الإثنين , 20 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » تــاريخ جديــد أم كتابة جديدة

تــاريخ جديــد أم كتابة جديدة

جاك لوغوف، (إشراف) التاريخ الجديد ، ترجمة وتقديم محمد الطاهر المنصوري، مراجعة عبد الحميد هنية، منشورات المنظمة العربية للترجمة، بيروت، 2007.

أمام التاريخ خيار واحد، إما أن يصير أنثربولوجيا اجتماعية أو لا شيء إيفانس بريتشارد

شهدت الكتابة التاريخية تطورا كبيرا، من حيث الرؤية والمنهج والأسلوب، خلال القرن العشرين في أوربا، وبخاصة في فرنسا، اصطلح عليها ب”التاريخ الجديد”. ومن أهم ما أفرزه هذا الاتجاه خروج التاريخ من دائرة التخصص الضيق والكتابة للمشتغلين في التاريخ وحدهم، للانفتاح على جمهور عريض من القراء. فأصبح المؤرخ يكتب للجميع، وأصبح الجميع يقرأ للمؤرخ، بل إن أفكار الباحث في التاريخ لم تعد تصل إلى المتلقي عبر الكتاب فقط، وإنما أيضا عبر مختلف قنوات الاتصال، من صحف وإذاعات وتلفزيونات. كما أصبح يساهم في كل النقاشات، من النظري المحض إلى المعيش اليومي، من تطور العلوم إلى الأسعار، مرورا بالانتخابات والهجرة والعنصرية والبيئة والإعلام. فأصبحت المقاربة التاريخية حاضرة، معبرة، مؤثرة، والثقافة التاريخية نافعة، شائعة، ذائعة.

ويعكس الكتاب الذي بين أيدينا مرحلة هامة من مراحل هذه الكتابة التاريخية بتوجهاتها الرئيسية وإنجازاتها ومجالاتها الفكرية والعلمية. وهو ثمرة مجهود جمـاعي تحت إشراف المؤرخ الفرنسي جـاك لوغوف J. Le Goff، كان قد ظهر لأول مرة سنة 1978 في شكل مقالات، عددها عشرة، تعبر “بصورة جوهرية عن إشكالية الكتاب”، بالإضافة إلى فصول قصيرة فاق عددها المائة، تخص مفاهيم ومصطلحات مركزية في التاريخ الجديد جاءت في شكل قاموس، شارك في كتابتها أكثر من ثلاثين باحثا. ثم تعددت الطبعات فيما بعد، محتفظة بالمقالات الأساسية. ولقيت هذه الطبعات رواجا تجاريا كبيرا في أوساط قراء التاريخ والعلوم الاجتماعية.

ويندرج هذا الكتاب ضمن سلسلة من الكتب ذات الصبغة النظرية والمنهجية التي أنتجها الجيل الثالث من مدرسة الحوليات حول المشروع الجديد، أمثال روجي شارتيي R. Chartier، وفراسوا فوري F. Furet، وجاك روفيل J. Revel، وجورج دوبي G. Duby، وبيير نورا P. Nora، وأندري بورغيير A. Burguière، وإيمانويل لوروا لادوري E. Le Roy Ladurie، ومارك فيرو M. Ferro، وغيرهم. ونذكر من هذه الكتب بصفة خاصة كتاب صناعة التاريخ (1974) الذي شارك فيه عدد كثير من المؤرخين تحت إشراف جاك لوغوف وبيير نورا، والذي انتظم في ثلاثة أجزاء، الأول “مشكلات جديدة”، والثاني “مقاربات جديدة”، والثالث “موضوعات جديدة”.

وتمثل هذه الترجمة العربية التي أنجزها المؤرخ التونسي محمد الطاهر المنصوري، والتي نقدم على ضوئها قراءتنا هذه، مساهمة أساسية في التعريف بتصورات مدرسة الحوليات ومناهجها. ومن شأنها أن تنير جمهور القراء العرب حول هذا النوع من الكتابة في التاريخ، الذي حوَّل مجموعة من الموضوعات التي كانت توصف ب “الخسيسة” إلى موضوعات “نفيسة”، وحوَّل الماضي من دهاليز الأحداث العسيرة الهضم إلى صور من الظواهر اليسيرة الفهم.

وعلى الرغم من أن جل القراء يفهمون مدى صعوبة الترجمة مهما كان حقل الاهتمام، فإن طبيعة الأعمال المترجمة، والتي يغلب عليها جانب النظرية والمنهاج، يدفعنا إلى التذكير بأهمية هذا الأمر. يقول محمد الطاهر المنصوري في تقديمه للكتاب: “إذا كان الأسلوب شيقا لقارئ يتقن الفرنسية، فهو مضن لمن رام ترجمة الكتاب”. والحقيقة أن المقالات التي تعامل معها المترجم صعبة جدا من حيث الصياغة والمفاهيم والكلمات. ويتبين للقارئ الجهد الكبير المستثمر في هذا العمل من أجل إيصال مضامين الكتاب وأسلوبه بالشكل اللائق. فالترجمة هي كتابة ثانية، هي نص جديد. لكن صعاب الترجمة تهون حينما يتفاعل المترجم مع النص الأصلي ويسعى بكل ما أوتي من إمكانيات لنقل المضامين وإيصال الأفكار بشكل يريح القارئ ويفيده.

ومما يزيد من قيمة هذه الترجمة، تلك المقدمة المستفيضة التي استعرض فيها محمد الطاهر المنصوري قضايا التاريخ الجديد ورواده ودرجات تلقي هذا التاريخ في البلاد العربية وتناوله، هذا بالإضافة إلى ثبت مصطلحات يجد فيه القارئ أكثر من مائتي كلمة ومفهوم مع ما يقابلها بلغتها الأصلية، أي الفرنسية، وبيبليوغرافيا مفصلة باللغة العربية واللغات الأوربية، وفهرس عام للموضوعات وأسماء الأعلام الواردة في الكتاب.

تتوزع مضامين الكتاب بين عشرة مقالات يجمع بينها قاسم مشترك كونها تضع القارئ في صورة التوجهات الجديدة للبحث التاريخي في أوربا عموما، وفي فرنسا على وجه التحديد، على النحو الذي ظهرت به خلال الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين داخل الجامعة وخارجها. وهذه المقالات هي:

التاريخ الجديد (جاك لوغوف J. Le Goff)

التاريخ والأمد الطويل (ميشيل فوفيل M. Vovelle)

تاريخ البنى (كريزستوف بوميان K. Pomian)

الأنثروبولوجيا التاريخية (أندريه بورغيار A. Burguière)

تاريخ الذهنيات (فيليب أرياس Ph. Ariès)

تاريخ الثقافة المادية (جان ماري بيساز J. M. Pesez )

التاريخ الآني (جان لاكوتور J. Lacouture)

الماركسية والتاريخ الجديد (غي بوا G. Bois)

تاريخ الهامشيين (جان كلود شميت J. C. Schmitt)

تاريخ المتخيَّل (إفلين باتلاجين E. Patlagean)

تستدعي هذه القراءة تسليط الأضواء على نقطتين رئيسيين لفهم التاريخ الجديد:

1 المسار الإستوغرافي

إذا اقتصرنا على النموذج الفرنسي، يمكن الحديث عن انطلاقة التجديد مع المُؤَرِّخَين الفرنسِيَيْن لوسيان فيفر، ومارك بلوك في بداية القرن العشرين حينما اجتهدا رفقة مؤرخين آخرين وجغرافيين وسوسيولوجيين من أجل إخراج التاريخ من انغلاقه التخصصي وفتحه على تساؤلات وقضايا جديدة، وذلك من جهة عن طريق توسيع دائرة المصادر، بالاعتماد ليس فقط على الوثائق المكتوبة، بل أيضا على المخلفات المادية والرواية الشفهية، ومن جهة ثانية بواسطة الاحتكاك بالعلوم الاجتماعية واستيعاب مناهجها وتتبع نتائجها، من اقتصاد وسوسيولوجيا وجغرافيا وسيكولوجيا ولسانيات. وهذا الابتكار نلمسه في كتابيمهنة المؤرخ لمارك بلوك M. Bloch، ودفاعا عن التاريخ للوسيان فيفر L. Febvre، وكذلك في معظم المقالات التي نشرتها مجلة حوليات التاريخ الاقتصادي والاجتماعي منذ تأسيسها سنة 1929.

و في الأربعينيات من القرن المذكور نضج هذا التيار الجديد، بفضل النتائج التي حصل عليها فيرناند بروديل F. Braudel في أطروحته البحر الأبيض المتوسط والعالم المتوسطي في عهد فيليب الثاني، حيث بلور تصورا جديدا يقوم على أساس تفكيك التاريخ إلى ثلاثة أزمنة أو مستويات زمنية متدرجة:

أولا، زمن جغرافي، ويوافق تاريخا شبه ثابت، تاريخ بنيويا. وهو تاريخ الجماعات البشرية في علائقها مع الوسط الجغرافي، تاريخ مكون من مظاهر مادية متكررة باستمرار كالتقنيات والزراعات والصناعات اليدوية والإنتاجات والأغذية التي ظلت تشكل، ولقرون عديدة قبل التحولات الصناعية في القرن الثامن عشر، ثوابت بنيوية بطيئة التغَيُّر وتوازنا صعب التجاوز.

ثانيا، زمن دوري، ويوافق تاريخا ظرفيا يقوم على أسس إجرائية كمية تحوم حول الأرقام والجداول والبيانات. وهو تاريخ الدورات: دورات إنتاجية (ارتفاع الأسعار وهبوطها)، دورات ديمغرافية (ارتفاع أعداد السكان وهبوطها)، دورات بيولوجية (ظهور المجاعات والأوبئة واختفاؤها).

ثالثا، زمن فردي، ويوافق تاريخا تقليديا يستند إلى الحدث، أي الحدث السياسي والعسكري والديبلوماسي. وهذا التاريخ هو تاريخ تقليدي ذو تذبذبات قصيرة، سريعة، متوترة. فالحدث، عند وقوعه، يكون هائلا ومُدَوِّيا، يشد إليه الأنظار بقوة وكأنه كل شيء، لكنه سرعان ما يأفل ليسطع حدث آخر، وهكذا.

والملاحظ أن الزمن شبه الثابت، أو ما يسمى أيضا بالزمن الطويل، هو الزمن الأكثر أهمية بالنسبة لهذا التوجه الجديد. فهو المركز الذي ينجذب إليه الزمن القصير والزمن الدوري. فالحدث يمر، لكن البنية تبقى. والدورات أيضا إذا تكررت باستمرار ولم تسفر عن تحول نوعي تندرج في البنية وتصير جزءً لا يتجزأ من الزمن الطويل. وقد أبانت مقالة ميشيل فوفيل “التاريخ والأمد الطويل” عن هذا الأمر بشكل واضح.

إنه انقلاب في نظام التفكير، في الرؤية، في الأسلوب. فتحويل الاهتمام من الأحداث إلى البنيات هو تحول في المرجعية ككل. فالتاريخ التقليدي، وهو يهتم بالأحداث والبلاطات والشخصيات كان يقوم على مرجعية التطور والارتقاء والغائية: العقل، التقنية، الثورة. والحال أن التطورات السياسية والمعرفية، في منتصف القرن العشرين، خلقت نزعة تشكيكية في القيم. فمن جهة كان لمآسي الحرب العالمية الثانية ومآزق الحركات التحررية وأزمة الماركسية، كبير الأثر في فَعْفَعَةِ يقين المثقفين حول فكرة التقدم، حول مفهوم الارتقاء، حول منحى التاريخ. ولذلك بدأ يتقلص اهتمام المؤرخين بالتاريخ السياسي. ومن جهة ثانية كان للإثنولوجيا مفعول كبير على التاريخ عبر توجيه اهتمامه نحو المستويات “الباردة” في المجتمعات، أي الثوابت السوسيو- ثقافية من موروثات وتقاليد وطقوس ومعتقدات وأنساق القيم.

و عليه بدأ يتحول الاهتمام، شيئا فشيئا، من البحث في الحاكمين إلى البحث في المحكومين وأساليب معاشهم وطبائعهم وأحاسيسهم، من البحث في البلاط إلى البحث في البوادي و المدن، من البحث في الأدبيات إلى البحث في العقليات، من البحث في الاستثنائي إلى البحث في النمطي، من البحث في قضايا الشأن العام إلى البحث في الحياة اليومية. وقد أنتج هذا التوجه الهائل دراسات هامة في مجال الكتابة التاريخية، نذكر منها:

تاريخ البوادي وإنتاجاتها وعقليات فلاحيها.

تاريخ التقنيات والسكن واللباس والتغذية.

تاريخ المهمشين والأقليات والنساء.

تاريخ الحساسيات الجماعية والسلوكيات والعقليات.

تاريخ المخيال والتمثلات والذاكرة.

إنها أبحاث في أنثربولوجيا اجتماعية تنبض بالإشكاليات: إشكالية استمرارية القديم في أحشاء الحديث، والثابت في المتحول، إشكالية تعايش أنماط متعددة في نمط واحد، وعقليات متعددة في عقلية واحدة، وعصور متعددة في عصر واحد، إشكالية تماثل التأملي والعفوي، الفكري والسيكولوجي، المركزي والهامشي. ولمعالجة هذه الإشكاليات حرص المؤرخ على استثمار كل ما من شأنه إضاءة الماضي، وإضاءة الجسور الرابطة بين الحاضر والماضي، ليس فقط بالاطلاع على الأرشيفات والآثار، بل أيضا بالتنبه إلى ما هو عامِّي، ولاواعي، وهامشي، أي الثقافة الشعبية، كالرواية الشفهية والفولكور والأمثال. ولنا في مقالات أندري بورغيار “الأنثروبولوجيا التاريخية”، وفيليب أرياس “تاريخ الذهنيات”، وإفلين باتلاجين “تاريخ المتخيل”، أمثلة على هذه الأمور.

2. قضية الكتابة

لقد توصل مؤرخو الحوليات إلى صهر قطاعات علوم الإنسان، من اقتصاد ومنهاج بنيوي وإثنولوجيا وسوسيولوجيا وسيكولوجيا اجتماعية، في مقاربة ضخمة، في نظام متطور للتحليل ينبني على المزج بين المفهمة والتبسيط، على صياغات سلسة للأفكار، على انتقاء المفردات المعبرة والمثيرة والجذابة. ولذلك وجب التنبه إلى قضية الكتابة هذه بشكل أساسي.

في الواقع أن المتتبع للدراسات والأبحاث منذ مطلع القرن العشرين ليس فقط في فرنسا وإنما في أوربا ككل يجد أن موضوعات كثيرة ذات صلة بالتاريخ الاجتماعي وتاريخ الذهنيات، ومقاربات ذات ابتكار حقيقي، كانت قد ظهرت في كثير من دول أوربا وأمريكا الشمالية، لكنها لم تلق نفس النجاح الذي لقيته مدرسة الحوليات. فقد كانت هذه الأخيرة على حد تعبير فيليب أرياس “أحسن تنظيم وأكثر نضالية”. ونذكر في هذا الباب ثلاثة مؤرخين أثروا بشكل أو بآخر على إنتاج الحوليات، ولكن الاعتراف بسبقهم لم يتم إلا في وقت لاحق، ويتعلق الأمر بالهولندي جون هويزينغا الذي أصدر منذ عام 1919 كتابا هاما تحت عنوانخريف العصر الوسيط الذي يعتبر بحق مساهمة نيرة في تاريخ الذهنيات، والألماني نوربير إلياس صاحب كتاب حضارة الطبائع 1939، الذي يندرج في نفس الاتجاه، والإيطالي ماريو براتز الذي كان قد نشر في العشرينيات من نفس القرن دراسات هامة حول حدود التبادل بين التعبير الأدبي والمتخيل الجماعي.

وهذه الدراسات المبكرة كانت قد منحت حق المواطنة التاريخية لكل الذين لم يكن بإمكانهم التعبير بشكل أدبي عن مواقفهم وأحاسيسهم، وقللت من سلطة الوثيقة المكتوبة، وأبرزت في المقابل الدور الذي يمكن أن تلعبه الإيقونوغرافيا والرواية الشفهية والذاكرة الجماعية في الكشف عن تاريخ السلوكيات والممارسات والتمثلات.

و من جهة أخرى يجب التشديد على الدور الريادي الذي لعبته المدرسة الأمريكية بخصوص إعادة الاعتبار للنص الشفهي كمصدر تاريخي أصيل حينما عملت في الثلاثينيات على البحث في ذاكرة السود، لينتقل هذا الاستعمال فيما بعد إلى بريطانيا وإيطاليا وفرنسا، ويقتحم بالتالي الثقافات المكتوبة ويظهر فائدته في الكشف عن خبايا المجالات الأكثر ابتذالا كالسلوكيات والحساسيات الجماعية.

ثم إن تصورات تاريخية كثيرة كان قد استبق إليها مؤرخون بريطانيون وأمريكان. فالمدرسة الأنجلوساكسونية كانت قد تنبهت منذ الخمسينيات إلى ضرورة توظيف الإثنولوجيا في التاريخ عبر الاهتمام بالموروثات والتقاليد والمعتقدات وأنساق القيم، قصد فهم المستويات “الباردة” في المجتمعات. وهي نفس الأمور التي شدد عليها جاك لوغوف بالقول: “الأشياء التي تظهر مجردة من الأصل ومرتجلة ولا إرادية، وأيضا الكلمات العفوية، تأتي كلها من بعيد وتشهد على الصدى الطويل لأنساق التفكير”، وتحمل بالتالي تصورا معينا للحياة وتلتقي مع الرؤى الأكثر بلورة، لتساهم هي الأخرى في فهم التاريخ و إدراكه. وتظهر هذه التوجهات الأنجلوساكسونية في مجموعة من المؤسسات والمنابر العلمية، نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر، جامعة كولومبيا بنيويورك، ومجلة “ماضي وحاضر” في بريطانيا.

لقد استطاع مؤرخو الحوليات أن يجعلوا من موضوعاتهم ومقارباتهم تاريخا جديدا لأنهم عرفوا كيف يُسوِّقوا هذا التاريخ، كيف يوصلوه إلى عامة الناس، كيف يجعلوا منه قضية انفتاح وفضول وإحساس. فبفضل الأسلوب والتواصل تمكن كثير من الباحثين في التاريخ تمرير خطاب يفهمه الجميع ليس فقط عبر الكتب والمقالات، ولكن أيضا عبر الصحف والإذاعة والتلفزيون. فكثير من هؤلاء كانوا يكتبون في جرائد كبرى مثل لوموند ولونوفيل أوبسيرفاتور، ويُنَشِّطون برامج إذاعية هامة مثل برنامج “إثنين التاريخ” الذي أدار حلقاته جاك لوغوف على أمواج إذاعة فرانس آنتير. وهناك أيضا مثال جورج دوبي الذي كان على رأس قناة تلفزيونية ثقافية في بداية التسعينيات. واليوم توجد قنوات كثيرة تعنى بقضايا التاريخ والمعرفة التاريخية يشاهدها المتخصص وغير المتخصص. هذا بالإضافة إلى الحضور القوي لرواد الحوليات في دور النشر الكبرى في فرنسا مثل غاليمار و فلاماريون من خلال السهر على سلسلات هامة مثل “مكتبة التواريخ” و”الإثنولوجيا التاريخية”.

هذا هو المسار المعقد، والملتوي أحيانا، الذي جعل مدرسة الحوليات تحول التاريخ، كما تنبأ بذلك الأنثربولوجي البريطاني إيفانس بريتشارد، إلى “أنثربولوجيا اجتماعية”، وأن تمنحه بعدا معرفيا حقيقيا، وأيضا مؤسساتيا وإعلاميا، وتبتكر في نهاية المطاف كتابة جديدة وليس تاريخا جديدا. فقد سبق لفرناند بروديل، وهو يكتب في مقالته “تكويني كمؤرخ” أن تساءل في معرض حديثه عن نشأة الحوليات: “هل التاريخ وهو يسعى إلى العلمية ليس إلا مسألة كتابة وموضة أدبية ؟”.

- محمد حبيدة

جامعة ابن طفيل – كلية الآداب القنيطرة

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*