السبت , 18 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » بإيـــجاز » قراصنة أبي رقراق

قراصنة أبي رقراق

 Leila MazianeSalé et ses corsaires (1666-1727). Un port de course marocain au XVIIe siècle, Presses Universitaires de Caen, 2007

sale-et-ses-corsairesصدر لليلى مزيان في متم عام 2007 كتاب باللغة الفرنسية تحت عنوان سلا وقراصنتها (1666-1727) مرسى قرصاني مغربي في القرن السابع عشر، عن منشورات كاين الجامعية. والكتاب في الأصل رسالة دكتوراه أُنجزت تحت إشراف المؤرخ الفرنسي أندري سيزبورغ، ونوقشت بجامعة كاين (Caen) سنة 1999.

يتناول هذا الكتاب، ظاهرة القرصنة بمرسى الرباط الذي يطل على مصب أبي رقراق، أو ما كان يعرف بسلا، وتحديدا سلا الجديدة (Salé Le Neuf)، على ساحل المحيط الأطلسي خلال القرن السابع عشر على عهد السلطان إسماعيل.

انتظمت هذه الدراسة وفق ثلاثة أبواب. اهتمت الباحثة في الباب الأول بشروط ظهور القرصنة في هذه المدينة، جغرافيا واجتماعيا وسياسيا ودينيا، وتطورها خلال القرن السابع عشر، وذلك ضمن إشكالية العلاقة التي ربطت تاريخيا المغاربة بالبحر.

ووقفت في الباب الثاني عند السفن والبحارة، ففصلت القول في تقنيات الملاحة وحالة الأسطول القرصاني والموانئ–الملاجئ في المغرب وخارجه، التي كان يستعملها قراصنة سلا/الرباط. كما سلطت أحزمة ضوئية قوية على هؤلاء القراصنة الذين أيقظوا رباط الفتح من السبات وخلقوا بها دينامية من نوع جديد، اقتصادية بالاستناد على القرصنة. واجتماعية بالاختلاط بين المورسكيين والعرب والأمازيغ واليهود والأوربيين والعبيد. وسياسيا باعتماد نظام الديوان، ذلك الحكم الجمهوري الغريب الذي وجد تربة خصبة على خلفية التفكك السياسي الذي عاشته البلاد زمن السعديين الأواخر، حيث تتبعت أصولهم وتركيباتهم ووظائفهم ومغامراتهم التي أوصلتهم حتى إلى جزر إسلندا والجزر المحاذية لكندا.

أما الباب الثالث فخصصته لعمليات القرصنة من حيث جغرافيتها وتوقيتها ومدها وجزرها وسلعها التجارية، أي الأسرى، ونتائجها.

وفي كل هذه المحطات، اعتمدت صاحبة الكتاب على أرشيفات متنوعة جدا، المحلية منها بطبيعة الحال، والأجنبية، وخاصة تلك الموجودة بمستودعات الوثائق في مدريد وأمستردام وباريس ولندن. كما عالجت المعلومات التي حصلت عليها بمقاربة كمية بينة، تظهرها كثرة القوائم والبيانات. لكن هذا المعطى الكمي تقاطع مع المعطى السردي، من حيث دراسة حالات بعينها. وقد مكن هذا التقاطع من الكشف عن المظاهر الاجتماعية والسياسية والثقافية لمدينة سلا/الرباط خلال القرن السابع عشر.

ومن أهم ما يحتفظ به القارئ من هذا العمل، المكتوب بطريقة جيدة، هو الجرأة على مساءلة بعض القضايا والمفاهيم ومراجعتها. فبخصوص قضية العلاقة بين المغاربة والبحر، تعالج ليلى مزيان مسألة “بحر الظلمات” بالتركيز على الموقع الجغرافي للبلاد، ومكانة البحر المحيط في مخيال المغاربة، على النحو الذي تظهره النصوص وتتداوله الروايات الشفهية، لتخلص إلى القول بأن انفتاح المغاربة على هذا المحيط واقتحامه بشكل مكثف خلال القرن السابع عشر، كما يظهر من تجربة مرسى الرباط/سلا، هو نتيجة لتطور بنيوي بطيء لا يمكن فهمه إلا بالرجوع إلى بدايات الإسلام، مرورا بالعصر الوسيط الكلاسيكي، وما تخلل ذلك من علاقات مع الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط، من حيث موازين القوى وتبدل أحوالها، وما استلزمه هذا الأمر من حسابات وتحفظات واقتحامات.

أما القضية الثانية فتهم المفهوم. فإذا كان بعض الباحثين المغاربة يفضلون كلمة جهاد للدلالة على العمليات البحرية التي كان يقوم بها البحارة المسلمون ضد السفن الأوربية المسيحية في سياق الصراع التقليدي بين دار الإسلام ودار الكفر، كما تعبر عن ذلك مثلا دراسة حسن أميلي (الجهاد البحري بمصب أبي رقراق خلال القرن السابع عشر، 2006)، فإن ليلى مزيان تؤكد على مفهوم القرصنة ودافعها التجاري المرتبط بالسعي وراء الغنيمة وما تذره من أرباح، وتتناول مسألة الدين وما يرافقها من طقوس وشعارات وقواعد اقتسام الغنائم، من زاوية المبرر الشرعي.

ومن هذا المنظور تُبرز كيف أن القرصنة في جوهرها تشكل نشاطا متعدد الأوجه، لا يمكن فهمه إلا بالانتباه إلى المحركات الاقتصادية والسياسية العسكرية والدينية. لكن ما كان يحرك بالدرجة الأولى هؤلاء البحارة القادمين من إسبانيا والمستقرين حديثا على ضفة نهر أبي رقراق، في خروجهم إلى البحر واعتراضهم للسفن التجارية الإيبيرية، هو الحصول على الربح. ثم إن العناد الشديد الذي أبانوا عنه في عمليات القرصنة هذه يفسره مدى حقدهم على الأوربيين، ورغبتهم في استرجاع ما سلبوه منهم من ممتلكات عندما كانوا يعيشون بإسبانيا.

لقد فتحت ليلى مزيان نافذة على تاريخ المغرب في زمن العلويين الأوائل، من خلال ظاهرة القرصنة، من خلال مدينة ساحلية، ومن خلال العلاقة بالبحر. وهذه النافذة تبدو هامة بالقياس إلى هيمنة الداخل، أو المغرب القاري على مجريات الأمور في هذه الفترة. ولذلك، من شأن هذه الدراسة أن تجدد معرفتنا بهذا الموضوع الذي سبق أن تناوله كل من روجي كواندرو وحسن أميلي، وأن تقدم، بالتالي، إضافة نوعية في فهم تاريخ المغرب قبل الاستعمار.

- محمد حبيدة

جامعة ابن طفيل – كلية الآداب القنيطرة

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*