السبت , 20 أكتوبر, 2018
إخبــارات
الرئيسية » إخبــــارات » سهيل إدريس: العلاقة مع الغرب معقدة (1925-2008)

سهيل إدريس: العلاقة مع الغرب معقدة (1925-2008)

souheil_drissلم يكن انفتاح سهيل إدريس على الثقافة الغربية محصلة بسيطة في تطور حياته التي امتدت من 1925 إلى 2008، ذلك أنه –وعلى غرار طه حسين وتوفيق الحكيم- تلقى تكوينا تقليديا يؤهله لأن يلعب أدوارا ذات علاقة بالمجتمع التقليدي، لكنه تحول عن تكوينه الأولي وانخرط في دينامية أخرى ليصبح واحدا من العلامات الغنية في الإرادة المستميتة للانخراط في الزمن الحديث. وتتجلى هذه الاستماتة في شساعة إسهاماته الثقافية التي تنوعت في الإبداع والنقد، وفي المشاركة في الصراعات الفكرية والثقافية، وأخيرا الاهتمام بالبنيات السفلى للإنتاج الفكري والثقافي.

على أن الترجمة في عمق اهتمامات سهيل إدريس، إذ أن سفره إلى باريس –بعد تخليه عن زيه الديني واستقالته من مهنته الصحافية- لم ينحصر في متابعته لدراسته العليا لتحضير شهادة الدكتوراه في جامعة السوربون، بل في انخراطه في الحياة الثقافية التي كان مؤشرها الأول عنوان الأطروحة التي أنجزها وهو القصة العربية الحديثة، التأثيرات الأجنبية فيها من عام 1900 إلى عام 1950. إن تخصيص موضوع التأثر بالثقافة الأجنبية ينم عن مقدار تحول الشاب الباحث بصفة نهائية نحو منظور ثقافي حديث قائم على انفتاح سيتسع بسرعة ليشمل كل نشاطه من الإبداع إلى ممارسة الفعل الثقافي في سياق من التحولات السياسية الدرامية التي عرفت قمتها في هزيمة 1967. هكذا كان لقاء سهيل إدريس مع أدب سارتر الذي انتقل به من الإعجاب الذاتي إلى ترجمته إلى اللغة العربية ونشره في العالم العربي، إلى حد يمكننا معه القول بأن حضور سارتر في الثقافة العربية ارتبط بسهيل إدريس وبـ”دار الأدب” ومجلة الآداب.

لا يتسع المقام لتحليل هذه العلاقة، لكن ارتباطها بحياة سهيل كانت له من الدلالة بحيث يستحيل القفز عليها، إن موضوع الحرية في فكر سارتر وفي أدبه وفي مواقفه تطابقت مع ما كان يحس به سهيل الذي يعاني من فقدانها في المجتمع العربي بفعل التأخر وبفعل الاستعمار، لذلك أقدم على ترجمة مؤلفات ساتر ذات العلاقة بالموضوع مثل دروب الحرية، والغثيان، والأيادي القذرةوغيرها، ثم الانتقال إلى إبداع روائي له الطابع نفسه الذي يميز كتابة سارتر مثل في معترك القومية والحرية، وزهرة الدم، وأصابعنا تحترق. إن استعراض سهيل إدريس الروائية يصح أن نصفنها –كما أشار هو نفسه- ضمن أدب المواقف الذي يميز أدب سارتر والذي ينطبق أولا على الذات، وقد كان سهيل إدريس يشير دائما لوظيفة الذات الواعية في عملية التغيير المنشودة “إن الوسيلة الناجعة للتحرر من هذا الوضع هي العمل الدائب على تغيير نفسياتنا بخلق مفاهيم نثور بها على ذواتنا قبل كل شيء” (“أدبنا الثوري، الآداب، العدد الأول، السنة8، 1960).

لقد كان البعد القومي بالنسبة لسهيل إدريس أفقا للتحرر، والحرية، والثورة ففرق في دفاعه عن حرية الفكر بين “الإلزام” و”الالتزام”، كما دافع عن أدب حديث ينتقل إلى مرحلة أخرى تجعله فاعلا في الديناميكية الثقافية، والاجتماعية، والسياسية. وهذا ما يظهر الدور الجديد للمثقف الذي يتساوق مع مواقف سارتر خاصة موقفه من استقلال الجزائر، ومن أحداث 1968 الطلابية، ومن جائزة نوبل، وعلينا أن نسجل لسهيل إدريس موقف المساندة لثورة الشعر الحديث التي كانت معزولة أمام مناعة الثقافة المحافظة التي اعتبرتها حركة غربية مضادة للقيم الثقافية الأصيلة، وكانت مجلة الآداب(التي أسسها سنة 1953 بالاشتراك مع بهيج عثمان ومنير بعلبكي ثم تفرد بها سنة 1956) منبرا من المنابر التي لعبت دورا مهما في دعم معركة الحداثة الشعرية، ونسجل هنا أيضا دفاعه من أجل مجتمع حديث عقلاني علماني حتى يتجاوز الصراعات الدينية والفئوية غير المنتجة. لم تكن الأمور سهلة فقد كانت الآداب ممنوعة من الدخول لعديد من الدول العربية، كما تعرض سهيل إدريس للتهديد بالقتل إثر دعوته لعلمانية الدولة (الآداب، العدد الأول، السنة8، 1960).

أصيب سهيل إدريس بخيبة إثر الأحداث السلبية المتلاحقة أمرها كان موقف جان بول سارتر من القضية الفلسطينية بعد حرب 1967، ويبدو أنه لم يكن ينتظر تأييد الغرب اللامشروط لإسرائيل، أو على الأقل لم يكن ينتظر ذلك من سارتر(1)، والدليل هو الاحتفال الذي تلقى به نبأ زيارته للقاهرة صحبة سيمون دو بفوار، ومن بين ما جاء في هذا الاحتفال قوله: “إن مواقف سارتر السابقة في تأييد قضايا النضال والحرية لدى الشعوب المظلومة تدل كلها على ما ينعم به من نقاوة الضمير وشجاعة القلب وحرية الفكر. ونحن على ما يشبه اليقين بأن مواقفه من قضيتنا الكبرى، إذا أحسنا عرضها وتقديم حججنا الدامغة بشأنها، لن يخون مواقفه السابقة كلها، بل سيكون دليلا جديدا على ما يتمتع به من نقاوة الضمير وشجاعة القلب وحرية الفكر.” (مجلةالآداب، العدد الثالث، مارس 1967). لقد قام بمراسلات متعددة لسارتر حاول فيها الإيحاء بأن الأمر يتعلق بنوع من الالتباس.

إن حكاية سهيل إدريس مع الغرب تنعكس في روايته الحي اللاتيني التي يعتبرها النقاد سيرة ذاتية للمؤلف والتي تضاف إلى روايات أخرى في الأدب العربي تقدم التجربة المرة مع الغرب، لكن حكاية سهيل إدريس مع سارتر كانت فريدة.

الهوامش

(1)- انظرمواقف أدبية، دار الآداب، 1977، وخاصة مقال “ننتظر من سارتر موقفا واضحا”، ص 212-219


- عبد الجليل ناظم

134

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*