الجمعة , 24 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » صورة الحسن الثاني المزدوجة

صورة الحسن الثاني المزدوجة

Le Maroc et Hassan II – un témoignage, Canada, Les presses Universitaires, – Casablanca, Centre Culturel Arabe, 2005.

أشير في البداية إلى أنني اعتمدت لانجاز هذه القراءة على إحدى الحوارات المتلفزة لصاحب الكتاب1، إضافة إلى مقال نشر له بجريدة الصحراء المغربية (العدد5896،12 مارس 2005)، ولم أغفل كذلك ما نشرته أكاديمية المملكة المغربية في دورتها العشرين لسنة 2000، علما أن هذه الدورة خصصت لموضوع: فكر الحسن الثاني أصالة و تجديد. وسأركز قراءتي لكتاب عبد لله العروي: المغرب والحسن الثاني- شهادة في خمسة نقط أساسية. إضافة إلى التعريف بصاحب الكتاب وبالمكتوب عنه، وخاتمة لهذه القراءة هي بمثابة تقريض للكتاب. و أهم ما يميز هذه النقط هي إبراز مظاهر الازدواجية في شخصية الملك حسب الظروف والأزمنة .

:تعريف صاحب الكتاب والمكتوب عنه

عبد الله العروي: مفكر ومؤرخ اجتماعي وأديب مغربي، ولد بمدينة أزمور1933م وهي التي تسمى الصدّيقية في كتاباته الأدبية. درس بثانوية مولاي يوسف بمراكش ثم تابع دراسته بالرباط واستكمل دراسته العليا بباريس، شغل عدة وظائف إدارية ودبلوماسية منها: مستشار ثقافي في السفارة المغربية بمصر، ومكلف بملف الصحراء لدى الدول الإسكندنافية، ويشغل حاليا عضوية أكاديمية المملكة المغربية.

وقد صدر له عدة مؤلفات أشهرها: الإيديولوجية العربية المعاصرة، و أهمها في مجال التاريخ أطروحته في التاريخ المعاصر:الأصول الاجتماعية و الثقافية للوطنية المغربية، إضافة إلى كتاب مجمل تاريخ المغرب. وكتب أخرى في مجال الأدب كان آخرها خواطر الصباح التي تزامن إصدار الجزء الأخير منها مع إصدار كتابه المغرب والحسن الثاني موضوع القراءة.

الحسن الثاني : هو الحسن بن محمد ملك المغرب، ولد يوم الثلاثاء 9 يوليوز1929. درس في مراحله الأولى على يد الفقيه محمد بن عبد المجيد أقصبي بدءا من سنة 1934، وقد استمرت دراسته الابتدائية والثانوية والعليا ما بين 1936 و 1952 وهي سنة انجازه لأطروحته في القانون العام.

حكم ما بين 1961 و 1999. اشتهر بإصلاحاته الدستورية وباستكمال وضع أسس الدولة الحديثة. كتب عن فترة حكمه الأجانب خاصة، ومن تلك الكتابات: أمير المؤمنين لصاحبه واتربوري، مغرب الحسن الثاني لصاحبه استفان هوجز إلى غير ذلك، وآخر ما كتب عنه في المغرب الكتاب موضوع القراءة لعبد الله العروي. وأول انطباع شخصي حول الكتاب هو أنه نوع من الكتابة الوطنية في مقابل الكتابة الأجنبية.

النقطة الأولى: دوافع تأليف الكتاب

يمكن إدراج دوافع تأليف الكتاب كما يلي: فأول دافع يصرح به العروي هو محاولة فهم فترة تاريخية حكم فيها الحسن الثاني المغرب. أما الدافع الثاني فهو الإجابة عن سؤال يعتبره صاحب الكتاب جوهريا وهو من يكون العروي عندما يقول أنا مغربي؟ ذلك المغربي الذي عاش وعايش فترة من تاريخ بلده، ومن هنا فالعروي يطرح سؤال المواطنة. وأما الدافع الثالث والذي يسعى المؤلف إلى توضيحه من خلال هذا الكتاب هو محاولة فهم وضعية المغرب الجغرافية التي جعلت منه محط اهتمام من الخارج، فهو من هذه الزاوية يرى في بلده المغرب جزيرة مطوقة تستلزم التعامل على هذا الأساس الجزائري.

و إذا علمنا انه طيلة فصول الكتاب تحضر شخصية الملك بشكل واضح، فإن أهم ما يميز تلك الشخصية هي سمة الازدواجية والقدرة على المزج بين الأصالة و التجديد (في هذا الإطار خصصت أكاديمية المملكة المغربية إحدى دوراتها لهذه الثنائية)، لذالك سعى صاحب النص إلى فهم تلك الازدواجية من خلال إثبات حضوره كفاعل داخل نص الكتاب.

النقطة الثانية: هيكلة الكتاب

في هذه النقطة تستوقفني فكرتين. الفكرة الأولى: تتعلق بطريقة صياغة النص المكتوب والثانية ترتبط بعنوان الكتاب خاصة كلمة: شهادة.

بخصوص الفكرة الأولى: وقد أثارتني بشكل لافت، إذ في كل فصل من فصول الكتاب تحضر مقاطع أو اقتباسات يستهل بها العروي الكتابة. وهي كلها مقتبسة من كتاب غربيين. وهنا أشير إلى أن العروي الذي تشبع بثقافة غربية منذ مرحلة الثانوي –وهنا وجب العودة إلى نص رواية أوراق– لطالما نجده يستلهم أقوال أولئك المفكرين الذين يرى في أقوالهم تحليلا مدققا عن الوضعية التي يتطرق لها في الكتاب، وعلى رأس هولاء المفكر الإنسي ميشيل دو منتني الذي ورد ذكره 7مرات، إضافة إلى كتاب آخرين كالروائي الواقعي إميل زولا، والروائي الأمريكي ت.إس. إليوت……إلخ.

ويبدو لي ولو بشكل غير معلن أن تأثير دو منتني حاضر في صياغة كتاب العروي ولي في ذلك قرائن ودلائل منها: أن العروي ينطلق من حدث تجربته الشخصية كمفكر وكمكلف دبلوماسي، ليعود بعد ذلك إلى حدث له علاقة بالفترة التي يتحدث عنها في علاقتها بالمغرب المستقل وفي علاقتها بالملك. ثم إنه في مرحلة ثالثة، لا ينسى العروي الإدلاء بآرائه ومواقفه وانتقاداته. وهذه طريقة نجدها عند مشيل دو منتيني ويكفي هنا العودة إلى خواطر هذا الأخير، وإلى يوميات العروي للتأكد من هذا القول. لهذا أقول أن نص الكتاب صيغ على طريقة المذكرات أو الخواطر، وهي موجودة في كتابات العروي الآخرى ، ولا نكاد نجد لها مثيلا في الثقافة العربية اللهم بعض الإستتناءات.

أما الفكرة الثانية: والمتمثلة في اعتبار كتاب العروي “شهادة”، فهي في الواقع شهادة للوطن؛ بمعنى شهادة مواطن في حق فترة حكم فيها ملك اسمه الحسن الثاني. ثم إن هذه الشهادة لاشك أنها تأخذ مكانها في التأريخ لفترة هامة من تاريخ المغرب المعاصر لاقتراب الكاتب بشكل أو بآخر من الأحداث، وكذا من شخصية الملك.

وهذا الاقتراب مرتبط بتكليف العروي بملف الصحراء لدى البلدان الإسكندانافية. ومن جهة ثالثة فإن هذه الشهادة لا تخلو من معلومات قيمة عن فترة حكم الملك الحسن الثاني. إضافة إلى أن الكتاب لا يخلو من محاولة البحث عن الحقيقة والتصريح بها من وجهة نظره ككاتب. وإذ يتعلق الأمر هنا بشهادة مواطن مغربي، وموظف دبلوماسي، ومفكر ومؤرخ اجتماعي، فإن المقارنة تبقى ذات أهمية مع من هم ند لهذه الشهادة.

وإذا كانت الذاتية لا تبتعد عن أية شهادة فإن صاحب النص يصرح أنه يكتب عن الفترة حسب انطباعاته وآرائه ومواقفه، وما يميز هذه الذاتية أنها مكتوبة ومؤرخة، بحيث يعتبر العروي متابعا من نوع خاص، إذ لم يكن ليترك أي حدث يمر دون أن يعلق عليه كتابة على شاكلة اليوميات، وهذه المتابعة أو التدوين يمنح النص متانة تجنبه ما قد يصيب الذاكرة من أهواء وهنا يمكن الإتيان بأمثلة ومنها الرسائل التي بعث بها العروي إلى وزير الداخلية الأسبق، والى مولاي أحمد العلوي، والى الحاجب الملكي.

والحاصل فإن شهادة العروي غالبا ما لا تساير الرأي السائد (مثلا موقفه من الوزير القوي في عهد الحسن الثاني)، لأنها تتبنى موقف المواطن الذي ينظر إلى ما حوله فيستنتج أن المواطنة التزام تجاه المصلحة العليا، ولذلك يمكن القول أن الكاتب يعطينا درسا في الوطنية من خلال شهادته.

النقطة الثالثة:صورة الملك داخل الكتاب

أقل ما يمكن قوله عن شخصية الملك من خلال هذا الكتاب هو أنه شخصية كاريزماتية تستمد قوتها من القدر ومن ازدواجية الشخصية، وهذه الازدواجية تتجلى في عدة عناصر:

أولها عنصر اللباس بحيث يرتدي الملك بذلة عصرية، كما أنه يحب الظهور بلباس مغربي أصيل، وفي هذا الصدد يقول أحد الصحفيين الشباب: “كان حوار الجلباب التقليدي الأبيض المنحدر من ذاكرة الصناعة التقليدية في فاس. والبذلة الأوربية الحديثة الآتيـــة من أفخم محلات الموضة في ايطاليا أو باريس (…) تعبير فريد عن ازدواجية شخصية الملك لدى البعض، أو عن قدرة ابن محمد الخامس على التوفيق بين الملك العصري وذاكرة السلطان أمير المؤمنين “2

ومسألة اللباس في نظر الكاتب فيها تكريس للأصالة أو التقليد، بل إن الكاتب امتنع عن حضور إحدى لقاءات الأكاديمية المغربية مع نظيراتها الفرنسية بسبب تعاليم ارتداء اللباس وفاء منه لعاصمة الفن ووفاء للذوق كما يقول في خواطره.

وثانيها تعدد الألقاب، فإلى جانب لقب الملك، نجد ألقابا أخرى: كلقب الإمام، وأمير المؤمنين، والزعيم. وهذه الألقاب تتناوب حسب الفترات وتتغير حسب الظروف وفي هذا يقول العروي: “ما يهمنا أنه كان في نفس الوقت ملكا وزعيما، أكثر من زعيم ما بين 1965 و1975 ، أقل من زعيم وأكثر من ملك بعد هذا التاريخ” ص50.

كما أن هذه الألقاب تظهر الملك أحيانا كوجه تاريخي، وأحيانا تظهره في صورة الرجل القومي الموحد، وأحيانا كزعيم وقائد سياسي، وأحيانا أخرى كرمز ديني، وأصدق مثال على تشبث الملك بهذا اللقب هو الطريقة التي استقبل بها الملك بابا الفاتيكان الراحل يوحنا بولس الثاني سنة 1985 بالدار البيضاء، وفي هذا الصدد يقول ناصر الدين الأسد عضو أكاديمية المملكة المغربية “…فأحدهما زعيم إسلامي كبير وهو أمير المؤمنين، والآخر رأس الكنيسة الكاثوليكية التي يدين له بالرئاسة ..الملايين من المسيحيين”3.

و ثالثها: تتمثل في تواصل الملك مع المنفتحين من ذوي الثقافة العصرية وهم زعماء اليسار، ثم ربطه لعلاقات مع المحافظين من رجال الدين، والفقهاء، وشيوخ الزوايا …..علما أن الملك يفضل مرافقة التقنوقراطيين الذين لا تحكمهم مطامح سياسية، وهذا لأنه لا يحب التنظير، ولا يحب طرح الأسئلة، وطرح السؤال في نظره يدل على انعدام الواقعية وعلى وجود خطأ في التقدير وهذا مايبرر نفوره من الإيديولوجيين.

ورابعها: المزج بين الأصالة والتجديد في ممارسة الحكم في ظل الملكية الدستورية، فهو من جهة وارث لما راكمه جهاز المخزن التقليدي منذ عهد المولى إسماعيل، “فلقد اجتمعت في شخصه الكريم همة أجداده الميامين من حنكة وشجاعة المولى اسماعيل، وعالمية سيدي محمد بن عبد الله، وسلفية المولى سليمان، وورع مولاي عبد الرحمان، وتجديد جده المولى الحسن….”4 – وهذا ما حاولت الصحافة المحسوبة على القصر إبرازه–.

ومن جهة أخرى فهو مجدد ومخترع في حدود ما قاله يعقوب خان عضو أكاديمة المملكة المغربية حيث يقول: “لقد كان هدف الملك هو مغربة الحداثة وليس تحديث المغرب”3، ومن ملامح تجديد الدولة: وضع دستور للبلاد، والتأسيس لملكية برلمانية، وضمان عنصر حدودي قومي للدولة، ومنح الديمقراطية كهيبة أو كهدية كما عبر الملك عن ذلك في ذاكرته.

ومفاد كل هذا الذي ذكر هو أن العروي يأخذ بعين الاعتبار فكرة أساسية وهي أن الملك الراحل ورث وضعا تاريخيا، وهو بدوره ورّث وضعا آخر، والحكم على هذه الفترة أو على هذا الوضع يجب أن يأخذ بعين الاعتبار هذا الإرث الذي تسلمه، وهو مغرب ما بعد الاستعمار، وهو مغرب يختلف جذريا عن مغرب ما قبل الاستعمار. ومنه يتضح أن الحسن الثاني أدرك أن الحفاظ على التقاليد السلطانية لا يعني الاستمرار في تسيير البلاد بنفس الأساليب التقليدية.

النقطة الرابعة: علاقات الملك في الداخل وفي الخارج

داخليا: الواضح أن الملكية المغربية التي خرجت من تجربة الاستعمار، وخاضت تجربة الاستقلال وما رافق هذه الأخيرة من أزمات سياسية نعتها الصحافي استيفان هوجز بتراجيديا شكسبيرية، لاشك أنها ساهمت في جعل الملك يتخذ مواقف، ويتصرف بنوع من الحذر تجاه النخبة السياسية، خاصة تجاه اليسار. بل وحاول التحكم في النخب السياسية، وتصدق نفس الملاحظة على الآخرين أي الزعماء الوطنيين ورثة النضال السياسي ضد الاستعمار. ويبقى الموقف العام من الجميع هو الإحتواء ومحاولة خلق مجموعات .

خارجيا: يبقى للملك حضور على المستوى الدولي، حيث أنه كسب صداقات الدول العظمى سياسيا وعسكريا. وكان يسعى للحوار مع الجارة الجزائر، إلا أنه بدا يعاكس مواقفها، بعد أن تأكد أنها لن تغير موقفها الداعم للبوليساريو. وفي هذا الإطار يدخل عقد الملك للوحدة مع ليبيا في وجدة يوم 13 غشت 1984.

و الواضح من خلال الكتاب أن محاولات الملك لكسب التأييد الغربي، والعربي، والمغاربي –ربما بحكم مبادئ السياسة– لم تكن تنجح على الدوام فهناك إخفاقات نعتها العروي بأخطاء منها: إلغاء الوحدة مع ليبيا التي أفقدته حليفا جهويا في المنطقة المغاربية، ومنها استقبال شيمون بيريز الشيء الذي لم ترحب به الدول العربية، وحتى تأسيس أكاديمية المملكة المغربية 8 أكتوبر1979 -وعقدت أولى دورتها بفاس 1980 برئاسة أمين سرها الدائم آنئذ الطيب بنهيمة- .

فمن المعلوم إن الحسن الثاني فتح أبواب هذه المؤسسة أمام مختلف المفكرين بتنوع تخصصاتهم وباختلاف جنسياتهم، وقد كان أمله في ذلك أن يعطيه هؤلاء الأكاديميون حلولا ووصفات جاهزة لمختلف المشاكل التي تعترض المغرب، فإذا بالحلول تتحول إلى آراء متشعبة ومتباينة. وبهذا لم تتحول المؤسسة إلى آلة فعالة، تلتقي فيها الأفكار لتتفرق وتتشعب.

أما أشهر إخفاقات الفترة الحسنية فهي المرتبطة بقطاع التعليم، حيث اختار الملك خلال عقد الثمانينات تعليما إسلاميا لأغراض سياسية، فجاءت نتائجه معكوسة، إذ أصبح التعليم مؤدلجا يخدم راهنية السياسية “فمهمة هذه التربية الدينية كما يقول- محمد العيادي- هي التنشئة الدينية، غير أن هذه التنشئة لا تتوقف عندما يصفه علماء الاجتماع بالإدماج القيمي والأخلاقي بل تتعداه إلى ما يمكن أن نصفه بالتنشئة الإيديولوجية والسياسية “4.

ومن جهة ثانية جرت السياسة التعليمية على المغرب انتقادات البنك الدولي. ثم إنها خلقت تراجعا في عطاءات المتعلمين في المغرب، ولا يزال المغرب يؤدي فاتورة هذا التعليم إذ ظهر وكأن التعليم لم ينفع معه علاج ويؤكد العروي أن التعليم كان نصيبه التسويف عكس القضايا الأخرى.

النقطة الخامسة: منطق الكتابة عند عبد الله العروي

لقد تحكم في خطوط أفكار الكتاب منطق أو خيط ناظم يعلن عنه العروي بشكل صريح. فمن جهة نجد التصريح بوطنية متعالية ومجردة كتلك التي نجدها لدى شخصية البطل في أوراق، ومن جهة ثانية نجد احترامه لمنطق الدولة، لهذا قلت في البداية وأكررها أن العروي يعطينا درسا في الوطنية، بما تستلزمه هذه الأخيرة من التزام ومراعاة لخصوصية المغرب التاريخية والجغرافية. وهذا الذي سميناه بدرس الوطنية يتجلى واضحا في فكرتين:

أولهما: جوابه عن سؤال ماذا أكون عندما أصرح أني مواطن مغربي؟ والجواب هو أن يكون مواطنا بالفعل لا مواطنا بالصدفة. أي مواطنا مشاركا، ومواطنا يريد أن يرى بلده دولة ديمقراطية عصرية خاصة في المجال السياسي.

وتبرز تلك الوطنية كذلك في موقف العروي من منع بعض كتاباته كـ: كتاب الإيديولوجية، وكتاب جذور الوطنية الوطنية المغربية. فإذا كان البعض يرى في تحفظ العروي استسلاما فإن له جوابا يقول فيه: “إذا كان لدي الحق في أن أكتب وأن أنشر أينما شئت، فإن للحكومة، كذلك، الحق في منع بيع كتابي في المغرب، إذا رأت في ذلك تهديدا للنظام العام، وهذا ما ساندته دائما. (…) و بهذا المعنى، فإنني أعتبر نفسي تلميذا لعلال الفاسي” ص114. بمعنى أنه لا يقبل أن يستغل الأجنبي اسمه ضد المصلحة العليا للوطن. وحتى لا يستغل كتابه هذا. فالعروي يشبه نفسه بـ: شاطوبريان الذي يرفض لدوافع ذاتية حياة القصر.

ثم إن هناك منطقا آخر، وهو منطق منهجي يكشف عنه العروي في نهاية الكتاب وفي بدايته، ففي البداية نجد العروي الذي يكتب مذكراته، وفي الدرجة الثانية نجد العروي المفكر الذي يريد تحليل الوضع المغربي، وأخيرا نجد العروي الذي يصبو إلى تركيب وإنتاج معرفة من خلال الملحق الذي سماه: بخصوصيات مغربية، بحنكة وتجربة فكرية ممتازة.

وأخيرا نجد منطق المؤرخ الذي يتذكر ويذكر، يحاكم ويراجع بحيث يعود إلى ما قاله في الستينيات حول المشكل الثقافي، فيتساءل هل المغاربة مستعدون فعلا للانفلات من التقليد نحو الحداثة؟ فيرى أن المشكل مطروح في وقت يناصر فيه المثقفون وضع التقليد.

خلاصة:

وإذا كان من المتوقع أن يحظى الكتاب بإقبال هام من طرف قراء العروي ومن طرف عموم المؤرخين، فإني أدعو هنا جميع الطلبة والباحثين إلى ضرورة الإطلاع عليه . والأكيد أن التحليل الدقيق للكاتب وسلاسة اللغة ونفس الكاتب الطويل، كلها عوامل تجعل الكتاب دراسة مفيدة، ومهمة عن فترة المغرب المستقل وبالذات عن فترة حكم فيها المغرب ملك اسمه الحسن الثاني، والذي قال عنه العروي: “أعتقد أنه سيحظى بمكانة متميزة ضمن سلسلة السلاطين الأقوياء الذين حكموا المغرب”.

وما أريد أن أنهي به الكلام، هو أن العروي في كتابه يبقى وفيا للتحليلات السياسية لمكيافللي، وفيا كذلك لذاتية الصراحة التي تعلمها من مشيل دو منتنيي، مستلهما للأدب العالمي متيمنا بذلك دور الثقافة في التغيير. وأخيرا تلميذا/ وطنيا مدافعا عن الوطنية المتعالية التي وجدها لدى علال الفاسي .

الهوامش:

1. أجرت الصحافية بديعة الراضي حوارا متلفزا مع عبد الله العروي بعيد صدور كتابه ” المغرب و الحسن الثاني” في إطار برنامجها : “وجوه وقضايا” وذلك يوم الجمعة 13 مايو 2005 .

2. توفيق بوعشرين ، الجريدة الآخرى ، ع 18 ،15 – 20يونيه 2005

3. يعقوب خان، مطبوعات المملكة المغرببة ،دورة أبريل 2000،ج2،ص.38

4. ادريس العلوي العبدلاوي ، ، مطبوعات المملكة المغرببة ،دورة أبريل 2000،ج1، ص. 250

- رشيد الصغير

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*