الخميس , 4 يونيو, 2020
إخبــارات
الرئيسية » بإيـــجاز » حين يحكي الأديب ماضيه لابنته

حين يحكي الأديب ماضيه لابنته

Abdourahman A. WABERI, Pourquoi tu danses quand tu marches ?, roman, Paris, éd. Jean-Claude Lattès, 2019.                                                                                                                             

عبد الرحمان وابري شاعر وروائي ومؤلف القصة القصيرة، وهو جيبوتي-فرنسي، ويعد من أبرز كتاب الموجة الجديدة في الإبداع الأدبي بإفريقيا. ولد بجيبوتي سنة 1965، وهاجر إلى فرنسا سنة 1985 لاستكمال دراسته. يعمل حالياً أستاذاً للأدب الفرنسي والفرنكفوني والإبداع الأدبي بجامعة جورج واشنطن. في رصيده الإبداعي مجموعة هامة من المؤلفات، نذكر من بينها: دفتر الرحالة سنة 1994(Cahier nomade)،  بلد بلا ظلال (Le Pays sans ombre)، في الولايات المتحدة الإفريقية (Aux Etats-Unis d’Afrique)  سنة 2008، الأغنية الإلاهية (La divine chanson) في سنة 2015 وهي الرواية التي حازت على جائزة لويس جييو (Prix Louis Guiloux)، إلخ.

يعتبر أدب عبد الرحمان وابري، ذو الهوية المتعددة، مزيجاً خلاقاً مشكَّلاً من الشعر والخرافة والمعيش اليومي في تجربة مميزة يعتمد فيها وابري على الرموز والصور وقوة الكلمات لإبراز صوت قارة نسيها التاريخ العالمي منذ نهاية الاستعمار. يحاكي أدبه علاقة معقدة مع بلده الأصل، ففي ثلاثيته محاولة تركيبة تعريفية بجيبوتي (من خلال: بلد بلا ظلال، دفتر الرحالة و بلبلا(Balbala) ، التي صدرت تباعاً في سنوات 1994، 1996، 1998، قام بتركيب الحكايات والأساطير والقصص الوثائقية من المقالات الصحفية لتأليف لوحة جدارية انطباعية تظهر جيبوتي بلدًا أهلكته الحمى والمجاعات والفساد والحروب.

اختار وابري لروايته الثانية عشرة عنواناً شاعرياً: “لماذا ترقص وأنت تمشي؟” و هي عبارة عن سيرة ذاتية أو التخييل الذاتي autofiction للأديب يحكي ماضيه لابنته Béa التي تظهر معه في صورة الغلاف وهي محاولة للإجابة عن استفسارها البريء حول مشيته المتثائبة. هي صيغة لطيفة لاستجواب الأب الذي يعرج منذ سن السابعة والذي تجنب التطرق لحالته الجسدية هاته في أعماله الأدبية السابقة، فيفاجئه السؤال ويرغمه على استذكار الماضي. يعود وابري إلى جيبوتي تحت الاستعمار الفرنسي، حيث ولد في 1965، إلى الحي الهامشي الذي رأى فيه النور ويصف الوسط الأسري المتواضع الذي نشأ فيه.

ولد “عدن” Aden  طفلاً مريضاً، يصف أمّا مذعورة باستمرار لا تدري كيف تتصرف إزاء هذا الطفل العليل الذي يبكي ويعاني في حياته، فتضعه في أحضان جدته التي ستصبح ملاذه و تغذي لديه طعم الحكايات و القصص. أما الأب، طويل القامة وجاف لدرجة أنه يصفه ب “بابا الجذع”، فهو شبه غائب يعمل كثيراً ولا يراه عدن إلا لماماً.

ما أنقذ الطفل عدن في بداياته الواهنة في الحياة هو المدرسة التي فتحت أمامه عالم الكتابة والقراءة. تتجلى المدرسة في وجه مدام مونيك “امرأة فرنسية من فرنسا” كما يسميها الكاتب. ولكن هناك أيضاً اختبارات رفاق الدراسة ولؤمهم تجاهه، حيث يتذكر اليوم الذي أسقطه أحد هؤلاء الرفاق في ساحة المدرسة وتعثر على رجله، فيتم تشخيصه بعد رحلة طويلة من المعاناة بشلل الأطفال. فتبدأ معاناة أخرى لطفل لا يستطيع اللعب كباقي الأطفال، ومراهق لا يستطيع لعب الكرة ويصير أضحوكة الأخرين ينعتونه بالأعرج ويعتدون عليه. تحكي الرواية-الذات كيف وجد عدن ملاذه في القراءة و الكتابة، وكيف سيأخذ ثأره عندما أصبح يتقن الكتابة ويتفنن فيها ويصير كاتباً عمومياً في الحي، وكاتباً بالنيابة لرفاق الماضي اللؤماء، ليصبح فيما بعد طالباً في فرنسا، ثم مدرساً وكاتباً، وصار يلقب بالمثقف و بـ “جاك لانج” Jack Lang.

يهدي الأب ابنته كل تفاصيل طفولته وحياته في جيبوتي، ويتأرجح حديثه إليها بين هنا وهناك، بين طفولته الأليمة وطفولتها السعيدة، هي مقارنة بين عالمين يراد منها أن تكتشف الابنة ما عاناه والدها، ويزور الأب ماضيه ليتصالح معه. فيتجول الراوي في ذاكرته، يستعيد الحياة اليومية للحي وقصص الجدة، الذاكرة الحية للأسرة ذات الماضي الرعوي والترحال. نقرأ في خلفية الكتاب التواجد الاستعماري، وعواقبه التي تراها عيون الطفل ولا تفقهها. يستجدي معرفة الكبار ليفهم ما يدور حوله من أحداث.

هي إذن قصة طفل مختلف يتم إنقاذه بالقراءة والكتابة، في وسط ينعدم فيه الكتاب، في عائلة لا تقرأ، في بلد هامشي مستعمَر. يقول وابري في إحدى المقابلات لتقديم روايته: “أنا طفل أنقذني الكتاب. أنا الآن أدرس في جامعة جورج واشنطن، لأنني كنت فاعلاً، صديقاً للكتب”.

- فاضمة آيت موس

المركز المغربي للعلوم الإجتماعية / الدار البيضاء

تعليق واحد

  1. Très belle initiation à l ‘oeuvre littéraire de Abdourahman A. WABERI Professeur. Les Humanities demeurons toujours l’échappatoire et le refuge des Homme et Femmes les plus sensibles à leur vrai Nature, La Notre. Ismaîl

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.