الخميس , 4 يونيو, 2020
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » الكتابة النسائية : مواجهة أنساق الذكورة في الثقافة العربية

الكتابة النسائية : مواجهة أنساق الذكورة في الثقافة العربية

فاطمة كدو، الخطاب النسائي ولغة الاختلاف، مقاربة للأنساق الثقافية، منشورات دار الأمان، الرباط، 2014.

     يضمّ الكتاب بين دفتيه دراسة حول كشف الخطابات الثقافية والأنساق الذهنية من خلال تحليل “خطاب المرأة” الذي تضمّنه السرد المغربي النسائي، والذي كشف صراع طبقتين داخل المجتمع: طبقة مهيمنة ممثلة في مؤسّسات المجتمع، تقرّ بإعلاء مركزية الإبداع الذكوري على الإبداع النسائي، وتجعل هذا الأخير في مرتبة أدنى. وطبقة معارضة لهذه الهيمنة تسعى إلى الخروج عن السائد ومساءلة المسلّمات وتحويلها إلى إشكاليات من خلال لغة مختلفة تقوم على مبدإ التفكيك وإعادة التركيب.

     في هذا الإطار قاربت فاطمة كدو خطاب المرأة من حيث المكوّنات وآليات الاشتغال من خلال مقاربات نصر حامد أبو زيد وفاطمة المرنيسي وعبد الله الغدامي، هؤلاء الثلاثة يختلفون، من منظورها، ويشتركون على مستويات متعدّدة، فالثلاثة ارتكزوا على كتب التراث دراسة وتحليلاً وتعليقاً لعلّهم يصلون إلى فهم واقع المرأة في خضمّ تناقض واضح بين ما تدعو إليه النّصوص وبين الواقع المعيش، فالنصوص الدينية تدعو إلى المساواة بين الرجل والمرأة لكن التنشئة الاجتماعية والثقافية والتربوية     لا تعكس الانخراط في هذا الخط، إذ لها تأثير بالغ في البنية الذهنية التي تعدّ من بين أسباب تخلّف وضع المرأة، وذلك نابع من الفهم الخاطئ لتلك النصوص وتأويلها في اتجاه لا يخدم قضية المرأة التي تشكل الحلقة الضعيفة التي يبدأ منها الانكسار والتراجع الاجتماعي والفكري والثقافي، وذلك لعدّة أسباب دفعت بعدد كبير من الباحثين إلى التنقيب عنها واستنباط خباياها انطلاقا من واقع الحال في العالم العربي.

    تشترك فاطمة المرنيسي مع نصر حامد أبو زيد في وصف خطاب المرأة بالخطاب “المأزوم” و”المتأزم” كاشفة عن صراع خفيّ بين المؤسّسات الذكورية داخل مجتمع محافظ يدّعي الانفتاح على كلّ ما هو حداثي، بينما في الواقع يتوجّب عليه أن يتغلّب على تناقضات ومخاوف كثيرة كي يكسب رهان الحداثة. واعتبرت المرنيسي في كتابها “نساء على أجنحة الحلم” أن الخوف من الحداثة يعدّ من أهمّ العناصر التي تشكّل أساس تأزم الخطاب النسائي أو الخطاب حول المرأة، ليس فقط خوف النساء من الرجال أو العكس، بل هو خوف أكبر من ذلك يتمثل في خوف المجتمعات الذكورية العربية والمغربية خصوصًا من الحداثة والمجهول، ومن أي تغيير قد يدفع النساء لكسر الحدود، تلك الحدود الوهمية التي رسمها لها الرجل داخل البيت والمجتمع انطلاقا من بنية تقسيمية للأدوار بين الجنسين متجذرة في لاوعي الشعوب منذ الأزل. هكذا، اكتشفت المرنيسي أثناء تحليلها للنصوص التراثية أن بعض المجتمعات في الماضي أعطت المرأة مكانة مرموقة، قدّستها واحترمت وجودها، فكانت الحياة الاجتماعية تتسم بالإنسانية والتعايش السلمي والازدهار، أمّا في الحاضر فقد رسمت لها حدودًا لا يمكن تجاوزها. ويرجع ذلك بالأساس لتنكّر المجتمع الذكوري للتاريخ واستبدال قيمه بجملة من القيود التي    لا تخدم سوى مصلحة الرجل. هذا الوضع الهامشي الذي تعيشه المرأة دفع فاطمة المرنيسي إلى تسخير قلمها للدفاع عن قضية المرأة والتعبير عن معاناتها ومحاولة الدفع بها لتحقيق ما تنشده وما تستحقه من تحرّر ومساواة..  واعتبرت المرنيسي أن الخطاب الذكوري يشتغل على الذات الأنثى ويمارس عليها كلّ أصناف المنع والعنف النفسي والجسدي، ممّا ولّد لديها الرغبة في الانفلات والهروب إلى عوالم مختلفة،  وهنا أشادت بدور الخيال في ممارسة كلّ الحرّيات وتجاوز كلّ الحدود بالنسبة للمرأة المغربية، إذ ساعدتها الكتابة منذ ستينيات القرن العشرين على الخروج من دوائر الخوف  والشروع  في التعبير عن نفسها عبر وسائل متعدّدة، وبطرق مختلفة بعيدًا عن السلطة الذكورية، فهي قد لا تكتفي بمجرّد وصف واقعها وصراعها الأبدي مع الرجل، بل تتجاوز ذلك إلى استشراف معاني إنسانية من شأنها التأثير في فكر القارئ ووجدانه من أجل تغيير نظرته لذات المرأة والاحتفاء بها وبإبداعها مكوّنا أساسًا من مكوّنات رقي المجتمع وتحضّره.

     بدوره لا يعترف نصر حامد أبوزيد بما يسمّى خطاب الصحوة أو خطاب النهضة الذي يعالج كلّ ما يخصّ المرأة على المستوى الحقوقي والمعرفي والاجتماعي والديني والسياسي، حيث يرى أن الأمر يتعلّق بأزمة ثقافية فكرية، ذلك أن الخطاب العربي المعاصر خطاب مأزوم لأنه لا يمتلك لا الآليات    ولا الأرضية لإنجاز خطاب نهضوي، والخطاب النسائي في نظره خطاب عنصري وطائفي أنتجته فئة ذكورية غالبة مهيمنة، لذلك فهو خطاب يرتكز على معان ودلالات ألفاظ تتلخّص في الخضوع والاستسلام والاستجابة لحاجيات هذه الفئة. وهنا يبدو أن اللّغة بدورها تمارس نوعًا من الطائفية العنصرية ضدّ الأنثى على مستوى الخطاب المعاصر السائد حيث تعامل المرأة معاملة الأقليات ممّا يظهر حاجتها إلى الدخول تحت سيطرة الرجل الذي يعدّ هو الأصل/ الفاعل، وتعدّ المرأة فرعًا لا فاعلية له، فحتى الجمع اللغوي يلغي النساء وتظهر ثنائية مذكر/ مؤنث محمّلة بكلمات تؤشر على طبيعة العلاقة غير المتكافئة بين الرجل والمرأة، وعلى غياب التفاعل الحقيقي بينهما، ذلك لأن اللغة تعكس مستوى وعي الجماعة التي أبدعت تلك اللغة، والتي تنسب كل النقائص والأخطاء إلى المرأة. ومن تمّ فالخطاب حول المرأة في الواقع العربي يفسّر الأحداث من خلال الأسباب والعلل التي تبرّئ الذكورة وتؤثم أو تدين الأنوثة، فهو إذن خطاب زائف أو خطاب يسعى إلى تزييف الواقع.

     في المنحى نفسه اتجه عبد الله الغدامي نحو الماضي لتحليل الحاضر فوقف من خلال تأطير منهجيّ على أبعاد النسق الثقافي العربي ودوره في تشكيل ونحث الذهنية العربية من خلال الإجابة عن سؤال دور الأنساق الثقافية التي تسرّبت من الشعر وبالشعر لتؤسّس لسلوك غير إنساني وغير ديموقراطي، وكانت فكرة الفحل وفكرة النسق الشعري وراء ترسيخها. ويرى الغدامي أن هذه الأنساق الثقافية تجلّت في سلوكياتنا الاجتماعية والثقافية حيث يتحمّل النسق الشعري السمات اللاديموقراطية في الشخصية الثقافية العربية التي تنفي الآخر المختلف بما في ذلك المرأة التي وضعتها الثقافة العربية القديمة خارج دائرة الثقافة واعتبرت ممارستها للكتابة خطرًا يتهدّد المجتمع. واستنتج الغدامي من خلال قراءته للتراث العربي القديم أن الرّجل يمثّل اللفظ / الدّال وان المرأة تمثل المدلول/ المعنى، كما أن الرّجل من حقه أن يمارس فعل الكتابة في حين أنه على المرأة أن تكتفي بسرد الحكايات فقط، وقد اعتبر بعض النحويين أن اللغة ذكورية وأنها حكر على الرجل، بكل حمولاته الثقافية والاجتماعية والسياسية، ولا يجوز للمرأة اقتحام مجالاتها، فهي لا تغدو أن تكون سوى موضوعًا للكتابة وليس فاعلا فيها.  

    تطرّق الغذامي أيضًا إلى جسد المرأة الذي انتهكته اللغة الفحولية مجازاً وبلاغة من خلال ترسيخ نموذج المرأة المنكسرة، المنهزمة والمغلوب على أمرها، والتي تحاملت عليها المؤسسة الثقافية بحجب التأنيث عن اللغة… عن الشعر بصفة خاصّة، على حدّ تعبير مؤلفة الكتاب. وارتأى أن تفرض المرأة نفسها لا بصفتها تابعًا يطالب بحقه في الكلام، لكن بوصفها ندّا للرجل وقادرة على إثبات الذات.

     لتوضيح ذلك كلّه خاضت فاطمة كدو رحلة البحث عن هوية أنثوية من أجل امتلاك سلطة النصّ لمواجهة الضغوطات الخارجية التي تسعى إلى إعطاء المرأة هوية بمقاييس دونية، فعرضت  مجموعة من النّصوص السّردية لكاتبات مغربيات عبّرن عن هذا الوضع المتأزم وكشفت كتاباتهن عن زيف خطابات مؤسسات المجتمع، وعن ازدواجيتها الفكرية والثقافية التي تعلن عكس ما تضمر، وذلك من خلال كشف علاقة الكتابة النسائية بالشبكة المؤسساتية داخل المجتمع انطلاقا من العلاقة المتأزمة بين الكتابة النسائية والمؤسسة التعليمية، ومن التأثير المتبادل بين سلطة الكتابة والمؤسسة الثقافية. وتوقفت الكاتبة عند الأنساق الثقافية كما يراها النقد الثقافي مركّزة على أهمّية اللغة التي تتخذها الكتابة النسائية وسيلة لإعلان فلسفة الاختلاف والتعدّدية، والمشاركة المتفاعلة، التي لا تترك مجالا لهيمنة النوع الواحد وتفرّده بوضع آليات وأسس اللغة، وكذا القيم الإنسانية، وذلك من خلال تبنّي لغة المعاني التي تشتغل على اللفظ من أجل توليد المعنى، وعلى المفردات ذات الحمولة الدلالية المتعلقة بالظواهر المجتمعية، “لأن كل التغييرات الاجتماعية- كما أكد على ذلك جورج ماطوري- هي أساس التغييرات اللغوية والدافع إليها، من هنا المقابلة بين أفعال المفردات وأفعال المجتمع”[1].

 كما كشف حضور الجسد في النماذج السردية المدروسة قوّة التعالق الثقافي بين الجسد واللغة حيث أصبحت المرأة المبدعة قادرة على التغلب على نظرة المجتمع التقليدية لها وعلى تجاوز جلّ العوائق التي تحدّ من حرّيتها عبر الانخراط في الكتابة التي تحلّل بنيات المجتمع من خلال مؤسساته اعتمادًا على لغة تتبنّى القيم الإنسانية كفلسفة في الحياة، وفلسفة في التحرّر، وتتبنّى التعدّدية والمشاركة. وهنا يمكن أن نتساءل هل بإمكان النساء أن يصغن أنوثتهن الحقيقية من خلال خطاب خاصّ ولغة وأدوات جديدة للكتابة يفترض أنها نابعة من الجسد الأنثوي؟

    إن التركيز على أهمّية دور الكلمة من أجل تفسير اللغة التي توظفها الكاتبات المغربيات يمكن أن يرتكز على عدّة فرضيات لعلّ أبرزها كون الخلفية الفلسفية التي تشحن القلم النسوي تقوم على نقد الحضارة كما تبنّتها العقلية الذكورية، او أن هذه الفلسفة قد تتمظهر باعتبارها فلسفة ما بعد استعمارية مجسّدة لهيمنة ذكورية، ورابطة بين مرحلتين، أو لنقل بين امرأتين: امرأة ما قبل الاستعمار لها هوية مفقودة داخل الوطن، وامرأة بعد الاستعمار حيث الانفتاح على مراكز خارجية ونضالات نسائية عالمية، من أجل المطالبة بالمشاركة الفعلية في المجتمع، ممّا خوّل لها الدخول إلى عالم المؤسسة الأدبية التي تساهم بدورها في بناء حضارة الشعوب وتتأثر ضمنيا بها، وهذا كله قد يستدعي تشكل نظرية لسانية تعيد تفكيك اللغة وآلياتها من أجل ابتكار لغة ناقدة، تحلل بنيات المجتمع من خلال مؤسساته. للوقوف جليّا على ذلك،  قدّمت فاطمة كدو مجموعة من النماذج من الكتابات النسائية المغربية التي ترصد ثنائياتها اللغوية معنى الصراعات المؤسساتية داخل المجتمع، منها: المجموعة القصصية “مواجع أنثى” للكاتبة سعاد رغاي، والمجموعة القصصية “ترانت سيس” لمليكة مستظرف، والتي يشكل المضمر والمعلن في الجمل الثقافية فيهما ذلك القناع الذي يتستر خلفه النسق الثقافي الذي يجيد لعبة الكمون والظهور، والتلون بألوان أطياف المجتمع ومكوّناته إذ تظهر تناقضات المؤسسات الاجتماعية، وتكشف عن تدهور قيم اجتماعية وبروز أخرى كما بالنسبة لحضور الجسد في بعض النماذج السردية: “نساء في الصمت” لنفيسة السباعي، و”اعترافات رجل وقح” لوفاء مليح، حيث “يمارس الجسد شغبه ويعلن عصيانه من خلال اللغة، ويحكي تمرده على الأنساق الثقافية التي شيّأته وأخضعته للمنطق الذكوري في الاستغلال وخنق كل بوح، لا يعترف بالأعراف والتقاليد التي جعلت من الجسد، ملكية جماعية تحت رحمة النسق الثقافي الفحولي”2 .

    نخلص من كلّ هذا إلى أن خوض المرأة غمار الكتابة بشكل عامّ هو بمثابة الانتصار الأول الذي تخرج من خلاله من قفص التهميش والتبعية وتحلّق بعيدًا في سماء الحرّية كاشفة عن ذاتها ومعاناتها للمتلقي بشيء من التفاعل بين ما هو نفسي واجتماعي وواقعي، ومحاولة تخطي الثقافة والبنى الاجتماعية القائمة على التمييز بين الجنسين، على أساس أن الإبداع ليس مداره الإقصاء بل الاستحقاق الذي يقيس قدرة المرأة على فرض إبداعها على المتلقي واستقطابه والتأثير فيه بشكل قويّ.

ونلاحظ اليوم غزارة الإبداع النسائي وتميّزه وهو دليل على تحسّن أوضاع المرأة وتغيّر نظرة المجتمع لها من جهة، وتطوّر إدراكها لقيمة الكتابة وأهمّيتها في التعبير عن وضعيتها من جهة أخرى، وهو الشيء الذي يغني الأدب ويطوّره. ونظرًا لأن فاطمة كدو على علم بتاريخ الكتابة النسائية بالمغرب ومراحل تطوّرها، فهي تشير إلى أنها لم تقدّم إلا جزءًا بسيطًا من الإبداعات السردية النسائية التي اعتمدت لغة جديدة في التعامل مع الخطابات الثقافية التي تنتجها مؤسّسات المجتمع المغربي، وأن المجال يظلّ مفتوحًا للمزيد من البحث والتنقيب لرفع الرّواسب المترسّخة في البنية الذهنية العربية، وتجديد المعطيات حول الإبداع النسائي ودوره الفعّال في تحرير المرأة من براثين الانكسار والذل والتبعيّة.


الهوامش:

  1. فاطمة كدو، الخطاب النسائي ولغة الاختلاف، مقاربة للأنساق الثقافية، دار الأمان، الرباط، 2014، ص. 247
  2. نفسه، ص. 225

- مليكة معطاوي

كلية الآداب والعلوم الإنسانية/الرباط

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.