الجمعة , 17 أغسطس, 2018
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » التاريخ الديني: نصوص ومواقف

التاريخ الديني: نصوص ومواقف

محمد العيادي، تنسيق، محطات في تاريخ المغرب الفكري والديني، أعمال مجموعة الأبحاث في التاريخ الديني، 1، الدار البيضاء، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالدار البيضاء، عين الشق 1996.

ma7atat-fkr-dinهذا الكتاب ثمرة عمل جماعي فهو من إنجاز “مجموعة الأبحاث حول التاريخ الديني المغربي”. وقد نظمت هذه المجموعة ندوتين: الأولى تحمل عنوان:(جامع القرويين وتاريخ المغرب الفكري) (1991)، والثانية تحمل عنوان: (مصادر التاريخ الديني المغربي، مؤلفات ذات قضية) (1995)، والكتاب المنشور يضم أعمال الندوتين، أي سبعة عشر بحثا على وجه التحديث.

إن التاريخ الديني حاضر في كتابة تاريخ المغرب، إلا أن الاهتمام به اهتمام عرضي يرتبط بمجموعة من المعطيات. فقد برزت شخصيات دينية في بعض الأحداث والسياقات السياسية، فيلتقي المؤرخ بدعاة ومصلحين ومجاهدين. ثم إن ظاهرة الصلحاء والطوائف والزوايا أثارت انتباه الباحثين منذ فترة الحماية نظرا للدور الاجتماعي والسياسي الذي لعبته هذه القوى في المغرب، لاسيما منذ ما اصطلح على تسميته بالعصر “الحديث”. ومن جهة أخرى، نلاحظ أنه تم تحقيق عدد متزايد من المصادر التاريخية ذات المضمون الديني(مناقب، تراجم) وهي أعمال كثيرا ما أنجزت في إطار الرسائل والأطروحات الجامعية، غير أن أصحابها لا يربطون دائما بين مجهود التحقيق وبين التفكير في قضايا تاريخية محددة لذلك فهم يكتفون بتوطين النصوص المحققة، ويعرفون بسير المؤلفين وأعمالهم.

بيد أن المجموعة التي نحن بصددها طرحت موضوع التاريخ الديني كمنطلق وموضوع مركزي. وقد اتبعت في هذا الكتاب أسلوب “المحطات” فالدراسات تناولت لحظات ونصوصا معبرة تمتد من العصر الوسيط إلى أواخر مرحلة الحماية. وقد اتخذت جل المساهمات المنحى المنوغرافي، وحاولت الجمع بين الوصف ومحاولة التأويل. وقد تعود المؤرخون على التعامل مع النصوص كمصادر تصلح بالأساس لاستقاء المعطيات، بيد أن الباحثين تعاملوا معها هنا كمواضيع تستحق الاهتمام في حد ذاتها، بما تتبناه من قضايا ومواقف.

وبالرغم من الطابع الجزئي للمواضيع المطروحة، فإن الكتاب لا يخلو من طموح في محتوى فكري أوسع. ففي نص التقديم، يثير محمد العيادي مسألة “استمرار بنية فكرية مغربية عميقة مازال فعلها باديا حتى اليوم رغم كل مظاهر التغيير التي عرفتها البنيات المغربية الأخرى إن على المستوى السياسي أو على المستويين الاقتصادي والاجتماعي” (ص7) كما أن منسق الكتاب يتبنى هذا التصور للتاريخ “لا على أنه ماض انقضى واندثر نستحضره لمجرد الاستمتاع بالحكايات والأخبار أو بحثا عن العظة والعبرة بل باعتباره جزءا من الحاضر ومفتاحا لفهمه والتحكم فيه” (ص11).

إن تقديم كتاب جماعي عملية لا تخلو من الصعوبة وقد اخترت هنا إعادة تبويب مضمون الكتاب دون أن أميز بين الندوتين، ودون أن احترم التسلسل الكرونولوجي للمحطات المقترحة.

1 التكوين والإطار التعليمي:

اقترح محمد العيادي تحقيبا لتاريخ جامع القرويين، وميز بين أربع مراحل لها صلة بتشكل الشخصية العلمية المتميزة للجامع، في إطار ما سماه جاك بيرك بـ “مدرسة فاس”. لكن هناك من يعتبر أن الحديث عن القرويين لا يخص المؤسسة المعروفة، فمحمد حجي يقول إن المدلول “يشمل سائر الجوامع والمدارس والزوايا في فاس وخارج فاس، في الحواضر والبوادي، لأن القرويين- منذ تأسيسها وبداية التعليم فيها- كانت رمزا ونقطة ارتكاز يتمحور حولها عدد من المراكز التعليمية تستمد منها وتظل على صلة قريبة أو بعيدة بها” (ص39)، وبناء على هذا التصور تناول المؤلف تجديد الدراسة بالقرويين أيام السعديين، حيث وصف اتساع الشبكة التعليمية، ولاحظ ظاهرة إدخال العلوم العقلية كالحساب والهندسة والمنطق والكلام والبلاغة، وإقبال الدارسين على العلوم التجريبية بمدينة مراكش.

وتناول أحمد المتمسك موضوع تدريس العلوم في القرويين بين القرنين الحادي عشر والخامس عشر للميلاد، فطرح بعض الفرضيات انطلاقا من مفهوم العلم وتصنيف العلوم في الحضارة العربية الإسلامية والعلاقة بين العلم والمجتمع.

ومن خلال كراس يعود إلى أواسط القرن التاسع عشر، حلل عبد الغني مغنية درسا حول “جامع الجوامع للسبكي”. وهو كتاب في علم الأصول، وقد حاولت هذه الدراسة أن تستخرج بنية النص ومكوناته، لاسيما مفاهيم مثل”الشرح” و “الحاشية” و”التعليق” كما أن النص المدروس اعتبر دليلا على وجود تيار الاجتهاد ومعارضة التقليد.

2 العلماء والحكام:

كيف كانت علاقة العلماء بالحكام؟ تتجلى هذه العلاقة في مواقف الدولة تجاه مؤسسة القرويين، فقد درس مصطفى نشاط علاقة المرينيين بالجامع المذكور، واعتبر أن هذه العلاقة تشخص علاقة الدولة بأهل فاس، إنه مناخ كان يطبعه النفور والصراع، وقد عمد بنو مرين إلى احتضان بعض الفقهاء الذين عارضوا التوجه السياسي المريني، وهكذا نراهم يزيحون أحمد ابن أبي زرع من منصب إمام الجامع، وأبا القاسم بن مسونة من منصب الخطيب، بحيث أصبح التعيين في هذه المناصب رهينا بموالاة السلطة عوض أن يكون مرتبطا بالاستحقاق العلمي.

ثم يعرفنا لطفي بوشنتوف بكتاب تحفة الإخوان ومواهب الامتنان، في مناقب سيدي رضوان. وهو المؤلف خصصه أحمد بن موسى المرابي الوراق لأبي النعيم رضوان الجنوي ، وهو عالم ومتصوف عاش في القرن العاشر(السادس عشر للميلاد) كان الجنوي من بين أساتذة أحمد المنصور الذهبي. وقد عرف بـ “معارضته للفساد والظلم بجميع أشكالهما في مجتمعه” كما عرف بـ “اتهامه السلطة في قمة هرمها بعدم الاكتراث بهموم ومشاكل الرعية وما تتعرض له من ظلم وغصب للممتلكات والأموال”، وكلها مواقف عبر عنها الجنوي في رسائل وجهها إلى حكام وقته.

وبعد مرور ثلاثة قرون، نجد في الفقيه محمد بن المدني كنون نموذجا مشابها. فقد تناوله محمد فلاح العلوي في إطار أصول السلفية المغربية. أكثر كنون من التأليف في موضوع النصيحة عملا بمبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ودعا إلى إصلاح الخطط الشرعية التي لاحظ أنها أصبحت عبارة عن “أسماء شريفة على مسميات خسيسة”. ودعا إلى تجنب المسلمين الإقامة بأرض يسكنها الأوربيون، وذهب تشدده إلى درجة محاربته للسماع، وكان يعني بهذه الكلمة ممارسة الزوايا، وكذا فن الملحون الذي نعته بالسفه والجهل.

ويعود مفهوم النصح في كتابنصيحة أهل الإسلام لمحمد بن جعفر الكتاني المتوفي عام 1345/1927، وقد طبع الكتاب المذكور للمرة الأولى سنة 1908 بفاس. وهو مؤلف ذو طابع سياسي، استعرض فيه المؤلف أسباب انحطاط العالم الإسلامي، حيث أورد الكتاني جملة من العوامل اللاتاريخية التي توافق أكثر من زمان ومكان، مثل “اختلاف كلمة أهل الإسلام”، و”اتباع عوائد الكفار والتمذهب بمذهبهم والعمل بقوانينهم”، و”ترك الجهاد”، و”التجاهر بالمنكرات” و”ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر”، وقد اهتم محمد العيادي ببنية الكتاب، واستعرض أهم عناصره، وحاول أن يحلله في إطار قضايا الإصلاح والتحرير والعقيدة الأصولية داخل سياق عصر الكتاني.

وبعد ذلك تنقلنا دراسة محمد معروف الدفالي إلى مرحلة الحماية حيث نتتبع مساهمة رجال القرويين في الصراع السياسي وذلك من “أيام فاس الدموية” التي تلت مباشرة توقيع معاهدة الحماية إلى بداية الخمسينات. وهكذا نتعرف على التيارات والتناقضات التي كانت تخترق فئة العلماء، ولاسيما الصراع الذي دار في أواسط الأربعينيات، بين إدارة القرويين (ممثلة في محمد الفاسي)، وبين عدد من العلماء الشوريين الذين واجهوا سلسلة من المضايقات بالمؤسسة المذكورة.

3 الكتابة والمصالحة الفئوية:

تناولت عدة مساهمات مؤلفات “ذاتة قضية” والملاحظ هنا أن الأمر يتعلق بالدفاع عن مصالح فئوية محددة. فقد درس محمد فتحة كتاب انس الفقير وعز الحقير الذي ألفه ابن قنفذ الذي عاش في القرن الثامن الهجري (الرابع عشر للميلاد)، ويصنف الكتاب عادة ضمن نوع الرحلة الزيارات ذات المنحى الصوفي. غير أنه يظهر هنا كنص يخاطب السلطة الحفصية الحاكمة بإفريقيا، ويبرز دور زاوية ملارة الواقعة في منطقة قسنطينة مسقط رأس المؤلف، ويدعو ضمنيا إلى رعاية تلك الزواية التي كانت تنتمي إلى شبكة صوفية يتصل سندها بأبي مدين.

وسلط محمد المازوزي وأحمد الوارث ضوءا مماثلا على بهجة الناظرين وأنس الحاضرين ووسيلة العالمين في مناقب رجال أمغار الصالحين وهو مؤلف خصصه عبد العظيم الازموري (ق14 وبداية 15) للأسرة التي ارتبطت برباط تيط الواقع على ساحل دكالة. وقد اشتهرت بنسبها الشريف ونشاطها الصوفي والعلمي طيلة مدة ثلاثة قرون، وتمتعت بالجاه. بفضل علاقتها بالدول المتعاقبة، ثم تعرضت للتهميش بعد عهد أبي عنان المر يني دون غيرها من الأدارسة.

ثم نتعرف، بنفس المضمون، من خلال دراسة عثمان المنصوري، على مقصد محمد ابن عسكر في كتابه دوحة الناشر. فقد سعى المؤلف في الأصل إلى وضع فهرسة تضم أسماء شيوخه وترجمة لمشايخ القرن العاشر(السادس عشر للميلاد)، والواقع أن ابن عسكر ركز بالأساس على متصوفة الشمال، فنوه بدورهم وكذا بالخيبة التي منوا بها إذ لم يحقق لهم الحكام السعديون الجدد ما كانوا يأملونه.

4 الآخر ومواقف المغايرة:

ثم يأتي موضوع الآخر ومواقف المغايرة. فهذه بهيجة الشادلي تهتم بمحمد بن عبد الكريم المغيلي(ق9/15) في كتابه مصباح الأرواح في أصول الفلاح، حيث اتهم اليهود “بالجرأة والطغيان والتمرد على الأحكام الشرعية بتولية أرباب الشوكة وخدمة السلطان”. والواقع أن موقف المغيلي ينتمي إلى سياق محدد، وهو سياق التوتر الذي عاشته منطقة توات خلال مرحلة تفكك دولة بني مرين.

وفي لحظة لاحقة نتعرف، من خلال مساهمة لطفي بوشنتوف، على موقف محمد ميارة الذي ألف نصيحة المغترين وكفاية المظطرين في التفريق بين المسلمين دفاعا عن فئة البلدين (أو”الإسلاميين”)، وهي التسمية التي أطلقت على مجموعة من العائلات اليهودية التي اعتنقت الإسلام بفاس وحواضر أخرى، وعاشت مع فئات أخرى مثل الشرفاء، صراعات التبس فيها العنصر الديني برهانات اقتصادية واضحة.

وإلى جانب الآخر ينتمي إلى دار الإسلام، هناك بعض أشكال العلاقة مع بلاد النصارى. فقد اهتم محمد رزوق بنصأسنى المتاجر في بيان أحكام من غلب على وطنه النصارى ولم يهاجر. وهي فتوى أصدرها أحمد الونشريسي قبيل سقوط غرناطة، واعتبر فيها أن “الهجرة من أرض الكفر إلى أرض الإسلام فريضة إلى يوم القيامة، وكذلك الهجرة من أرض الحرام والباطل بظلم أو فتنة”. ومعلوم أن هذا النص ذاع كثيرا في عصره، وأثار ردود فعل مخالفة من فقهاء طرحوا قضية صعوبة الهجرة والتعلق بالوطن، وغيرها من الاعتبارات التي شخصتها تجربة المورسكيين.

وفي سياق لاحق، يأتي كتاب ناصر الدين على القوم الكافرين، وهو نص رحلة دونها السفير المغربي أبو القاسم الحجري في بداية القرن السابع عشر للميلاد، تناول عبد المجيد القدوري هذا الكتاب، فسجل دفاع الحجري عن المورسكيين، وسلط الضوء، بشكل خاص، على مساجلة المؤلف للعلماء المسيحيين بعد التعرف على إنتاجهم الفكري، ومساهمة الرحالة المغربي في تغذية الإستشراق الأوربي، ولاسيما الإستشراق الهولندي.

5 المناقشة:

هذه إذن جولة عبر مضامين الكتاب وموضوعاته، ولاشك أن هذه الجولة تعكس ثراء المواد وتنوعها. ومع ذلك أود تسجيل بعض الملاحظات. هناك انطباع أول، يتجلى في ثنائية تظهر من خلال الشخصيات المدروسة، حيث نرى الفقهاء والعلماء يقفون موقف النصيحة والاعتراض، والشرفاء والمتصوفة يقفون موقف التماس المنافع والإمتيازات، ومعلوم أن التجربة التاريخية لا تطابق الثنائية المذكورة. وفي مستوى آخر، يجوز أن نطرح السؤال التالي: إلى أي حد يجوز استعمال ثنائية الموالاة والمعارضة بالنسبة لبعض حقب الماضي وانطلاقا من إشارات سريعة ترد في المصادر.

فيما يخص قضية “المعارضة” في وسط رجال العلم والصلاح، هناك فرق بين مواقف واضحة بصدد مواضيع محددة (مثل موقف عبد السلام كسوس من جيش العبيد). وبين مقولات نمطية كثيرا ما ترد عند الحديث عن ممارسة الفقيه أو الوالي لواجب النصيحة، فيستنتج البعض من تلك الصيغ وجود موقف “معارض” لدى رجال تمتعوا أحيانا بالجاه وما يرتبط به من منافع. فكيف نفهم إذن بعض المفارقات، كأن نقرأ في كتاب منسوب للسلطان سليمان ومخصص لبيت الفاسيين الفهريين، أن العالم عبد القادر الفاسي (كان يواجه الكبراء والملوك) وهو إقرار ورد بصيغة الإشادة والتمجيد؟

من الملاحظ كذلك أن الأبحاث الواردة في الكتاب تعاملت أحيانا مع المصادر المدروسة دون أن تحاور دراسات سابقة تناولت نفس القضايا، مما يجعل من الصعب على القارئ أن يتبين درجة أصالة وجدة مختلف المساهمات. أشير، على سبيل المثال لا الحصر، إلى مواضيع مثل البلديين، وعلاقة السعديين بالصلحاء، وقضية يهود توات. ثم إن دراسات حديثة حول بقية بلدان المغرب الكبير تدعو إلى المقارنة وإعادة النظر في التصور السائد للخصوصية المغربية. وهو ما يظهر مثلا في كتاب بين الله والبشر للباحث الجزائري هواري التواتي (باريس، 1994) أو في المؤلف الجماعي المعرفة الدينية والسلطة السياسية في الإسلام (مدريد1994)، حيث يجد القارئ مساهمات تهم الثقافة الإسلامية في مختلف عصورها ومناطقها.

وفي الختام، أشير إلى أن التاريخ الديني يستحق المزيد من التنقيب والاهتمام، مع التمييز بين مستويين: مستوى الأفكار والتصورات الدينية، حيث نجد الثوابت والمستجدات، ومستوى اجتماعيات النخبة الدينية، حيث نلاحظ تفاوتا كبيرا بين التراكم النسبي الذي تم تحقيقه في كتابة تاريخ الوسط الصوفي، وبين قلة ما أنجز في التاريخ الاجتماعي للعلماء والفقهاء، وهو جانب ألف فيه الإسبان دراسات عديدة ومتقدمة تناولت المجتمع الأندلسي في العصر الوسيط.

P.-S. ألقي هذا العرض في الأمسية العلمية التي نظمتها بلدية حسان بالرباط، في 22 يناير 1998 بدار الثقافة، وذلك للتعريف بكتاب محطات في تاريخ المغرب الفكري والديني، تنسيق وتقديم محمد العيادي، أعمال مجموعة الأبحاث في التاريخ الديني، 1، الدار البيضاء، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالدار البيضاء، عين الشق 1996. ونشر بجريدة الاتحاد الاشتراكي، بتاريخ 6 مارس 1998.

- عبد الأحد السبتي

جامعة محمد الخامس – كلية الآداب – الرباط

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*