الإثنين , 20 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » الانتربولوجي كاتبا

الانتربولوجي كاتبا

.Une saison à la Mecque : Récit de pélerinage, Paris, Seuil, 2005

kiraat_1.14يأتي كتاب الباحث الانتربولوجي المغربي عبد الله حمودي، موسم بمكة الصادر عن دار النشر سوي، ‏‏2005، ضمن مسار بحثي دشن بداياته منذ عقود سواء عبر الحفر في بيوغرافيا شيوخ الزوايا، أو ‏محاورة الأطروحات الكولونيالية ونقدها.

بدأت ملامح اشتغاله تبرز مع إصداره لكتاب الأضحية ‏وأقنعتها عن دار النشر الفرنسية سوي سنة 1988، مثلما أصبحت أكثر اكتمالا مع إصداره الشيخ ‏والمريد في نسخته العربية سنة 2000 عن دار النشر المغربية توبقال.

في كتابه الأضحية وأقنعتها ‏توجه الباحث نحو طقس مغربي مميز، وهو طقس “بوجلود” والذي يصادف الاحتفال به، في الجنوب ‏المغربي، شعيرة عيد الأضحى الإسلامية. أما في كتابه الشيخ والمريد فتوجه نحو المجال الصوفي، ‏أو مجال الولاية، بسؤال هام يقصد الكيفية التي تتشكل بها سلطة ولي الله، ثم طبيعة تشكل هاته ‏السلطة. إنه سؤال حول الكيفية التي يتشكل بها الشيخ بوصفه نتاج علاقات سلطة بين مساره مريدا ‏وانبثاقه شيخا وكذا بحث في تسرب هاته العلاقة من مجال الولاية الصوفي إلى المجال السياسي.‏‏1-الانتربولوجي كاتبا:‏يدشن الباحث عبد الله حمودي بكتابه موسم بمكة انتقاله من الاشتغال بالآليات والخطوات المدرسية ‏المشتركة لعلم الانتربولوجيا (إعلان الاختيار المنهجي فالوصف الميداني، فالتحليل فالاستخلاصات) ‏إلى تصور آخر للبحث الانتربولوجي تتخلخل فيه كل المعطيات البحثية الكلاسيكية، بدءا من لغة ‏وأسلوب البحث مرورا بالمعنى الابستيمولوجي للميدان ولنوعية العلاقة بين الباحث والمبحوث، ‏ووصوله إلى كيفية إعادة بناء المعطيات الميدانية في شكل نص مكتوب.‏

ضمن هذا التصور المغاير، تحضر متغيرات من نوع آخر لتأثيث الكتابة الانتربولوجية، مثل ‏الذاكرة والطفولة والحكي والاستعارة والتجربة الوجودية للباحث، والمراجعة الضمنية والعلنية لتاريخ ‏الباحث، لدرجة يصعب فيها على القارئ تبين الفوارق بين لغة البحث والبحث في اللغة، أو بين ‏الواصف والموصوف، بين الذات والموضوع، بين المعطى الميداني والمتخيل، بين التجربة الميدانية ومذكرة ‏البحث، بين الكتابة الأدبية وإعادة البناء الانتربولوجية.‏

وليس من باب الصدفة أن يستهل الباحث عبد الله حمودي كتابه هذا باستحضار أحد مؤسسي هذا ‏التصور، بعمله المعروفمدارات حزينة فالسفر ليس وحده المعطى المشترك بين ك. ليفي ستراوس ‏والباحث ع. حمودي، بل أيضا تخفيف، إن لم نقل، فك علاقة الزواج الكاثوليكية التي ظلت قائمة بين ‏مفهوم العلمية والصرامة المنهجية، ومن ثم إعادة توزيع العلمية والحقيقة على باقي أشكال الوصف ‏والحكي والتذكر والبوح الذاتي … الخ.‏

يجد كتاب موسم بمكة موقعه ضمن تقليد انتربولوجي جديد، يكرسه الآن في الحقل الانتربولوجي ‏باحثون/ كتاب من مثل كليفورد كيرتز (الانتربولوجي كاتبا، سنة 1996) و جورج بلانديي ‏‏(الصرف ‏Conjugaison‏ سنة 1997). ومارك أوجي (حرب الأحلامسنة 1997 والسفر المستحيل سنة ‏‏1997) وآخرون.‏

إنه تقليد يطرح على المجال الانتربولوجي سؤال الكتابة. لا بمعنى الصياغة، ولكن بمعنى ما سماه ج. ‏بلاندنيي “أثر الكتابة” على النص والباحث والخطاب الانتربولوجي، أو ما حدده بدقة ك. ليفي ‏ستراوس في مدارات حزينة، أو في صيغة “العمل الانتربولوجي بوصفه نصا”.

‏2-الحكاية وتجربة الحج:‏

‏”السفر إلى مكة ليس سفرا، بل أداء لفريضة. وهو يبدأ قبل فعل السفر مثله في ذلك مثل جميع الأسفار، ‏لكن مع فارق كون مثيراته ومحفزاته يطبعها القلق” (ص12). هذا القلق الذي يميز ‏رحلة الانتربولوجي إلى مكة هو ما يصفه الكتاب طيلة عشرة فصول.‏

فانطلاقا من الفصل الأول وإلى حدود الفصل العاشر. لن يجد القارئ تحليلات نظرية، بل سردا مرتويا هنا وهناك ‏بتأملات يقظة، لبداية التهيئ والاستعداد للحج سواء على المستوى الإداري أو الديني– الشعائري.

فطيلة تهييئ الملف الإداري، يعيش الباحث محنته الصغيرة الأولى ببلده. فالذهاب إلى الحج كما يخبره ‏لحسن، صديق ومخبر الباحث، يخضع قانونيا للكوطا، حسب المناطق والعمالات (ص26). إنها بداية ‏الاحتكاك بالإدارة وأولى الخطوات المهيئة إلى السفر لمكة بوصفه تجربة لا سفرا عاديا. يقول ع. ‏حمودي في ظل ذلك “أصبح الحج داخل شكي وألمي حجي أنا” (ص23).‏

وإذا ما كان الملف الإداري قد اختلطت أوراقه وتعطرت برائحة الرشوة الصغيرة، فإن بداية التهييئ ‏الديني لأداء هاته الشعيرة سيضع الباحث الأنتربولوجي في وضعية المبتدئ المتعلم: تعلم كيفيات أداء ‏الفريضة بكل تفاصيلها وتعاليمها وغاياتها. لذلك يعلن الباحث بل يتيقن بأن السفر هاته المرة لا يشبه ‏كل أسفاره السابقة. إنه يخلخل الأدوات المعرفية، ويعيد النظر في موقع الذات وصلاتها بالمنتهى: ‏منتهى السفر، منتهى الحياة، منتهى البحث…‏

داخل الكتاب لا نحس محنة المعايشة الميدانية، بل محنة الحكي عن مسار-سفر المعايشة- أداء ‏فريضة قدسية يحضر في كل منعرجاتها ومحطاتها ما ينهك الجسد، وما يتعب الرابطة الذاتية بالإسلام ‏والمسلمين، ويكشف علاقة الدين والمقدس بالتجارة والسياسة. يقول الباحث: “في مسار البحث جاء ‏الحج في لحظة غير عابرة. لقد قادتني أبحاثي السابقة إلى تفكير الدين. ولأنني تجاوزت الخمسين من ‏عمري أجدني متسامحا أكثر مع المحافظين الذين يزدادون انتشارا. دفعني بحثي الأكاديمي لمساءلة ‏هويتي. نعم لقد تعاملت مع الحج كمشروع بحث، لكن أيضا تحت ظل رهانات وجودية لم يكن ‏بإمكاني تجاهلها” (ص186)‏

‏3-الطقس والنص:‏

لم يكتف عبد الله حمودي بالوصف على الطريقة الكلاسيكية لشعيرة الحج، بل لون كل التفاصيل ‏المحكية والمعيشة، بلون السارد المعتمد على مخزونات الوعي الذاتي، ولون الباحث الانتربولوجي ‏المجرب.‏

وإذا ما كان المسار البحثي للباحث قد دفعه لولوج عوالم مشروعه الجديد بسؤال المعرفة والوجود، فإن ‏الحج سيصبح إثر ذلك تجربة ذاتية وموضوعا انتربولوجيا.‏

إنه موضوع انتربولوجي من حيث كونه شعيرة قدسية ممتلئة بالرموز والسير الذاتية، بالمتخيل ‏والديني، وفي نفس الوقت موطن لتأكيد المسلمين لهويتهم الموحدة واختلافهم عن غيرهم (ص260). ‏ومجال لتشابك الديني بالتجاري والايديولوجي، ومحطة لتبادل اللغات والثقافات والمعاني والنظم ‏الرمزية (ص.290)‏

وإذا ما كان كلود ليفي ستراوس قد اعتبر أن المرء لا يمكنه أن يكون انتربولوجي قبيلته فإن إقدام عبد ‏الله حمودي على هاته التجربة، سينجرف بممارسته الانتربولوجية وكذا بعلاقته بموضوعه نحو مسار ‏آخر. يقول بهذا الخصوص “لقد قادني الحج إلى مفترق طرق مغاير. فبينما كنت أظن أنني سأقوده ‏إلى عالم الانتربولوجيا، فقد تلقيته كحدث غير متوقع سيطبع حياتي” (ص265). وبسبب ذلك سيعتبر ‏الباحث أن الحصيلة التدوينية لتجربته الميدانية لن تكون في النهاية غير حكاية ‏Récit، سيجمع ضمنها ‏دور السارد ودور البطل (ص295).‏

داخل تجربة الحج هاته، من حيث هي تجربة الوعي الانتربولوجي وهو يعايش طقسه، سيصادف ‏القارئ إلى جانب المتعة والقوة النظرية، ثلاث أنوية تمثلها لحظة الإحرام، ولحظة رجم الشيطان ‏وأخيرا لحظة نحر أو ذبح الأضحية، وعلى طول وصفها والحكي عنها يصعب التمييز بين الباحث ‏والمعايش والكاتب.‏

بعد وصفه للتعاليم الشرعية الخاصة بلحظة الإحرام، وبعد تعلمه لفعل ذلك وهو بالمغرب، وأثناء ‏تدوينه لمذكرة البحث التي يتساءل عبد الله حمودي بكيفية درامية عن قطعة الثوب الأبيض غير ‏المخيطة التي يرتديها الرجال أثناء طوافهم على الكعبة، وكذا عن الوهن والضعف الذي يصيب الجسد ‏من جراء تراكم الإجهاد: “ألم أتحول إلى شبح لذاتي تحت قوة وضغط التغيير؟” (ص63). في لحظة ‏الإحرام يغاير الجسد ذاته، فهو هنا وهناك. على الأرض وفي السماء وبحكم طبيعة رداء الإحرام ‏يتضاعف الإحساس بالنظير ‏Le double‏. إنه نفس الإحساس الذي سجله الباحث بخصوص الاسم ‏أوالنعت الجديد (الحاج) الذي أصبح يغلف الاسم الشخصي الأصلي (ص267).‏

مع شعيرة رجم الشيطان سيثير الباحث تجذر العنف في الطقس، وتجذر هذا الأخير في الاستعارة (ص‏‏246). ففعل الرجم يطلق العنان للعنف والذي ليس غير عنف محاك لعنف أصلي (ص 254)، مع ‏فارق هو أن الذهاب والإياب بين العنفين ملموس وحسي هاته المرة. (ص254). يحاكي الفاعل ‏الطقوسي أثناء عملية الرجم فعل سيدنا إسماعيل، لكن الحجارة هاته المرة لا تنزل على الشيطان ‏مباشرة، بل على سارية. إن تحيين فعل إسماعيل، وكذا الفعل مثله ‏Faire comme‏ هو ما يجعل هاته ‏الحركات الطقوسية حركات استعارية أساسا.‏

مع شعيرة الأضحية والتي تتزامن مع العيد الكبير، سيستعيد الباحث تحليلات كتابهالأضحية ‏وأقنعتها وكذا ذكريات الطفولة والشباب. ففي منى، يشبه حجز الحيوانات/الاكباش المعدة للنحر، ‏مخيمات الحجز والاعتقال (ص234). وإذا ما كانت شعيرة الحج تستهدف “انقاذ حياة البشر” ‏وتطهيرها، فإنها في الآن نفسه تجيز وتبيح قتل الحيوانات (ص234). فعملية نحر الأضحية تضع ‏حسب الباحث، حدا لحياة متفردة مثلها في ذلك مثل حيواتنا الإنسانية. لذا يخلص الباحث إلى كون ذلك ‏الفعل، فعل عنف أو بشكل أصح فعل قتل. (ص235).

- نورالدين الزاهي

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*