الأربعاء , 28 أكتوبر, 2020
إخبــارات
الرئيسية » نـدوات وملفـات » من تاريخ الطاعون إلى عقليات الطاعون

من تاريخ الطاعون إلى عقليات الطاعون

حسين بوجرة، الطاعون وبدع الطاعون، الحراك الاجتماعي في بلاد المغرب بين الفقيه والطبيب والأمير (1350-1800)، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، 2011.      

اجتاحت بلاد المغرب عبر التاريخ، على غرار مجالات أخرى،موجات متتالية من الأوبئة الفتاكة، كانت لها آثار بليغة على الهياكل الديموغرافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، مما دفع الباحثين إلى تشريحها وتتبعها بأدوات منهجية جديدة، قصد إعادة كتابة التاريخ على ضوء القضايا المرتبطة بجوائح الأوبئة. في هذا الإطار، يندرج كتاب المؤرخ التونسي حسين بوجرّة: الطاعون وبدع الطاعون، الحراك الاجتماعي في بلاد المغرب بين الفقيه والطبيب والأمير (1350-1800). وهو في الأصل أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في التاريخ الحديث، نوقشت عام 2005 بكلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس، تحت إشراف محمد الهادي الشريف.

يتكون هذا المؤلَّف من متن بلغ 751 صفحة من الحجم المتوسط،على شكل سبعة فصول، إلى جانب خاتمة عامة ضمنها استنتاجات توليفيّة مكثّفة ومطوّلة. جاء الكتاب في صيغة ثلاثة أقسام،خاضت في قضايا الأوبئة والكوارث الطبيعية، من منظور الديموغرافيا التاريخية وتاريخ العقليات، وذلك بالتركيز على سياقات أدبيات الطواعين، ومقاربتها على ضوء النص الديني والفعل السياسي والواقع التلقائي.

بين الدّيموغرافيا التاريخية وتاريخ العقليات

يُمكن  اعتبار هذا الكتاب بمثابة مساهمة جادة في تاريخ الأزمات الديموغرافية في المجالات المغاربية. إذا كان المؤرخان روزنبرجي والتركي،قد درسا القرنين السادس عشر والسابع عشر[1]، فقد اهتم البزاز في أطروحته بالقرنين الثامن عشر والتاسع عشر[2]، في حين اعتمد بوجرّة على “طريقة القهقرى”، أو على مقاربة استرجاعية، لدراسة الأزمات البيولوجية وتاريخ الطاعون وذهنياته بالمغارب قبل الاستعمار، في إطار الزمن الطويل،وذلك انطلاقا من بنيات القرن التاسع عشر إلى بنيات القرن الرابع عشر.

تَناول المُؤلف في القسم الأول من كتابه، “المقاربات النّظرية والقراءات القديمة والجديدة للموَتان”، محاولًا تتبع ظُروف نشأة وتطوّر الديموغرافيا التاريخية، ثم التمييز بينها وبين الديموغرافيا المعاصرة من جهة، وبينها وبين تاريخ السّكان من جهة ثانية. فإذا كانت الديموغرافيا المعاصرة تهتم بدراسة هياكل المجموعات السكانية في الحاضر، انطلاقا من معطيات إحصائية رسمية، فإن تاريخ السكان يقارب نفس الهياكل في الماضي، اعتمادا على مؤشرات تتضمنها الوثائق التاريخية المختلفة. أمّا الديموغرافيا التاريخية، فرغم أنها تقوم على تقنيات كمية وتهتم بالسكان في الماضي،إلا أنها تتميز باعتمادها على الأمد الطويل،وبخصوصية مادتها المصدرية المتمثلة في الأرشيفات الجبائية والأبرشية، التي سمح حسن استغلالها بتحويلها إلى بيانات إحصائية متسلسلة.

تجدر الإشارة، إلى أنّ الأبحاث والدراسات في الديموغرافيا التاريخية عرفت تطورات مهمّة مع الجيل الثالث من الحوليات، إذ تمّ توجيهها نحو المقاربات الكيفية والنوعيّة، بعد بلورة عدة تساؤلات تاريخية وأنثربولوجية، تهم السلوكيات والذهنيات،على ضوء خلاصات المعطيات الإحصائية. وبذلك انتقلت الديموغرافيا التاريخية، كما يقول حسين بوجرة، “من التاريخ الكمي إلى التاريخ الكيفي أو النوعي، وانتقلت من عمليات الجمع والطرح وتحديد النسب المئوية إلى عملية إنجاز المعادلات وصوغ النماذج، أي من إطار وصفي إلى حد ما، إلى إطار النظم والمفاهيم”.

إذا كانت الديموغرافيا التاريخية بالمغرب قد عرفت بعض التراكمات منذ دراسة الثنائي روزنبرجي والتركي، “فإن المسألة مازالت تنحصر في إطار الديمغرافيا التاريخية الكمية”، حسب بوجرة، رغم التجارب والأوراش التي دشنتها “مجموعة البحث في الديمغرافيا التاريخية”، عبر مجلّتها المتخصصة كنانيش[3]. وأمام هذا الواقع، وجّه بوجرّة بحثه نحو المقاربة الكيفيّة، لتجاوز أزمة الرقم المسجلة في النصوص التاريخية التقليدية، لأن الديموغرافيا التاريخية، “ليست بالضرورة كمية فحسب، بل هي أيضا، إن لم تكن أساسا، نوعية وتنتمي تحليلاتها إلى النوع الطولي والمدى الطويل”.

ركّز الكاتب في القسم الثاني، على أدبيات الأوبئة، من خلال دراسته لمختلف الإنتاجات الفكرية الفقهية والطبية، ذات الصّلة بالسّلوكيات والتمثّلات والمواقف من الطاعون، التي تعبر عن”بعدين اثنين: البعد الصراعي التناقضي القائم على مبدأ نسف الطرف المقابل، والبعد التوفيقي الهادف إلى الجمع بين المقاربتين، المقاربة الدينية والمقاربة الطبية”،مما أهله لتشخيص جوانب من الحراك الاجتماعي ببلاد المغرب، بين الفقيه والطبيب والأمير، اعتمادا على مفاهيم الفاعلين التاريخيين، خصوصا “مفهوم البدعة”، المشحون بالأبعاد التاريخية، والذي كان دائم الحضور في مختلف الرسائل والمصنفات الفقهية.

في نفس السّياق، يرى حسين بوجرّة أنّ الصّراع الفكري على مستوى العدوى والبدعة، ولّد مقاربتين: مقاربة الصّابرين المستسلمين للقضاء الإلهي، الذي لا مفرّ منه، ومقاربة المتحفّظين المحترزين من طعنات الوباء، مقدما مجموعة من الأمثلة من القرن التاسع عشر إلى القرن الرابع عشر، من أدبيات “الكرنتينة” إلى أدبيات الطواعين، في إطار مقاربة استرجاعيّة طويلة الأمد، كالسّجال الفكري الذي كان قائما بين التونسيين بيرم الثاني ومحمد المناعي حول الحجر الصحي. فالأول يقول بضرورة التحفظ من الوباء، بينما الثاني يرفض قضية العدوى.وتوقف عند الاختلافات القائمة بينهما في عملية التنظير والإفتاء، على ضوء انتماءاتهم المذهبية والفكرية. في المقابل رغم تعدّد الاجتهادات بالمغرب الأقصى، فقد سيطرت المواقف الفقهية الرافضة لقضية العدوى،كما تفصح عنها فتوى الناصري بصورة تركيبية في “حكم الكرنتينة”[4].

ويشير البزاز إلى انشطار مواقف فقهاء المغرب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر لاتجاهين: الموقف الأول، يقرّ بضرورة الوقاية والاحتراز من الطاعون، أما الموقف الثاني، فقد كان معارضا للتّحفظ ويناهض حقيقة العدوى،وتحوّل”إلى سلاح فكري وأداة تبرير لرفض التنظيمات الصحية الوافدة”[5].

توقّف حسين بوجرة في القسم الثالث، عند إشكالية “العدوى وبدعة التّحرّز”، من منظور النّص الدّيني والفعل السياسي والواقع التلقائي. تتبع معظم الأحاديث المقرة بالعدوى والرافضة لها، وما أثارته تلك القضايا من تأويلات وتخريجات فقهية، قبل أن ينتقل إلى البحث والكشف عن أوجه التداخل بين المقاربتين الطبّية والفقهيّة، منذ الطاعون الأسود سنة 1348، حيث كان الأطباء يبحثون عمّا يبرّر موقفهم انطلاقا من النصوص الدينيّة، إذ كانت سلطة الدين تهيمن على ذهنيات المجتمع.وفي المقابل لجأت العقلية الفقهية والدينية إلى وسائل مادية تتكون من علاجات طبيعية، وكذا الأساليب الرمزية، كاللّجوء إلى بركة الأولياء والشيوخ مع ترديد الأدعية واستعمال الوصفات السحريّة، التي لقيت رواجا كبيرا في ظل عجز الهياكل الطبية.

وخصّص المؤلف الفصل الأخير للمقارنة بين موقف الدولة الحديثة من الطاعون بأوروبا، وطرق تعامل المخزن مع الأزمات الديموغرافية، التي تميّزت بالمواجهة واللامواجهة حسب السياقات والظروف التاريخية. وبالتّالي، تَوصّل إلى خلاصاتٍ عامةٍ تُؤكد على “ضرورة الإقرار بالتمييز بين فترتين في تعامل الدّول المغاربية مع الطاعون”، حيث تميزت الأولى بسيطرة السياسة الصّحية الرّسمية الشّخصية لحماية كوادر جهاز المخزن، بينما عرفت الثانية سياسة صحية منفتحة على الجميع، تهدف إلى حماية سكان الحواضر ومدن الموانئ وبعض الأهالي، خصوصا في تونس.

استحضر الباحث دور الهياكل الديموغرافية في تفسير المنعطفات السياسية،حيث لا يمكن فهم ميكانيزمات تعاقب أنظمة الحكم ومختلف التحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بعيدا عن الواقع الديمغرافي.ويستمد هذا التّصور جذوره المرجعيّة من دراسة الباحثين روزنبرجي والتركي، حين فسّرا بعض المشاريع والانهيّارات السياسية على ضوء الأزمات الديموغرافية. لقد ساهم الموت الجماعي نتيجة أزمات الطاعون أو المجاعة أو الحرب وغيرها، في توفير التربة الخصبة لمشروع السعديين، عندما كانت البلاد منهكة بسلسلة من الكوارث الديموغرافية الجارفة.

ومع بداية القرن السابع عشر أدت نفس العوامل إلى ضُعف سلطة السعديين بعد وفاة أحمد المنصور الذهبي سنة1603، مما فسح المجال أمام العلويين لتحقيق مشروعهم السياسي. لكن رغم هذا، لا يمكن الارتكان إلى المعطى الديموغرافي بشكل مطلق، ونفي العوامل الأخرى في تفسير البنيات والتحولات السياسية.

مقاربةٌ تاريخيّة مُركّبة

وظّف المؤلف منهجا مركبا يجمع بين الديموغرافيا التاريخية والأنثربولوجيا التاريخية والمعارف الطبية، قصد الكشف عن الحراك الاجتماعي والسياسي والثقافي والطبي في بلاد المغرب قبل الرجة الاستعمارية. إنه تصور منهجي يتطلع إلى الانتقال من “دراسة الطاعون والموت، إلى دراسة الهياكل الذهنية والعقليات”، موظفا المنهج المقارن بين البلدان المغاربية تارةً، وبينها وبين المجالات المشرقية والأوروبية تارةً أخرى،قصد الخروج من إطار التاريخ الإقليميّ الضّيق والانفتاح على العوالم الجغرافية الأخرى.

يسهم التاريخ المقارن في تطور الكتابة التاريخية، عبر طرحه لإشكاليات منهجية وقضايا معرفية عميقة. في هذا الصدد، يشير الكاتب إلى أن هدفه من توظيف المنهج المقارن يتمثل في محاولة إثراء الكتابة التاريخية التونسية،بالانفتاح على بعض الفضاءات الجغرافية المتوسطية القريبة. ونظرا لصعوبة إنجاز دراسة مقارنة شاملة بين البلدان المغاربية، فقد ركز المؤلف على التاريخ التونسي.

وبهدف إغناء مصادره التاريخية وتجاوز مسألة الانغلاق وعدم التنسيق بين الدراسات الطبية والتاريخية، وظّف حسين بوجرة مادّة مصدريّة ومرجعيّة متنوعة تلامس موضوع الأوبئة والأزمات الديمغرافية، من أجل المساهمة في تأسيس “تخصص أكاديمي قائم على أساس تكوين طبي وتاريخي مشترك”، على منوالما قام به المؤرخ المغربي بوجمعة رويان في أطروحته حول الطّب الكولونيالي الفرنسي بالمغرب[6].

ينطلق المؤرخ التونسي حسين بوجرة، في عمليتي تفكيك وتركيب عناصر كتابه، مما حققته الإسطوغرافيا الأوروبية من تراكمات معرفية تهمواقع الطاعون والأوبئة، إلى المحاولات المغاربية في موضوع الأزمات الديموغرافية، ومن المصادر التاريخية إلى البحوث الحديثة. لقد اتّخذ بوجرّة مفهوم الطاعون، على حد قراءتنا، كواقعة اجتماعية كلية[7]، تتمفصل وتتقاطع عندها المستويات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية. فهو خيطٌ ناظمٌ لقضايا تاريخية،ذات أبعاد اجتماعية وبيولوجية، حيث إنّ الاهتمام بدراسة تاريخ الأمراض والأوبئة والطب، يساهم “في كتابة تاريخ المجتمعات الإنسانية، وتاريخ صمودها في وجه أعتى عامل بيولوجي، وهو المرض والموت مرضا”.

قارب المؤلف ظاهرة الموت الجماعي أو وفيات الأزمات بتونس والمغارب، خلال حقبة ما قبل الاستعمار، مركزا على أزمات وباء الطاعون، ليس فقط من الجانب الديمغرافي التاريخي، بل باعتبارها قضايا أثارت سجالات فكرية وخلافات نظرية فقهية وطبية، حين تحولت الوفيات الجماعية من ظاهرة عامة في العصور الوسطى إلى ظاهرة طاعونية بعد منتصف القرن الرابع عشر. إنه إشكال عميق يتطلب منهجيا، الانتقال من واقع الموت الجماعي إلى عقليات الموت الجماعي، مرورا بالسلوكيات والطقوس الجماعية، لإبراز الثّابت والمتغيّر في تاريخ الأوبئة والطواعين.

يستمد هذا المنهج إطاره النظري من الكتابة التاريخية الحولياتية، لاسيما مع منعطف جيلها الثالث، جيل الأنثربولوجيا التاريخية في الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين. كما يتضح ذلك مثلا في مشروع ومقاربة “ميشيل فوفيل” للموت وطقوسه وتمثلاته،عندما انطلق من الواقع الديموغرافي لرصد الذهنيات الجماعية وأشكال الخطاب مُرورا بشبكة الطّقوس والعادات الجنائزّية[8].

في مراجعة التّحقيب التّاريخي

اهتم بوجرّة في هذا الكتاب، بالأزمات البيولوجية وبتاريخ الطاعون وذهنياته في المغارب، على ضوء مقاربة استرجاعية، تنطلق من بداية القرن التاسع عشر وصولا إلى منتصف القرن الرابع عشر. قد يبدو هذا الأمد الزمني طويل جدًا، لكن طبيعة الموضوع تقتضي تمطيط الزمن التاريخي، وجعله أكثر بطءًا وانسيابية، بعيدًا عن التقطيع الكرونولوجي الصّارم المعتمد في التحقيب التقليدي.

وبما أنّ أطروحة بوجرة تندرج ضمن التاريخ الاجتماعي والثقافي، فقد أثار إشكالية التحقيب التاريخي المغاربي المتداول، “القاضي بعدم تجاوز القرن السادس عشر باتجاه الخلف، إذا ما أردنا البقاء ضمن فضاء العصور الحديثة”. ولأنه تحقيب متعال، لا يستحضر خصوصيات كل مجال، اقترح تحقيبا جديدا ينظر إلى الطاعون الجارف كلحظة مفصلية أدخلت بلاد المغرب إلى العصور الحديثة، على اعتبار أنّ المدونات التاريخية والفقهية لم تتجاوز ما تمت كتابته إبّان فواجع الموت الأسود. إضافة إلى استمرار نفس أساليب التعامل مع الطاعون،إلى حدود القرن التاسع عشر على الأقل، عندما شكل وباء الكوليرا وريثا شرعيا لوباء الطاعون الذي أخذ في التراجع والتقهقر.

ويظهر من خلال متن الكتاب، بشكل عام، أن المؤلف قسم المساحة الزمنية التي اشتغل عليها، حسب أدبيات الطواعين،إلىحقبتين زمنيتين: حقبة أولى، ما بين القرن الرابع عشر ونهاية القرن الخامس عشر،خاصة مع كتابات الأندلسيين ابن خاتمة وابن الخطيب والمغاربيين ابن هيدور وابن عرفة. ثم حقبة ثانية،مع القرن السادس عشر واستمرت حتى بداية القرن التاسع عشر، من خلال تتبعه لأدبيات الطواعين والسجال الفكري الذي كان قائما في مجالي تونس والمغرب، حول قضية الاحتراز من الوباء والعدوى.

لقد أثارت إشكالية دخول البلدان المغاربية إلى الأزمنة الحديثة مع القرن السادس عشر، سجالات معرفية بين مختلف الباحثين في العلوم الاجتماعية والإنسانية، في إطار عملية مراجعة التحقيب التاريخي السائد، مما أفضى إلى ضرورة التفكير في خلخلة التقطيع الزمني التقليدي، ثم البحث عن البديل، اعتمادا على البنيات التاريخية بدل الأحداث السياسية. فهل يمكن القول مع بوجرّة، أن بلاد المغرب ولجت العصور الحديثة في أعقاب الطاعون الأسود الجارف؟

من المعلوم،أن بنيات المجتمع اتسمت بالجمود الفكري والتوجهات الغيبية، منذ منتصف القرن الرابع عشر، حيث لم تتجاوز سمات القرون الوسطى، وظلّت وفيّة لنسقها العتيق قبل دخول التقنيات الحديثة في القرن التاسع عشر.وإذا كانت الأزمنة الحديثة تستلزم شروطا عديدة أهمها توظيف التقنيات والوسائل الحديثة في مختلف مظاهر الحياة، فإن المغرب لم يعرف مُنذ وُصُول الإسلام حتى الرّجة الاستعمارية الحديثة، سوى “عصورا وسطى ممتدة”،لاسيما على مستوى بنياته الاقتصادية والاجتماعية والثقافية،لأن الأمر يتعلق، بحسب ما يقترحه محمد حبيدة، بـِ”عصرين: عصر وسيط مبكّر، يمثّل العصر الوسيط الكلاسيكي الذي يشتغل حوله المؤرخون الوسيطيّون، وعصر وسيط متأخّر يوافق فترة ما قبل الاستعمار”[9].

عموما، حاول صاحب الكتاب أَن يتفاعل وينتقد بعض النظريات والدراسات التي صوّرت موقف المغاربيين من الأوبئة في مشهد سكوني جامد، وغيّبت الجدل والحراك الذي كان قائما بين الفقهاء والنّخب السيّاسيّة والفكريّة حول التحفّظ أو عدم التحرّز من الوباء. لقد تمّ تأويل ذلك بطريقة “من شأنها أن توحي بأن السّاحة الفقيهة والفكرية كانت دوما، منذ منتصف القرن الرابع عشر وصولا إلى تاريخ انتصاب الاستعمار الفرنسي، على غاية من الجمود والعتاقة”، بسبب الاستسلام الأعمى للقضاء والقدر وعدم التصديق بالعدوى. لكن الأمر ليس كذلك، إذ على صعيد النص المؤسس، وعلى مستوى الأحاديث النبوية، “هناك نفي للعدوى كما هناك إقرار بها، وهو الأمر ذاته في مجال التأويلات والشروح”.

وعلى المستوى الواقعي-العملي والتلقائي-الغريزي، كان الفرار من الوباء وعدم الإقبال على المناطق الموبوءة، عبارة عن سلوكيات ومواقف أخذت بها مختلف الفئات الاجتماعية، خوفا من وحشية وهول الموت الأسود الذي يفتك بضحاياه في وقت وجيز. كانت المنازل والمارستانات والأزقّة ثم المقابر تعج بالموتى، وكانت معالم الحضارة والعمران تنهار بصورة مرعبة،كما وصفها ابن خلدون في زمن الطاعون الجارف في الأربعينيات من القرن الرابع عشر[10].

بصفة عامة، تعد أطروحة المؤرخ التونسي حول الطاعون وبدع الطاعون، لبنة أساسية في مسار أوراش التّاريخ الاجتماعي والثّقافي المقارن، التي من شأنها المساهمة في بلورة إشكاليات وآفاق واعدة أمام الباحثين المهتمين بالمعرفة التاريخيّة وبالعلوم الإنسانيّة، ما دامت المناهج والمصادر التي استخدمها في توضيب سلسلة أقسام كتابه تتّسم بالتّنوع والغنى النّظري والمعرفي.هذاما مكنه من إلقاء الأضواء على جوانب مغيبة في الحراك الاجتماعي ببلاد المغرب قبل الاستعمار، من خلال رصد التطور الحاصل في الذهنيات تجاه ظاهرة الوفيات الجماعية.

ملحوظة: سبق نشر هذه القراءة في موقع “الجمعية المغربية للبحث التاريخي”، (أبريل 2018)


[1]– برنار روزنبرجي وحميد التريكي، المجاعات والأوبئة في مغرب القرنين 16 و17، ترجمة عبد الرحيم حزل، الطبعة الثانية، الرباط، دار الأمان، 2010.

[2]-محمد الأمين البزاز، تاريخالأوبئة والمجاعات بالمغرب في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، الرباط، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، 1992.

[3]-بخصوص ظروف تأسيس هذه المجموعة وأهدافها. انظر: »نص القانون المنظم لمجموعة البحث في الديمغرافيا التاريخية«، مجلة أمل، ع 7، 1996، ص 131-133. وقد أصدرت تلك المجموعة أربعة أعداد من مجلتها “كنانيش”، المهتمة بالديمغرافيا التاريخية، لكنها توقفت عن الصدور منذ سنة 2002.

[4]-أحمد الناصري، الاستقصا لأخبار دول المغرب الأقصى، ج 5، تحقيق جعفر الناصري ومحمد الناصري، الدار البيضاء، دار الكتاب، 1997، ص183-185.

[5]-محمد الأمين البزاز، ن م، ص 394-408.

[6]-بوجمعة رويان، الطب الكولونيالي الفرنسي بالمغرب 1912-1945، الرباط-نيت، الرباط، 2013.

[7]– مفهوم أبدعه عالم الاجتماع مارسيل موس، بغرض تناول الظواهر الاجتماعية من مختلف جوانبها وتمفصلاتها العديدة. راجع:

-Marcel Mauss, «Essai sur le don.Forme et raison de l’échange dans les sociétés archaïques», in:L’Année Sociologique, seconde série, 1923-1924.

[8]– Michel VOVELLE, «Sur la mort», in:Idéologies et Mentalités, La Découverte, Paris,  1985, pp. 103-105.

[9]-للمزيد من التفاصيل حول مفهوم العصور الوسطى الممتدة. راجع: محمد حبيدة، بؤس التاريخ مراجعات ومقاربات، الرباط،دار الأمان، 2015،ص 30-31.

[10]-عبد الرحمن ابن خلدون، المقدمة، تحقيق عبد السلام الشدادي، الدار البيضاء، خزانة ابن خلدون، 2005، ص 46.

- محمد أبرهموش

باحث في التاريخ، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، القنيطرة

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.