الخميس , 29 أكتوبر, 2020
إخبــارات
الرئيسية » نـدوات وملفـات » علم الأوبئة والجغرافية الطبية في المغرب

علم الأوبئة والجغرافية الطبية في المغرب

H.P. Renaud, La peste au Maroc. Etude d’épidémiologie et de géographie médicale,Rabat, 1922.

هذا الكتيِّب من تأليف هنري بول جوزيف رونو، وقد صدر عن مصالح الصحة العمومية بالمغرب سنة 1922.رونو هذا من مواليد بلدة أيفيلر الواقعة في قدم مرتفعات الفُوجْ سنة 1881، التحق سنة 1901 بمدرسة الصحة العسكرية بليُونْ، وبعد حصوله على الدكتوراه في الطب سنة 1905، وقضاء سنة في فال دُو غْراس، عُيِّن طبيبا مساعدا في الفيلق السادس للمشاة، ثم عمل في القوات التي شنة الحملة العسكرية على الشاوية، فهو إذن من الرعيل الأول من الأطباء العسكريين، الذين عملوا بالمغرب وواكبوا مرحلة الغزو الاستعماري. عينه ليوطي طبيبا خاصا للسلطان مولاي يوسف، وانكب وهو في منصبه هذا على تعلم اللغة العربية، ومكنه ذلك من الاطلاع على المخطوطات المتعلقة بتاريخ الطب، ثم أصبح مساعدا لمدير الصحة، وقيما على الخزانة العامة، وأستاذا لتاريخ العلوم عند المسلمين بـ”معهد الدراسات العليا المغربية”، كما تحمل لعدة سنوات مهمة سكرتارية تحرير مجلة هسْبِريسْ، وقد توفي فجأة في 5 شتنبر 1945.

ترك رونو مجموعة من الدراسات، يهمنا منها مقالاته الأربعة حول الطاعون، التي صدرت في مجلة “هسبريس” تباعا في سنوات 1921، و1923، و1925، و1939، وكلها حول الطواعين التي عاثت في المغاربة خلال القرن الثامن عشر والربع الأول من القرن التاسع عشر، واعتمد في إنجاز ذلك على مراسلات القناصل ومقارنة ما ورد فيها مع ما سطَّره الإخباريون المغاربة في الموضوع.

أما كتابه عن “الطاعون بالمغرب”، موضوع هذه المقالة، فقد أصدره في سنة 1922، أي أننا اليوم على بعد ما يقرب من قرن من الزمن على صدوره، وهو كتيب لا يتعدى عدد صفحاته العشرين صفحة، تتخللها خمس خرائط للمزيد من الإيضاح. والكتاب في مجمله عبارة عن نوع من التقصي حول وباء الطاعون في المغرب في الفترة الممتدة ما بين 1909 و1922، فهو أشبه بتقرير عن الحالة الوبائية بمناطق الشاوية ودكالة وعبدة وسوس وبعض المدن المغربية، وهو يحاول تسليط الضوء على دور العوامل الجغرافية، الطبيعية والبشرية في انتشار الأوبئة.

جمع رونو معطياته الواردة في هذا الكتيب من مجموعة من الأطباء العسكريين، الذين كانوا يجوسون عبر عدد من مناطق المغرب للتعرف على المجالات التي ستتقدم فيها جيوش الاحتلال، وعلى ما كان يلتقطه هؤلاء من معلومات مما علق بذاكرة بعض من تمكنوا من الاتصال بهم.ويمكن تقسيم المعطيات الواردة في ثنايا هذا النص إلى قسمين. اهتم رونو في القسم الأول بعبث وباء الطاعون في المغاربة ما بين 1909 وبداية سنة 1922. واستهل كتابه بذكر مقال اعتبره مفيدا صدر سنة 1913 في مجلة الصحة والبوليس الصحي، تناول فيه صاحبه ريملنجر الطاعون بالمغرب مع التركيز على الشاوية ودكالة وعبدة. وبعد ذلك انتقل رونو إلى تسليط الضوء على الطاعون خلال الفترة المذكورة محاولا تلمس أسبابه والعوامل الكامنة وراء تفشيه وتمركزه في بعض مناطق المغرب.

يورد رونو أن الطاعون كان موجودا بالمغرب قبل مجيء الفرنسيين، غير أنه لم يظهر ويشع منذ سنة 1818 سوى على شكل دفعات محلية، ولكن سورته اهتاجت بقوة في دكالة سنة 1911، وتفشى فيها إلى بداية 1912 مخلفا ما بين 8000 و 10 آلاف من الوفيات. ويتميز هذا الداء بتكون كتل غددية في العنق وتحت ثنية الفخذ وتحت الإبط، وفي العديد من الحالات كانت تظهر على جسم المصاب بقع سوداء تشبه الحروق الناتجة عن الكي بالنار. واكتسح الوباء في السنة الموالية السهول الأطلنتية من أبي رقراق إلى تانسيفت.

وتابع رونو حديثه عن سير الوباء في السنوات التالية، فأورد أنه أفنى في ربيع 1913 ربع السكان في جنوب غرب دكالة. وعلى الرغم من خفوت قوته، فإنه عاود الظهور في سنة 1914 ليضرب فضالة ودكالة وعبدة، كما عاث في تطوان ولبث بين أهلها من بداية السنة إلى شهر غشت مخلفا خمسين حالة منها عشر حالات في حامية المدينة.

وداهم الطاعون من جديد الرباط وسلا فيما بين سنتي 1916 و1917 مخلفا 28 حالة تخطف الموت منها ما لا يقل عن 21. وخلال إحدى جولات المجموعة الصحية المتنقلة تم اكتشاف وكر للوباء من النوع الدملي في أتم نشاطه على مقربة من تارودانت، نتجت عنه 50 وفاة. وأرجفت الأخبار في خريف 1919 بتفشي وباء متميز اندلع خلال النصف الثاني من أكتوبر في جنوب عبدة، وخلف ذلك مجموعة من الحالات هناك في بعض الفخدات والدواوير.

وعلى الرغم من الحجر الصحي الذي أقيم في يناير 1920، فإن الوباء قد توغل بما يزيد على 40 كلم شمال عبدة وخلف هناك 6 حالات و 4 وفيات، وفي غضون ذلك نظمت حملة واسعة من التلقيحات مكنت من إيقاف زحف الداء بعد أن تسبب فيما مجموعه 35 حالة ذهب الموت بِـ 21 منها. وحيث لم يلاحظ أثناء ذلك أي موت للفئران، فقد نُسبت العدوى، على وجه الاحتمال، لمرور رحل آتين من الجنوب.

ومنذ ماي 1920، كانت منطقة راس الواد شرق تارودانت مركز وباء يعزى إلى الزكام، تسبب في 20 وفاة، وهو ما استدعى استقرار طبيب بتارودانت. وفي السنة الموالية وردت أخبار من أهالي قادمين إلى مراكش مفادها أن مرضا يخيم على رأس الواد، ويعجل بموت المصابين به، ويتميز بظهور التهابات في الحالب والإبط والعنق، مما يدفع لا محالة إلى الجزم بأنه الطاعون، غير أن رونو اعتبر أنه، على غرار ما كان يحدث في السابق، حالت ظروف سياسية دون إرسال طبيب إلى المنطقة الموبوءة، ولم يلبث الوباء أن اندلع في دجنبر فجرف بعض الحالات وأمات الفئران والقطط. وبفضل نشاط طبيب قاعة التمريض الأهلية والمجموعة الصحية المتنقلة، تم التمكن من تطويق هذا المركز الوبائي، وعادت الأمور إلى حالتها العادية في بداية 1922.

سوف نقوم الآن بعرض الفرضيات المتعلقة بظهور الطاعون ومصدره وعوامل تفشيه انطلاقا مما أورده رونو في توزيعه الجغرافي للطاعون.إن وجود مركز أصلي للطاعون بتافيلالت كمصدر لكل المراكز الأخرى، وبعلاقة مع منطقة برقة والشرق أمر مشكوك فيه، ولا أدل على ذلك من تأكيد بعض الشهود من سكان الشاوية على أنهم يعرفون الطاعون الدملي، الذي ينعتونه باسم بوكْبَّار أو بُوطابْكْ ويتحدثون عن “عام بوكبار”. ويؤكد الأوربيون الذين قطنوا دكالة منذ عدة سنوات قبل احتلالها، أن الطاعون متوطن بها، يظهر ثم ينطفئ بشكل يكاد يكون دوريا، مما أعطى مناعة للناجين وللقوارض على حد سواء.

يناقش رونو في كتيبه فرضية وفود الطاعون عن طريق البحر، ويؤكد على عدم وجود أي علاقات بحرية بين دكار والدار البيضاء، ثم إن الطاعون لم يوجد في حالة وباء متوطن في السِّنغال إلا ابتداءً من سنة 1919.ويورد رونو أن هناك من يدعو إلى الوقوف إلى جانب الفرضية القائلة بوجود بؤرة للوباء في أقصى جنوب المغرب، ينقل منه السوسي  والدّْراوي  والفيلالي عدوى الطاعون نحو دكالة، بالإضافة إلى دور الرقَّاص في نقل الوباء.

وبعد أن عرض رونو لدور القوافل والمسارب الرئيسية والرحل، وما كان يعرض في الأسواق من أسمال وأمتعة من ذهب بهم الطاعون، يشير إلى أن هذه الفرضيات لا يمكن أن تستقيم إلا بالبحث عن ناقل آخر للوباء وهو الفأر، إذ لم يكن الأهالي يتفطنون إلى أن موت الفئران يواكب تفشي الطاعون. ولاحظ رونو في الوقت ذاته، أن حالات الطاعون تتكاثر لدى الخبازين والطحانين ومستخدمي مصالح التموين وغيرهم، مما لهذه المهنمن اتصال بما يجذب الفئران من الأقوات. ولم يفت المؤلف وهو يتحدث عن دور الفأر كمعيل للبراغيث الناقلة للعدوى أن يشير إلى الأماكن التي توفر ملاذا آمنا للفئران وأنواع من التربة كالحَمْري والتِيْرْس اللذين يتميزان بخصوبة كبيرة تيسر لتلك الفئران إمكانية حفر أجحارها.

          وفي آخر الكتيب يلخص المؤلف خصائص الطاعون بالمغرب، ويحددها في تعدد مراكز الوباء بشكل قوي ومتغير، واستقلال المراكز عن بعضها البعض، ويلتقي فيما قاله مع ما أجمع عليه الأطباء العسكريون في بداية القرن العشرين من أن الطاعون متوطن بدكالة والشاوية.

          ويخلص رونو إلى أن فرنسا مطالبة بأن تحمي المغرب من تفشي الطاعون، وذلك بحراسة الرحل والفأر، لأن هذا وحده سيخلصنا من هذا الوباء كداء استقر بالمناطق الغربية من المغرب، وأصبح يفتح أمام الاستعمار إمكانية استغلال تلك المناطق.

يلاحظ بعد قراءة هذا الكتيب، الذي يعج بالمعطيات والتفاصيل حول الطاعون كما أشرنا، أن صاحبه التزم بجغرافية وبائية تركز على مناطق بعينها، وهي السهول والمدن، وما عُرف لدى ليوطي بـ”المغرب النافع”. ولم يخرج المؤلف عما كان معمولا به لدى فرنسا وغيرها من الدول الاستعمارية، من البحث عما يبرر التدخل في مجتمعات تنخرها الأدواء، ومن ثم النظر إلى المغاربة كخزان للأوبئة في حياتهم ومحيطهم الجغرافي وتقاليدهم وعاداتهم وتحركاتهم.

تحدث رونو عن الطاعون في المغرب فيما بين 1909 و1920 دون ربط ذلك بما كان يجري في المغرب من أحداث يومئذ، إذ كانت المفاوضات على قدم وساق بين رِينْيُو والسلطان عبد الحفيظ دامت قرابة شهرين سنة 1909. ولم يذكر منع المجلس الصحي للحج سنة 1911 خوفا من أن تنتشر الكوليرا في المغرب فتزداد الأمور تعقيدا في بلد يعيث فيه الطاعون بشكل رهيب.

وفي الوقت الذي كان فيه الأطباء يجوسون عبر مناطق المغرب لتمشيط الساحة أمام الجيوش الفرنسية وهي تتوغل في دكالة والشاوية وزعير، تغافل رونو عن دور تلك الجيوش في المساهمة في نشر الوباء بهذه الدرجة أو تلك. وفي الوقت ذاته كذلك، كانت الدبلوماسية الفرنسية نشيطة في كسب جولاتها في المفاوضات مع السلطان والاستعداد لبدء المفاوضات مع ألمانيا في سنة 1911، وهي سنة طاعون مخيف.

- بوجمعة رويان

جامعة ابن طفيل/القنيطرة

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.