الجمعة , 19 يناير, 2018
إخبــارات
الرئيسية » إخبــــارات » محمود درويش: من الموت إلى الحياة

محمود درويش: من الموت إلى الحياة

كان محمود درويش يدهشني باستمرار في كتابته وطريقته في الحياة. وهذه الدهشة هي السر الأول في تبادل الصداقة بينن، من توليده الدهشة في الكتابة معناه الشخصي الذي صاغه للحياة والموت. فمحمود درويش، كشاعر فلسطيني، أحدث قلبا في الرؤية إلى الحياة والموت. ذلك ما لا ننتبه إليه بتلقائية، حتى ولو كنا متعودين على قراءته، لآن القراءة التقليدية أرغمتنا على أن نضع الشاعر في مرتبة خادم كلام الآخرين، لا مبدع لغتنا الأولى.

لم يأت محمود درويش من تاريخ المقاومة الشعرية للاستعمار والاحتلال في تاريخنا العربي الحديث، التي كان شعارها “الحياة أو الموت”. شعار كل من الديني والسياسي على السواء وقد أعاد الشعري صياغته، ثم حفرته في ذاكرتنا أناشيد وطنية بعبارة “نموت ليحيا الوطن”. لا، لم يأت محمود درويش من كلمات من لا يحسنون الحياة، بل من القصيدة- الحب، القصيدة- الحياة أتي إلى المقاومة. إنه أقدم، وهو شاعر، على وضع كلمة الحياة مكان الموت في عبارته “فإما الحياة وإما الحياة”. قلب هو إحلال رؤية شعرية مكان رؤية دينية وسياسية. بل هي ثورة في الرؤية لا يجرؤ عليها سوى من يستحق اسم الشاعر، أي الوحيد الذي يجعل من اللغة فضاءه الحيوي الأول.

عاش محمود درويش مقاومة متعددة من أجل الحياة، ودافع عن الشاعر فيه بقوة الحدس بدءاُ ثم بقوة المعرفة الشعرية لاحقا. ومن غير اللائق الحديث عن محمود درويش كمضاف إلى غيره، أو كشاعر بدون ثورة شعرية. منذ بداية الثمانينيات كان ذلك واضحا لديه، ومن ثم اختلف عن السابقين عليه أو المعاصرين له. في كلمته، مثلا، عن معين بسيسو، كتب ” لا يُرَى الفلسطيني إلا في جلوسه على لحظة الموت. لا يدل علينا سوى موتنا. أما أن يحيى، أن يدخل في دورة المألوف البشري، أن يكتب شعرا، أن يحمل وردة إلى امرأة- فتلك إدانة الآخر له، وعقدة الذنب فيه”.

ضد هذه الرؤية – المحاكمة، بمنطقها الديني والسياسي، انطلقت قصيدة محمود لترجع الفلسطيني إلى بشريته، والشاعر إلى مكانه الذي ينأى عن كل من الديني والسياسي، يأتي الشاعر ليعلم الحياة فنا بالغ الجمال، وهو يغنيها لنفسه وللآخرين من أهله ومن سواهم.

مجرد لمسة لم تتعد تحريك جناح عبارة، فتبدلت المعاني في الطرف المختفي من الكلمات. تحركت الكلمة من مكانها وتكررت في عبارة قصيرة جدا: “إما الحياة وإما الحياة”. وماذا يفعل الشاعر غير هذا الذي لا نعرف سره؟ عندما نعيد قراءة كتابات محمود درويش، شعرا ونثرا، منذ تلك الدواوين الأولى حتى ما بعد أثر الفراشة، لا نعتر إلا على هذه اللعبة التي كسرت طوق اللغة التقليدية في صياغة مصير الإنسان، أي إنسان، حتى لو كان محتلا ومستعمراً، كما هي حال الفلسطيني.

في جدارية، وهي القصيدة- العمل، التي كان فيها درويش ساردا لموت سابق على الموت، بعد عمليته الجراحية الثانية، أكثر من تأكيد على “إما الحياة وإما الحياة”. في هذه القصيدة- العمل يكتب درويش” لكن الحياة جديرة بغموضها “ثم يسافر إلى أقصى الكلمات حين يكتب “هزمتك يا موت الفنون جميعها”. ولم يكن ليصل إلى هذه البذرة الدرويشية إلا لأنه الشاعر الذي وضع يده في يد جلجامش وقال “أنا من رأى”. كل ذلك عبر عنه مرات ثم اختصره في جواب قائلا “القصيدة في الختام كانت النشيد للحياة، أهم عبرة استخلصتها من هذه المسألة أن الحياة معطى جميل، هدية جميلة، كرم إلهي غير محدود، وعلينا أن نحياها في كل دقيقة”.

- محمد بنيس

36

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*