الأربعاء , 20 سبتمبر, 2017
مواضيع المجلة
الرئيسية » دراســات » الشفاهية والتدوين في شعر الملحون من بلاغة النص إلى بلاغة التقعيد

الشفاهية والتدوين في شعر الملحون من بلاغة النص إلى بلاغة التقعيد

توطئة

Homerكانت المسألة الهوميرية لحظة أساسية في تأمل الفكر الغربي المعاصر لتراثه الشفاهي ولأصوله الثقافية بصفة عامة. بل إنها مثلت سياقا غنيا لعرض التقابلات بين الشفاهية والكتابية من خلال أسئلة من قبيل:

من كان هوميروس عندما أنشأ القصائد التي جرى العرف أن ننسبها إليه؟

ما النتائج المترتبة على الإجابة التي تم التوصل إليها فيما يتصل بتحقيق الإلياذة والأوديسة وتفسيرهما؟

هل وجد هوميروس حقا أم أن ملاحمه كانت من إبداعات شعب بأكمله؟

هل كانت لهوميروس موهبة الكتابة أم أن قوة الذاكرة هي التي مكنته من إنتاج هذا الشعر؟

عرفت الثقافة العربية مثل هذا التأمل مع اختلاف السياقات الاجتماعية والعقائدية والفكرية حين طرحت مسألة الانتحال في الشعر الجاهلي في نقديها القديم (ابن سلام الجمحي) والحديث (الرافعي، طه حسين). لكن إذا كانت الثقافة الأوربية قد أدركت من خلال الحفر في تراثها بمختلف توجهاته الدور الحاسم للكتابة في تغيير شكل الوعي الإنساني وبأنه من دون الكتابة لا يستطيع العقل الذي ألِف الكتابة أن يفكر على النحو الذي يفعله ليس فقط عندما يمارس الكتابة، بل حتى في حالة إنشائه أفكاره على نحو شفاهي.

وإذا كان الغربيون قد طرحوا الأسئلة العميقة على ثقافتهم الشفاهية وأصولها ونسيجها اللغوي وخصوصية تركيبتها البلاغية والتعبيرية ووسائل دمجها ضمن نسق الثقافة العالمة المكتوبة والخاصة لقواعد عقلانية وبلوغ وحدة الفكر من خلال التدوين واعتماد لغة معيارية موحدة للدولة الرسمية مع تمثل وتثمين اللغات واللهجات الأصلية، فهل فعلت الثقافة العربية والمغربية ذلك بتراثها؟ وهل أدركت قيمة ما تمتلك وضرورة إحيائه من جديد ليصير فاعلا في مسلسل تطوير الفكر وتنوير العقل والذاكرة وتثوير المخيلة وبناء ثقافة أصيلة منسجمة؟

أسئلة الدراسة

تنطلق هذه الدراسة من ملاحظات بسيطة وربما يعتبرها البعض أحكام قيمة لا دليل عليها. ولكنني أطرحها هما من باب المحاورة والمناظرة. فربما يحتاج الباحث في التراث الشفاهي المغربي إلى تأمل ظاهرة قد تحتاج إلى تأكيد علمي وهي أن ما أنتج ضمن المجال اللغوي الشفوي في المغرب كان أقوى من حيث حركة التخييل والتطرق لمختلف أنواع الموضوعات ذات الطابع الغنائي مما هو عليه الأمر بالنسبة إلى ما أنتج في الشعر الفصيح ربما بسبب المؤثرات الفقهية على الشعراء المغاربة في بعض مراحل تاريخ المغرب.

إن لم يكن هذا المعطى موضع اعتراض فإن أول سؤال يتبادر إلى الذهن ويضع البحث في الثقافة الشعبية المغربية في مأزق علمي ونظري هو: لماذا هيمنت الرؤية الإيديولوجية في مقاربة التراث الشفاهي المغربي وتم تهميش نصوص الثقافة الشعبية بمعنى أنها لم تكن مندمجة في الحركية الثقافية والعلمية المعاصرة في المغرب لفترة ليست بالقصيرة؟ وعن هذا السؤال تتناسل أسئلة بدت لي جوهرية وهي:

أين هو التراث الشفاهي في المغرب؟ وهل هو تراث حاضر ضمن أولويات البحث والتنقيب والتحقيب والتأريخ؟

لماذا همش المتخيل الشعبي المغربي لحساب المنظومة اللغوية الفصيحة علما أن التحاقل المعجمي والبنائي والبلاغي مع الفصيح كان حاضرا بقوة في النصوص الشفاهية كما سيرد القول في فقرة لاحقة؟

ليست هناك سجلات كافية واستقصائية وشاملة وواعدة للملحون وللعيوط على سبيل المثال، أي أن تجميع هذا التراث ليس نهائيا. فكيف السبيل والحالة هذه إلى التأريخ للثقافة الشعبية والشفاهية وجعلها تنخرط في حركية الفكر والثقافة يشكل عام؟

إذا كانت مرجعية الثقافة الشفاهية المغربية هي التدين الشعبي، فما هي الوسائل العلمية والبشرية الكفيلة بربط التأريخ للثقافة الشعبية بالأوضاع الانتروبولوجية والدينية والاجتماعية في المغرب الوسيط: أي تحديد بنيات المتخيل الفاعلة في المجتمع والثقافة المغربيتين ضمن أزمنتها المختلفة وعدم الوقوف فقط عند حدود البحث في القيم العقلانية التي حكمت الأزمنة والتواريخ المختلفة للمغرب؟

تنحصر هذه الدراسة عند نوع شفاهي واحد هو الملحون، وهو ما استلزم طرح بعض الأسئلة والقضايا للتأمل والدرس:

هل يمكن دراسة التطور اللهجي في المغرب من خلال شعر الملحون؟
كيف يمكن الخروج ذهنيا ونفسيا وثقافيا من ازدواجية العامية والفصحى في إطار الملحون؟ علما بأن نسق إنتاج الملحون نصا وتقعيدا خضع لقوانين دقيقة ومتطورة، فالشعراء حين أعوزتهم العامية لجأوا إلى الفصحى في إطار التوسع اللغوي دون أن يكونوا مدركين بأنهم بصدد القيام بثورة بلاغية داخل مجال قيمهم المتداولة.

كيف يمكن من خلال المتن المتخيل في الملحون، رصد تجليات المتخيل الجمعي المغربي في المجال الديني والاجتماعي والسياسي؟ أفكر هنا في الأساليب التي نظمت بها قصايد في الروحانيات (المدح) والجفريات والتصوف والغزل والجنس والطبيعة … الخ.

ارتبط شعراء الملحون بحرف تقليدية فاستلهموا لغتها ومرجعيتها في النظم والاصطلاح والتقعيد فخلقوا بذلك مجالا خصبا لانتعاش الاستعارة والقياس وحيويتهما وتطويرهما لمعجم اللغة في الملحون ولاصطلاحاته. لكن فئة منهم كانوا مثقفين (علماء وفقهاء وسلاطين) استجابوا لمؤثرات عصرهم ولمؤثرات ذاتية وموضوعية فنظموا في الفصيح والعامي معا، بل ومنهم من نظم نفس القصيدة بالفصحى ثم بالعامية استجابة لإكراهات اجتماعية وثقافية واعية أو غير واعية، ومنهم من اختار للفصيح موضوعاته وللعامية موضوعاتها.

إذا كان الأمر كذلك فمعنى هذا أن مجال تداول الملحون نظما (السجية)، وحفظا وجمعا (الخزنة)، وغناء (القريحة) كان يتم في إطار أوضاع منظمة على الأقل في جزء منه أو في جزء من تاريخه المتأخر. أستحضر هنا قصة مسيد سيدي فرج -التي أوردها محمد الفاسي في معلمة الملحون ص134 من الجزء الأول- وهو المسيد الذي كان القائد الوطاسي بفاس سيدي أبي عمرو (943 – 1536) قد وهبه للشيخ ابن عبود الفاسي ثم خلفه عليه سيدي عبد العزيز المغراوي وذلك للاحتفال فيه سنويا بالمولد وتناشد الأذكار والأمداح والتصليات، فصار قبلة لتداول قصائد القدماء وتتويج الشعراء الجدد وقصائدهم وتدوينها في كناش المسيد وإيداعها عند شيخ الأشياخ.

المؤشرات الأولى للتدوين والتأريخ كانت حاضرة عند الطبقة المثقفة من رجال الملحون. فهل استوعب الملحونيون الآن أهمية الانتقال من الشفاهية إلى التدوين؟ هل انتقلت الثقافة المغربية في عمقها الفكري والنفسي والاجتماعي إلى حقبة التدوين أي هل استوعبت ثقافة التدوين والتوثيق والكتابة؟ هل استوعبت منظومة التلقي في المغرب قيمة المتخيل المغربي من خلال متن الملحون المنظوم والمغنى وضرورة توثيقه والبحث في مكنون أسراره؟

مسألة التدوين والتداول الشفهي: معطيات تاريخية وفنية

نشأ الملحون –كما أورد ذلك أحمد سهوم في كتاب الملحون المغربي– في سجلماسة وتافيلالت ونما في مراكش وفاس ومكناس وسلا أي في مواقع تمركز الصناعة التقليدية. ولذلك نجد أن معظم شعرائه وأشياخه كانوا من أهل الحرف والصناعات وخصوصا الدرازة والخياطة والخرازة والشراطة…

ورغم أن الملحون ارتبط بنصوصه واصطلاحاته بمناخ الحرفة في المغرب فقد عرف تاريخ نظم الملحون شعراء من غير أوساط العامة والحرفيين، بل كانوا مثقفين وسلاطين من الدولة العلوية مثل عبد الله بن اسماعيل، وسيدي محمد بن عبد الله ومولاي عبد الرحمان، ومولاي وسيدي محمد بن عبد الرحمان، و مولاي عبد الحفيظ، وكانوا فقهاء مثل الفقيه ابن ابراهيم الحرار، والفقيه لحلو، والفقيه الدفلي، والفقيه الزراق، والفقيه سيدي محمد بن العربي المراكشي، والفقيه محمد العواد، والفقيه غرنيط وغيرهم…

ولم يعرف أن أحدا ممن نظموا في الملحون دونوا قصائدهم أو أوصوا بتدوينها -ماعدا حركة التدوين التي عرفت في العهدين العلوي والسعدي من قبل مثقفي هذه المرحلة وفقهائها ووجهائها الذين كانت لهم صلات وثيقة بالكتابة مع أن الأمر لم يكن ذا شكل منظم– بل إنها انتقلت عبر الصدور إلى أن بدأت حركة التسجيل الإذاعي والبحث الكتابي في هذا التراث رباعيات نساء فاسلمحمد الفاسي، أو كانت متضمنة في كتب المريدين الذين أدرجوا فيها نصوص شيوخهم مثلما فعل محمد بن العربي الدلائي الرباطي بديوان شيخه الحراق في الباب الرابع من كتابه النور اللامع البراق في ترجمة الشيخ سيدي محمد الحراق.

ليس غريبا أن يتم الأمر بهذا الشكل في غير المتون الفقهية والنحوية والبلاغية وفي الشعر الفصيح ضمن ثقافة تطبعها القيم الشفاهية. بل إن أشياخ الملحون والمشتغلين به كانوا يستهجنون كتابة “القصايد” ويحبذون تداولها الشفوي والمغنى على اعتبار أن التدوين يشوهها ويفقدها حلاوتها وطراوتها وغنائيتها ومصداقيتها كما أشار إلى ذلك عبد الرحمان الملحوني في الزجل المغربي الملحون بين الإنشاد والتدوين القسم الأول 1991-1992.

وعلى سبيل التمثيل لموقف أهل الملحون من التدوين وصعوباته والخوف منه كما يورد ذلك الملحوني دائما قولهم: “اللي بغى كلامنا يخوذوا من الابواق ماشي من لوراق” أي من الأفواه، لأن الشعر السليم من التحريف هو ما يروى عن المنشدين في ساحة الإنشاد والغناء لا بواسطة الكنانيش ودفاتر الملحون. أو قولهم:”عسلنا نشدا ولكتبا سهدا” أي أن قصائدنا والمشبهة هنا بالعسل توجد في الإنشاد، بينما في الكتابة غفلة وخروج عن المراد.(الملحوني، ص7)

كما أن كتابة الملحون تطرح إشكاليات عديدة تتعلق باختلاف المبنى والمعنى عند التدوين فتنحرف المعاني عن أصولها مثل تغيير كلمة (السور) ب (الصور)، و(الدر) ب (الضر)، و(القياس) ب (القياص) انسجاما مع أسلوب نطقه مع إدراك المفارقة بين الرسمين في الدلالة. ويكون الاختلاف كذلك في نفس القْصيدة المكتوبة على كناش أو جلد مدبوغ (الجفريات مثلا) حيث يختلف الإنشاد على مستوى القياسات بين فاس ومراكش وسلا على سبيل المثال.

ولأن التدوين قد تعرض لعدة تغييرات في بنية القصيدة أو في مضمونها مثل الأجزاء المبتورة عند التدوين، فقد أطلق أهل الملحون مصطلحات مأخوذة عن مجالهم الاجتماعي ليعبروا عما حصل من تحريف أو بتر: “هذي قْصيدة مْقرّْطة” أي مبتورة ومقطعة إلى أجزاء بتداخل بعضها في بعض. وقد أخذوا الكلمة من قول العامة: المقروط أي الخبز المقطّع إلى أطراف صغيرة. كما قالوا: “هذي قْصيدة مبرّْصة” أي فيها برص، ويعنون به الدخيل من الشعر على الأصل المشهور. وبما أن البرص يشوه خِلقة الإنسان فكذلك برص المعاني والصور الذي يشوه معالم القصيدة فيحصل فيها العيب على حد قولهم.( الملحوني، ص 8)

ومن قضايا التدوين أن نجد نفس القصيدة مكتوبة ومتداولة بصيغتين كما في بعض قصايد رباعيات نساء فاس التي جمعها محمد الفاسي من منابعها الشفوية الفاسية، أو مكتوبة بالعامية ثم بالفصحى من قبل نفس الشاعر. وكمثال من الرباعيات نقرأ في ص16:

مصاب لي أنا والحبيب جلسة في العرصة

وقبب متفرشة وصهارج بين وبين

وخصص تفور مثل الحلبان

وأم الحسن تغرد وتجيب على البستان

وتجيب على النجاص مولى سبع ألوان

خرج شباب تايتهدى من بيت لبيت

دلات الياسمين أغصانها من غير هواها

تمنيت مع الحبيب جلسة ونصيب دواها

ونقرأ في ص34 من نفس الكتاب:

مصاب لي مع الحبيب جلسة في العرصة

وشباب الاّ يشيب وعمر الاّ يفنى

وخصص متقابلة وصهارج ذ الما

والماموني على يميني ويساري

وأم الحسن تاتغرد في البستان

وتجيب على النجاص مولى سبع ألوان

يساهل قبة النصر من هو سلطان لايقف أمر الموقف من التدوين عند هذا الحد الذي يعكس الخوف من التحريف المرتبط بإهمال قواعد الإملاء والرسم والجهل بها وإهمال الباحثين في هذا الشأن له -وإن كان هذا الأمر لا يعنيهم كثيرا أثناء الإنشاد وخصوصا غير المتعلمين– بل يتجاوز ذلك إلى الدعوة إلى العناية ليس فقط بالنص بل بالإيقاع والوزن والتفعيلة الموسيقية و”حركات الكلمات داخل أشطار البيت الواحد الذي يعتبر الوحدة الأساسية داخل كل قسم من أقسام القْصيدة وتجليه الحرْبة التي يجب أن تأخذ قياسا معينا بحسب المْرمة التي توضع عليها الحربة والتي يجري عليها كل بيت من الأبيات التي يتألف منها كل قسم من أقسام القْصيدة”.

يقول أهل الملحون: اللي يكتب كلامنا يحرص على انغامنا. (الملحوني، ص26). هذا شأن غير المتعلمين من أهل الملحون. غير أن المتعلمين منهم (علماء أو فقهاء أو أدباء مثل التهامي المدغري وهو من شعراء الفصيح كذلك والحاج أحمد امريفق وكان فقيها) كانوا يعتبرون الخطأ في رسم الكلمات أشر وأنكى عندهم وكان ينزل منزلة الخروج على القياس. وتراهم حين يحسون بنوع آخر من الاضطراب الذي يحدث تحريفا أو تصحيحا أو خروجا لمعان عن مرادها، يقول: “اللي يكتب كلامنا، ولى نسّاخ، ولى سلاّخ، ولى مسّاخ.. ” ( الملحوني، ص 27)

فالنساخ هو الذي يكتب الكلمة وهي سليمة في الرسم (حرفا ومعنى) أثناء الكتابة والإيقاع أيضا في حالة الإنشاد والغناء. أما السلاخ فهو الذي يسلخ الكلمات سلخا في المبنى والمعنى فيحدث بهذا السلخ ما سموه بالتبريص الذي يشوه النص إما في الكلمة أو الشطر أو الوزن. والمساخ هو الذي يمسخ الكلمات والمعاني مسخا فادحا فيخرجها عن دلالتها مما يغير المعنى العام في سياق القصيدة وما ينزل منزلتها في النظم والإيقاع. ويسميه أهل الملحون التقريط كما أشار إلى ذلك الملحوني، أي البتر والمسخ. ومن هنا التأكيد على الضبط والتصحيح. والمولاة سماها ورواية أكثر ما يؤكد حرصهم الشديد في مجال الكتابة والتدوين وهو عندهم صمام الأمان الذي كان يعصم المنشد من الخروج عن لمْرمات التي وضعها شاعر الملحون لقصائده وسراريبه منذ الوهلة الأولى. (الملحوني، ص28)

إلا أن هذه الخطوة الأولى لم تكن تخص كل طبقات أهل الملحون بل اختص به المتعلمون الذين ولعوا باقتناء الكنانيش والكراسات وإعدادها وتهذيب محتوياتها. ويذكر أنه وجدت قصائد مكتوبة على جلود مدبوغة مثل قصائد قدور العلمي التي كانت مزبورة على جلد مدبوغ برائحة المسك، أو على أوراق من نوع خاص قريب إلى ورق البردي. وتعود هذه النصوص إلى العهد السعدي وبعضها إلى العهد العلوي وهو عهد عرف أنواعا كثيرة من الورق يجلب معظمها من الخارج. في هذه الفترة انتشر فن النساخة ولم تستمر الكتابة على الجلود المدبوغة إلا نادرا لأنها تقبل المحو والإعادة كما تقبل التزوير والتحريف، خلافا للورق العادي. ومع ظهور الكنانيش والكراسات نشطت فئة الخزّانة في كل وسط من أوساط الملحون والقائمين بشؤونه. إلا أن هذا الأمر لم يكن مندرجا ضمن وعي بتحويل المادة من الشفهي إلى التدوين بما يعنيه من تكريس لقيم البحث والتوثيق والتبويب والتحقيق تتميما لهذه الخطوات الأولى وتثمينا لها.

العَروض والبناء والمصطلح: من بلاغة النص إلى بلاغة التقعيد

لا يعنيني من الحديث عن الشكل والبناء والمعجم والمصطلح في شعر الملحون أن أعرض كل تفاصيلها أو التعريف بها بقدر ما أسعى من خلال ذلك تبئير زاوية النظر على المناخ اللغوي والاجتماعي الذي تخلقت فيه لغة الملحون والكيفية التي عملت بها مخيلة الشعراء والأشياخ في وضع المصطلحات بحسب البيئة التي تواجدوا فيها وكيف تحركت هذه المخيلة بين العامي والفصيح من أجل اشتقاق ألفاظ أو نحت أخرى عابرة بذلك ومخترقة القواعد المعيارية للغة الفصحى المعتمدة في كثير من أنماط الاستعارة والقياس والاشتقاق والنحت والتحويل.

إن المخيلة التي قامت بهذا الصنيع كانت واعية بأن توسيع مجال المتخيل الشعري والغنائي لا يستقيم بدون فتح مجال المحاورة والتبادل بين اللغتين من جهة وبين الفكر والمخيلة والمرجع من جهة أخرى. فكان معجم الملحون ذا غنى ملفت للنظر ومثير للدهشة في بعض الأحيان بسبب الخصوصية الفائقة التميز التي عرفت تركيبة الجملة واختيار الألفاظ والربط بين الصور ووضع الاصطلاحات المنسجمة مع فضاء العامية المتداولة في التخاطب والنظم والإنشاد والتقعيد.

لم يتفق الباحثون في الملحون حول التعاريف المعتمدة لبعض الاصطلاحات، ولا حول عدد الأوزان المكونة للبنية الإيقاعية للمتن المتوافر. لكنهم في المقابل اعتمدوا التسميات المتعارف عليها واتفقوا على أنها بنية اصطلاحية غنية وواسعة المرجعيات، وعلى أن بنيته العروضية تتجاوز بكثير الحيز المحدود الذي عرفه عروض الشعر الفصيح.

فضلا عن ذلك، فإن المجال اللغوي الذي تحركت فيه اصطلاحات أهل الملحون ارتكز في أغلبه على قياسات المشابهة والاستعارة والكناية والتمثيل. وهو ما نشير إليه بتركيز تبيانا لقيمة النشاط الاصطلاحي المدقق أولا ثم لشساعة القدرة التخييلية التي اعتمدت مناخها الاجتماعي والحرفي واللساني بصفة عامة لتنحت اصطلاحاتها الخاصة والمحيلة مع اختلاف الاصطلاحات أحيانا باختلاف الأماكن الجغرافية مثل فاس ومراكش وسلا.

يقول أحمد سهوم: “لا غرابة أن تكون جل المصطلحات التي استعملتها مدرسة الملحون القديمة ما هي إلا من عطاءات الصانع التقليدي، ومنها بطبيعة الحال لمْرمّا وقياساتها. ذلك لأن لمْرمّا تسمية تطلق على الآلة الصناعية التقليدية المختلفة الحجم والشكل والتي يستعملها الحرّار والدرّاز كما تستعملها الطرازة والنساجة. كذلك لكل من مبدعي الأوزان مْرما خاصة وقياسات تستعمل في تلك لمْرما ولا تستعمل في غيرها. وقد توقف إنشاء لمرمات منذ 1780 إلا أن القياسات ظلت تلتحق بها. الملحون المغربي(ص17).

الشكل والبناء

أ – النظم واصطلاحات الإيقاع

ينقسم الملحون باعتبار نوعه إلى مدح وعشَّاقي. فأما المدح فيختلف عن الاصطلاح المعروف في القصيدة الفصيحة ويتضمن أشعار المواعظ والتصليات (الصلاة على النبي) والذكر والحِكم والوصايا والغزوات والملاحم وقصص الأنبياء والجفريات. وأما العشَّاقي فهو كل الشعر ذي الطابع الغنائي، ويتضمن الأشعار التي تتغنى بالمحبوب والمعشوق وتحكي عن الجار والجافي والساقي والمرسم والدالية والمرسول والدمليج والخلخال والدواح والشمعة والزهو وغيرها…

وينقسم باعتبار تسمية النص إلى قْصيدة وسرابة. فالقْصيدة هي النص المعروف المتداول الخاضع لمعايير النظم الذي جرى عليها أهله في التقعيد. وأما السرابة فقد اختلفت في تحديدها الآراء فأحمد سهوم يعدها مقطوعة قصيرة ذات عاطفة جياشة وتندرج في صنف العشاقي، فهي سرب من الأوزان يتلاحق بسرعة فائقة في انسجام بديع وتشمل كل أقسام الملحون وكل أنواع المْرمات وأصحاب السرابات غير معروفين مثل أصحاب القصايد فهم لايوقعون قصائدهم الملحون المغربي (ص51). ويعدها محمد الفاسي قسما منفردا يجعلها بين المبيتة والوسبة والعيطة، خاضعة للعفوية في المعاني، قصيرة ولا حربة لها ولا يذكر الشاعر اسمه فيها فهي مجهولة المؤلف. أما عباس الجراري فيعتبرها استهلالا أو مقدمة للقصيدة فهي قطعة قصيرة تكون في نفس البحر يمهد بها الشاعر لضبط إيقاع الوزن الذي ينظم عليه القْصيدة (ص147).

مثال السرابة كما يعرفها أحمد سهوم (ص51)، على أننا سنقم امثلة للأنماط الأخرى فيما سيلي:

اعلاش أمحبوب خاطري تجفيني

ألجافيني وعلاش الجفا

حبيتك من خاطري ولا رديتيني

ولا وصلتني قاسيت ماكفى

خالفتي ف الوعد باش واعدتيني

وكاتمنيني ياشارد العفا

قالت ناس الشعر قول وافي زين بلا تيه صورتو تعداف

والخير صاحبو يعراف

علاش؟ علاش؟ علاش؟ يا الجافي زدتي قلبي شغوف

ما ظنيتك بالخير ما تكافي يا مسراج الحروف

واللي ناوي بزيارتو يوافي ما كايردو الخوف

خليتي عيني من الشفق شوافا نعاين الرافا

من صاحب العفو

يجمع شملي بك خاطري يتعافا الضر يتشافا

ربي يخففو

تكبت ف اغصان نارك النازفة أبديت ف الاَّفة

وعدي نصرفو

يا ما فواني كا نروج كالحوت بلاما في معاطن ونشوفو

وبحبك الاعضا سخفوا

ذنب العشيق واعر ومازال يدور بك

أيا جافي خوفي عليك

وافيني وافيني وكمل المقصود

واللي جواد ياك تجود

لله واش قلبك حجرة، ولَّ حديد، ولَّ زبدة، كليت بالجفا والهجرة خليت ليك مول الجود

أما باعتبار نظامه الإيقاعي العروضي فأغلب الباحثين يقسمون الملحون إلى أربعة أنواع هي: لمبيت ومكسور الجناح والسوسي ولمشتب. وهي تسميات مستوحاة من طبيعة البيئة المغربية الحرفية أو ذات الإيحاء الطبيعي بوحه عام.

أ‌- لمبيت: وهو ما يوازي في اصطلاح الشعر الفصيح البنية العمودية للقصيدة وينقسم إلى أربع مْرمات (مثنية وثلاثية ورباعية وخماسية) وعدد كبير من القياسات بحسب التركيب الذي تقوم عليه القصيدة. فالمْرما المثنية تعتمد نظام الفراش والغطا (الصدر والعجز) من البداية إلى النهاية، كما في قول التهامي المدغري:

ما نروح اللفراح ولا انروح بالراح دون راحت روحي حور اللوامح افروح

أو قول الجيلالي امتيرد:

انعيد صيامي، وانكلع كفارة لوزر عنقت غزالي فالدجا حتى بان الحال

أما لمْرما الثلاثية فتقوم على صدر وعجز وذيل كما في قول المدغري:

اثلاثة زهوة ومراحة بهواهم ما أنا ساحي

ركوب الخيل والبنات وكيسان الراح

وترتكز لمْرما الرباعية أو المربوع أو الرباعي على أشطار غير متوازية، كما في قول المدغري دائما:

دسني تحت لخلال بين دروعك لملاح واللبة والدواح

ونهيداتك تفاحة خفت يشوفوني عيونك يجرحوني يا فارحة

أما لمْرما الخماسية فذات أشطار رباعية متوازية وشطر خماسي بتوسطها في الأسفل كما في الموشحات. يقول المدغري في قصيدة “الفارحة”:

سلتك ببهاك يا الرايح مالك سكران دون راح

وأنا عقلي معاك راح بايت من ليعت الجرايح

ساهر والناس رايحة

أو قوله دائما في قصيدة “زايدة”:

أنا المشري بلا مزايد واللايم في الملام زاد

بملامو حرمني الزاد كف اللومان فين زايد

يبليك بحب زايدة

ب‌- مكسور الجناح: وتشير التسمية بحس استعاري راق إلى الشعر المحرر من الأوزان العمودية وكأنه طائر كسر جناحاه لأن القاعدة المتداولة هي التوازي العمودي إلى أن ظهر أول تطوير للأوزان العمودية في عهد بوعمر كما يقول أحمد سهوم فيالملحون المغربي (ص43). فهو إذن “شعر مرسل لا يتركب من أبيات وكل قسم من أقسام قصائده وكأنه بيت بذاته (وحدة عروضية تشمل المقطع كله). ويكون مكسور الجناح في البداية فقط، أما نهاية كل مقطع فتعود إلى الأصل (أي نظام لمبيت العمودي) وتسمى العودة او الرواح باصطلاح أهل الملحون وتنتهي القصيدة ب”سارحة” وهي أبيات على شكل اللازمة الخاضعة لقياسات لمْرمة.

ويرى عباس الجراري (ص141) أن مكسور الجناح يتكون من أربعة أجزاء:

ج 1: الدخول: وهو شطر في استهلال القسم لا غطاء له يبدو كالطائر الذي كسر أحد جناحيه. ويؤكد هذا التعليل في التسمية أن الأشطار التي تأتي بعد الدخول غير مبيتة ولا غطاء لها فكأنها هي الأخرى مكسورة الجناح.

ج 2: مجموعة من الأشطار القصيرة تسمى لمطيلعات أو الكراسا.

ج 3: بيت على وزن الحربة وقافيتها كأنه تمهيد لها.

ج 4: الحربة أي اللازمة.

نموذج مكسور الجناح: قصيدة “المزيان” لإدريس بن علي:

الدخول: ته بجمالك عل لقمار

لمطيلعات: الشمس اتغير ايلا تشوف زينك

لبدر من اجبينك والبان غار منك

اسبغ من الظليم الوفرا

واضوا من لكواكب غرا

والحاجب فوق الطرا

نحسابهم نونين

وامعرقين باثنين

واشفار فوق وجناتك ناموا

البيت: اصوارمو استلوا من لجفان واجفانك غلبو يافهيم شوف اجفاني

ولخدود اسبغهم الجلار عل لبياض احمرار

الحربة: ليا قال المزيان وصف هذا الحسن يا اللي تهواني

قلت يا ذابل الشفار توصافك لا يحصار

ونقدم نموذجا ثانيا هو “غيثة” لادريس بن علي دائما، ذلك أن ما يميز هذه القصيدة هو براعة التزام الشاعر بقافية واحدة هي التاء والعادة أن تتنوع القافية:

الدخول: عمدا على لعشيق الكاوي كيف بْنار لبنات

لمطيلعات: مهما تقول نارو بردت وطْفات

حين ينظر زين الخودات

كيراها زندت واكدات

حتى عاشق مسكين ما سطاب امنام او لا قوت

غير يشاهد لبنات كيشاهد ببان الموت

والزين اعلى المملوك ليس يرثى

سلطان كيجور ويعدل وايامو اعطاتو

البيت: ونا فساير أوقاتي نسعى ارضاه واقف أولا نقول مليت

الحربة: قولوا للا غيثة مولاتي رف بوصالك على لعشيق يا م الغيث

ج – السوسي: وهو ضرب من النثر الفني يتحرر الملحون فيه من قيود الوزن ومن قواعد مكسور الجناح، ويعتمد شكلا يحضر فيه الشعر في المطالع والخواتم واللازمة، ويحضر النثر الانسيابي الخالي من القواعد في الوسط ويغيب فيه السجع إلا ما كان عفويا. ويعد الجيلالي امتيرد في عهد سيدي محمد بن عبد الله مؤسس هذه المدرسة كما يشير إلى ذلك الأستاذ أحمد سهوم (ص49)، الذي يورد في هذا السياق نموذجا لهذا الشعر كما يلي:

حراز كافر ونصراني

شتوى وصيف كايرعاني

حاضي حريس، كل ما كانبني يريبو، وخزوبو عداو عن خزوبي والباب اللي فتحت ليه ايسدو. حرام ما بغا يتعامى. حتى حبيب ما هو عندو. مثلي.. يكرهني من قلبو وجوارحو وداخل داتو ويلا ايشوفني يتكحل بمحاور العما ويزيد كدوب او نفاق ونوللي تقل من الرصاص عندو، شوفة وحدة يكرهها ف خيالي … يسقل جبهتو…يعكد العبسة ف خلقتو … ويولي قلبو ظلام واقسى من صلد الصم ليس يرطاب ولا يليان… ما يحن ولا يشفق من عبيد ربي .. وعرفتو من زمان دامر متمادي من سلالت الكفار.

اللازمة: حراز لا للا لرسامو جيتو قلبو نصراني كيف عارفو غدار باقي سلالت الكفار

وتمثل قصيدة “الزمنية والعصرية” لحسن اليعقوبي نموذجا يزيد من فهم بناء “السوسي” الذي تعود تسميته كما يقال إلى مبارك السوسي باعتبار أنه أول من نظم فيه مع أن المرجح كما أوردنا سالفا أن البداية كانت مع الجيلالي امتيرد، ويتكون القسم في هذه القصيدة من ثلاثة أجزاء، بيت من شطرين يستهل به القسم، ومجموعة من الأبيات المرسلة دون تقييد في العدد والوزن والقافية، ثم بيتين أو ثلاثة على نفس وزن وقافية البيت الأول تكون كالتمهيد للحربة التي تتحد وإياها في الوزن والقافية:

1-بيت من شطرين: يا لحضرا سمعوا ما صار بين زوج بنات افلكحار

2-الأشطار المرسلة: شابه عصريا بكرا

والاخرى زمنيا عذرا

فرجوني بين لحضرا

وكنت حاضر

نصغى لخصامهم

نسمع لعصريا

تقول للزمنيا

ياجارتي اهنيا

سمعي مني اخبار

من يوم سكنت احدايا جارا

وانتيا فاشفار

يا حسبي الله سالبا بخصامك جمع الكفار

عمرك ماشفت تقول شي مدرسا

ولا حضرت مجالسا

ولا هواتك الدراسا

ايلا هواتك

بك اعوار الناس

جارحا بلسانك فات القياس

مشغولا بيا

ولا لعنت شيطانك الشرير

خوذيني نصغاك تتشتمي فيا

جهرا بلا خفيا

فالستا ساعت لعشيا

قالوا للشتاما النار

بلسانك قلت على الشكارا

3-بيتان: أ- مصحوبا ديما معايا مملو بلكتوب على لفتخار

سابقا لمعيار

كابرا فالسب الغتب والزورا

ب- لالك المدرسيا فايقا عل لبكار

يا تسمى لخبا

يا الزمنيا غشيما موخرا للورا

4-الحربة: آش را من لارا لبنات يوم قامو لكحار

زوج هيفات صغار

شابا عصريا وامع الحاجب فالجورا

د- المشتب: يتكون القسم فيه من بيت تفصل بين أول أشطاره وبقيتها مجموعة من ألشطار القصيرة تسمى كذلك “لمطيلعات” فكأن داخل البيت محشو بهذه الأشطار الزائدة. وهذا هو الأصل في التسمية ذات الطابع المجازي كما يقول كل من تعرضوا لهذا النوع، إذ “الشتب” ما تملأ به الأفرشة.

نموذج قصيدة “التوبة” لابن سليمان: أول البيت: مافيها مايبقى

لمطيلعات: غير نعم الباقي

ياغفيل مالك شاقي

لاين تاتزيد احماقي

وين من غرتهم بالمال والنصر

ما فازوا غير بلقبر

ما نفعهم فيها تدبير

آسعادت من دار الخير

نال سلوان

وعليه ما صعاب هان

بقية البيت: وانت رميتني لهلاكي في ذا الاسواق

تلحقها مخليا

اولا وحدت اعمار

الحربة: ياراسي لا تشقى

التعب لابد من لفراق

لا تامن فالدنيا

ابناسها اغرارا

ب – مصطلحات الإنشاد

أولا – المقدمات إن الملحون بنية إنشادية بامتياز، ولذلك تعددت الألفاظ والمصطلحات الدالة على هذا الوضع الإنشادي، ومنه المقدمات أو مطالع القصيدة. فالعادة كما يقول الجراري (ص30) أن يبدأ المنشد البارع بإحدى المقدمات التالية:

السرابة: قطعة قصيرة تؤدى على غير ما تؤدى عليه القصيدة، وهي أربعة أنواع:

الكباحي: حيث يصاحب السرابة ضرب قوي متواصل بالكف. وأغلبها اليوم من هذا النوع

المزلوك: وتنشد رقيقة حادة

الحضاري:تنشد في استرسال سريع

السماوي:يستهل إنشادها ببطء كالموال ثم يأخذ صوت المنشد في العلو والارتفاع وكأنه يصعد بها إلى السماء

الموال: والغالب أنه يكون في لغة معربة: ومن عـجـب أني أحن إليهم وأسأل شوقا عنهم وهم معي

وتشتلقهم عيني وهم في سوادها ويطلبهم قلبي وهم بين أضلعي

وقد يكون الموال في لغة ملحونة:

تانـحـبـك ونـهـواك وفي مسبتك يكرهوني

ما راحتي حتى نلقاك وعليك يتحلوا عيوني

التمويلة: لكل قصيدة تمويلة تكون على قالبها وميزانها. ومن نماذجها نقدم مثالا من قصيدة “التوبة” لابن سليمان:

آمالي يامالي آسيدي ياسيدي

للا مولاتي للا

آمالي مصبرني

اغرايبي لاموني

ثانيا – تنوع المصطلحات

ويعود هذا الأمر إلى اختلاف التسميات بحسب المناطق. وكمثال على ذلك:

المطيلعات: وهي الكراسي عند أهل مراكش. ويقصد بها كما يقول أحمد سهوم (ص55)، الأبيات الخفيفة التي تتخلل جل القصائد وتكون عادة في غير وزنها وفي بداية المقطع. ولا يقصد بها البيت الواحد بل تصل إلى ثلاثة أو إلى خمسة. وهي أصغر من أبيات القصيدة وأخف.

لعروبيات: وتحل محل المطيلعات في بعض الأوزان. ولا تستعمل فقط كمطيلعات خفيفة للتنويع وإنما استعملت أيضا كأوزان لمقطوعات قد تطول إلى أن تصل مائة بيت. وبانتهاء لعروبي بالردما أي الشطر المفرد، يعود الشاعر إلى وزن القصيدة الأصلي. وهناك عروبيات تدوولت وحدها وليس داخل قصائد، كمذكرات للتراسل أو تسجيل أحداث ووقائع أو في إطار الغزل مثل رباعيات نساء فاس (العروبيات) التي جمعها محمد الفاسي.

السارحة: وهي الدريدكة في اصطلاح أهل مراكش. ويقصد بها إما الخاتمة التي توضع لقصايد مكسور الجناح والسوسي، ولابد أن تكون من أوزان لمبيت، أو هي صلة من الصلات التي تربط مكسور الجناح والسوسي بالمدرسة العمودية الأم وهي الرواح واللازمة والسارحة. وقد تطورت الأمور فيما بعد فجاء قدور العلمي بمكسور الجناح بدون سارحة وسميت قصيدته مقرزطة، وجاء بعده بنسليمان بمكسور الجناح بلا رواح ولا لازمة ولا سارحة، سهوم (ص59).

الحربة: وهي اللازمة

الردمة: وهي الشطر الذي يختم به ويكون كالفاصل بين السرابة والقصيدة.

الناعورة: وهي السويرحة في اصطلاح أهل مراكش. ويقصد أبيات قصيرة نادرا ما تكون أكثر من ثلاثة أبيات، الجراري (ص148). أو هي قطعة شعرية تجعل في كثير من بحور لمبيت بين الأقسام. وتكون أبياتها مركبة غالبا من شطرين وقد تكون مجنحة.

ج – بناء القصيدة اعتنى عباس الجراري بهذه المسألة في كتابه القصيدة. ويهمنا نحن في هذا السياق أن نستعيد هذا التقسيم من أجل توضيح بعض المصطلحات المعرفة سابقا، وأيضا من أجل تبيان بعض الفروق في تحديد الاصطلاحات بين الباحثين. يضع الجراري للقصيدة بناء واضحا هو التالي: مقدمة القصيدة: السرابة، وهي قطعة قصيرة تكون في نفس البحر يمهد بها لضبط إيقاع الوزن الذي ينظم عليه. أجزاؤها: نموذج سرابة محمد بن علي تمهيدا ل”دامي لجدار”:

الدخول:

أقلبي كن عن مصابك صبار الصبر مفتاح الكنوز والذخيرا

محبوبك لا تعاتبو ولو جا وارتجا وصلو بعد السوايع العسيرا

لو طال لهجر لاغنى من لمزار ياللي ما جبت لهل لغرام سيرا

انشد جمالي واقفا انحيرا

الناعورة: أبيات قصيرة نادرا ما تكون أكثر من ثلاثة:

يا عمهوج لجدار ما هم عمهوج الراتع لقفارا

ياثنيار الصغار يابدرا تجلى في كمال دارا

يا كوكب السحار يا من حبو في ساكني توارا

بقية الأبيات:

يا سالب مهجتي ولا جاب خبار لا تشوق بصري في ذاتك لنيرا

لامان طلبت من الخال والشفار جرحوا ذاتي جرح الايلوا جبيرا

ازديت الكي عن اجراحي بالنار آش يطفي ناري واغصايصي كثيرا

واهوايا ما ستار لهوى طالب يفدي الثار

هذا عشقي ولا مجدت ما نختار عشقي فاسميتي تفتار

اللا وقت اتجور على القليب نارو يشتد القلب امن نارو

الردمة:

توجدني كا نقول ياستار

د – أجزاء القصيدة

يسمي الزجال تقسيم قصايده إلى عدة أقسام ب “لفصالا”، وتنقسم القصيدة عموما إلى:

وليس قسما الدخول: وتفصل بين الأقسام الحربة: وهي مقاطع القصيدة توالي الأقسام: ويتضمن الصلاة على النبي، والدعاء للأشياخ والعلماء والمنشدين وهجو الخصوم ويدعى “الزرب”، وقد يشار إلى تاريخ النظم. القسم الأخير: حيث يعمد بعض الشعراء إلى إنهاء قصائدهم بجزء قد يطول وقد يقصر عوض إنهائها بآخر قسم. الدريدكة:

والطريف أن الإشارة إلى تاريخ النظم كان يتم إما بالتصريح، كما يقول عبد العزيز المغراوي في نهاية قصيدة في المدح والتوسل:

الشريف ورخ هذا القصيد السعيد ليلة عشر والحاد

ستة خمسة عشر والف عام سلمك لله الجود

وقد يتم ذلك بالتلميح باعتماد نظام تشفيري يكون فيه كل حرف موافقا لعدد مثل موافقة الألف لرقم واحد أو الطاء لرقم تسعة… ويكون على المستمع أن يعيد ترتيب نظام التوافق هذا ليحصل على تاريخ النظم كما في آخر قصيدة “لخلوق” للنجار:

تاريخ انظامي ما خفى اثلاثين لمن يقراه

القاف ونصف الرا زد الف تكمل حسباتو للهادي نهديه

فإذا أضفنا إلى ثلاثين قيمة القاف وهي مائة ونصف الراء وهي مائة كذلك إذ الراء بمائتين، وزدنا كل ذلك على ألف يكون تاريخ النظم هو 1230.

معجم لغة الملحون: بلاغة النص وبلاغة التقعيد

يميز محمد الفاسي بين معجم لغة الملحون ومعجم مصطلحات الملحون كما بينا بعضا منها فيما سلف ذكره من الحديث عن العروض والبناء. ويهمنا هنا أن نقدم بعض الخلاصات أهمها أن الوعي البلاغي كان حاضرا بقوة سواء في لغة الملحون نفسها أو في منهجية اختراع ونحت المصطلحات الدالة على المفاهيم وأوضاع بناء القصيدة والتسميات المتعلقة بالمشتغلين بالملحون أو من خلال بناء جسور التبادل والتحويل والتحوير والتصرف إزاء اللغة الفصحى. ويشير محمد الفاسي في هذا السياق إلى أن الحاجة إلى التعبير عن بعض الأفكار -حين لم تكن العامية مسعفة- جعلت الشعراء وخصوصا المثقفون منهم مثل المغراوي من القرن العاشر أو سعيد المنداسي من القرن الحادي عشر، يلتجئون أول الأمر إلى الاقتباس من الفصحى “أفعالا وصفات وظروفا وحروفا وإدخالها في شعرهم حتى تكاد أحيانا تظن أن الشعر بالفصحى”(مقدمة الجزء الثاني من القسم الأول)، مثل قول المنداسي في “ليلى”:

لو أعارت لي جناحها الاطيار نطير

أو قوله:

حيران ودمعتي هطيلة نشكي حالي لمن عملني في ذا الحال

لم يقف الأمر عند حد الاقتباس بل تجاوزه إلى التصرف في الفصحى نفسها “ومن أساليب التصرف التي استعملوها –كما يقول الفاسي دائما– جمع بعض الكلمات على صيغ لم ترد لها كجمع قْصيدة على قْصدان، وكاس على كيوس وحاجة على حيجان. ومن ذلك أنهم يأخذون من الصفات أسماء فيقولون للقلب: الخبير والساكن، وللبحر: الزخار والمالي، ولشمس العشي: الذهبية، وللغزال: الحذَّار أي الذي يحذر الصياد ويسمونه الجفَّال والشرود. كل ذلك على سبيل الكناية أو المجاز بأنواعه. ويكثر لفظ الغزال في شعرهم لتشبيه المحبوبة في جمالها ورشاقتها (أكثر من عشرين كلمة لتسمية الغزال). وعلى سبيل التمثيل لأنماط التوسع البلاغي للمعجم الشائع عندهم نذكر: أسماء الغزال: الجفال، الحذَّار، الدامي، الدروج، الربراب، الريم، الزهزام، الزهزوم، المها، الصياح، العراض، العمهوج، القرهوب، الشادي، شارد العفا، الشرشة، الشرود، الشريد، الوسنان، اليطلول، اليعفور… أسماء العيون: ابصار، اثماد، احداق، ارماق، الحاظ، اعيان، اغلاس، اغناج، نمود، رموق، روامق، مقلات، نجال، نجلات، نواجل، نيام… ومن ذلك أنهم يشتقون من الأسماء صفات فيقولون رجيل من رَجُل ويعنون به صابر وشجاع. ويقولون رْجول لمن هو كامل الرجولة، ومن البِشْر مبشور أي فرح مبتهج. ويستعملون الجمع بمعنى المفرد، وهذا من طرائق اللغة العامية المغربية مثل جنان وقبور ورياض آفات ل: جنة وقبر وروض وآفة. ويستعملون المفرد بمعنى الجمع في صيغة فَعول التي تلتبس عند التسكين العامي بفُعول بضمها، فيقولون حْسود ويقصدون الحُساد وجْحود بمعنى الجاحدين… وأحيانا يستعملون بعض الصيغ مثل تَفْعال في المصادر فيقولون التحقاق بمعنى التحقق، والتجفال بمعنى التيه و الصيد، والتغراد بمعنى التغريد والتفراد بمعنى الانفراد ويستعملون صيغة التفعيل حتى ما ليس له معنى إلا في هذه الصيغة فيقولون التزهيد بمعنى الزهد. ويكثرون من استعمال فْعيل بمعنى فاعل، فيقولون سكيب بمعنى منسكب وجهيل بمعنى جاهل وحبيك بمعنى متشدد وحْسيد بمعنى حاسد. ومن هذه الأساليب في توسيع اللغة استعمال المركبات الإضافية للتعبير عن عدة معان أو الكناية على بعض الأسماء، فيسمون القلب: امير الكنان، وامير الحشا، وامير الاسيار وهي الدواخل. ويكنون عن الخمر بقولهم: بنت الدوالي، ودم العنقود. ويسمون الحبيبة أم الثيوث (أي الشعور السوداء) وابو دلال أي صاحبة الدلال، وابو دواح أي صاحبة الخرصة، ويسمون شاعر الملحون شيخ الكْلام والملحون هو الكْلام وعلم الموهوب والسجية لأنه إلهام وعطاء وقدرة على الإبداع غير معطاة لأي كان وهي بذلك ألفاظ تعبر عن رقيه ورفعته في استكناه المعاني والتعبير عن المواقف المختلفة. ويستعملون كذلك بعض الألفاظ لم ترد في العربية الفصحى فالأحبار هم الشعراء الكبار والبطارق هم العلماء الراسخون. يقول الجيلالي امتيرد: قال افصيح لشياخ جيم الامين رايس الاحبار، حيث رمز إلى اسمه (الجيلالي) بالجيم والامين.

لم يكتف الشعراء بالاقتباس من الفصحى بل عمدوا إلى العامية واستوعبوا أسماء الأزهار والألوان والأطعمة والطيور والحيوانات كلها والشجار والملابس والأسلحة وآلات الموسيقى وأواني المنزل والأثاث وأدوات الصنائع، فأدخلوا كل ذلك في لغتهم حتى صارت من أوسع اللغات وأغناها، بل حتى صار ذلك من العوائق عن تفهمها وتذوقها لكثير ممن ليس لهم ممارسة ومعرفة خاصة بهذا الإنتاج الأدبي الضخم. لم يتوقف الأمر عند هذا الحد من توسيع بلاغة النص واستثمار حركية اللغة لتوسيع المعجم، بل تجاوزوا ذلك إلى الاصطلاح وهو ما أدعوه ببلاغة التقعيد حيث إن مصطلحات الملحون تبدو مرتبطة ارتباطا وثيقا بالمناخ المجتمعي الذي ترعرع فيه هذا الفن ف: الأبيات المنشوبة، والتعتيبة، والتبحبيح، والتعياع، وثلاثة، وراكب،ة والحل وخيَّط، والدخول، والدقن والشحط، والردمةن والزرب، والكلام، ومكسور الجناح، والمشتب، والمسخ، ولفصالا، والنكاب، ونشف الحرف، الكريحة والسجية والسفاف والرواح، كلها مصطلحات أنتجها قياس منسجم مع المناخ الذي نشأ فيه الملحون وترعرع أي مناخ الحرفة والطبيعة. وحتى نكون أكثر وضوحا نقدم القياسات التالية:

الصدر والعجز ——-لفراش ولغطا

الربط العروضي——-خيَّط

اللازمة————الحربة

الخاتمة————الردمة (الشطر المفرد في آخر لعروبي)

الخاتمة————الزرب(هجاء شاعر معاصر ويعني الزرب سياج شوكي يحمي البستان)

التفعيلة————التمويلة

البناء————-لمرمة

الشعر المنثور———مكسور الجناح

تدل دقة الاصطلاح هاته على دقة النظام والمفهوم والدربة وتمثل مفهوم الشعر ضمن العامية واعتماد قياسات واضحة في الاصطلاح، وهو تمثل عميق لبلاغة الاستعمال اللغوي والاصطلاحي وتوسع لهذا الاستعمال ضمن مناخ الممارسة الحرفية عند شعراء الملحون وأشياخه. وعموما، إذا كانت بلاغة النص ارتكزت على الخيال والتجريد فإن بلاغة الاصطلاح قامت أساسا على الحسية والتجسيم انطلاقا من مناخ حرفي اجتماعي، واعتمدت الدلالة في بناء المصطلح عوض الطابع الصوري للبناء.

خلاصات

أما بعد، ماذا نحتاج لكي يندمج التراث الشفاهي المغربي في النسق العام للثقافة شعبيها وعالمها. وكيف يمكن أن نجعله تراثا فاعلا سواء في فهم التاريخ الثقافي للأمة أو في استشراف آفاق المستقبل والمساهمة في بناء غد لا يتنكر لتاريخه وقيمه ويتجاوز ثنائيات واهمة جعلت جزءا منها تراثا للعامة وآخر تراثا للنخبة؟ كيف نوثق هذا التراث ونؤرخ له ونعثر على ما ضاع من نفائسه؟ ليس هذا مقام الإجابة أو الحسم في مثل هذه الأسئلة لأنها تستلزم عملا تتضافر فيه جهود كل أطياف المجتمع ومؤسساته ومثقفيه. لكنني أضع مع ذلك بعض المقترحات: ربما تحتاج بيبليوغرافيا جديدة وشاملة وفعالة للملحون وربما للفنون الأخرى إلى اعتماد قاعدة معطيات محوسبة بعدة دخلات بالأعلام والموضوعات والمعجم أو التركيبات المعتمدة حسب مصطلحات الملحون والتي أفرد لها محمد الفاسي حيزا تعريفيا خاصا ومسهبا.

ستسهم هذه الببليوغرافيا المحوسبة في تفادي مزالق التوثيق التقليدي والذي يكون منتهيا بمجرد الفراغ من إنجازه، بينما يمكن التوثيق المحوسب من تتميم النواقص وملء الفراغات والقيام بعمليات تطوير وتعديل متواصلة لتراث لا يمكن الادعاء بإمكانية الحسم في التأريخ له دفعة واحدة. إن التأريخ يحتاج إلى الوعي ومن ثم إلى التمييز بين الانتماءات الجغرافية وخصوصياتها الثقافية واللهجية والتخييلية (رغم أن النموذج الثقافي واحد) وفروق الأجيال والعقود وأيضا فروق الاهتمامات والمهن الأصلية للشعراء والأشياخ ومحاولة وضع ذلك ضمن بناء نموذج ثقافي تتحدد من خلاله الفروق وأيضا الانتظامات الدالة على وحدة المجال الذهني والإبداع والانتماء إلى فضاء جغرافي حضاري تغتني فيه الوحدة بالتعدد. ينبغي أن يتضمن التأريخ كذلك كل المعطيات النصية والموضوعاتية المكونة لنسيج هذا المتن لأنها أساسية في فهم خلفيات الإنتاج والتلقي وأهمها معالم المحكي، ومستويات الحجاج والمناظرة في المتخيل، وأساليب توظيف تقنيات البلاغة في المصطلح واللغة والإيقاع وتقنيات الحساب والإضمار (مثل إضمار الاسم في ثنايا كلمات القصيدة) وهو ما اصطلح عليه بالتسمية حيث لا يذكر الشاعر اسمه صراحة بل يضمره وعلى المتلقي أن يفك الشفرة. ينبغي أن يكون التأريخ للملحون مرتبطا أساسا بتصور دقيق لمنهجية التأريخ والتوثيق للثقافة الشفاهية (التي انتقلت إلى التدوين)، وتمثل خصوصياتها المعرفية والاجتماعية قبل وبعد التدوين. لا ينبغي أن ننسى هنا أن التأريخ للموضوع الأدبي يرتكز على مبدأ الماضي الذي ينظر إليه من خلال الحاضر وبالتالي فهو نظر مبتور ومحول ومتخيل كما يقول كليمون موازان (ص11) من كتابه ما هو التاريخ الأدبي. وبالتالي فإنه ينبغي الوعي بما يفعله تاريخ الفن والأدب فاعتبار شيء ما وقع في الماضي في وسط معين ثم وقع في النسيان أو الإهمال أو سوء التقدير، يحتم ضرورة استحضاره من جديد في الذاكرة أي إبداعه من جديد (موازان ص12). وهو الأمر الذي يحتاجه تاريخنا الشفهي لأن نقله إلى التدوين والتداول العالِم فضلا عن تداوله الأصلي الغنائي سيجعل منه مجالا جديدا للبحث والفهم والتفسير لكل تاريخنا الثقافي الشعبي والعالم.

إن محاولات البحث والتأريخ لهذا التراث (عباس الجراري، محمد الفاسي، عبد الرحمان الملحوني، أحمد سهوم…) تعد لبنة أساسية للسعي نحو إقامة فريق عمل متكامل لتوسيع العمل وتتميمه. وأعتقد أن هذا العمل ينبغي أن يتجه إلى التأريخ لأعلامه المعاصرين غير المذكورين في التراجم المتوافرة (مثل الحاج امحمد ناظم من سلا، والحاج عبد العالي الفيلالي بلحاج من فاس)، أي إلى القيام بعمليات حفر واستعادة للمنسي من هذا التراث قديمه وحديثه. إن التوثيق لهذه النصوص الحديثة والبحث عن النصوص الضائعة المتفرقة في الخزانات وفي بطون الكتب وربما في الزوايا وعند من بقي من حفاظ وخزنة، توثيق للذاكرة الثقافية للمغرب وحمايتها من النسيان والاحتراق.

عملا بمبدأ تكامل المعرفة فإن جهود البحث في التراث الشفاهي بمجمله ينبغي أن تخضع لقواعد وقيم التواصل والحوار العلميين، وإلا فما فائدة التاريخ للملحون ولتراث الآلة وللأهازيج والعيوط والرقصات الشعبية إن لم ننته إلى إقامة مختبرات بحث تضم كل المعطيات والنتائج وتنتهي إلى تكريس قيم وحدة الأمة وتماسكها من جهة وإلى قيم فهم ومناقشة الاستنتاجات المرتبطة بتاريخ المتخيل الشفاهي في المغرب إجمالا من جهة أخرى، وعلى فهم التوابث والمتغيرات الفنية والاصطلاحية التي أحاطت بكل نوع على حدة.

خلافا للمناخ الفقهي الذي نشأ وترعرع فيه الشعر الفصيح في المغرب والذي لم يكن فيه حضور للمرأة الشاعرة إلا ما ندر، فإن المرأة تبدو حاضرة بما يناسب قيم الثقافة المحافظة التي سمحت بتداول النظم والإنشاد والغناء والرقص ضمن حدود الإكراهات الاجتماعية والدينية والأخلاقية رغم أنها منعت بشكل مضمر تداول الأسماء والتعريف بالشاعرات والمنشدات إلا في بعض السياقات الخاصة. يدل هذا على دور ومساهمة المرأة في جزء من قيم الفن والحضارة في المغرب القديم خصوصا في فاس ومراكش (الرباعيات، التعياع، المطايشة، التبحبيح…). أذكر هنا بعض الأسماء التي وردت في تراجم شعراء الملحون لمحمد الفاسي (588شاعرا) وهي: لالة حبيبتي (مراكش أيام سيدي محمد بن عبد الرحمان)، عائشة الحنفية وهي زوجة مولاي عبد الرحمان مول العودة، منانة الحضرية (سلا أوائل ق14 ولها ضريح في حومة باب سبتة)، لالة خدوج الذكارة، الحاجة العزيزية (فاس)، لالة هشومة بنت الحاج عمر بلقاسم (مراكش)، الحاجة هشومة زوجة الحاج عبد السلام ياجور وأخت لالة حبيبتي…الخ.

إن توثيق التراث الشفهي ضرورة حضارية وعلمية لحفظه من الضياع والنسيان، إلا أن الأمر لا يخلو من خطورة لأن الانتقال إلى التدوين يغامر بتشويه أو ضياع الحمولة العميقة لمحيط الإنتاج الشفوي من الأصوات والإشارات والأزياء والمعاني المرتبطة بتداوله شفويا. ومن ثم ينبغي التفكير عمليا وعلميا في الوسائل الكفيلة بالتوثيق مع حفظ الخصوصيات الشفاهية لهذا التراث والضامنة لهيمنة نفس الروح الأصيلة.

وبعد، يوضح محمد الفاسي في مقدمة معلمة الملحون السياق والظروف التي جعلته ينخرط في البحث في أصول الثقافة الشعبية الشفاهية المغربية والتي حذت به أولا بإيعاز من مثقفين فرنسيين إلى نشر حكايات شفوية فاسية باللغة الفرنسية وكان قد حفظها من المأثور أو سمعها من أفواه النساء، قبل أن يبدأ لاحقا العمل على نصوص شعرية منها رباعيات نساء فاس ونصوص الملحون المتفرقة.

وقد بدت لي هذه التجربة عميقة في تحديد السياقات التي تؤرخ للذاكرة الثقافية للشعوب من خلال التدوين أولا تم من خلال الترجمة ثانيا. ويوجد في كثير من البلدان مثقفون ينخرطون في كتابة سير لغير المشاهير يتم نشرها وتعميمها بين الناس إيمان بأن الذاكرة الثقافية لا تخلد فقط نصوص الكبار، بل وأيضا كل التجارب الإنسانية التي يراها أصحابها جديرة بالنقل والتعميم.

يقول أحد الكتاب الأفارقة: “كل شخص مسن يفارق الحياة هو مكتبة تحترق” « Chaque personne âgée qui meurt est une bibliothèque qui brûle » التراث كنز يوجد في صدر كل إنسان عاش داخل ثقافة ومجتمع، وقد لا يسعفه الزمن لينقله وظروف العيش لينقله إلى الآخرين. ومن ثم فإن التراث الشفهي الذي حدث وراج وسافر بين الأقوام والأمكنة في حاجة إلى حفظه وتنميته وتوثيقه وتبويبه. فمتى وكيف نستطيع بوعي أن نؤرخ ونوثق تراثنا قبل أن تحترق المكتبات المحفوظة في صدور أصحابها وحافظيها وناقليها ومتداوليها؟

المراجع

1. محمد الفاسي، معلمة الملحون، مطبوعات أكاديمية المملكة المغربية

2. عباس الجاري، القْصيدة – الزجل في المغرب

3. أحمد سهوم، الملحون المغربي، منشورات شؤون جماعية، 1993

4. عبد الرحمان الملحوني، الزجل المغربي الملحون بين الإنشاد والتدوين، دار الفرقان للنشر الحديث 1992.

5. والتر ج. أونج، الشفاهية والكتابية، ترحمة د. حسن البنا عزالدين، سلسلة عالم المعرفة، ع. 182 – 1994.

6. Clément Moisan, Qu’est- ce que l’histoire littéraire ? Ed, PUF, 198

 

- سعيد الحنصالي

جامعة محمد الخامس – كلية الآداب – الرباط

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*