الإثنين , 25 سبتمبر, 2017
مواضيع المجلة
الرئيسية » أطروحات » الحرب والمجتمع بالمغرب الأقصى خلال العصر المريني، 609-869هـ/1212-1465م، إسهام في دراسة انعكاسات الحرب على البنيات الاقتصادية والاجتماعية والذهنية

الحرب والمجتمع بالمغرب الأقصى خلال العصر المريني، 609-869هـ/1212-1465م، إسهام في دراسة انعكاسات الحرب على البنيات الاقتصادية والاجتماعية والذهنية

حميد تيتاو، الحرب والمجتمع بالمغرب الأقصى خلال العصر المريني، 609-869هـ/1212-1465م، إسهام في دراسة انعكاسات الحرب على البنيات الاقتصادية والاجتماعية والذهنية، إشراف: ابراهيم القادري بوتشيش، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة المولى إسماعيل، مكناس،2008

تم الانطلاق في الدراسة من أن الحرب تعد من أقدم الظواهر الاجتماعية الضاربة في أعماق التاريخ الإنساني، والمتجددة في آن واحد. وتم التأكيد على مفارقة غريبة تتمثل في كون ما أنتج في معرفة الحرب من جانب حقائقها الاجتماعية أقل بكثير، إذا صحت المقارنة، مما أنتج في دراسة أحداثها، وفهم تقنياتها واستراتيجياتها؛ إذ أن ما قيل في حق الحرب من حيث هي ظاهرة اجتماعية ضئيل، وما أنتج عنها من معرفة نظرية متخصصة لا يزال رهين عثرات البداية، إذا ما قوبل بالمعرفة القانونية والفلسفية والتقنية وحتى النفسية والأنتروبولوجية المتخصصة في قضايا الحرب والنزاعات التي حققت إنجازات هامة.

وقد توسع مؤخرا استعمال مصطلح «الحرب والمجتمع»، وأسرف في تداوله من قبل السوسيولوجيين والمؤرخين، الغربيين على وجه الخصوص، فكرس عدد هام منهم، في العقدين الأخيرين، أنفسهم لدراسة قضايا «الحرب والمجتمع»، حيث أصدر العديد منهم أعمالا في هذا المجال، وتحول هذا الموضوع إلى مسلك يدرس في الجامعات الأوربية، وأنشئت له وحدات للبحث والتكوين، وعقدت من أجله ندوات ومؤتمرات، مما يبرز الأهمية التي أضحت لهذا المصطلح ومواضيعه في مجال الدراسات السوسيولوجية والتاريخية في أوربا والولايات المتحدة الأمريكية على الأقل. وفي المقابل، يجد الباحث نفسه أمام فراغ مهول في هذا المجال بالنسبة للدراسات التاريخية في العالم الإسلامي عامة، والمغرب الأقصى خاصة.

في كل الأحوال، تم التأكيد على أن المعالجة المتخصصة في مجال “الحرب والمجتمع” أو “سوسيولوجيا الحرب” ليست شائعة رغم أهميتها التاريخية، وربما تكون هذه الأطروحة حظيت ببعض من السبق في طرق هذه الزاوية، وكشف النقاب عنها، اقتناعا من صاحبها أن إعادة النظر في إشكالية الحرب خلال العصر المريني من خلال تصور علمي جديد يتجاوز سرد الأحداث العسكرية والوقائع الحربية، إلى البحث في حقائقها وبناها ومتغيراتها الحضارية، والكشف عن آثارها في البنيات والنظم والمؤسسات، وفي مختلف مظاهر الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، كفيل بالكشف عن عناصر جديدة من شأنها أن تغني البحث التاريخي المغربي، وتدفع به نحو الإجابة عن الكثير من القضايا الحضارية لمجتمعنا، التاريخية منها والراهنة.

تسعى أبحاث هذه الدراسة إلى إماطة اللثام عن كثير من القضايا التي أفرزتها حروب العصر المريني سواء في الاقتصاد أو المجتمع أو الذهنيات، وإثارة أسئلة مفتوحة في حقل لم تسبر أغواره بشكل عميق. من أجل ذلك، تم توجيه الاهتمام لتبيين البنى التي أنتجتها الحرب، والتغيرات التي أحدثتها عبر تحليل عناصرها وتعريفها وتلمس تطورها، ودرجة إسهام الأفراد والجماعات في إحداثها، ثم دراسة وظائفها الاجتماعية المختلفة، والآثار التي أفرزتها في المجتمع المعني بالدراسة.

وإدراكا منا بأهمية الجانب الاقتصادي في دراسة العلاقة الجدلية بين الحرب والمجتمع، عملنا على إلقاء أضواء كاشفة على القضايا الاقتصادية المرتبطة بظاهرة الحرب من قبيل التمويل والتعبئة وإعلان النفير العام، ومسألة الإعداد الاقتصادي المسبق للحرب. كما قدمنا قراءة واسعة في مفاهيم عدة تمثل مفاتيح للكشف عن العلاقة الاقتصادية والاجتماعية بين الحرب والمجتمع مثل “اقتصاد الحرب”، و”خزانة الحرب”، و”الميزانية العسكرية”، والتأثير العسكري في توزيع المداخيل، ودور الحرب في انتقال الثروات بين الأطراف المتحاربة، وفي تطوير بعض المجالات الاقتصادية بعينها.

وعلاوة على ذلك، سلطنا الضوء على الجانب الاجتماعي في علاقة الحرب بالمجتمع، مستهدفين الكشف عن دور الحرب في عملية الحراك الاجتماعي، وأثرها في بناء أو تفكك المؤسسات الاجتماعية، وكذا في وضع الأسرة زمن الحرب وبعدها. وعلى الخصوص البحث في أوضاع المجندين الاجتماعية، وعلاقتهم بأسرهم، وقضايا التكيف والاندماج في الجيش أولا، وفي المجتمع ثانيا.

من جانب آخر، عمدنا إلى الكشف عن مجموع الانفعالات والتصورات والسلوكات الجماعية التي أفرزتها الحرب في مجتمع المغرب المريني، ودور هذه الأخيرة في توليد قيم المجتمع وتغيير مسلماته. ولتحقيق ذلك كان لزاما علينا توسيع دائرة القراءة قدر الإمكان لتشمل مختلف أنواع المصادر المرينية مثل كتب الحوليات التاريخية، والآداب السلطانية، والجغرافيا، والرحلات، والفقه، والنوازل، والأحكام، والحسبة، والتراجم، والطبقات، والفهارس، والمناقب، والتصوف، والتنجيم، والأدب، والأمثال الشعبية وغيرها. كما وسعنا مجال الاطلاع ليشمل العديد من الدراسات المعاصرة من مختلف التخصصات العلمية، سواء تلك التي لامست أطروحة هذا الموضوع، أو تلك التي طرقت زمن هذه الأطروحة بأسئلة تاريخية مغايرة. ومن خلال ذلك، توصلنا إلى مجموعة من الخلاصات نجملها فيما يلي:

* أولا: من خلال تتبع ظاهرة الحرب في المجتمع القبلي، اتضح أن هذه الظاهرة أضحت، ونتيجة لظروف موضوعية، حاضرة في أسلوب اشتغال القبيلة مما ولد أنساقا من السلوك والتعامل الاجتماعي إما لمسايرة الحضور المكثف لهذه الظاهرة والمساهمة فيها عبر عقد تحالفات واتفاقات ومصاهرات، والاهتمام بما تقتضيه من إنتاج رجال أقوياء شجعان من خلالهم تتحدد مكانة القبيلة داخل النسق الاجتماعي القبلي، وإما بإنتاج أعراف وتنظيمات لتدبير الظاهرة واستيعاب نتائجها.

* ثانيا: توصلنا من خلال مقاربة تنظيم الدولة خلال عصر هذه الدراسة، إلى أن الحرب شكلت رمز وجودها، والأصل في بنائها واستمرارها، لكن في انهيارها ونهايتها أيضا؛ وقد فرضت الطبيعة الحربية للدولة المرينية نوعا من التعدد والتنوع في مكونات الجيش، وجعلت من العطاء وتوفير النفقات مفتاحا لإنجاح مشاريعها أو فشلها. كما أن الحضور المكثف للظاهرة الحربية طبع الدولة بالطابع العسكري، وجعل من قيم الحرب نموذجا للقواعد الحياتية، والقيم المرعية التقدير.

* ثالثا: فيما يتعلق بوضع المنتجين والأنشطة الاقتصادية في ظل الحضور الوازن للحرب خلال عصر الدراسة، تبين أن هذه الظاهرة أضرت كثيرا بالإنتاج الفلاحي ومنتجيه بفعل نهب المحاصيل، وتخريب المشهد الزراعي، وتهجير الفلاحين وإجبارهم على تقديم الخدمة العسكرية. واتضح أن دورية هذه الأوضاع طيلة العصر المريني، أفضت إلى بروز تحولات هيكلية على مستوى المجال وأنظمة الاستغلال والإنتاج، تمثلت في تحول السهول الخصبة إلى مجالات ممتدة للرعي والانتجاع، وحصر الرقعة الزراعية في المرتفعات وداخل أسوار المدن والمسورات كأسلوب لتأطير الخراب في غالب الأحيان. وأوضحت الدراسة كذلك أن الحرب ساهمت بشكل كبير في إرباك تطور النشاط الحرفي بسبب تعرض الكثير من الورشات الحرفية للنهب والتخريب، وتوقف العديد من الوحدات الإنتاجية، وإلزام الحرفيين بالخدمة العسكرية، وتعرض الكثير منهم للإفلاس، وبروز النزاعات بين الصناع والمستهلكين فيما يتعلق بتضمين الأموال المنهوبة. غير أن ذلك، لم يمنع من انتعاش بعض الحرف والصنائع كانت الأطراف المتحاربة – بما فيها الدولة المرينية – في حاجة ماسة إلى موادها ومصنوعاتها، أو إلى سواعد ممتهنيها لتنفيذ توجهاتها الحربية. من جانب آخر، وجهت الحرب ضربات موجعة للنشاط التجاري، لارتباطه بشروط الأمن والسلم الاجتماعي، إذ تراجعت رغبة التجار في ولوج الأسواق البعيدة، وانحصر النشاط التجاري داخل أسوار المدن. إلا أن ذلك لم يمنع من أن تكون الحرب عاملا هاما لتنمية أموال التجار في بعض الأحيان سواء بالنسبة لهؤلاء الذين رافقوا الحملات العسكرية في تنقلاتها، أو بالنسبة للمهربين والمحتكرين من التجار الذين ترصدوا مثل هذه الحروب لتنمية أموالهم.

* رابعا: بناء على النتائج السابقة، جرى تتبع مختلف المظاهر والانعكاسات الاجتماعية التي أفرزتها الحرب، فبينت الدراسة أن الحرب أفضت إلى نوع من الاسترخاء الديموغرافي تجلى في ارتفاع غير عادي في أعداد الوفيات، وتقلص مؤقت لكنه مؤثر في أعداد المواليد بسبب جملة من العوامل؛ أبرزها تراجع نسبة الزواج ونسبة الإنجاب في فترات الحرب نتيجة الغياب المستمر للأزواج في الغزو، وكذا التفاوت الجنسي في نسب الموت بين الرجال والنساء. كما توقفت الدراسة عند قضية الأسر والاسترقاق التي مثلت المظهر الآخر الأكثر ارتباطا بالحرب، فخلصت إلى أن هذه القضية أفضت إلى سقوط عدد هام من السكان الأحرار في ربق الأسر. وأثبتت أن الكثير من هؤلاء عاشوا أوضاعا مؤسفة في الأمكنة التي نقلوا إليها بعيدا عن مواطنهم، كما توصلت إلى أن الافتكاك والفدية مثلا الوجه المضيء والمنقذ لهذه الشريحة من ضحايا الحرب، خاصة بعد أن ساهمت فيه مختلف فئات المجتمع في إطار التكافل والتضامن الاجتماعيين.

* خامسا: أوضحت الدراسة أن انعكاسات الحرب لازمت أحوال الجنود الاجتماعية، فخلقت لكثير منهم متاعب اجتماعية فظة سواء في وضعهم الاقتصادي أو الاجتماعي أو النفسي، أو في علاقتهم بعائلاتهم، وجعلت أحوالهم الشخصية في مرمى حجر من عوامل التفكك الأسري والانهيار النفسي والاجتماعي. كما رصدت وضع المرأة زمن الحرب، فتكشف أنها تعرضت للأسر والاسترقاق، وعانت الفقر نتيجة غياب أو أسر أو فقدان قرينها ومعيلها في الحرب. ولم تغفل الدراسة تتبع هذه الآثار في شريحة الأطفال، حيث عانت من مختلف أشكال الغبن الأساسي، والأضرار المتنوعة التي حملتها الحرب المستشرية على كل الأصعدة، مما أدى إلى تراكم هذه الآثار، واستمرارها في في التأثير على مستقبل هذه الشريحة.

* سادسا: كشف البحث عن قوة التأثير البنيوي وكثافة الترسبات التي خلفتها الظاهرة الحربية في مختلف أشكال السلوك والذهنية الجماعية للمجتمع المغربي، وأماط اللثام عن جملة من القيم كان للحرب دور هام في صياغتها وصقلها في الذهنية والسلوك الجماعيين. وبالمثل، توقف عند أنماط السلوك الاجتماعية التي مثلت تجليات مادية لهذه القيم وتكريساً لها على مستوى الواقع العياني المعاش. وفيما يتعلق بالإنتاج الفكري والثقافي، خلصنا إلى أن الحرب اخترقت المعارف وشكلت حجر الزاوية أحيانا في نحت المصطلحات والمفاهيم التي تم تداولها في الساحة الفكرية. وقد كان الاعتماد على ابن خلدون الذي عاصر هذا الوضع واستوعبه، فنظر له وبسط خلاصاته في مقدمته المشهورة، كافيا لتأكيد هذه الخلاصة. وبخصوص الإنتاج الأدبي، بشقيه العالم والشعبي، توصلت الدراسة إلى أن ما أفرزته الحرب من آلام وأضرار، وفرت الأرضية المناسبة للتعبير عن النفسية الجماعية المتمزقة؛ فعبر الأدب بصدق عن الكيان الباطني للفرد والمجتمع، وعن القلق الثاوي في النفوس من آلام الحرب ومآسيها. كما أكدت أن الأدب الشعبي استطاع أن يشخص الأبعاد والمسافات التي انتهت إليها آثار الحرب المتفشية في المغرب المريني أكثر مما استطاعت كتب التاريخ.

* سابعا: بين الباحث أن الحرب ولدت أسلوبا في الحياة ونمطا من الوجود له معتقداته وخرافاته وأساطيره، كما أفرزت آلاماً معنوية وقلقا دائما هدم التوازن النفسي لإنسان هذه المرحلة. لذلك، برزت لديه وسائل وأوليات دفاعية ضد هذا القلق، وقد كان أبرزها الغرق في الماورائيات، والتعلق بالخرافة والغيبيات؛ فساد الاعتقاد بالمتصوفة والصلحاء والمجاذيب والبهاليل، وترسخ الإيمان بخوارقهم وكراماتهم. علاوة على ذلك، كشفت الدراسة عن دور الحرب في إفراز بعض المعتقدات الشعبية، واتضح أن الأزمة الوجودية التي خلقتها طوارق الحرب ومشاكلها، والعجز والقلق المتفاقم أمام تضخم نتائجها وانعكاساتها، أسهم بقوة في انتشار الاعتقاد بخوارق المنجمين والكهان والسحرة والمعزمين والحرازين، وانتشار ظواهر التنبؤ بالغيب والاعتقاد بالفأل، وبقوة بعض الأسماء والأجسام، من أجل التنبؤ بأيام الحرب وفرزها عن أيام السلم، وبحال الرزق والأمن في حال وقوعها، وكذا استعمال تعاويذها وأدعيتها لمنع آثار الحرب ومهلكاتها.

* ثامنا: أثبت البحث عمق الأثر الذي مس البنية العمرانية جراء حروب هذا العصر، وأبان دورها في بلورة واقع عمراني جديد اتسم بخراب العديد من المدن والقرى والمداشر، وتقلص معمار غيرها، ودورها في تعديل الخريطة العمرانية بمجموع بلاد المغرب الأقصى، حيث أضحى المجال الجبلي – رغم ما ساده من قلة وصعوبة تدبير – مجالا استقطابيا جديدا للبناء والتعمير. فضلا عن مظاهر أخرى كثيرة كشفت تصاعد أهمية الطابع العسكري الدفاعي في المجال المعماري على حساب المظاهر الأخرى، وتماهي الظاهرة الحربية في الهندسة المعمارية وتطبيقاتها في مغرب العصر المريني.

- حميد تيتاو

37

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*