الجمعة , 15 ديسمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » النزاهة الإنتخابية والمنعطف الثالث

النزاهة الإنتخابية والمنعطف الثالث

رقية مصدق، منعطف النزاهة ‏الانتخابية:معالم الانحسار في تدبير الانتخابات التشريعية المباشرة، الرباط، كونراد اديناور، 2006

بنفس القوة والعمق التحليليين، تواصل الأستاذة رقية المصدق قراءة تحولات المغرب السياسي، في ‏سياق مشروع متكامل الحلقات، هكذا وبعد أن وقفت على هشاشة التوافق السياسي لعقد التسعينيات في ‏كتابها التوافق أم لعبة التوافق الصادر بالفرنسية عام 1995، ثم انشغالها بحدود الإصلاحات الدستورية ‏في مؤلفها الصادر سنة 1998، بالفرنسية تحت عنوان الإصلاح الدستوري وأوهام التوافق، وقبل ذلك ‏انكبابها على دراسة التناوب الذي لم يتحقق خلال السنوات الأولى للتسعينات في كتابها الصادر عام ‏‏1996 باللغة العربية حول متاهات التناوب، ثم بحثها في مدى تحقق الانتقال في بلادنا، في مؤلفها ‏الصادر سنة 2001 حول متاهات الانتقال الديمقراطي.‏ تعود أستاذة القانون الدستوري بجامعة محمد بن عبد الله بفاس لمقاربة الظاهرة الانتخابية من خلال ‏نموذج الانتخابات التشريعية العامة الأخيرة لسنة 2002 وذلك من خلال كتابها الجديد منعطف النزاهة ‏الانتخابية، والذي يحمل كعنوان فرعي معالم الانحسار في تدبير الانتخابات التشريعية المباشرة ، ‏وهو صادر بمساهمة من مؤسسة كونراد أديناور، في 196 صفحة من الحجم المتوسط.

تقوم الإشكالية المركزية للكتاب على اعتبار أن الكيفية التي دبرت بها الانتخابات التشريعية ‏الأخيرة تؤشر على منعطف حاسم في التاريخ السياسي للمغرب منذ الاستقلال، لعله (أي المنعطف ‏الانتخابي) هو ثالث منعطف من حجمه، بعد منعطف بداية الستينات، حيث صراع الشرعية ‏والمشروعية، ثم منعطف بداية الثمانينيات، حيث تكريس القراءات الضمنية للشرعية الدستورية.‏

لا تذهب الباحثة في اتجاه اعتبار سوء التقدير السياسي لأحزاب الحركة الوطنية المساهمة في التدبير ‏الحكومي هو المسؤول بالضرورة على “المنعطف الانتخابي”، لكنها تقر بأن تحقق هذا المنعطف يعبر ‏عن خلل عميق في مسار النضال من أجل النزاهة، ويعكس انقلابا حقيقيا على المطالب التاريخية لهذه ‏الأحزاب في باب الشأن الانتخابي.‏

بالنسبة للمؤلفة ثمة ثلاث مستويات أساسية تكثف الانحسار الذي شهدته الانتخابات التشريعية ‏الأخيرة. المستوى الأول، يرتبط بالتخلي عن مطلب اللجنة الوطنية للإشراف على الانتخابات. والثاني، ‏يتعلق بتطويق تطلعات المجتمع المدني إلى المساهمة في الإشراف على الانتخابات. أما الثالث، فيتجلي ‏في دعم الإجماع حول وزارة الداخلية “كفاعل اساسي” في نزاهة الانتخابات.‏

يتطرق القسم الأول من الكتاب إلى التوجه الجديد الذي هيمن على مسار الإصلاح الانتخابي والذي تميز ‏بترسيخ القطيعة مع اللجنة الوطنية للإشراف على الانتخابات، ليس فقط كمطلب، ولكن كذلك كإنجاز ‏سابق التحقق.‏ وتقف الباحثة في البداية على ما تعتبره نزوعا لدى أحزاب الحركة الوطنية المشاركة في الحكومة ‏إلى تجريد نفسها من مطالبها التاريخية في الشق الانتخابي، وعلى رأسها مطلب ‏إنشاء اللجنة المستقلة والمحايدة لتنظيم الانتخابات والإشراف عليها، والذي تواتر على أدبياتها السياسية منذ ‏نهاية الثمانينيات، وظل قائما على الرغم من تأسيس اللجنة الوطنية لتتبع الانتخابات في صيغتها الأولى ‏‏(1992) و الثانية (1997) بالرغم من مشاركتها فيها.‏

هذا التجريد الذاتي، تعتبره الباحثة منعطفا في تاريخ هذه الأحزاب، التي أصبح تأمين استمرارها ‏في الحكومة هاجسها الوحيد، حتى ولو كان المقابل هو التخلي عن مطالبها أو عن حقوقها الدستورية ‏‏(إنشاء ديوان المظالم، تجريد الوزير الأول من صلاحية اقتراح كل الوزراء على التعيين الملكي دونما أي ‏استثناء …).‏

يعود الكتاب إلى بدايات مطلب اللجنة المستقلة للإشراف على الانتخابات، كما تبلور في مقررات ‏أحزاب الحركة الوطنية، ثم إلى تحوله من مطلب تشريعي إلى مطلب دستوري في مذكرتي 19 يونيو ‏‏1992 و23 أبريل 1996 الموقعتين من طرف أحزاب الكتلة الديمقراطية، وكذا في البيان من أجل ‏الديمقراطية (11يناير1994) . إلى أن كرست هذه الأحزاب لممارسة سياسية أصبح معها هذا المطلب ‏متعارضا مع تصالحها مع وزارة الداخلية، ليتم في النهاية إلغاء اللجنة الوطنية لتتبع الانتخابات كمكسب ‏محدود الفعالية. لكنه كان يمكن أن يشكل منطلقا لبديل أحسن.

القسم الثاني من الكتاب مخصص لبحث هيمنة التطويق الحكومي على تطلعات المجتمع المدني إلى ‏المساهمة في الإشراف على الانتخابات كأحد مستويات التراجع على متطلبات النزاهة.‏ هذا التطويق الذي كرس إرادة الحكومة الاستفراد بتنظيم العملية الانتخابية والإشراف ‏عليها وإلغاء أي وظيفة ممكنة للوسطاء في هذا الصدد، رغم أن هؤلاء الوسطاء يعكسون، نظريا، ‏الاستقلالية التي كانت تطالب بها أحزاب الحركة الوطنية لتتبع الانتخابات عندما كانت في المعارضة.‏ في هذا السياق يعرج الكتاب على الدينامية المطلبية والتنظيمية التي شهدها المجتمع المدني المتطلع ‏إلى المساهمة في الإشراف على المنتخبات (المركز المغربي من أجل ديمقراطية الانتخابات، النسيج ‏الجمعوي لملاحظة الانتخابات…)، ثم إلى الحدود الذاتية التي أعاقت هذه الإرادة المدنية والتي ترتبط ‏عضويا بهشاشة المجتمع المدني المغربي على العموم.

أما القسم الثالث والأخير، فقد خصص للوقوف عند سياسة ‏أحزاب الحركة الوطنية المشاركة في الحكومة، والداعمة للإجماع المتحقق حول وزارة الداخلية كفاعل ‏أساسي في نزاهة الانتخابات، إذ بعد أن كانت تنظر إليها سابقا كمؤسسة للتزوير أو كحزب سري ‏أصبحت تتعامل معها كأداة ناجعة للتحول من التناوب التوافقي إلى “تناوب حقيقي”، أو إلى “انتقال ‏ديمقراطي فعلي”.‏

وهكذا رجحت هذه التنظيمات السياسية موقعها الحكومي في تدبير العملية الانتخابية مهمشة موقعها ‏الحزبي المتجسد في الرصيد الذي تمثله كأحزاب حركة وطنية، ومدعمة إجماعا تجاوز حدود المصالحة ‏مع وزارة الداخلية، وتحول من إجماع للأحزاب المشاركة في الحكومة إلى إجماع للأغلبية والمعارضة، ‏وانتقل من إجماع حول دور الحكومة في التدبير الانتخابي، إلى إجماع حول وزارة الداخلية بشكل ألغى ‏أي دور مفترض للوزارة الأولى أو لأي قطاع حكومي آخر، وتحول من إجماع على فرضية النزاهة إلى ‏إجماع مسبق على حتمية النزاهة.

وتفضل الأستاذة رقية المصدق في نهاية كتابها، الدعوة إلى إعادة امتلاك أحزاب الحركة الوطنية ‏لمعركة النزاهة، معتبرة ذلك أولوية مرحلية يتعين الانخراط فيها في أفق تأهيل متعدد الواجهات، هو ليس ‏سوى تأهيل النظام الدستوري والسياسي ككل.‏

- حسن طارق

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*