الجمعة , 24 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » الكتابة ورحم التخلق

الكتابة ورحم التخلق

محمد أنقار، المصري، الدار البيضاء، منشورات الزمن، 2004
الرواية وسحر الشرق

عرف تاريخ الكتابة الروائية المعاصرة أصنافا من التأمل في الكتابة وفي مساراتها الملتوية ومكونات مطبخها السري قبل أن تستوي في حلتها النهائية ويبدو أن تجربة محمد أنقار في روايته المصري تأكيد لهذه العناية التي عرفتها مراحل ما قبل النص سواء في النصوص الإبداعية نفسها مثلما فعل محمد برادة في لعبة النسيان أو في امرأة النسيان أو في بعض الدراسات النقدية التي أنجزها روائيون كما في فن الرواية لميلان كونديرا

إن ما يبدو لافتا للانتباه في هذه الرواية أن يكون النموذج الأمثل المحتذى والعاكس للكتابة في درجتها الإبداعية القصوى، هو نجيب محفوظ بكل تاريخه الإبداعي الحافل وبكل التنوع الذي عرفته الكتابة عنده، سواء في ما يخص طبيعة الشخصيات أو الفضاءات أو حتى التصنيف المذهبي للرواية

بين قاهرة نجيب محفوظ وتطوان أحمد الساحلي الشخصية الروائية المسكونة بقلق الإبداع، تتأسس وشائج القربى المرتكزة أساسا على الاحتفاء بالمكان في مرجعيته الواقعية وبعده التخييلي

تحضر تطوان بكل تفاصيل مرجعيتها المكانية سواء في النص المركزي، نص الرواية التي جعلت المدينة خلفية حكائية لها، (حي المحنش، الحدادين، النجارين، القصبة، الفدان، الوسعة، جامع القصبة، سوق الحوت القديم، الطرافين، السوق الفوقي، سبع لواوي، باب المقابر، درب الطالعة، درب النقيبة)، أو في النص الجنين الذي يحلم أحمد الساحلي بطل الرواية أن يكتبه عن تطوان الفضاء الذي يسكن أعماقه مثلما سكنت القاهرة أعماق نجيب محفوظ وأثرت في معجبيه وعلى رأسهم صاحبنا الساحلي، الذي يقول في أول محاولة لاستجماع طاقته التخييلية قبل الشروع في كتابة مقطعه القصصي الأول:

“وقطعت فجأة القراءة وغيبت الوجه المكتوب لأصبح في مواجهة الصفحة البيضاء لعبت بالقلم بين أناملي كأني أغازل المجهول () وفي ثانية متناهية الصغر غدوت سيد الموقف تأجج الذهن كخلية نحل وأشرفت على التنفيذ لكن الولادة في حد ذاتها عملية عسيرة وطال أمد القلم ين أصابعي ()

وبحركة عنيدة أخرجت الدفتر الصغير وفتحته في عنوان “السوق الفوقي”: “حكاية التاجر القصير مع السوق الفوقي ومع زوجاته الأربع”

واستجمعت كل قوتي التخييلية حتى تمثلت الرجل أمامي بطربوشه ووزرته وصمته وغوتني ألحان زكريا أحمد المتصابية فاختلطت صورة التاجر المطربش بصورة تاجر آخر معمم عرف في تطوان بصمته المطبق حتى قيل عنه إنه متزوج بجنية

وانتعشت بهذا الربط الموفق حتى تخايلت لي معالم قصة طويلة وطريفة عن تاجر صامت غريب الأطوار يعاشر جنية فاتنة عوض معاشرة إنسية

لكن سرعان ما تراجعت عن المضي في هذا السبيل عندما تذكرت أن معركتي القصصية ليست مع الناس في حد ذاتهم، وإنما من حيث هم منافذ للتسلل عبرهم إلى تصوير عتاقة تطوان، واستخلاص رحيق مآثرها وعاداتها الأصيلة

واستحضرت من جديد التاجر الصامت القصير القامة وتمثلته متزوجا بأربع يسكن كل واحدة في درب من الدروب القديمة الجديرة بالتصوير وفي خلوة تلك الدروب تنشط كلماته الليلية ويعوض بها صمت النهار وانتعشت ثانية، ثم تناوات القلم وشرعت أرتب الجمل “إذا رمت بك الأقدار يوما إلى دروب تطوان وأزقتها، وأتيحت لك فرصة التفرس في ملامح ساكنيها فلا تتوقف عند الملامح الخارجية والسمات الظاهرة فإذا عاينت وجوها صامتة فاعلم أن وراءها كنوزا من الحكايات الناطقة

وإذا تأملت التقاسيم مليا فاعلم أن أخاديدها قد حفرت فيها معالم الشوارع الوديعة والساحات الصاخبة، والأحجار المغروسة والعتاقة الغميقة وإذا كنت لم تفز بعد بمثل تلك الفرص السعيدة دعني أنوب عنك في القيام بهذه المهمة فأروي لك قصة التاجر الصامت القصير وما وقع له من نوادر في السوق وما حدث له من طرائف مع زوجاته، تلك القصة التي جمعت تفاصيلها بحكم الجوار وحسن الإنصات لشيوخ الوسعة والفدان العاطلين، الذين هم على لعب الضامة من المدمنين

بيد أني لن أحدثك عن زوجات التاجر المصونات، وأمزجتهن وجمالهن المتفاوت الدرجات حديثا مباشرا، صريحا، وإنما سأعرج بك على مقرات سكناهن في باب العلقة والسويقة والسوق الفوقي والزنقة الضويقة وهي منازل اختارها التاجر بعناية وقصد بها أن تفي بالغاية، لتكون بعون الله ملاذا للأولاد وللزوجات حزرا من عيون الحساد” ص 77 – 79

يهيمن على هذا المقطع أمران يتمثل الأول في المعاناة التي تسبق فعل الكتابة أو تتزامن مع هذا الفعل، إنها لحظة التكون التي تحدد معالم الإبداع في مراحل مخاضه المختلفة، أراد الروائي أن يكشف بعض أسرارها على لسان بطله أسير سحر مدينته ذات العبق التاريخي الأصيل، كما جاء على لسان الراوي

غير أن الجدير بالذكر، وهذا هو الأمر الثاني، هو أن خلفية الشيخ والمريد بين أحمد الساحلي ونجيب محفوظ تبدو قوية في هذا المقطع، فالمكان يمثل البطل الأساسي في مقصدية البطل الكاتب وليس الشخصية كما يقول

إضافة إلى أن خلفية التخييل تتأسس على تتبع عمق الشرط الإنساني داخل مجال له من العمق التاريخي والأصالة ما يجعله مرجعا أعلى لا يختص فقط بالدائرة الجغرافية التي يتواجد فيها بل الأكثر من ذلك أن البطل يبحث في نجيب محفوظ عما يجمعهما فيكون مبررا ومسوغا وشفيعا لولوج عالم الإبداع من بابه الشرعي:

“ما الذي انفرد به نجيب محفوظ حتى ألم في روايته بتفاصيل القاهرة وأزقتها وملايين بشرها وأصناف عاداتها وآلاف مشاكلها وأحلامها؟

لابد أن يكون ثمة سر يجمعني بالأديب المصري أكثر مما يجمعني بالمحامي ذي الأصول البدوية الرطوبة التي تسري في دمي وفي دروب مدينتي، والإحساس بجنائزية العصر، والريح الشرقية، والتقزز من بيع الذمم، وتضارب الأهواء والأصوات والقيم على نحو بشع؛ تلك سمات لا تستطيع ذات بنعيسى أن تتريث إزاءها حتى تتدبرها ثم إنني أتفوق عليه بقراءة المنفلوطي الحالم والرافعي الوقور ونجيب محفوظ الساحر، أما هو فلا يعطي لهذا الصنف من الكتابات أي اعتبار

وطلبت من الله أن يعينني فيما تبقى لي من أيام حتى أستخلص منها قيمة قصصية متماسكة أتحداه بها واستحضرت ذكرى عبد الكريم إذ هي معين التحدي ومع الذكرى تسلط هاجس الأسبوع المصيري” ص 50 -51

من مميزات الفن الروائي أن كل رواية تشكل في حد ذاتها تأملا في كل تاريخ الجنس الذي تنتمي إليه، وهو الأمر الذي لم يجعله محمد أنقار مقنَّعا أو ضمنيا في روايته المصري، بل جعل سيرورة الحدث متقاطعة مع سيرورة التأمل في الشروط النفسية والاجتماعية والثقافية المتحكمة في الإنتاج

وقد برع في ذلك إذ لم يكتف بجعل بطله يصارع الأفكار والقيم، ويعتصر المخيلة ليكتب، بل جعل لهذا البطل مثلا أعلى يعكس مفهومه للكتابة، من جهة ويعكس موقفه مما حوله من جهة ثانية يظهر ذلك بوضوح في المقطع السالف (ص51)

فالراوي لا يكتفي بالرغبة في الكتابة على منوال نجيب محفوظ، بل يتعدى ذلك إلى جعل سيرته الخاصة وخلفياته الأخلاقية موجها له في العمل وإلا كيف يستحضر بأسى روح رفيق دربه عبد الكريم وهو يستعد للكتابة فيما يستهجن صورة بنعيسى النموذج الذي لن يستوعب معنى الإبداع وحرقة الأسئلة

تعتمد الرواية كما ذكرنا تقنية التقاطع بين سيرتين: سيرة حياة تتولد من زخمها سيرة للكتابة ومشروع ولادة كاتب في خريف العمر ذلك هو أحمد الساحلي المعلم الذي قضى حياته في صراع بين مواضعات المجتمع وأعرافه، وضغط التقاليد، وإكراهات الزواج، صراع فترة الشباب بين قيم مجتمع ضاغطة ورغبة في الانطلاق وواقع كئيب:

“في مدرسة المعلمين هبت علينا نسائم الصبا ففارت نفوسنا بحب الدنيا ونبض الشباب بدأت عقولنا وأجسامنا تكتشف أسرار الكون كما لو كنا فراخا تكسر قشرة البيضة وتشرئب نحو بهجة الأشياء لأول مرة

ومع ذلك لم يسعفني ربيع الحياة على أن أستأصل بصفة تامة شفافية العصر الكئيبة وقد لفت شغاف القلب، وإنما عاينت الضباب الرمادي يتكاثف قبالتي ويمهلني بعض الوقت لأتحرك تحت نظر عيونه الساهرة يافعا شقيا يمرح في فناء مسيج محروس” (ص11)

ينضاف إلى كل امتلاء الشباب وخيباته، خيبة الأمل في مستقبل مهني خطط له الراوي ولم يتحقق، ألم الفراغ من مواجهة لحظة التقاعد عن العمل، الرغبة في الكتابة وفي التفوق والإحساس بالفخر بالانتماء الرمزي إلى سحر الشرق وإلى حضن شخصيات نجيب محفوظ التي حولتها مخيلته إلى أسطورة فاعلة وإلى تجسيد عميق للحلم:

“ثم توظفنا وانخرطنا عضوين في النادي واستطبنا الاسترخاء فوق كراسيه الوثيرة وذات يوم عطلة سألني عبد الكريم:
أي سحر نفثه فيك الفراعنة حتى جعلوك واحدا منهم؟ فأجبت بزهو متعالم:
لا بد من رد كل الميول إلى مبدأ الفروق الفردية واطمأن عبد الكريم في جلسته حتى بدا حكيما من حكماء الجاهلية وأردف:
على كل حال كلنا ضحايا هذا المبدأ الجميل لكنها يظهر أنك زودتها حبتين كما يقول أهل عشيرتك ودغدغ أعماقي اعتزاز باطني لم أنس فورته منذ تلك الجلسة فقد وعيت بأني أختص بشيء لا يمتلكه صديقي بنفس القدر من الاحتضان والدفء إنه يقرأ ما أقرؤه من صفحات مشرقية، ونرتاد سويا قسم الصحف والمجلات المحاذي للمعهد الرسمي لكن من دون أن يصل به الوجد إلى أن يشم الورق ويميز من خلال الرائحة طبعة دار الكتب وطبعة دار الهلال وطبعة دار المعارف وطبعة مكتبة مصر() كما أن المرحوم لم يتعذب من أجل أن يعيد حميدة إلى الصواب، أو يحلم بقضاء ليلة واحدة في أحضان نور والمخاطر تحفنا من كل جانب، أو أن يعيش ما تبقى من حياته مع عايدة في جزيرة نائية خالية من البشر أو أن ينعم بالصفاء وهدوء الروح في خلوة مع الشيخ الجنيدي لقد كان عبد الكريم شرقي الهوى هو الآخر لكن لم يتطلع أبدا إلى كتابة قصة طويلة عن تطوان بإيحاء مصري” (ص14-15)

الكتابة والخلود

المصري سيرة حياة يتقاطع فيها المكان والإنسان، وسيرة كتابة تتعرى على صفحتها مكابدة تطويع الحرف والمعنى، وقهر للموت

منذ سنوات سئل امبرطو إيكو في أحد الحوارات عن الغاية من الكتابة فكان جوابه أن أفضل وسيلة لمواجهة رعب الحياة هي أن نكتب كتابا أو ننجب طفلا كما سئل الروائي الياباني كنزا بورو نفس السؤال فكان جوابه أن الكتابة كانت بالنسبة إليه علاجا ضد السقوط القدري في مأساة الانتحار التي عرف بها الكثير من اليابانيين

أليس جديرا بالتأمل أن نطرح السؤال: لماذا بدأ كاتب الرواية بالحديث عن العصر والموت، بغض النظر عن منطق الحبكة الروائية الذي يجعل هذا الحديث يفضي إلى وصف تشييع جنازة عبد الكريم صديق الراوي ورفيق دربه؟ “تدفن تطوان موتاها بعد صلاة العصر وكان أبي رحمه الله قد علل ذلك بأن حرفيي المدينة العتيقة كانوا يسترسلون في العمل والبيع ثم يأوون إلى منازلهم الظليلة للنظافة والغداء ليتفرغوا بعد العصر لمآربهم اليومية بما فيها دفن الموتى هكذا ارتبط العصر بالموت ولحكمة إلهية حرت في فهمها اختلطت في أعماقي كوابيس تلك الفترة من النهار بأحاسيس التلاشي والفناء كأن وقت العصر الشفاف بداية لنهاية الكائنات إن لم يكن أكثر خواء من النهاية ذاتها فالعصر أقوى فتكا ببنيتي الهشة من الغروب واشد منه مضاء ما دام الغروب يسمح لي بمعاناة القدر المحتوم وقد تجسد في أفول الشمس وغياب الضوء واندحار النهار، ويتيح لي تشرب الخاتمة التي لا مفر منها وقد رسمت أماراتها القانية في صفحة السماء الداكنة أما أثناء العصر فترغمني آيات الطبيعة على مكابدة النهاية قبل أوان النهاية دونما توطيد مسبق للنفس على استقبال النهاية آنذاك يتسرب إلى الجوارح الرقيقة شعور قاهر بمأساوية المصير المرعب” (ص 3)

تبدأ الرواية بتشييع جنازة عبد الكريم صديق الراوي وزميله في الفصل ورفيق دربه ورغم ما ساد علاقتهما من تأرجح بين الاستقرار والتوتر والاختلاف بسبب الطبيعة المزاجية لكل منهما، وبسبب تصور كل منهم للكيفية التي ينبغي أن يحقق بها حلمه ويبني مستقبله، وبرغم التغيير الذي أحدثه الزواج في صلتهما، فإن علاقة أحمد وكريمو كما يحلو له أن يناديه في لحظات الصفاء، ظلت لصيقة المجال الحميمي الطفولي الضامن لاستمرار الحلم والذكرى الطيبة التي لا يملأها شخص آخر:

“ضرب زواج عبد الكريم صداقتنا ضربة قاصمة تسرب الفتور بيننا وأضحى الرجل يتمادى في التجريح ولا يتوقف عند الحد المعلوم كما عهدته دائما

والحقيقة أننا لم نعد منذ زواجه اثنين متلازمين بل أصبحنا ثلاثة؛ أنا وهو وزوجته حليمة التي أملت عليه أنماطا جديدة من السلوك والأفكار ووجهته وجهة مغايرة لما كنا نحلم به سويا

الأمل في السفر إلى المشرق ولم يعد الولع بالأحلام النسائية والرحلات الخيالية لعبته المفضلة لكن مع كل هذه التحولات لم أتنصل من صداقتنا

وعلى إثر مشادة بيني وبين مدير مدرستي اختليت ذات أمسية في “عين بوعنان” وتدبرت المستجدات التي طرأت على عواطفي وعلى المدينة والحياة كلها استرجعت ذاكرتي بإنكار مشلول لحالات من اندحار القيم والتغيرات الخطيرة في سلوك حتى أقرب المقربين وانتهيت إلى صعوبة أن أبدأ من الصفر تجربة البحث عن قرين جديد

فعبد الكريم مهما تبدل سيظل من أكثر الناس فهما لمزاجي وإطلاعا على تاريخي النفسي، ولن يجاوزه في ذلك أخواي ولا بنعيسى ولا حتى رضا أستاذ الكازينو والقيلولة كما نلقبه بل إن الأمر وصل بي إلى التشكيك في التغير الذي قد يكون طرأ على عبد الكريم وتمتمت: ” – ربما يخيل إلي ذلك أو أكون أنا الذي تغيرت دون أن أفطن” (ص 27)

ليس الموت كما تجسده الرواية من خلال موت عبد الكريم صورة عادية لانتهاء حياة إن عبد الكريم هو مرآة الراوي التي لا يرى وجهه الحقيقي والمختلف إلا من خلالها وموته هو على نحو ما موت أحمد الساحلي نفسه أو موته المرتقب أو موته المؤجل أو موته الرمزي:

” وبدت الليلة الأولى طويلة من دون الرفيق الحميم وكررت للمرة الألف أن النفس المنكسرة لابد لها من بعض العزاء الدنيوي وإلا تلاشت قبل الأوان وفاه عبد الكريم من تحت قبره بحكمة قد تنير ما تبقى من أيامي:

– اقبل عشيرك على علاته، وتعلم كيف تجعل منه سندا مهما تباينت اختياراتكما وعظمت بينكما الفروق

ومن سوء الحظ أن المرض لم يمهل كريمو طويلا لنستمتع معا بشيخوختنا على أرائك النادي أو في مقاهي “مرتين” و “الفدان” فقد قيض الله أن يحيا أسبوعا واحدا بعد إحالته على المعاش

() كان اختفاؤه ضربة غير منتظرة خرست حيالها الأسئلة والأجوبة على حد سواء فغرت الأفواه متدبرة نبأ الأسبوع الواحد بعد التقاعد

وكان ذلك آية إلهية أوحى إلي صوتها بأن دوري ليس ببعيد فبعد شهرين سأتقاعد العمر بيد الله، بيد أن قرائن الدنيا تجعل ساعة الوداع محتملة في كل حين لن يكون سفرا إلى “قصر الشوق” أو “بين القصرين” أو “السكرية”

وداعا لحلم الفول المدمس والطعمية والمشربيات والمواويل الصعيدية ستبقى في النفس حسرة على الأولاد والولية والحفيدين أما مدينتي الظليلة المفعمة بالألوان والروائح والرياح الشرقية والضباب والبياض والزرقة والزحام والمهاجرين من البوادي والدكاكين الصغيرة والباعة المتجولين فقد تبقى من دون رواية

وفي المقابر أبى خنجر الروماتيزم إلا أن يحفر في الظهر، وفي المقابر التوت المعدة وجعا كأنها تنذر بقرب انتهاء مهمتها الطويلة، وفي “باب المقابر” قالت لي آخر غيمات العصر الداكنة: – ألق سلاحك أيها المحارب الخامل واستسلم للقدر” (ص 29-30)

أي قدر سيستسلم له أحمد الساحلي؟ أهو قدر انتظار الموت أم قدر مقاومة شخصيته ذات النوازع السلبية وبالتالي قهر فكرة الموت التي بدأ شبحها يداعب خياله

إن قرار الراوي استئناف حلم كتابة الرواية هو في بعده النفسي العميق محاولة لقهر صورة الموت الجسدي الذي يمكن أن يفاجئ صاحبه في أية لحظة وكأنه بذلك ينتقم لتاريخ طويل من الخيبات والآلام

كان الراوي قد بدأ حلم الكتابة بقصة تصف حفلة زواج تقليدية أسماها “مأساة زبيدة” فشلت المحاولة وبقيت القصة ناقصة:

” وتركت قصتي ناقصة وعنونتها “بمأساة زبيدة” ولقد كنت حرا غاية الحرية لأرتك قصتي ناقصة” ( ص 16)

استأنف الراوي فيما بعد حلمه بمحاولة كتابة قصة ثانية: ” وعندما بدأت التحرير لم أكتب أكثر من ثلاث صفحات في حين كنت أحلم بعمل طويل ولم أنه القصة كالعادة ولا اهتديت لمخرج لورطتها” (ص 28 )

وها هو صاحبنا الآن يحاول تنفيذ ما عجز عنه طويلا:

“واختلطت الصورة ببقايا الأصداء الجنائزية، وتصدى لي إغراء عنيد صاح بي في حدة:

– خض مغامرتك الأخيرة مع تطوان حقق إن استطعت حلمك المشرقي القديم واكتب قصة طويلة عن مدينتك العتيقة بذلك ستفي بذكرى عبد الكريم وستلبي نداء من ماتوا قبله وسيموتون بعده، استثمر الفورة من الميسور أن تنجز المهمة كلها في أسبوع واحد ما دمت ابن المدينة الحافظ لدروبها وهمساتها وألوانها وروائحها أمامك شهران قبل التقاعد ابدأ من الآن المهم أن الخطوط الكبرى واضحة للغاية جمع صور العتاقة في رواية طويلة إن ذلك ممكن فكر في الأمر وستكون فرصتك الذهبية لتحدي الموت” (ص31-32)

ترى هل استطاع أحمد الساحلي أن يتم حلمه في كتابة الراوية التي بدأها يصف دروب تطوان والتاجر الصامت القصير ذا الزوجات الأربع؟

هل استطاع أن يفي بذكرى عبد الكريم الصويري، وجهه الآخر وصوته الغائب الحاضر؟ هل استطاع أن يقهر الموت ويتحدى الزمن؟

“دقت ساعة الجامع الكبير دقاتها التاريخية الحزينة وبعد الصلاة أحسست بفداحة لحظة التيه ألم الحرقة يزداد وسمات الجنائز تندلق في الدروب والأزقة تكتسحها وتكتسحني فأنحرف معها منصاعا ليس لديك الآن أصدقاء ولا أهل وحتى الجدران والسحنات خانتك فلم تسلم لك مقاليدها فكان انهزامك إزاء العتاقة وطلب العمق

الأسبوع سينتهي بعد ساعات معدودات لم يبق سوى أن تتنازل عن عنادك الموروث عن سلالات غابرة وأن تفكر في الطريقة المثلى للتنازل هل تطمح إلى أن تكون أفضل من الأسر التطوانية التي لم تهجر بعد المدينة العتيقة؟

تريد أن تضيف إلى ثرواتك ميزة الإبداع التي لم تستطعها؟ يكفيك أنك وقفت عند مشارف الحقيقة فلا تتجاوز حدك واعترف بهزيمتك تطوان ستظل منتظرة فارسا آخر غيرك ليصوغها قصيدة جميلة أو رواية ساحرة، أما أنت فهيهات لك أن تكذب على نفسك وتدعي أنك كاره لعبة الشطرنج ودفء الكازينو ودغدغة العقارات والمال المجموع وهمست في أذن عبد الكريم: – ثق بي أني استجديت الدروب العتيقة بحب ابدي وحمت حولها كما النحلة بين ثقوب الخلية والآن لم يبق سوى المضي في الطريق المفضية إليك” (ص 176 – 177 )

يبدو أن الدائرة كانت أقوى من أن يخترقها الساحلي ويعبر من خلالها عالم الخلود، لكنها لم تستعص على مبدع رصين وهادئ في حجم محمد أنقار ، مؤنس العليل ومطفئ ظمأ الشغوف إلى قراءة الروايات الجميلة من طراز هذا النص الذين قمنا بتقديمه قاصرين في هذا الحيز على الإيفاء بكل غناه السردي والأسلوبي والثقافي والتاريخي

- سعيد الحنصالي

جامعة محمد الخامس – كلية الآداب – الرباط

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*