الخميس , 4 يونيو, 2020
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » مكتبة “ليكولون” والحياة الثقافية في طنجة

مكتبة “ليكولون” والحياة الثقافية في طنجة

Dominic Rousseau, Rachel Muyal, La mémoire d’une tangéroise,La croisée des chemins,  Casablanca, 2019.

ارتبط اسم المثقفة المغربية اليهودية راشيل مويال(Rachel Muyal)   ارتباطاً وثيقاً بمكتبة “الأعمدة” (ليكولون) (Les colonnes ) الشهيرة في طنجة التي لعبت أدواراً كبيرة في الحياة الثقافية والاجتماعية تجاوزت حدود مدينة البوغاز على مدى حوالي 60 سنة. يعود تاريخ هذه المكتبة إلى سنة 1949 حين أنشأها وسط المدينة باحث بلجيكي في الأركيولوجيا وصديق للإسبان الجمهوريين الذين كانوا لاجئين في طنجة خلال فترة الاستعمار، والوضع الدولي الذي كانت تعرفه المدينة آنذاك. لم ينجح المشروع في البداية فصارت المكتبة مع مرور الوقت مهددة بالإفلاس، إلى أن جاءت راشيل مويال لتنقذها بعد أن تولت تسييرها من 1974 إلى غاية 2004. وهي فترة استطاعت أن تحقق خلالها نجاحاً مهماً أعطى للمكتبة إشعاعاً واسعاً حتى صنفت من بين أشهر المكتبات العالمية وحصلت على عدد من جوائز التقدير من أوروبا وأمريكا واليابان.

لم تكن راشيل كاتبة ولا أستاذة، ولكن اجتمعت فيها مقومات خاصة، وهي تكوين ثقافي متين في اللغات بحكم أصولها وتجربتها في التسيير مع تجار دوليين، إضافة إلى قدرات تواصلية سمحت لها بمواكبة انفتاح مدينة متعددة الثقافات والديانات. وبفضل هذه القدرات، ستصبح مكتبة “ليكولون” مركزاً للإشعاع الثقافي وللنقاش العمومي حيث استضافت واحتضنت العديد من الكتاب المغاربة المعروفين مثل الطاهر بنجلون، ومحمد شكري، وإدريس الشرايبي، وكتاب عالميين كانوا يعيشون في المدينة بشكل دائم، أو يزورونها، مثل بول بولز (Paul Bowles)، وجون جوني(Jean Genet) ، وخوان غويتسولو (Juan Goytisolo)، وجيل كيبل (Gilles Kepel) ، وغيرهم كثير، حيث ارتبطت شهرتهم بشهرة المكتبة إلى حد بعيد.

“ذاكرة طنجة” سيرة مكتوبة بتواطئ خاص بين مؤلف فرنسي يحب المدينة هو دومينيك روسو وراشيل مويال. وتحكي فيها راشيل للكاتب عن مسار حياتها عبر لقاءات وجلسات ثنائية جمعتهما لشهور في أماكن متعددة: في منزلها، أو في مقهى وسط المدينة، أو قرب الكورنيش. وهو تواطؤ مفعم بشاعرية وحنين إلى طنجة الأمس، رغم أن راشيل تؤكد على رفضها للحنين إلى ماضي مشاهير السينما والموسيقى والثقافة الذين عاشوا في المدينة أو زاروها، مثل الرسامين الفرنسيين دولاكروا(Delacroix) وماتيس(Matisse) ، أو كتاب ورسامي “جيل البيت” (Beat generation) الأمريكي من أمثال وليام بوروز (Wiliam Burroughs) و جاك كيرواك (Jack Kerouac) في خمسينيات القرن الماضي وغيرهم.

يطرح الكتاب جانباً أساسياً يهم كتابة التاريخ الراهن أو القريب للثقافة والمثقفين في المغرب. حيث يثير ما يسميه المؤرخ عبد الأحد السبتي “العلاقة بين ما هو شفوي والقضايا الاجتماعية”(1) في كتابة هذا التاريخ. إلى جانب الشهادة الشفوية والوقائع التي تقدمها المذكرات، تبرز هذه الأخيرة أهمية الوثائق والصور والأرشيف. حيث تكشف عن رسائل تنشر لأول مرة لكتاب وأدباء مغاربة وأجانب كانت تتعامل معهم راشيل، وعن بعض تفاصيل علاقاتهم ومعيشهم اليومي وتعاملهم مع منظومة الإنتاج الثقافي، مثل عبد الله العروي الذي يخبرها مثلاً في إحدى رسائله بصدور الترجمة الإسبانية في 1991 لكتابه المعروف “أزمة المثقفين العرب”، أو رسائل أبراهام السرفاتي، زعيم حركة “إلى الأمام” ذي الأصول اليهودية وأحد رموز سنوات الرصاص بالمغرب، والذي كان يوجه لها في 1982 رسائل من معتقله في السجن المركزي بالقنيطرة يطلب فيها أن تبعث له لائحة طويلة من الكتب بالإنجليزية والإسبانية والفرنسية حول الاقتصاد والآداب والسياسة.

من بين الرسائل المثيرة التي يتضمنها الكتاب رسالة يعود تاريخها إلى سنة 1991، وهي من توقيع الكاتب الأمريكي ادوارد روديتي (Roditi Edouard). ويطلب فيها من راشيل أن تساعده عندما سيأتي إلى طنجة لتحرير صديقهما المشترك الروائي الأمريكي الشهير بول بولز من قبضة صديقه “لمرابط”، وهو قاص مغربي كان يعيش مع بولز  في منزله ويدخل معه في خصومات وصراعات. يقول روديتي في رسالته إنه عندما سيأتي للقيام بهذه المهمة الصعبة، حسب رأيه، سيحتاج إلى “حماية مجموعة من الحراس الحقيقيين” لمساعدته على ذلك، وأنه سيعول على راشيل لتأتي بهؤلاء الحراس من أجل “تحرير” بول بولز من قبضة لمرابط الذي كان معروفاً بقوته الجسمانية. لا يكشف الكتاب كيف انتهت هذه الحادثة، لكنه يبين إلى أي حد كانت راشيل أكثر من مسوقة وبائعة للكتب. فهي كانت صديقة مستعدة للقيام بأدوار اجتماعية كبيرة لصالح أصدقائها الكتاب.

الكتاب غني بالأخبار والوقائع حول الحياة الثقافية في طنجة وحول العلاقات التي كانت تربط بين المثقفين المغاربة والأجانب، أو بين المثقفين المغاربة فيما بينهم، وهي جوانب غير مطروقة كثيراً أو مغيبة عموماً في الحياة الثقافية الوطنية. فهو يقدم تفاصيل دقيقة وشهادة عن الأيام الأخيرة للكاتبين الصديقين الأمريكي بول بولز والمغربي محمد شكري وعن وفاتهما في طنجة. الأول توفي في سنة 1999 في المستشفى الإيطالي بالمدينة، وتم ترحيله ليدفن في أمريكا بعد أن قضى ثلث حياته في طنجة واكتسب فيها شهرته العالمية. والثاني توفي في سنة 2003 منهكاً بالسرطان في المستشفى العسكري بالرباط. وتعلق المذكرات قائلة إن شكري حظي بجنازة وطنية كبيرة خصصت لكاتب جاء من قاع المجتمع.

كما يتطرق الكتاب لجوانب من اقتصاديات واجتماعيات المكتبات بالمغرب. حيث يحكي عن كيفية انتقال ملكية مكتبة “ليكولون” من أسرة إلى أخرى مع مرور السنوات. والملاحظ في هذا الصدد أنها ارتبطت في غالب الأوقات باسم عائلات أجنبية، كمؤشر أساسي على مرحلة الاستعمار وعلى وضعية طنجة باعتبارها “منطقة دولية” كانت تشرف عليها آنذاك دول مثل إسبانيا وأمريكا وبريطانيا وفرنسا وغيرها. فالمكتبة التي أسسها بلجيكي ظلت تسيرها عائلة تحمل اسم جيروفي Gerofi منذ فترة الأربعينيات إلى غاية بداية السبعينيات. ثم جاءت المرحلة الذهبية للمكتبة بمجيء راشيل مويال التي أشرفت على تسييرها إلى غاية تقاعدها في 2004. بعد ذلك تم شراؤها من قبل سعاد الدويري (مالكة مكتبة كليلة ودمنة في الرباط) وهي أول مرة تنتقل فيها إلى ملكية مغربية، وتولى تسييرها أجنبي آخر هو الكاتب الفرنسي سيمون بيير هاملان، (Simon Pierre Hamelin) لكنه لم ينجح في المهمة فصارت “ليكولون” مهددة بالإفلاس بسبب ضعف الإقبال عليها. وفي 2009 قرر أن يشتريها بيير بيرجي (Pierre Bergé) رجل الأعمال الفرنسي المعروف. وخلال السنوات الأخيرة، كشفت راشيل أنه تم بيع المكتبة لرجل الأعمال المغربي فاضل العراقي الذي توفي أخيراً، وهو ما يطرح تساؤلات حول مصير المكتبة مستقبلا.  

في الكتاب نبرة تعاطف مع ما يمكن تسميته بـ “نسوانية الدولة”، وحكي قريب من الخطاب الرسمي يطرح تأثر الثقافة والسياسات الثقافية بالعوامل السياسية وبدرجة القرب أو البعد عن السلطة، وذلك بالنظر إلى العلاقات التي كانت تربط راشيل بالنخب الحاكمة محلياً ومركزياً من خلال روابطها ببعض أفرادها وحكاياتها النادرة عن هذا الجانب. ويتخلل الكتاب أيضاً نوع من النبرة النقدية للأوضاع الاجتماعية بالمغرب وللمسار العام الذي أخذه البلد بعد الاستقلال. فخلال زيارة تفقدية إلى قبر محمد شكري برفقة المؤلف دومينيك روسو، لاحظت راشيل حضور بعض الأطفال الفقراء واشتغالهم في عملية إصلاح وتزيين قبر الكاتب الراحل بمناسبة الذكرى الأربعينية لوفاته مقابل حصولهم على بضعة دراهم. وتقول راشيل معلقة على هذا المشهد إن “اللعنة” (تقصد لعنة الفقر) التي عاشها شكري وهو طفل وحكاها في كتابه “الخبز الحافي” ما زالت حاضرة بعد وفاته. وهو ما يؤيده دومينيك روسو الذي يطرح تساؤلاً معبراً يلخص دلالات هذا المشهد ومسار شكري ككاتب: “هي بضعة دراهم تضمن لنا العيش .. لكن هل يضمن الإبداع الجميل العيش في خلود؟”.

المذكرات غنية أيضاً بالمعطيات حول التاريخ السياسي والثقافي والاجتماعي للمدينة، وخاصة حول عائلة راشيل مويال التي كانت من رموز الطائفة اليهودية. وتعتبر بذلك لبنة في كتابة تاريخ هذه الطائفة، ومساهمة تتجاوز “التجزيء والتهميش” الذي طبع، حسب تعبير المؤرخ الأمريكي دانييل شروتر، كتابة التاريخ اليهودي الحديث وفقاً للمنظور الذي كان سائداً في أوروبا(2). ذلك أن المذكرات تركز على “جوانب كثيرة للتفاعل الثقافي المتبادل”(3) بين المكونات الثقافية والدينية المتعددة التي طبعت تاريخ المدينة. وينحدر أجداد راشيل من اليهود الذين هاجروا إلى المغرب قادمين من إسبانيا بعد طردهم في القرن 15. وهو ما قد يفسر أن لغتها الأم كانت هي الإسبانية رغم أن الفرنسية ستكون أساسية في مسارها. وهو ما سيجعل من مكتبة “ليكولون” إحدى معاقل الثقافة الفرنكوفونية في المغرب، وستتوج راشيل في 1996 بوسام الفنون والآداب، وهي جائزة شرفية تمنحها وزارة الثقافة الفرنسية لمن يساهم في تعزيز الثقافة الفرنسية عبر العالم.

 عاشت راشيل يتيمة، فقام خالها وخالتها بتربيتها تربية صارمة وفق التعاليم الدينية اليهودية، ولكن في أجواء عصرية منفتحة على العالم. وتحكي راشيل كيف أنها ولدت في نفس السنة التي تولى فيها هتلر السلطة (1933)، وكيف أنه نتيجة موجة القمع التي تعرض لها اليهود في أوروبا على يد الألمان، ستصبح طنجة ملجأ مئات اليهود الفارين من جحيم النازية. وسيصبح منزل عائلتها نفسه ومنازل اليهود بالمدينة بمثابة مسكن وملجأ لهم خلال فترات طويلة إلى أن انتهت الحرب العالمية الثانية. كما تحكي عن مراحل كفاح المغرب من أجل الاستقلال، وخاصة مظاهرات الوطنيين والأحزاب في طنجة وتفاصيل الخطاب التاريخي للملك محمد الخامس في 1947 الذي عايشته، وهو الحدث الذي جعلها، كما تقول، تعي لأول مرة أن المدينة هي فعلاً جزء من المغرب. وفي السنوات اللاحقة، كان للصراع العربي الإسرائيلي انعكاسات كبرى على المنطقة أدت إلى هجرة آلاف اليهود من المغرب إلى إسرائيل ومنهم يهود طنجة، إلا أن راشيل فضلت البقاء في المدينة وظلت وفية لها رغم مغادرة عدد من أصدقائها. بقيت وفية إلى أن غادرت الحياة في يناير 2020 عن سن 87 سنة. وقد أدت هجرة اليهود الكبيرة إلى التأثير على الوضعية الاقتصادية والاعتبارية للمدينة. وترى الكاتبة أن طنجة كان من الممكن أن تحتفظ بعد الاستقلال بوضعية المدينة الدولية المنفتحة كمنطقة حرة كما وقع في “هونغ كونغ” مثلاً، لو أنه تم تدبير الأمور بشكل أفضل حسب تعبيرها.

———————-

الهوامش

1-Abdelahad Sebti“Histoire, entre mémoire orale et mémoire écrite : le parcours sinueux d’un projet de recherche1-  “Centre Jacques-Berque, 2014 ( http://www.openedition.org/6540).

2- كتاب “يهودي السلطان- المغرب وعالم “اليهود السفرد””، دانييل شروتر، تعريب خالد بن الصغير، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية الرباط،2011، ص 20.

3- نفس المرجع.

- محمد مستعد

مترجم وإعلامي / الرباط

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.