الخميس , 23 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » اللباس والهوية من منظور التاريخ الثقافي

اللباس والهوية من منظور التاريخ الثقافي

Mohamed Tahar Mansouri, Du voile et du zunnar Du code vestimentaire en pays d’Islam, Tunis, L’or du temps, 2007

يتعلق الأمر بكتاب مستفز يدعو باستمرار إلى المراجعة؛ مراجعة التاريخ العربي الإسلامي والابتعاد عن الغموض المريح وعن الخوض في الطابوهات، دونما احتياط ولا توجس من حماة المعبد المنتمين للطائفة الأكاديمية، ولم لا، فالتاريخ الإسلامي يعكس حضارة قوية لكنها، ككل الحضارات، تخللتها نقاط سوداء قد يكون من الضروري الاعتناء ببسطها عوض الاستنكاف عن التطرق إليها.

من هنا جاءت عناية المؤلف باللباس عموما وبلباس أهل الذمة تحديدا، ذلك أن القرٱن استعمل اللباس للتفريق بين الرجال والرجال، بين النساء والنساء وذلك بحسب الإيمان والجنس والوضع الاجتماعي، ومعلوم أن المؤرخين العرب والمسلمين لم يولوا العناية الكافية للباس والألوان كعنصر تمييز بين الأفراد والجماعات. يأتي انخراط المؤلف في هذا الاختيار من رغبته في تجاوز نظرة تبتغي تلميع التاريخ والحيلولة دون تسرب ما من شأنه تكدير صفائه.

لم يكن المؤلف رحيما بطائفة المؤرخين العرب أو المسلمين لأنهم سعوا في الغالب إلى إخفاء تلك النقط السوداء في حضارتهم من منطلقات تتصل بتهدئة الذات والحصول على السكينة الشخصية والجماعية أو بالرغبة في تحصيل الوسائل العلمية الكفيلة بإبراز عظمة الأمة، لأن التاريخ لا يكتب بالعاطفة ولا بالحنين، وإنما بالحس النقدي الحقيقي الذي يسمح بتجاوز تلك النظرة الماضوية.

يسعى الكتاب إلى دراسة اللباس كمدخل للهوية، أي النظر إلى اللباس في استعمالاته المحددة ورمزيته كفاصل بين المعتقدات والجماعات والمناطق، وبين الرجال والنساء خلال العصر الوسيط الإسلامي، إضافة إلى ما قد ينجم عن ذلك من دلالات “تراتبية” سطرتها الدولة بخصوصه ومن تشجيعات اجتماعية بخصوص استهلاك اللباس حينما يكتسي صبغة معيارية أو ضرورية.

ركز الكتاب على فئات اجتماعية محددة بحسب لباسها وعلاقاتها بالمجتمع؛ وهي النساء اللواتي فرض عليهن الحجاب وأهل الذمة المميزين اجتماعيا وشرعيا بلباس خاص والمتصوفة الذين يعبر لباسهم عن اختيار واع وعن هوية محددة. لقد كان للباس دائما وظيفة أساسية ونفعية تتمثل في تغطية البدن وحمايته من الأنظار ومن تأثير قساوة المناخ ثم تحول من الإطار الوظيفي والعملي إلى هوية كما هو الشأن بالنسبة للثام أهل الصحراء من طوارق وغيرهم.

اللباس هو أيضا غطاء تضعه المجتمعات والأفراد على ما لا تريد كشفه، لاسيما ما تعتبره عورة، وفي هذا المعنى، فإن المرأة تعتبر عورة بالكامل ومن هنا فهي مصدر انزعاج للنظام العام وللنظام الأخلاقي وللمشرع تبعا لذلك. يخضع اللباس لقواعد ودية ومعايير اجتماعية شكلت ما يشبه قانونا في المجال الإسلامي الوسيط، وهو قانون معقد كان يبرز إبان الأزمات والمناسبات العظام لفرض وتحديد انتماء معين. وعلى العموم فإن الجمهور لم يكن يرتدي ألبسته كما يريد بل كما يلزم، لأن هناك ضوابط اجتماعية في المشرق أو في المغرب، في دار الإسلام أو في الديار المسيحية تجعل من اللباس معيارا لانتماء ولوضع اجتماعي ينبغي إبرازه. وفي هذا المعنى فإنه يكتسي وظيفة اجتماعية وقانونية تعطيه دلالة اجتماعية أو دينية.

يبرز المجتمع الإسلامي الوسيط كأمة متضامنة ومتحدة بانتمائها للإسلام، لكن هل تعبر الألبسة فعلا عن هذه الوحدة؟ أم إنها تنفيها، مظهرة مجتمعا منقسما بتمظهرات لباسه؟ أم إنها فوق هذا وذاك، تقدم لنا صورة مجتمع موحد، ليس من خلال لباس مختلف ومتعدد الألوان، وإنما من خلال قانون اللباس الذي تفرضه. يظهر إذن أن اللباس يسمح باستيعاب العلاقات بين الطوائف والأفراد داخل جماعة معينة. من هذا المنطلق، تتناسل الأسئلة عند المؤلف في معاينته للعلاقات الاجتماعية ومسألة الهوية والتمايز الاجتماعي ودلالات الألوان وكيفية اللباس وتأثير السوق والبيئة والظروف الطبيعية في العالم الإسلامي الوسيط حيث تتعايش جماعات مختلفة في لغاتها ومعتقداتها وأوضاعها القانونية والاجتماعية والاقتصادية وانتماءاتها الجغرافية.

ينتقل المؤلف بعد ذلك ليتكلم عن زمان ومكان تحرياته، ليذكر بأن تعبير العالم الإسلامي الوسيط غير دقيق لأنه لا يطابق في المضمون ما اصطلح عليه في أوربا بالعصر الوسيط وإن وافقه نسبيا من حيث المزامنة. فزمن التوقف الأوربي هو زمن نهضة عربية إسلامية فعلية، لكن العرب وغيرهم تبنوا التحقيب الأوربي ووزعوه بحسب الأسر الحاكمة أو فترات الغزو الأجنبي إلى مرحلتين كبريين:

- من القرن السابع إلی القرن الحادي عشر: زمن الإمبراطورية ويشمل عهد الرسول والخلفاء الراشدين والأمويين.

– ما بعد القرن الحادي عشر المیلادي حينما تشتت العالم الإسلامي إلى عدة دول وإمارات ومدن- دول.

ومهما يكن الأمر، فإن العصر الوسيط الإسلامي يمتد من القرن السابع إلى القرن السادس عشر م. وكانت بدايته من شبه الجزيرة العربية، حيث ولد الرسول وسط قريش. وقد خصص المؤلف عدة صفحات لتوضيح سياقات هذه الفترة، وهي موجهة في الغالب للقارئ الغربي غير المتشبع بتاريخ بدايات الإسلام، ثم ينتقل بعد ذلك إلى رصد الإيديولوجية الاجتماعية الجديدة المترتبة عن انتشار الإسلام في الجزيرة العربية. فقد طبعت عناصر جديدة الخطاب الاجتماعي، قاطعة الصلة بالمرحلة الوثنية، وكان البدء بتحريم عادة الثأر وبإعطاء مضمون آخر للعصبية، وبمعنى آخر، فإن الخطاب الإسلامي أضحى خطاب إنصاف ومساواة وعدل بين الناس، ودعا الحاكمين إلى استيعاب ومراعاة هذه المفاهيم الجديدة في أحوالهم؛ لكن هيهات، فمع اتساع رقعة الإسلام ظهرت مشاكل كثيرة من جراء اختصاص العنصر العربي بالقرار وتشكيل أرستقراطية متغلبة.

بعد وفاة الرسول اختلفت الأمة في شأن من يخلفه واعتبر البعض أنه مؤهل أكثر من غيره لقيادة الأمة، وتم احتواء الأزمة بعد مبايعة أبي بكر، ثم ظهرت الردة مع ما ترتب عنها من مواجهات دامية، وهي أمور تعلم منها العرب كيف يواجهون الدول المجاورة لهم وكيف ينتصرون عليها، غير أن هذه الانتصارات، يقول المؤلف، تفسر في الواقع بأحوال هذه الدول المتداعية وليس بتفوق العرب من الناحية العسكرية. ولعل ما سهل الأمر بالنسبة للمسلمين هو أنهم كانوا يظهرون كأصحاب ديانة مرنة من الناحية الجبائية، وتسمح بالاختلاف في إطار وضعية الذمة.

أدت الفتوحات إلى تأسيس مجال إسلامي شاسع اندرجت داخله جماعات وأمم تختلف بلغاتها وتاريخها وعاداتها. وإذا كان العالم الإسلامي، من حيث خطبه وتشريعاته، يبدو كعالم موحد في إطار أمة المؤمنين، فهل برزت هذه الوحدة من خلال اللباس؟، تلك هي الإشكالية التي سيتعرض لها الكتاب بعد أن حدد السياقات العامة المؤطرة للباس. وكان أول ما تصدى له هو البحث عن الدلالات اللغوية للباس والكسوة والثوب.

العراء انطلاقا من النص القرآني، حالة قصوى ترتبط في الغالب بشدة الحاجة وبالجوع، هو حالة طبيعية لدى الإنسان و قيمة سلبية تناقض اللباس وتهديد وعقاب إلهي (ص31). العري هو أيضا الحالة الطبيعية للإنسان أو حينما يكون دون لباس، وقد يتعدى ذلك لوصف حالة من لا يتمتع بحماية اجتماعية أو أخلاقية. وللباس معان أخرى منها الغلاف والإخفاء. وبالرجوع إلى القاموس فاللباس غلاف خارجي للجسد، ويتسع المعنى ليشمل ما هو سلاح وما هو زي أو لباس مميز، وبمعنى آخر، فإن وظيفة اللباس هي تحديد انتماء من يضعه لأنه يسمح بالانتقال إلى وضعية أخرى ويحدد الصنف والرتبة والوظيفة والسن …الخ. ويعطي المؤلف مثلا بمرقعة المتصوف التي تحدد انتماءا وسلوكا معينين يرتبطان بمن يضعها. اللباس إذن طبيعة ثانية للإنسان، هو جلدته وبدنه. ويتحول معنى اللباس إلى معنى الحماية حينما يرتبط بالزواج، أي حينما يصبح غطاءا للزوجين وحماية لهما من الرذيلة ومطلبا دينيا وأخلاقيا.

من جهة أخرى فإن اللبس يتصل أيضا بالليل والظلام حينما يصبح لبسا وغموضا لأنه يسمح بالتنكر وبإخفاء الجسد، مع ما يتبع ذلك من غموض بين الكائن وتمظهراته. وفي هذا السياق، فإن القرآن كثيرا ما استعمل كلمة لباس في معنى تغيير الحقائق؛ اللباس يخفي الحقيقة ويصبح تنكرا وقد يكون زينة تضفي على الإنسان قيمة إيجابية. وفي القرآن ثلاثة وعشرون معنى لفعل لبس، ربعها وظيفي والربع الآخر يتصل بمعنى تغيير الحقائق، سلبيا أو إيجابيا.

الكسوة هي الضروري من اللباس وهي الغطاء أو اللباس الذي يلف الجسد وهي أيضا عكس العري، وقد تعني ما يكرم به الأمير أو السيد خدامه وأتباعه. الكسوة هي أيضا تغليف الكعبة مطلع كل موسم حج، واتسع المعنى ليشمل البذلة العصرية المكونة من جزأين أو ثلاثة أجزاء.

ويأتي الحديث في الأخير عن الثوب، وهو من فعل ثاب الذي يعني التجديد والتوبة والتغيير ومنه ما يفيد، كما في الحديث النبوي، تغيير اللباس بحسب المشاغل اليومية للإنسان تجنبا للخبث. ومن معانيه أيضا الصناعة وتغيير الأصل. وإذا كان الثوب لا يعكس مراتب في اللباس أو معنى معينا له، فقد ورد في بعض المصادر انه أيضا لباس رقيق يوضع من فوق وانه يميز الرجل عن الأنثى.

يكتسي اللباس والكسوة والثوب إذن معنى عاما لا يكاد يتغير، إلا حينما يرتبط بلون معين مفروض أو محتكر فيصبح آنذاك دالا على انتماء ويشكل حدا فاصلا ما بين الأفراد والجماعات والأجناس في دار الإسلام وديار النصارى. من هنا فإن العصر الوسيط في المجال المتوسطي هو زمن الهويات السطحية identités superficielles وفيما يخص الوظيفة الهوياتية للباس فإن الإسلام يعتبر العري خطيئة لأنه من آثار الجاهلية إذ أن العرب كانوا يحجون عراة وكانت النساء يحجبن فروجهن “برهط من السيور”، ثم منع الإسلام هذه الممارسة وأضحى اللباس واجبا دينيا بحيث عد الإحرام من الوسائل التي تقطع نسبيا مع المرحلة السابقة.

كان اللباس في العصور القديمة (الإغريق والرومان والروم) منظما بنصوص قانونية تعكس التراتب الاجتماعي للأفراد من خلال صنف الثوب واللون، ولم يتغير الأمر نسبيا إلا في العصور الحديثة، إذ استثنيت منه الشخصيات العمومية كالقضاة والجنود والشرطة والمحامين…الخ. كما أن كسوة الأطباء والتلاميذ والعمال تحدد في الواقع انتماء معينا، تماما كما هو الشأن بالنسبة لقيمة الثوب ونوعه. تسمح الكسوة بالدمج والطرد و”تحمي” جسم الفرد والصنف والأمة في نهاية المطاف وتميزهم عن غيرهم.

كان اللباس في العصر الوسيط الإسلامي والمسيحي، الشرقي والغربي محفوفا بالموانع والضوابط التي تميز الإنسان الحر عن العبد، والأرستقراطي عن الوضيع، والمسلم عن غيره؛ هكذا أعطى اللباس في الإسلام هوية محددة للأفراد تبرز في الفضاء العام وكان المسلمون مجبرين بالتميز عن الأعاجم والمسيحيين، وهو أمر يحيل في العقيدة على عدم الشرك بالله. ولعل الأصل في ذلك هو الخوف من الانبهار بلباس الروم والفرس والاختلاط و التشبه بهم. في بداية الفتوحات منع المسلمون غيرهم من التشبه بهم ووضعوا بذلك فواصل بين الجماعات فكان اللباس وسيلة فعلية للتمييز بين مختلف الفئات الاجتماعية وبين السلطان وحاشيته في الوسط الحاكم.

وينتقل المؤلف بعد ذلك إلى الحديث عن لباس المقدس، أي الخرقة والمرقعة، معتبرا في البداية أن المتصوفة والعلماء يمثلون طائفة مميزة بقداستها، وهي صفة تأتي من تمكنهم من العلوم الشرعية كالحديث والفقه. ويتميز المتصوفة بالزهد والورع وبكونهم يوضعون فوق الانتماءات الاجتماعية المعروفة كالقبائل والطوائف بالنظر إلى كراماتهم وأدوارهم الاجتماعية المختلفة، وهو ما يجعلهم في موقع وسط بين المجتمع والدولة، ويضيف أن إشعاعهم وهيبتهم انعكس على زواياهم وأضرحتهم لدرجة التماهي مع المجال. وفي هذا المستوى يفقد اللباس أهميته لأن الولي يصبح هو المجال بعينه وضريحه هوية في حد ذاته. وفي المقابل فقد اختار بعض المتصوفة منحى السياحة، وتبعا لذلك فهم يعرفون بلباسهم المشكل من الخرقة والمرقعة والركوة والعصا، وهي عناصر تحدد قداسة مطلبهم الذي وجد دائما في الجمهور السند والدعم، لا سيما إبان أوقات الأزمة.

عناصر لباس المتصوفة والمجاذيب تعرف بالخرقة والمرقعة ولباس الصوف، وغالبا ما تكون خضراء أو زرقاء اللون، يلبسها الشيخ للمريد السالك، وقد أضفى هذا اللباس على المتصوفة هوية مطلوبة ومعلنة من قبلهم، ومن هنا تأتي تسميتهم بأهل الهيئات والمرقعات. وكثيرا ما يحصل أن يغفل المؤرخون المظهر الخارجي للشخص ويركزون على مؤهلاته الدينية والأخلاقية، لكن المظهر الخارجي يسمح بدوره بتأكيد زهد الشخص في أمور الدنيا. لقد كان البعض ينظر على لباس المتصوفة نظرة سلبية وكانوا يردون بالإحالة على اللباس المتقشف لعمر بن الخطاب وبالرجوع إلى سيرة الرسول وصحابته. وتبرز هذه التبريرات بوضوح إلى أي حد كان اللباس وسيلة للتميز الإرادي ولإعلان انتماء محدد. ومن جهتهم، فإن العلماء المقربين من السلطان كانوا يرون فيه وسيلة للشهرة والاستيلاء على عقول المغفلين من الناس وانه ليس من السنة في شيء، بل بدعة يجب محاربتها من قبل أولي الأمر.

لم تكن العلاقة بين العلماء والصوفية تخلو من منافسة لأن كل وسط اختار موقعه؛ العلماء إلى جانب السلطان (ليس دائما فيما نعتقد) والمتصوفة تبنوا هموم الجمهور وتصدوا للتجاوزات ناعتين خصومهم بعلماء السوء. لقد كان اللباس في خضم الصراع لأنه يحدد موقع كل فئة وموقفها من الأخرى. الصراع في نهاية الأمر صراع بين سلطتي العلم والسلوك وكانت كل واحدة منهما تدعي امتلاك الحقيقة وجدارتها بتوجيه المجتمع.

وينتقل المؤلف بعد ذلك إلى الحديث عن الحجاب، موضوع الساعة، ليشير إلى أن الحجاب يرجع إلى ماض سحيق سابق للإسلام والمسيحية، إذ نجده عند الأشوريين كلباس يميز المرأة الحرة عن الأمة، ثم انتشر بعد ذلك في الشرق الأوسط والعالم المتوسطي قبل الإسلام، وارتبط استعماله في الأذهان بالاحترام والانتماء إلى أسرة. كانت وظيفة الحجاب في العالم القديم تتصل بالحشمة أساسا واستعمل في حفلات الزواج وفي المآتم وعند الأسر الموسرة على وجه الخصوص، ثم فرض الحجاب كرمز ديني في المجال المسيحي في وقت مبكر على الأبكار ثم عمم على باقي النساء وتبناه الإسلام فيما بعد، ليخلص بعد هذا التقديم التاريخي إلى أن الأمر يتعلق في النهاية بإرث وثني. لقد شرح ابن منظور الحجاب دون الرجوع إلى القرآن وركز على وظيفتي الحماية والفصل، وليس حجب المرأة بالمعنى الشرعي.

وخص القرآن الحجاب بتسع آيات تدعو إلى الفصل والتمييز، سبعة منها مكية قبل الهجرة لا تخص النساء، واثنتان فقط مدنيتان وتهمان نساء الرسول أساسا؛ بمعنى أن وظيفة الحجاب هي الفصل بين المؤمنين وغير المؤمنين وخلق الانسجام بين المؤمنين زيادة على الفصل والحماية والعزل. أما النساء المعنيات به فهن أمهات المؤمنين موضحا أن المسألة أثيرت بمناسبة زواج الرسول بزينب بنت جحش وإلحاح عمر بن الخطاب على ألا تتعامل نساء الرسول مع أجنبي إلا من وراء حجاب (ستار) وهو أمر تقبلته النساء في البداية على مضض، إلى أن نزلت الآيتان المتعلقتان بالحجاب، حينها أضحت المسألة محسومة بالنسبة لجميع النساء، زوجات الرسول وحرائر المسلمين.

ما هو واضح في القرآن في شأن الحجاب، ملتبس في الحديث لأن الأحاديث المائة واثنين وعشرين الموجودة في الصحاح ليس فيها إجبار أو أمر بوضع الحجاب، لكنها تسمح بإعطاء معنى له (حجاب، خمار بالإضافة إلى معنى الفصل بين الرجال والنساء وبين الرسول والناس وبين الناس والله). ويتسع مدلوله ليشمل معنى الستار الذي يفصل بين الله والبشر يوم القيامة، إذ لا يستطيع رؤيته إلا الموعودون بالجنة. من جهة أخرى فإن السلاطين باعتبارهم ظل الله في الأرض، ينصحون بوضع ستار بينهم وبين مدعويهم بمناسبة المآدب التي يقيمونها أحيانا لإبراز قوة السلطان وتفوقه على مكونات حاشيته؛ هكذا يصبح الحجاب عنصرا لتحديد المقامات والرتب، ويخلص المؤلف إلى أن الحجاب في الواقع الاجتماعي والتاريخي ممارسة قديمة اعتمد المنادون بها على نص قرآني موجه للرسول في شأن زوجاته لا غير، لكن حينما يتعلق الأمر بالخمار فهناك سبعة عشر حديثا تدعو النساء إلى إخفاء وجوههن مع التأكيد على أن السند هنا تم بواسطة النساء.

البرقع والحجاب أو النقاب عناصر لتمييز الرجال عن النساء وتفادي تشبه أحدهما بالآخر، وهو ما يعطي للباس وظيفة التفريق بين الجنسين، لكن العناصر المذكورة تختلف في معانيها؛ فالبرقع قطعة من ثوب ذات ثقوب منفصلة عن بعضها البعض من جهة العينين. ويرى المؤلف اعتمادا على ابن منظور، أن البرقع يوضع من قبل نساء البوادي وأنه يوضع أيضا على البهائم، ليخلص إلى أن المرأة لا توجد في وضعية دونية بالنسبة للرجل فحسب، بل إنها توضع مع البهيمة في نفس المستوى.

يتضمن الحجاب معان أخرى متداخلة، فهو يخفي ويعزل ويحول دون إبراز المفاتن واختلاس النظر، أي الوقوع في المفاسد. الحجاب أيضا تمييز بين المرأة الحرة والأمة إذ كان بإمكان الأمة أن تنكشف دون أن يترتب عن ذلك أي خطر على النظام الاجتماعي والأخلاقي. ثم يرجع المؤلف مرة أخرى إلى معاني الحجاب المختلفة، ومنها معنى الفصل بين الحقيقة والكذب وبين الإنسان وخالقه، كما تبرزه الأفلاطونية الجديدة التي ازدهرت في العصر الوسيط الإسلامي، وبين الحلال والحرام. وفي كل الأحوال، فالحجاب لا يقتصر على الأشياء الملموسة بل يحيل أيضا على غير الملموس.

اتفقت كل المذاهب السنية على أن الأمة لا يلزمها حجاب، غير أن هذا الأمر لا يتصل بحكم شرعي وإنما بممارسة تاريخية ترجع إلى حياة عمر بن الخطاب. وقد أورد المؤلف هنا إشارات من التراث تبين تبرم بعض النساء من وضع الحجاب؛ ومنها مواقف زوجات الرسول من تشدد عمر في هذه المسالة وأمثلة أخرى من العصر الوسيط المصري.

اهتم المشرع في ارض الإسلام بلباس المرأة ويكفي الاطلاع على كتب الحسبة لمعرفة حجم الموانع التي تستهدفها. وتعكس المرحلة الفاطمية بمصر تشددا كثيرا في هذا الصدد. وبالرغم من مقاومة البعض للإجراءات الزجرية التي استهدفتهن، فإن العلاقة بالحجاب عموما هي علاقة خضوع، ما عدا في الحالات القصوى كالمرض أو الحر أو حينما يصبح كشف الرأس من قبل المرأة احتجاجا صارخا على ظلم تعانيه.

ثم ينتقل المؤلف بعد ذلك إلى فصل آخر، سماه الفواصل الدينية ما بين المسلمين وغير المسلمين؛ فمع ظهور الإسلام صار من الضروري تمييز المنتمين إليه عن غيرهم، ومن بين هؤلاء أهل الذمة الذين سجلت عهود المسلمين لهم مجموع الشروط التي يتعين عليهم احترامها من أجل التمتع بوضع الذمة. لقد كان تمييزهم في البداية مطلبا لكتب “الأموال” حيث نجد فصلا عن لباس أهل الذمة في كتاب الخراج لأبي يوسف يشير إلى المظاهر الخارجية للذمي (حلق الرأس والزنار وهو عبارة عن حبل خشن يوضع كحزام مع الإشارة إلى شكل القلانس( كلوتات)، والأحذية). اكتسى تمييز أهل الذمة صبغة الصغار منذ بداية الإسلام بما أفرزه من تراتب عرفي وديني يجعل أهل الذمة في المؤخرة بعد العرب وباقي المسلمين ثم النصارى، لكن يبدو حسب يحيى ابن آدم أن الخليفة عمر أوصى من يأتي بعده بعدم تحميل اليهود ما يفوق قدراتهم. ومعلوم أن مؤلفات ووثائق الذميين نفسها لا تتضمن إفادات بالطابع الصارم والمميز لقرارات عمر. من جهة ثانية فإن بعض المصادر النسطورية لا تشير بتاتا لشيء يتعلق باللباس في اتفاقية 17 للهجرة، ووحدها المصادر العربية المتأخرة ألحت على القرارات المتصلة باللباس والمنسوبة إلى عمر. ويخلص المؤلف انطلاقا من ذلك إلى أن العهدة العمرية كانت موضوع تصرف وتأويل من قبل المسلمين وأهل الذمة على حد سواء. ومهما يكن الأمر، فإن عقد الذمة يجعل من واجب ولي الأمر المسلم حماية أهل الذمة وممتلكاتهم وإعادة أحباسهم إن وجدت، إلى بيت مال المسلمين، وعليه أيضا أن يميزهم من حيث مظهرهم الخارجي بإعمال الغيار أو الشكلة.

استعمل الغيار في المشرق للحديث عن ضرورة تمييز أهل الذمة باللباس، واستعمل أهل الغرب الإسلامي الشكلة في نفس المعنى؛ أي تغيير المظاهر للبروز بشكل مميز اجتماعيا. لكن يبدو أن تطبيق هذا الإجراء احتاج دائما إلى تذكير السلطات، وبالحزم اللازم، بضرورة احترام شروط الذمة. ترجع أقدم الإجراءات المعروفة في تمييز أهل الذمة إلى عهد هارون الرشيد الذي قضى بتمييز لباس أهل الذمة في المناطق الثغرية، ثم أمر الخليفة المتوكل العباسي بتعميم الإجراء في كافة البلاد (طيلسان عسلي وزنار وكلوتة وقطعتين من ثوب دائريتي الشكل مختلفتي الألوان توضعان على ألبستهم من جهة الصدر والكتف، وضع النساء لإزار عسلي وتمييز سكناهم بوضع تماثيل خشبية عليها صورة الشيطان، أما لباس أهل الذمة فهو أسود بالنسبة للنصارى وأزرق عند اليهود، ثم تحول اللون في العراق إلى الرمادي مطلع القرن الخامس الهجري، وفي مصر المملوكية تحول اللباس إلى اللون الأزرق لدى النصارى والأصفر لدى اليهود).

وعلى الرغم من أن العمامة كانت لباسا للعرب وحدهم فإن التحولات المصاحبة لانتشار الإسلام أدت إلى الانفتاح على باقي المسلمين وحرم منه المشركون سواء كانوا عربا أم عجما، بمعنى أنه في عهد أحد العمرين حصل تملك ومصادرة العمامة من قبل العرب والمسلمين. وإلى هذا الوقت بالطبع يرجع التفكير في تمييز أهل الذمة على مستوى تغطية الرأس. بيد أن الغيار لا يعني اللباس وحده وإنما التمييز عن طريق الألوان وبهما معا طبق مبدأ الصغار ومورست الرغبة في الاحتماء من الأقليات. ومعلوم أن هذه المسألة عرفت أيضا في البلاد المسيحية، فحينما استردت صقلية والأندلس اتخذ تمييز أهل الذمة وجوها عدة، منها ما ذكر سابقا، ومنها وضع قطعة معدنية على المعصم أو عقد من رصاص أو حديد حول العنق. وقد تساءل المؤلف عن رد فعل الذميين تجاه الغيار، مبينا أن المصادر قليلا ما تناولت هذا الجانب فاقتصرت على الإفادات المتصلة بإلحاح السلطة الإسلامية على ضرورة الالتزام بالغيار في بعض السنوات؛ ليستنتج بأن المعمول به في هذا الصدد هو الميل إلى التخلي عنه من قبل أهل الذمة كلما وجدوا إلى ذلك سبيلا وأن هؤلاء دأبوا منذ القرن السادس الهجري في المشرق على أداء رسم إضافي مقابل إعفائهم من وضع الغيار. وقد أدى استعمال الوسطاء في بداية ضعف الموحدين بالمغرب إلى التخلي عن اللون الأسود والكلوتات الشنيعة المنظر واستبدالهما بلباس وعمائم صفر و أسفر ذلك عن إسلام عدد من اليهود تجنبا لعلامات الصغار تلك، لكن لا أحد من المسلمين كان يصدق إسلامهم.

وفي معرض تناوله لموضوع اللباس وألوانه أشار المؤلف إلى أن الألوان تمثل مجموعة من الرموز والعوائد التي يختلف استيعابها بحسب الزمن وبحسب القيم الخاصة بكل ثقافة، بمعنى أنه لا يوجد لون يحتفظ بمعنى أو قيمة رمزية ما بشكل ثابت وأن الكلام عن قيمة إيجابية أو سلبية للون معين ينطوي على كثير من التسرع، وقد اهتم الكاتب في هذا الصدد بالدلالات المختلفة للألوان في علاقتها باللباس وتساءل عما إذا كان اللون يساهم في تحديد الإطارات المتعلقة بالجماعات و الطوائف. وباستثناء قواميس اللغة، لم تشر المصادر العربية إلى ألوان الألبسة إلا في الحالات المتعلقة بغيار أهل الذمة، أما ما يحيل على دلالات اجتماعية أو قانونية أو أخلاقية فلم يكن قد حدد في بداية الإسلام، إذ حبب الأحمر والأبيض والأسود تارة وحصل العكس تارة أخرى. غير أنه باتساع رقعة دار الإسلام بدا أن الأحمر كان اللون المفضل في الأوساط الأرستقراطية، ثم اتضح الأمر أكثر مع الأمويين والعباسيين الذين استرجعوا عوائد الجاهلية بعد أن اتخذ السادة عمائم صفر واقتصر الفرسان على عمائم حمر، ثم تمادوا في هذا التوجه بتحديد معايير اللون وطبيعة الأثواب المناسبة لمختلف مكونات المجتمع دون أن يكون للمسألة أي سند ديني . لقد حصل التراتب على أساس السبق إلى الإسلام ثم السبق في نشر الإسلام خارج الجزيرة العربية، وقد نجم عن ذلك اختلافات عرقية ودينية ولسانية، وهنا ستأخذ الألوان أبعادا أخرى، إذ جعلتها الإرادة السياسية وسيلة للتمييز بين الفئات.

لم يختص رسول الله بلون معين فهو رسول إلى الأمة جمعاء، ويجب انتظار الخلفاء الراشدين للتعرف على بداية “تلوين” المجتمع، فقد عين عمر بن الخطاب لأهل الذمة ثلاثة ألوان هي الأزرق للمسيحيين والأصفر لليهود والأحمر لليهود السامريين، ثم أصبح الأسود لونا للعباسيين وتميز خلفاؤهم أيضا بألوان أخرى مثل القرمزي الذي اتخذوه لونا لأحذيتهم لا يشاركهم فيه أحد. كان لبس الأبيض في العصر العباسي من شعارات التمرد، وقد حصل ذلك مرات عديدة، وأجبر أهل الذمة في العهد الفاطمي على لبس الأسود نكاية في بني العباس وتشبيها لهم باليهود. وخارج هذه الاعتبارات السياسية، فإن اللون الأبيض اعتبر لونا إيجابيا وورد في القرآن والمخيال الجماعي بهذا المعنى؛ فهو شعار البراءة والطيبوبة والوضوح والجمال والزهد في متاع الدنيا، والأبيض علاوة على ذلك، يطبع كل طقوس الانتقال من حال إلى حال كالولادة والختان والزواج والحج والعدة.

وحسب الحديث الشريف فإن الأسود مطلوب في الحذاء والعمامة والكسا، وهو ما أدى بالبعض إلى اعتباره لونا مقبولا ليس إلا. ويظهر أن الأسود لون للحداد ورفض للواقع ولذلك اتخذه الشيعة رمزا سياسيا وشعارا للحداد الدائم بعد مقتل الحسين، وهو أيضا شعار لثورة الخوارج والمرجئة، وكان يعتقد أن المسيح سيبعث رافعا لراية سوداء.

ويعكس الأصفر عددا من المعاني والدلالات ترتبط بطبيعة وتعاقب الفصول. لبس الرسول اللون الأصفر في حميميته وتزيا به عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب ومحمد بن الحنفية، ولهذا فهو من السنة. وقد اتخذه أعيان الناس لونا لعمائمهم و جعله عبد الملك بن مروان لون لأحذيته واختص به دون بقية الرعية، لكن حينما أضحى، زمن العباسيين، كناية عن الروم (بنو الأصفر) وعن اليهود ( عجل بني إسرائيل) فقد تركه الرجال للنساء قبل أن يقتصر لبسه على بنات الهوى.

أما اللون الأحمر فهو أيضا من الأوان المفضلة عند الرسول وكان يخرج به لصلاة الجمعة والعيدين، لكن يبدو أن خلفاء بني أمية وبني العباس قد اقتدوا أكثر في استعمال الأصفر والأحمر بالأباطرة البيزنطيين. والملاحظ أن هذا الولع توقف أيضا زمن العباسيين حينما خصوا اليهود باللون الأصفر، وهو تحول يرتبط بتغير العقليات وبتعميق المعرفة بالإسلام.

وفيما يخص اللون الأخضر فقد وجدت له أكثر من دلالة؛ فهو يصاحب الحيوية والشباب وضعف التجربة، وبه يوصف لون البحار والمحيطات والأنهار وكل ما هو مدلهم وأسود. وحينما يتعلق الأمر باللباس فإن الأخضر يأخذ معنى روحيا إذ هو لباس أهل الجنة، ولذلك أضحى لونا لأمكنة المقدس وللباس الأتقياء والصالحين. وقد اتخذه الخليفة المأمون لونا رسميا مما عد قطيعة مع التراث العباسي وسببا في عدة ثورات، ويخلص المؤلف إلى أن الأخضر لا يعد من ألوان التمييز بين الفئات والطوائف.

الكتاب حفريات في التراث الإسلامي المتعلق بالحجاب وأهل الذمة ومراجعة نقدية تندرج في إطار اختيارات تأصيلية، تحاشت ما أمكن الإيديولوجيات والمواقف المتشنجة، لتعيد بهدوء ومهنية إعادة بناء تصورات غيبت من جراء التطور الفكري والممارسة الدينية في العالم الإسلامي.

كل قراءة للتراث محكومة بأن تكون قراءة إيديولوجية، والطاهر المنصوري بانخراطه، كما هو الشأن بالنسبة لعدد من المثقفين، في قيم الحداثة والعلمانية والتسامح، لم يفلت بدوره من المنحى الإيديولوجي، بل لقد أقر به كاختيار منذ أول سطر.

واجه المؤلف هذا الموضوع الضخم المتعلق بالمجال الإسلامي بمادة علمية غنية وتوثيق جيد، لكننا نتساءل عن قدرة المؤرخ على جعل كلامه ينطبق على كافة دار الإسلام، دون تخوف من السقوط في فخ التعميم؛ ذلك أن جل المادة إما يتعلق بالمشرق الإسلامي أو بمصر أو بإفريقية في عهود متفاوتة ويصعب من جراء ذلك، من زاوية اهتمامات المؤرخ على أية حال، القول بأن المواقف كانت قارة في الرقعة الإسلامية برمتها. نعم، هناك اتفاق في الأمور الجوهرية سواء من ناحية المنطلقات الشرعية أو من ناحية المواقف الشعبية بين كل مكونات هذا المجال، لكن الظروف التاريخية لكل بلد كانت تعطل أو تؤخر أو تؤجج المواقف المتصلة بالموضوع، فشكل الحجاب لم يكن موحدا في البلاد الإسلامية كلها ووضع المرأة في الأندلس اختلف أحيانا عن مثيله في البيئات الأكثر محافظة وكثيرا ما أرق الفقهاء واستدعى منهم الفتاوى الكثيرة وكان لبعض الذميين المقام العالي ورفيع الملبس والمطايا الممنوعة عليهم والسروج المذهبة، حتى أنهم استخدموا المسلمين في أنشطتهم، بل لقد وجد من بين فقهاء السلطان من وجد لهم المسوغات نظرا لدورهم في التجارة الصحراوية أواخر القرن الخامس عشر الميلادي (انظر فتوى المغيلي في المعيار المعرب، ج 2). من جهة أخرى قد تكون لنفس الألوان المخصصة لأهل الذمة (اللون العسلي) بغاية التمييز والتشهير، مرتبة خاصة لدى البعض، مثل ما هو الحال بالنسبة لخلفاء الموحدين الذين اختصوا بلبس الغفائر الزبيبية وأصروا على أن لا يشاركهم فيه أحد.

ومن جملة الملاحظات أيضا، ما يتصل بقول المؤلف أن الفترة الممتدة من القرن السابع إلى الحادي عشر هي فترة الإمبراطورية، أي وحدة دار الخلافة، فالمعروف أن المغرب الأقصى مثلا كان قد استقل عنها سياسيا منها منذ القرن الثامن الميلادي.

وفي معرض الحديث عن الغيار، لعله كان من المفيد التأكيد على أن المعطيات الواردة في المسألة تخص المشرق وأن معرفتنا بغيار النصارى في الغرب الإسلامي محدودة جدا، ولو سايرنا حسين مؤنس لخلصنا إلى انعدام التمييز في حقهم في الأندلس.

يشير الكتاب أيضا إلى أن بعض أهل الذمة اعتنقوا الإسلام أو استعملوا الشفعاء رغبة منهم في التخلص من وضعية الصغار ومن ثقل الغيار، غير أن الأمثلة الملموسة المقدمة في هذا الصدد لا تتجاوز ثلاث حالات معزولة من القرن الثاني عشر ولا تفيد بتوجه عام في بلاد الإسلام، ولا بتوجه ثابت في الزمن (ص.144-145) ونعتقد أن هذا المبحث قد يؤدي إلى التشويش على القارئ العادي، علما بان المسائل المتعلقة بإسلام أهل الذمة وبالإسلاميين ترتبط بسياقات خاصة تستحق لوحدها بحثا مستقلا.

أعطت المقاربة السيميولوجية للكتاب نكهة خاصة وأغنته بشكل رائع. ويبدو لنا أن المجهود الذي بذل في هذا المعنى كبير للغاية وأن المؤلف قد توفق في ذلك إلى حد بعيد، لكننا مع ذلك، أنه يجب التصرف بحذر أحيانا في تأويل الدلالات، لأن كل المعاني تصبح ممكنة آنذاك بما فيها تلك التي تشذ عن المنهجية التاريخية، ونسوق مثلا عن ذلك من الكتاب (ص. 87)، فخلال فتوح إفريقية كشف الحاكم البيزنطي غريغوار ابنته لجنده وهي سافرة، وقال إنها ستكون مكافأة لمن يتمكن من قتل قائد الجند العربي. وقد فسر المؤلف تلك الحكاية بأن الأميرة المذكورة تمثل بسفورها رمزا لانكشاف إفريقية للعرب.

وبعد، فالكتاب الذي أنجزه محمد طاهر المنصوري يستجيب أولا لحاجة ماسة إلى الحديث بشكل أكاديمي ونزيه عن قضايا تؤرق المسلمين والغرب مثل الحجاب والعلاقة بالأقليات الدينية. هو أيضا كتاب أنجز في إطار تعاون جامعي شرقي/غربي أكسب صاحبه الجرأة على الخوض في مواضيع مألوفة لدينا، لكن بمنهاج مختلف قارن التاريخ بالسيميولوجيا، ليقدم لنا عملا غنيا بمادته وبما يحيل عليه من أفكار إنسية.

- محمد فتحة

جامعة محمد الخامس / كلية الآداب بالرباط

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*