الإثنين , 6 فبراير, 2023
إخبــارات
الرئيسية » أطروحات » المقارنة النّقدية العربية بين رائدي الدّراسات الأدبية والدّراسات الثّقافيّة

المقارنة النّقدية العربية بين رائدي الدّراسات الأدبية والدّراسات الثّقافيّة

علم السّرد في الفضاء النقدي العربي: مفاهيم وممارسات (سعيد يقطين وعبد الله إبراهم نموذجين). أطروحة لنيل شهادة الدكتوراه في الدّراسات العربيّة، تخصص الدراسات الأدبية والثقافية والرّقمية، بإشراف الأستاذين إدريس الخضراوي ومحمد عدناني. نوقشت بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بجامعة محمد الخامس بالرباط، 2021.

 

آثرتُ الاشتغال في هذه الأطروحة على الخطابات النّقديّة التي اهتمّت بتناول الكتابة السّرديّة المرهونة بالحكي تحليلاً وتحوّلاً، باعتماد دراسة نقديّة مقارنة تمركزت أساساً حول استكشاف آليات الاشتغال المجدِّدَة والواعيَة في مشروعيْ ناقديْنِ رائديْنِ في الدّرس السّردي العربي، وهما: سعيد يقطين، وعبد الله إبراهيم.

يبرز في نموذج يقطين اهتمامه بالدّراسات الأدبيّة بمرجعيّة بنيويّة بمرجعية فرنسية، سواء من جهة النّحو أو الدّلالة أو التّركيب. وقد تتبّعتُ في عملِه تشَكُّل السّرديات كتخصّص علميّ في طبيعة المساءلة السّردية، والتي تُشكِّلُ امتداداً للشعريةـ (Poétique)،كحركة نظريّة ونقديّة ظهرت في فرنسا إبّان السّتينيات من القرن العشرين. أمّا النّاقد الثاني، عبد الله إبراهيم، فقد ظلّ متّصلاً بما استلهمه من الدّراسات الثّقافية بمختلف روافدها الأنجلوسكسونيّة في دراسة ووصف المرويّات السّردية، من خلال امتداداتها وتحوّلاتها في الفضاء الثّقافي العربي، وتحديداً من الأنواع الأدبيّة الكبرى إلى التّمثيل الرّوائي. وقد انتدب النّاقد السّردية على مدار مشروعه النّقدي باعتبارها جملة من النّظريَّات التي تُحقّق الفعلين: الفعل الوصفي للسِّياق الثّقافي في تبلور المرويَّات، والفعل التّفكيكيّ للعمل السّردي التّمثيليّ.

راهنَ مشروع النّاقد سعيد يقطين في تحليلاته على توجّهين اثنين: التّوجه الأوّل الذي تفرضه  المنظومة الفكريّة في تنزيل مشروعه النّقدي، ووعيه بالمسارات التي لحقت الأعمال الأدبيّة، انطلاقا من الخطاب، صوب النّص، وعوداً إلى القصة وسؤال الجنس الأدبي. وكلّ ذلك بغية ضبط مناحي الإنتاج، وتحقيق وعي أقرب إلى الشّموليّة في إعادة قراءة الخبر العربي. في حين ظلّ التّوجه الثّاني مستنداً على انفتاح النّص وتخصصاته المتّعددة في السّرديات. لذلك غَدَا الانخراط في الدّروس الكونيّة سؤالاً ملحّاً في ظلّ نشاط الرّقمنة، بل إنّ هذا التّخصص الجديد استجاب للحساسيّة الجديدة، والوعي الجديد بالأدب. ويُعنى الأمر بـ’السيبرنطيقا’ كامتداد للاجتهادات التي لحقت تخصص ‘البويطيقا’. ولعلّ هذا النّوع قد تم انشطاره في ضوء التّعلّق النّصي، حيث لم يعد الاهتمام بالنّص السّابق مطلباً ملحّاً، بل تم جعل النّصّ اللّاحق عرضة للتّحليل بمقوّمات جديدة تضمنها خصوصيّة ‘السيبيرنطيقا’، ونشاط الرّقمنة وروابطها. وقد عمل النّاقد في هذا الإطار بمنظور استباقي يعرض فيه مفاهيم نظريّة يمكن أن تكون مستقبلاً للتّحليل النّصي-الرّقمي.

أمّا على صعيد المقاربة التي انطلق منها النّاقد، فتظلّ استقرائيّة التّصور بالنّسبة لطبيعة المشروع، سيما أنّ النّاقد استهلّ مشروعه بتحليل النّوع الرّوائي قبل أن يعْمد إلى مقارنته مع بقية الخطابات التّاريخيّة والتّراثيّة. وقد تزامن هذا الفعل مع تطوّر الدّراسات النّقدية والنّظريات البنيويّة للخطاب. ولعلّ الخطاب عند النّاقد قد ظهر بأبعاد تجريديّة بنيويّة نوعيّة في فترة زمنيّة معيّنة، ترى في تلك الخصائص قيما مهيمنة كبرى على العمل الرّوائي من قبيل الزّمن. ولا شكّ أنّ هذا الاستهلال لم يكن عابرًا في تصوّر النّاقد، الشّيء الذي طرح جدليّة علاقة الفهم بالتّفسير وسؤال الأسبقيّة؛ فالتّحليل الذي يتّصل بالفهم كخطوة تأتي بعد الاستيعاب الذي يحمل مقوّمات دقيقةً في أجرأته. ولذلك فتحليل العمل الرّوائي أتاح له ضبط المقولات المتعلقة بالخطاب قبل الانتقال إلى النّص.

ظلّ التّوجّه اللّاحق متّصلاً بما أملته الدّراسات الثّقافية في دراسة السّرد، مع اجتهادات عبد الله إبراهيم الذي كان منشغلاً بدراسة المرويّات السّردية من خلال تحوّلاتها وامتداداتها في الفضاء النّقدي الثّقافي العربي.

وجدتُ أنّ موسوعة السّرد العربي لعبد الله إبراهيم قد نهضَتْ بقاعدةِ ضبطِ السّياقات الثَّقافيّة التي أسهَمت في صوغ الظّاهرة السّردية، وتذليل المرجعيّات والخلفيّات المركزيّة لنشأة الأنواع السّردية الكبرى من قبيل الخرافة والسّير الشّعبية والمقامة، دون تجاوز مستويات البنية المتعلّقة بكلّ نوعٍ على حدة، فضلاً عن الانتقال إلى رصد ضروب التّحولات التي عمّت هاته الأبنية بين زمن المشافهة وما بعد المشافهة (الكتابة)، خصوصاً في ظلّ ظهور المركزيّة الدّينيّة التي قلّصت من فاعليّة الرّاوي والمرويّ. واختتم الناّقد سيرورة الأنواع الأدبيّة بأدب الارتحال، من خلال سعي الكتابة لاستكشاف المجهول الجغرافي والانفتاح على الثقافات الخارجيّة.

وأظهرنا في المرحلة التّالية طبيعة التّفاعلات الاجتماعيّة التي توقّف عندها النّاقد في ظلّ النّشاطيْن السّياسيّ (الاستعماري) والثّقافيّ في بداية القرن الحديث، الشيء الذي انعكس على الأبنية السّردية للأنواع الكبرى ودفعَ إلى تحلّلها، وتلاشي الحدود الفاصلة بين الأجناس/الأنواع الأدبيّة. وقد شكّل هذا المعطى استجابةً للأوضاع الثّقافيّة التي فتحت الفجوة لبلورة نوع جديد مرهون بالنّوع الرّوائي السّاعي إلى تمثيل الوضعيّات بمختلف سياقاتها (النّفسيّة والاجتماعيّة، والسّياسيّة…)، دون إغفال أهمّ التّجارب العربيّة في الفضاء الثّقافيّ العربيّ.

ويرتبط الشّق الأَخير من الموسوعة بمرحلة التّفاعل على مستوى الأجرأة والتَّحليل، من خلال تفكيك النّوع الجديد –الرّواية- الذّي جاء مع انحلال الأنواع القبليّة وانبثاق أخرى، وموضوعاته الشّائكة التي تطرح أسئلة مقلقة، والتي ظلَّت مُستعصيَة على النّقل والتّمثيل؛ الأمر الذي أفلحت في أن تستجيب له الرّواية. ويتعلّق الأمر بالكتابة النّسوية بمختلف تلويناتها، وأدب الاعتراف المقترنِ بالهوية، علاوة على التّخيّل/التّخييل التّاريخي، الذّي ردم العلاقة السّجالية بين الرّواية والتّاريخ، وسَاوَى الحضور بينهما.

- سعيد أوعبو

حاصل على الدكتوراه في الدّراسات العربيّة بجامعة محمد الخامس بالرباط

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.