت

أبحث عن وجهك يا وطني

فكل وجه أصبح أنت. (ص 12).

ويقول في مقطع آخر:

في كل موسم صيف أغترب

 أغترب ويغترب في المكان الذي لم أقطنه أبدا

 أغترب بين رياح الشمال والجنوب

أغترب بدون أمان في مكان

أغترب ويغترب في المكان والزمان. (ص93)

إن تأملنا لهذا المقطع يجعلنا نشعر بالاغتراب وعدم الإحساس بالأمان الذي عاشه الشاعر بعمق في كل مكان وزمان، فنحسّ بحجم الألم الذي تعكسه الكلمات، والذي يتمدّد تدريجياً في الذات. ومع ذلك فالشاعر ظل محافظاً على توازنه النفسي وعلى خصوصيات معينة لم يبح بها للقارئ، فهو لم يذكر في قصائده التفاصيل اليومية إلا لماماً، بل إن شعره عامّ وشمولي يحاول من خلاله استنطاق الحاضر انطلاقاً من الماضي وترسّباته في الذاكرة رغبة منه في الانبعاث واسترجاع القديم ليس بشكل مجاني، بل من أجل توظيفه في سبيل بناء الحاضر، وتوضيح رؤيته الخاصة للعالم وللأشياء بكل تناقضاتها وهواجسها وأحلامها.  لقد استطاع أن يبرز ذلك من خلال مجموعة من النصوص التي يبيّن فيها الكيفية التي حدثته بها أشياء كثيرة؛ إذ من فرط غربته وحسرته أنطق أشياء جامدة وكأنه يعيش في قطيعة تامة عن البشر، يترتّب عنها الضجر والرغبة في معانقة حلم العودة إلى أرض الوطن وإلى الذات المفعمة بالطفولة والهدوء والطمأنينة، علمّا أن أيّ فهم للحديث ينبني على تأويل لا يتحقق إلا ممتثلاً لمنظومة مسبقة من القيم والمبادئ والأفكار التي يحملها الشاعر وينقلها إلى متلق محتمل، يقول:

أنا في أرض الغربة حزين هذا المساء

هكذا كنت حزينا في كل مساء

هذه باريس تشربني بداية في كل مساء، تشرب دمي

وهذه مدريد تبتلعني في آخر كل مساء

تقيم لي حفلاً موسميا للثيران

وهذه أسلو تبحث عن ضوء المساء. (ص137- 138)

يكتب الشاعر سيرة حياته شعريًا وهو مشتّت بين عواصم عالمية، باريس، وبيروت ولشبونة وامستردام، يقطنها مكرهًا بلا قرار، ليس له سوى وعكة السفر، تشده ليالي المنفى كأنه في مقبرة، يدقّ كلّ الأبواب ويندثر في السكون، لكنه لا ينسى وجه الوطن إذ يبحث عنه بلا انقطاع في كل الأماكن والأشياء، ويحلم برياح نظيفة تحمله إليه بالرغم من رياح الاغتراب التي تعري أوصاله وتقذفه في التيه. يقول:

هذه الريح، ريح اغترابي

 تأخذني في التيه تقذفني، تعريني. (ص 94)

 سأعود يوماً

ممتطياً جواداً أصيلاً

 وخلفي شاهدة عصر. (ص95.)

هكذا تعدّ نزعة الحنين إلى الوطن إحدى العناصر التي ظلت لصيقة الصلة بشعر أبو العزم وأضفت على نفسه ومشاعره كآبة تتمدد بين الكلمات والمعاني وتنتقل تدريجيًا إلى المتلقي الذي يستشفّ أيضاً مخلّفات الغربة السياسية التي تسبّب ألمًا معنوياً يلاحق كلّ عربي.

لم يتوقف الشاعر عند كتابة سيرته الذاتية، بل تجاوزها إلى كتابة سيرة مجموعة من الرفاق والأصدقاء والمعارف، يتخلّلها دفق من العواطف والهواجس والطموحات والإشارات الظاهرة والخفية التي تضمّنتها الأبيات الشعرية، سيرة جيل يمثله شاعر يحمل نفس الهموم والانشغالات ويعبّر عنها محاولاً أن يظهر فلسفته الجمالية ورؤيته الثقافية التي تهيمن فيها السيرة الغيرية وسيرة الزمان والمكان التي اختزنها في ذاكرته الشعرية، وأعلنها شعراً يجمع بين السيرة والكثافة في الصور الشعرية، والاستعادة التذكارية لأسماء أماكن وأحداث وأشخاص كانت لهم بصمة في تاريخ مغرب السبعينيات.  وهنا تبدو جلية علاقة الشعر بالسياسة، حيث يشكّل الهمّ السياسي حلقة رئيسة في تحديد أبعاد القصيدة التي تنطلق من المنفى كفضاء موضوعي تنبعث من رماده الأحداث، ذلك أن العزلة من أهم العوامل التي تساعد على كتابة الشعر؛ وما المنفى إلا عزلة عميقة واقتلاع من الجذور وغربة عن الذات قبل أن تكون غربة عن الوطن.

 شعرية أبو العزم في هذا الإطار ليست عادية، ولكنها استثنائية في صورها ولغتها وفي متخيّلها ومصادرها المعرفية؛ فهو اللساني والروائي والشاعر والمناضل، الذي يسافر في حياته القريبة وفي ذاكرته البعيدة ليكتب أحلامه وأحزانه مستحضراً الأحداث والأشخاص عبر كلمات وصور لا يبحث من خلالها عن حقيقة ما وقع، بل عن بناء عالم جديد وحده الشاعر من يعرفه، ويعرف خباياه وأسراره. لقد كشف أبو العزم، وبعمقه المعهود، عن رؤيته لتجربة اليسار داخل المغرب وخارجه، من خلال الكتابة عنها وعن خلفياتها لديه وعن الآثار التي تركتها في فترة معينة من تاريخ البلاد، كما كشف عن منابع انبثاق هذه الكتابة وروافد تشكلها عبر مسار حياته وحياة مجايليه.  وبذلك نشهد أن منجزه الشعري يرتكز على وعي كبير يشكل بوصلة للكتابة ويقودها إلى تحقيق رهانات مقصودة. ونركّز هنا على النصّ الذي يحمل عنوان “هكذا حدثني المنفى يا وطني”، الذي أهداه إلى المجاهد محمد بن سعيد أيت إيدر، باعتباره عنواناً شاملاً لكلّ القصائد التي تكشف وتعرّي وتخبر عن قصة الوطن المليئة بالقهر والحزن والخوف والحسرة والقسوة والجوع.  وكلّما تآلفنا مع هذا البؤس كلّما تفاجأنا أننا نخوض غمار قراءة التاريخ السياسي لمرحلة بأكملها يقبع فيها الشاعر تحت وطأة الخيبة والانكسار، لكنه لا ينحني إذ يخاطب هذا الوطن ويتماهى معه، يعاتبه وينصهر فيه، يحدثه عن الحال والمآل وكيف تنمو وتكبر وتتمدّد الأحزان في كلّ الجهات والأركان.  يظهر ذلك من خلال إيحاءات رمزية عديدة تدعو إلى التأمّل والتفكير في هذه المقاطع القادرة على إثارة المتلقي بشكل قويّ. يقول الشاعر على سبيل المثال:

مساؤنا هكذا يستقر فيه القهر قهراً 

وتزهر فيه الأحزان، في الحقول والبيادر

وتمتدّ عروقه عبر المداشر والقرى والمدن. ( ص 113)

الجوع فيك يا وطني يتغذى من الجوع. (ص 114)

هكذا يشدني إليك الظلم والقهر والنفي يا وطني

 وأنت المنفي في غربة التاريخ

خلف قوافل تمشي في الصقيع. (ص 115)

لكن مع كل هذا السواد، فالشاعر يتشبث بالأمل في أن تزهر الحياة بالحياة، وألا تموت العصافير فوق الأشجار بالرغم من أن كلّ ما يملكه هو قدرته على طرح السؤال تلو السؤال بين دواليب الغربة والمنفى وما يسبّبانه من خراب، ومواجهة ذلك بالابتهال لوطن غارق في الأوحال.  وهنا يحيل الشاعر على الصمود والتحدّي في سياقات نصّية متعدّدة ترتبط بالخيال والتخيّل، وتحقق العبور بدل الاستقرار والسكون، وهو لا يعود لوقائع واضحة ليسترجعها ويعبّر عنها بأشكال مختلفة، بل يكتبها اعتماداً على علاقات المغايرة، إذ لا يمكن فهم نصوصه إلا ضمن شبكة من الأحداث التي حدّد الشاعر معالمها وكتبها كما تخيّلها لا كما عاشها هو، أو عاشها هؤلاء الذين كتب سيرهم. يقول:

سيرحل من حلّ في زمن الطغيان

لتعود الجياد الأصيلة

الجياد الأصيلة لا تموت واقفة، لا تتعب

لا تعرف التدجين. (ص34)

نخلص إلى أن ديوان “هكذا حدثني المنفى” تلفحك منه حرارة حزن غريبة تنبعث من الكلمات والمعاني المختزنة في الذاكرة نتيجة ظروف مرحلية سياسية واجتماعية ونفسية، كالقمع والعنف والاستبداد وسلب الحرية. ولكن الشاعر يتصدّى لها تارة بالهروب من الواقع والعودة إلى الماضي أو التوجّه إلى المستقبل عبر منافذ الحلم والقيم العليا، وتارة أخرى بالصمود والعزف على أوتار اللغة بالصور والاستعارات والرموز في محاولة منه لتهدئة عناصر اغترابه وتخفيف وطأتها والحدّ من آثارها السلبية، مستعملاً ألفاظاً ذات دلالات واضحة ولغة بسيطة، لكنها عميقة ودالة، تحقّق أفقاً جمالياً تتميّز به قصيدة النثر في المغرب.

——————————

الهوامش:

  1. أندريه لالاند، موسوعة لالاند الفلسفية، ترجمة خليل أحمد خليل، منشورات عويدات، ط. 2، بيروت- باريس، 2001، ج .2، ص 783.

- مليكة معطاوي

كلية الآداب والعلوم الإنسانية/الرباط

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.