الإثنين , 25 سبتمبر, 2017
مواضيع المجلة
الرئيسية » قـــراءات » تاريخ المجال ومجال التاريخ

تاريخ المجال ومجال التاريخ

عبد الأحد السبتي، بين الزطاط وقاطع الطريق. أمن الطرق في مغرب ما قبل الاستعمار، الدار البيضاء، دار توبقال للنشر، 2009.

يندرج كتاب المؤرخ المغربي عبد الأحد السبتي، الذي هو في الأصل أطروحة دكتوراه الدولة نوقشت عام 2005 بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط1، ضمن مشروع فكري ممتد على مدى أكثر من عقدين من الزمن. ويسعى هذا المشروع إلى البحث في تاريخ المغرب وتجديد فهمه بالاستناد إلى ثلاثة أمور رئيسية:

أولا، متابعة الإنتاج الإسطوغرافي المعاصر في الجامعات المغربية متابعة كمية وتحليلية في نفس الآن2، والإنتاج الإسطوغرافي التقليدي، الذي اشتغل عليه منذ بداية الثمانينيات من القرن الماضي في دراسة حول الأدبيات الجينيالوجية3.

ثانيا، الاشتغال حول مدة زمنية طويلة، تمتد من الحقبة المسماة بالعصر الوسيط، إلى الزمن الراهن، مرورا بمرحلة ما قبل الاستعمار ومرحلة الحماية.

ثالثا، تتبع نتائج أبحاث العلوم الاجتماعية، وبالأخص الأنثروبولوجيا، وأيضا تتبع إبداعات الفاعلين في ميادين معرفية أخرى، وبالخصوص في ميدان الأدب.

ويلاحظ المتتبع لأعمال عبد الأحد السبتي، وهي كثيرة، أن همَّه المعرفي الرئيسي هو تفكيك الكتابة التاريخية المغربية وكشف مواطن الانحباس فيها، وإخراجها من الأنفاق الإسطوغرافية، نفق تقديس النصوص أو المقاربة الأرشيفية الصرفة، نفق الرد على الكتابات الاستعمارية، نفق الاقتصار على الأبحاث المرتبطة بالشهادات الجامعية.

وإذا سلطنا الضوء على هذه الإسطوغرافية، منذ أواسط السبعينيات من القرن الماضي على الأقل، نجدها تتوزع في اتجاهات كثيرة، ثلاثة منها تبقى محددة بصورة أساسية، وهي أولا، التحقيق الذي التهم حصة كبيرة من أعمال الباحثين، سواء في إطار تحضير شهادات عليا، أو في إطار اهتمام خاص، إذ عادة ما كان الباحثون المبتدئون يدشنون مسارهم كمؤرخين بالاشتغال حول المخطوط. وثانيا، التاريخ العلائقي الذي شكل موضوع دراسة بالنسبة للكثير من الباحثين المغاربة منذ نهاية الثمانينيات، إذ ظهرت سلسلة من الأبحاث حول العلاقات بين المغرب من جهة، وأمم أخرى، غربية مثل فرنسا وبريطانيا والبرتغال، أو إسلامية مثل تركيا العثمانية. وثالثا، التاريخ المونوغرافي الذي حظي باهتمام واسع من طرف شريحة عريضة من الدارسين.

ولعل إدراك ما ابتكره عبد الأحد السبتي من أفكار ورؤية منهجية في كتابه هذا يقتضي منا تحليل تلك الأنفاق المذكورة المرتبطة في مجملها بالبحث المونوغرافي. فمنذ أواسط السبعينيات، كانت الأبحاث المونوغرافية قد انطلقت مع الجيل الثاني من المؤرخين المغاربة، بفضل دراستين رئيسيتين هما إينولتان لأحمد التوفيق (1976) وتافيلالت للعربي مزين (1977)، اللتان أظهرتا قدرة كبيرة على تناول تاريخ المغرب وتفسيره انطلاقا من الملاحظة المجهرية، أي الانطلاق من إشكالية الإقليم لتحليل البنيات الاجتماعية والاقتصادية للمغرب قبل التدخل الاستعماري. وقد تأتى هذا الأمر باستعمال مكثف للأرشيف، واقتحام موضوعات جديدة، كانت فيما قبل حكرا على الجغرافيين والأنثربولوجيين وعلماء الاجتماع. ويتعلق الأمر بالمشاهد الزراعية والمزارعين والتقنيات والمحاصيل والتجمعات السكنية وأنماط السكن والتركيبات الاجتماعية وأشكال ممارسة السلطة والعلاقات مع الحكم المركزي، وغيرها من الموضوعات المرتبطة بالبنية الاجتماعية والاقتصادية، وأخيرا محاورة العلوم الاجتماعية، كما يظهر مع أحمد التوفيق الذي دخل في نقاش مع الباحثين الذين اهتموا ببنية المجتمع أمثال روبير مونتانيي وجاك بيرك وإرنست كَيلنر وغيرهم.

والجميع يعلم، في الوسط الجامعي المغربي، كيف وجه هذان الباحثان شبيبة المؤرخين نحو العمل المونوغرافي، فتعددت الدراسات حول القبائل والواحات والمدن والزوايا وموضوعات أخرى ذات سمة اجتماعية أو اقتصادية. لكن إذا كان جل الباحثين قد عالجوا موضوعاتهم بصرامة أرشيفية فائقة سيرا على هدى الأبحاث الأولى لدرجة أن أبحاثا كثيرة خصصت ملحقات لنصوص طويلة أحيانا، فإن النقاش حول القبيلة وتركيبتها وعلاقتها بالمخزن، ظل وفيا للنزعة الوطنية، وحبيسا لما تبوح به الوثائق، ولم تتجاوز الإطار الوصفي. وبصفة عامة، باستثناء بعض الدراسات، مثل تلك التي أنجزها عبد الرحمان المودن حول قبائل إيناون، حيث فتح حوارا مع نتائج العلوم الاجتماعية، على غرار أحمد التوفيق، واستثمر مفهوم المجال لفهم بنية البوادي المغربية قبل الاستعمار، فإن معظم المونوغرافيات ظلت سجينة النصوص، وبسطت مقاربة التاريخ المونوغرافي، ولم تولد أفكارا تذكر.

وربما يعود هذا التقصير، كما يرى عبد الأحد السبتي، إلى “الإطار الإيديولوجي العام الذي تَحَكَّم في تناول القرن التاسع عشر”، من حيث “إعادة النظر في الصورة الموروثة عن الكتابة الاستعمارية” بالاستناد إلى كم هائل من الوثائق، المخزنية والأوربية، والانسياق في استعراض توتر العلاقة بين القبائل والمخزن مع “أجوبة جاهزة” تتمثل في “الدور الذي لعبه التدخل الأوربي في إضعاف الدولة وتفاقم تناقضاتها مع مختلف مكونات المجتمع”. وبذلك يطرح هذا التناول “الجواب محل السؤال، ويتكلف بإعادة الاعتبار بدل التحليل، ويُحَمِّل التدخل الأوربي أكثر مما يتحمله لتفسير معضلات المغرب خلال القرن التاسع عشر” (ص 21). وعليه، لم يرق أصحاب هذه المونوغرافيات إلى مقاربة تنظيرية، تركيبية، لا تنفصل فيها “إجرائية المصادر عن إجرائية الفرضيات والإشكاليات”4.

نحو رؤية منهجية جديدة

يتموضع كتاب عبد الأحد السبتي في سياق تجاوز الإسطوغرافية الجامعية على النحو الذي تظهر به في الدراسات الأساسية من رسائل وأطروحات ذات البناء التقليدي، وإخراج البحث التاريخي من التناول المعطياتي، والتناول الأرشيفي، والتناول الوطني، وفتحه على التفسير، وذلك بالتنبه إلى قضية المجال كإشكالية رئيسية، واستثمار مفاهيم جغرافية وأنثروبولوجية لرصد بنيات المغرب قبل الاستعمار، أي تلك التي ورثها منذ العصر الوسيط، على المستويات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية. وهذا التموضع يتخذ من التركيب إطارا للدراسة.

وفي واقع الأمر، إن عملية التركيب هذه هي التي مكنته من فتح أفق عريض من الوجهة المعرفية، وجعلت الكتاب، برأيي، يحتل مكانة أساسية، ليس فقط في حقل التاريخ، وإنما أيضا في حقول معرفية أخرى، وفي طليعتها الأنثروبولوجيا والجغرافيا. وفي هذا السياق نستحضر ما قاله المؤرخ الفرنسي مارك بلوك (Marc Bloch) عندما تحدث عن التركيب التاريخي، كونه يسدي خدمات أهم من الكثير من المونوغرافيات5، وأيضا كونه يمنح للتاريخ مكانة بارزة بين العلوم الاجتماعية. فإذا كانت المونوغرافيات تمنح إمكانية فهم القضايا المحلية، ومن ثم الأخذ بالأدوات الضرورية لفهم القضايا ذات البعد المجالي الأكثر سعة، فإن المنحى التركيبي يبقى ذا فائدة معرفية كبيرة لأنه يوسع منظار المؤرخ، ويحفزه على مراجعة المسلمات وصياغة الفرضيات وتغيير مسارات الفهم والتأويل، ومن ثم توجيه الدراسات.

ولعل التمفصل الرئيسي لهذا التركيب يتجلى في معالجة إشكالية التاريخ الاجتماعي للمغرب عبر موضوع تنجذب حوله قضايا كبرى، وتظهر فيه التقاطعات الاجتماعية والسياسية والثقافية. لقد ركز عبد الأحد السبتي على ظاهرة اجتماعية، هي “الزطاطة”، لكتابة تاريخ اجتماعي تنعكس فيه التمفصلات المهيكلة للبناء الاجتماعي: المعرفة والسلطة، والمادي والرمزي، والمركز والهامش، وحدَّدَ، في المنطلق، دلالاتها التاريخية والاجتماعية. فالزطاطة تعني في الأصل، إلى حدود التدخل الاستعماري في المغرب “ما يؤديه المسافر لمن يخفره ويحميه في الطرق غير الآمنة التي يرتادها اللصوص والقطاع”، لكنها دلالة متغيرة في الزمن. فهي مؤسسة اجتماعية وسياسية ذات أساس تاريخي، وذات امتداد اجتماعي أيضا، من حيث الدلالة الاستعارية. فبعد الاستقلال، وبفضل “عملية استعارية تنتمي إلى معجم الرشوة” نجت الكلمة من الضياع، ودخلت في نسق معجمي يحيل إلى ممارسات يومية، إدارية – مخزنية بالدرجة الأولى، إلى ظاهرة اجتماعية، إلى سلوك ثقافي، أو يحيل إلى استعمال عامِّي يستند إلى “الخبرة العَمَلية، والقدرة على إيجاد المخرج المناسب في الظروف الصعبة”، وهذه الدلالات العامية قد نلتقي بها أحيانا حتى في الخطاب الصحفي والسياسي.

ومن خلال مفهوم “الظاهرة الاجتماعية الكلية”، الذي صاغه عالم الاجتماع الفرنسي مارسيل موس (Marcel Mauss)، والقائمة على أساس تناسبٍ ثلاثي الأبعاد، سوسيولوجي تزامني، وتاريخي تعاقبي، وفيزيو-سيكولوجي، تناول عبد الأحد السبتي قضية الزطاطة هذه التي تعبئ في آن واحد كامل المجتمع ومؤسساته. “فهي تكشف أساليب مختلف أنواع المؤسسات الدينية والقانونية والأخلاقية، وهي في آن واحد مؤسسات سياسية وعائلية. هذا إلى جانب المؤسسات الاقتصادية التي تفترض أشكالا خاصة من الإنتاج والاستهلاك، والظواهر الجمالية التي تنتجها هذه الوقائع والظواهر المورفولوجية التي تعبر عنها هذه المؤسسات” (ص 237).

إن ما يترقبه قارئ التاريخ من المؤرخ، سواء كان هذا القارئ محترفا أو مستنيرا، هو تفكيك الماضي وإشراكه في فهم هذا الماضي عبر موضوعات تتقاطع فيها القضايا والأسئلة، وتتعدد فيها مستويات قراءة النصوص وتأويلها. وتشكل هذه الرؤية المنهجية محطة مركزية في الكتاب.

وتظهر مسألة تقاطع القضايا والمستويات والأسئلة في كتاب عبد الأحد السبتي من خلال التركيز على السياقات السياسية والاقتصادية والثقافية، وتوظيف أجناس مصدرية متعدد، رحلية، وإخبارية، ومناقبية، وفقهية. وتعدد السياق هذا هو الذي أخصب موضوع الزطاطة ومَوضَعَه في ملتقى متعدد المسالك، إذ تفرعت منه المظاهر والحالات والأسئلة، وجعلت عملية التحليل تنتقل من تصنيف النصوص إلى تصنيف القضايا التاريخية والاجتماعية والثقافية، ومن تِبيان شبكة المسالك والطرق إلى استجلاء لغة تمثل التراب، ومن الكشف عن سياق الأحداث والوقائع إلى إثارة إمكانيات المقارنة والتنظير.

ومن القضايا الأساسية التي خضعت للمراجعة في سياق التقاطع المذكور، نذكر على سبيل المثال ثنائية “بلاد المخزن” و”بلاد السيبة” التي تظهر في كتب الرحلة الاستكشافية التي جمعت بين الوصف الجغرافي والثقافة الإثنوغرافية، خاصة كتاب شارل دو فوكو المؤَلَّف في نهاية القرن التاسع عشر. فعندما يتناول عبد الأحد السبتي قضية الانتقال من المجال إلى التراب التي تعبر عنها أشكال تأمين الطرق، فإنه يكتشف “قدرا كبيرا من المرونة، وتمفصلا معقدا بين التدبير المحلي والتدبير المخزني”، وهي أمور لا يمكن فهمها إلا بالتنبه للتشكيلات المجالية التي تحيل إلى “خصوصية مفهوم التراب في النسق المغربي التقليدي”، وهي محطات المسالك الطرقية، وثنائية المجال (الغرب/الحوز)، وظاهرة الأطراف والتخوم، ومسألة الطرف القريب من المركز.

مجال للتاريخ: تاريخ المجال

فتح عبد الأحد السبتي، من خلال ظاهرة الزطاطة، مسلكا للبحث في تاريخ المجال. وفي واقع الأمر، انتقل بنا الباحث، عبر فصول الكتاب، ونصوصه، من تاريخ المجال إلى مجال التاريخ، ومن مجال التاريخ إلى تاريخ المجال. وبتعبير آخر، إذا كان صاحب الكتاب قد اتخذ من أمن الطرق قضية أساسية لتناول تاريخ المجال، تاريخ التراب الجغرافي بالمغرب في بعده الاقتصادي والاجتماعي والثقافي قبل دخول البنيات الاستعمارية الحديثة، فإنه جعل، من أمن الطرق، على نحو جدلي بيِّن، موضوعا خصبا للتاريخ، ونافذة واسعة لفهم هذا التاريخ.

ولا يفوتنا، ونحن نتحدث عن إشكالية الكتاب هذه، أن نشير إلى فكرة صاحب “مجلة التركيب التاريخي”، هنري بير (Henri Berr) وهو يقدم كتاب مؤسس الحوليات، المؤرخ لوسيان فيفر (Lucien Febvre) الأرض والتطور البشري، مقدمة جغرافية للتاريخ الصادر لأول مرة عام 1922، عندما قال أن موضوعا معقدا من هذا الطراز، يبحث في تاريخ المجال، يستلزم من الباحث أن “يكون جغرافيا مؤرخا، أو بالأحرى مؤرخا جغرافيا، بل وحتى عالم اجتماع، لأنه من دون شك، عندما يجعل المؤرخ من حقله المعرفي تصورا عريضا وعميقا، عندما يسعى إلى الجمع بين خيوط الفعل البشري، الخارجية والداخلية، مع الحفاظ على خصوصية دراسته، فإنه يرغب في توسيع عملية الفهم للوصول إلى فعالية كاملة. وتناول مثل هذا، على نذرته، من شأنه أن يجعل من العلاقات بين الإنسان والمجال إشكالية هامة جدا”6.

إن المجال مفهوم جغرافي بالدرجة الأولى. لكن العلوم الاجتماعية والسياسية تناولته تناولا أساسيا لفهم بنيات المجتمع وأطره الثقافية والقانونية. وفي حقل التاريخ يظهر المجال كعنصر مُحَدِّد في عملية بناء الدولة من حيث التشكل الترابي وتغير عناصر هذا التشكل عبر الزمن. وتبقى قضية المسالك ومحاور مرور البشر، من تجار وحجاج وجند، ومشاكل حركة المرور هذه، من أهم العناصر المساهمة في بناء المجال، ومن ثم في بناء شكل السلطة. فالطرق كما يقول لوسيان فيفر “تُنشأ الدول أو تحافظ عليها”7. كما يمنح التاريخ، في مستواه التدويني، أفقا آخر لإدراك المجال من خلال مفهوم الهوية وارتباطاتها بالتكييفات السياسية والثقافية على النحو الذي تظهره الأدبيات الإسطوغرافية.

وبناءً على هذه الأفكار، يبرز المجال المغربي في علاقته بالفعل البشري، اجتماعيا وسياسيا وثقافيا، في المظاهر الآتية:

وجود علاقة وطيدة بين نشأة الدولة المركزية من جهة، ومراقبة شبكات المسالك، من جهة ثانية، وهي علاقة تماثل بين طرق التجار وطرق الجند. ويتضح هذا الأمر منذ العصر الوسيط، وبالذات منذ الدولة المرابطية التي اتبعت في حركتها المحور التجاري المعروف ب “طريق اللمتوني” المنطلِق من الجنوب، مرورا بالدول التي تعاقبت على حكم المغرب فيما بعد، والتي تمحورت شبكات مسالكها في فاس التي التقت فيها الطرق الآتية من تلمسان وسجلماسة ومراكش، وفي مراكش التي التقت فيها الطرق الآتية من فاس وسجلماسة ورباط الفتح، وانتهاءً بالقرن التاسع عشر الذي استمر فيه موقع فاس ومراكش كقطبين رئيسيين، لكن مع “تغييرات واضحة في تفاصيل الشبكة الطرقية”، منها تزايد أهمية المسالك المحاذية للساحل الأطلسي.

وجود تحولات مجالية، رصدها عبد الأحد السبتي في الزمن، مركزا على المرحلة المرينية ودورها في التشكل الترابي للمغرب، وذلك بإبراز مجموعة من العناصر التاريخية: الدينية (هوية دينية مختلفة عن إيديولوجية الخلافة المشرقية)، والسياسية (تكون كيان سياسي قريب من نموذج الدولة المركزية، بالعلاقة مع الانشطار الثلاثي للمغرب الكبير)، والإسطوغرافية (إعادة تركيب الماضي بالاستناد إلى اللحظة الإدريسية كمرحلة تأسيس للدولة المغربية ).

وجود ثنائية جغرافية ذات جذور تاريخية تعود إلى العصر الوسيط، وتتمثل في منطقة الغرب/الشمال، ومنطقة الحوز/الجنوب. الأولى تمتد من “أم الربيع إلى وجدة، مرورا بالسهول الأطلسية وسهل سايس، والثانية تمتد من “أم الربيع إلى أقصى سوس”. وهذه الثنائية تبقى مُحَدِّدة على مستويات مختلفة، سياسية من حيث الصراع حول السلطة بين العصبيات أو بين الأمراء، وثقافية من حيث طقوس زيارة تهنئة السلطان التي كان يقوم بها العمال في المناسبات الكبرى. كما تظهر هذه الثنائية المجالية من حيث الممارسة السياسية على مستوى التقاطب بين مدينتي فاس ومراكش، كرستها “مؤسسة الأمير –الخليفة” في القرن التاسع عشر، إذ جرت العادة بين السلطان والأمير إذا كان الأول بمراكش نهض الثاني لتحمل المسؤولية بمكناس وفاس والعكس.

وجود مفارقة جغرافية تتمثل في “ظاهرة الطرف القريب من المركز، والبعيد مجاليا عن موقع الهامش”. وهي ظاهرة تهم مجموعة من القبائل، كما تهم عواصم البلاد المتعددة، أي عواصم الغرب: فاس ومكناس والرباط، وعاصمة الحوز: مراكش. ويتعلق الأمر، مثلا، بقبيلة غياثة القريبة من فاس، وقبيلة بني مطير القريبة من فاس ومكناس، وقبائل زمور وزعير والسهول القريبة من الرباط وسلا، وقبيلة الرحامنة القريبة من مراكش.

وتكمن أهمية الجهد المنهجي لعبد الأحد السبتي في تقديم شبكة من النصوص، الرحلية والإخبارية والمناقبية والفقهية، كحلقة أساسية في البحث، بحيث استأثرت بأربعة فصول من أصل خمسة. وتظهر هذه النصوص التي تتقاطع فيما بينها كـ “أصوات تنتمي إلى بيئات وسياقات معينة، وتحركها رهانات وقيم وتصورات”، أطرت المجتمع ووجهت سلوكياته وممارساته، كـ “وسائط تنقل إلينا أصداء الأحداث والأفعال”. وقد عمل عبد السبتي، الذي سبق له أن تناول موضوعات أخرى، مثل المدينة، والشاي، من زاوية الكتابة عبر شبكة من النصوص، على إعادة استشكال هذه الأخيرة، من حيث الترتيب والقراءة والتأويل. وهذا الاختيار المنهجي، لا يخلو من تعقيد بالنسبة للقارئ بالقياس إلى تعدد النصوص واختلاف مرجعياتها وتنوع زمنياتها. لكن القارئ المتأني يستكشف أن ما يقترحه صاحب الكتاب هو “إعادة تركيب الصورة باعتبارها جزءاً من الواقعة الاجتماعية”، لأن “الصورة والمِخْيال يساهمان في تشكيل الظاهرة الاجتماعية”. وهذا ما حاول تبيانه من خلال موضوع “فعالية” الرموز (ص 312).

وما أثار انتباهنا في شبكة النصوص المقترحة هي حوليات الدول والسلاطين التي جاءت في الفصل الثاني من الكتاب تحت عنوان “النظام والاختلال”. ويغوص هذا الفصل في تاريخ الإسلام مستثمرا الخطاب المعياري المتمثل في الآداب السلطانية والسياسة الشرعية، وكيفية حضور مقولات هذا الخطاب في كتب الأخبار المغربية، ورصد التمفصلات القائمة بين الخطاب المعياري ومجريات الواقع، من خلال التركيز على حقبتين رئيسيتين في تاريخ المغرب، هما الحقبة الموحدية-المرينية والحقبة العلوية، خاصة عهد السلطان إسماعيل، وفترة القلاقل التي تلته، اللتان تتيحان إمكانية استكشاف صورة مركبة تحيل على ثنائية النظام والاختلال. وفي عملية الاستكشاف هذه اختار عبد الأحد السبتي نصوصا تتصل بلحظات معينة، بملابسات معينة، بانتقالات معينة: الانتقال من الصورة إلى ما وراء الصورة، وتتبع زواياها، بتعبير السينمائيين، من لقطة إخبارية إلى أخرى، من الممارسات إلى الحالات، من الكلمات إلى الدلالات، خاصة بالنسبة لعهد إسماعيل، وما تكشف عنه من سياقات، حدثية ومجالية ووظيفية. وأيضا الانتقال من تاريخ الحدث السياسي إلى تاريخ المخيال السياسي، من حيث “تكييف” الإخباريين لأخبار الدولة ومرجعيتها، كما يظهر مثلا من خلال “روض القرطاس” بالنسبة للتاريخ الوسيط.

وبالإضافة إلى قضية النصوص وما تفرزه من إمكانيات هائلة من حيث الفهم والتأويل، انصب اهتمام عبد الأحد السبتي، انطلاقا من مقاربة استرجاعية، على نقطتين رئيسيتين هما مراجعة طروحات المونوغرافيات، ومراجعة التحقيب.

بخصوص النقطة الأولى، يتبين أن تسليط الأضواء بطريقة استرجاعية على ما قبل القرن التاسع عشر، بالوصول حتى إلى الحقبة الموحدية-المرينية، مرورا بالحقبة العلوية، لاسيما حقبة السلطان إسماعيل، بالاستناد إلى كتب الأخبار، يُمَكِّن من إعادة النظر فيما جاءت به معظم المونوغرافيات التي غلب عليها هاجس الرد على الكتابة الاستعمارية، وغرقت في مقاربة وطنية دفاعية ومعالجة أرشيفية صرفة، ومن ثم التأكيد على أن “أوضاع القرن التاسع عشر في ميدان تأمين الطرق، لم تكن فقط وليدة المستجدات التي أفرزها التسرب الأوربي، بل هي جزء من بنية سياسية-مجالية بعيدة المدى” (ص 100). وبذلك تنقلب معادلة فهم تاريخ المغرب قبل الاستعمار، بالتعامل مع القرن التاسع عشر ليس على أساس رصد التحولات التي عرفها النسق الاجتماعي والسياسي التقليدي، من زاوية الفعل الأوربي، من حيث عمليات الضغط والتسرب والتدخل، وما أفرزته من أزمات واضطرابات واختلالات، لاسيما ما اتصل منها بتوتر العلاقة بين القبائل والمخزن، وإضعاف الدولة المركزية، وتزايد أعمال اللصوصية وقطع الطريق، ولكن بناءً على رصد هذا النسق، لرفع النقاب عن الظواهر والبنيات التي ورثها المجتمع المغربي على امتداد قرون عديدة.

أما النقطة الثانية المتصلة بالتحقيب، فتتمثل في مراجعة ما يعرف بالعصرين “الوسيط” و”الحديث”، والتعامل مع البعد الزمني بمقاربة استرجاعية تنطلق من القرن التاسع عشر كمحطة زمنية محورية، يتوزع منها التحليل ويلتقي عندها من جديد، بحيث تحفر الدراسة في الثوابت والمرجعيات الاجتماعية والثقافية التي تعود إلى العصر الوسيط. فرحلة “البحث عن نسق تقليدي مغربي، هي في نهاية المطاف رحلة تعود باستمرار إلى الوراء، بدون أن تؤدي إلى الإمساك بالنسق-المنطلق” (ص 260). والجدير بالملاحظة أن عبد الأحد السبتي ينتقل بالقارئ من الموحدين إلى العلويين، من العصر الوسيط إلى العصر الحديث، من القرن التاسع عشر إلى القرن العشرين، بحركة رياضية كبيرة، تنم بطبيعة الحال عن استيعاب قوي للزمن، ولكن أيضا عن “صنعة” نادرة في كتابة التاريخ.

لقد تمكن عبد الأحد السبتي من توسيع مجال اشتغال المؤرخ ليشمل “قطاعات متعددة من البحث التاريخي”، كما يقول إيمانويل لوروا لادوري (Emmanuel Le Roy Ladurie) في كتابه ميدان المؤرخ، وليشمل أيضا “مساحات متداخلة الاختصاصات، يحتك داخلها المؤرخ مع العلوم الاجتماعية، ويُفَعْفِعُها في بعض الأحيان”8. إنه اقتحام لتاريخ اجتماعي شامل من خلال تاريخ المجال ومواطن تمفصل الممارسات الاجتماعية والسياسية والتصورات والأنساق الثقافية. وبرأيي فإن هذه المغامرة المنهجية قد تُخَلْخِل المستويات السكونية من البحث التاريخي. فما تقدمه هذه الأطروحة من أدوات منهجية ورؤية للزمن وللمجتمع قد تحفز بعض الباحثين لتوسيع أفق البحث والسير باتجاه تاريخ مفتوح على تناول النصوص على نحو متعدد الأدوات، مفتوح على القضايا الكبرى، مفتوح على مقاربات مشبعة برصيد العلوم الاجتماعية.

هوامش

1- مما يزيد من أهمية الكتاب، من حيث أدوات الفهم المرافقة للبحث، كونه يحتوي على 781 إحالة، الكثير منها ينطوي على تدقيقات وشروحات غنية جدا. كما يضم فهرسا للأعلام البشرية والجغرافية، وصل عددها 545، وفهرسا للمصطلحات والمؤسسات بلغ عددها 151. أما العناوين المعتمدة في هذه الدراسة، من مصادر ومراجع باللغة العربية واللغات الأجنبية، فقد بلغت في مجموعها 188 عنوان.

2- انظر على سبيل المثال عبد الأحد السبتي، “إصدارات تاريخية مغربية 2006-2007″، مجلة رباط الكتب،عدد 4، 2008 (www.ribatalkoutoub.ma).

3- Abdelahad Sebti, Aristocratiecitadine, pouvoir et discours savant au Maroc précolonial : contribution à une relecture de la littérature généalogique fassie (XVedébut XXe siècle), thèse inédite, Université de Paris 7, 1984.

4- عبد الأحد السبتي، “التاريخ الاجتماعي ومسألة المنهج”، ضمن البحث في تاريخ المغرب. حصيلة وتقويم، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، 1989، ص. 57.

5- Marc Bloch, Les caractères originaux de l’histoire rurale française, Paris, Armand Colin, 1952, p. VII.

6- Lucien Febvre, La terre et l’évolution humaine. Introduction géographique à l’histoire (1922), Paris, Albin Michel, 1949, p. 8.

7- Ibid., p. 399.

8- Emmanuel Le Roy Ladurie, Le territoire de l’historien, Paris, Gallimard, 1973, p. 7.

امتدادات بيبليوغرافية

ALLIES, P., L’invention du territoire, Grenoble, Presses Universitaires de Grenoble, 1980.

COX, K., “La structure territoriale de l’Etat : quelques réflexions critiques” in B. Antheaume et F. Giraut (dirs.), Le territoire est mort, Vive les territoires !, Paris, IRD Editions, 2005, pp. 159-173.

CURSENTE, B. et MOUSNIER, M. (dirs.), Les territoires du médiéviste, Rennes, Presses Universitaires de Rennes, 2005.

DEBARBIEUX, B., “Le territoire : Histoires en deux langues. A bilingual (hist-)story of territory ” in C. Chivallon (dir.), Discours scientifique et contextes culturels, Bordeaux, Maison des Sciences de l’homme d’Aquitaine, 1999, pp. 33-46.

DEBERNARDY, M. et DEBARBIEUX, B. (dirs.), Le territoire en sciences sociales, approches interdisciplinaires, Grenoble, Editions de la Maison des Sciences de l’Homme, 2003.

DELANEY, D., Territory: A short introduction, Oxford, Blackwell, 2005.

DI MEO, G., Géographie sociale et territoires, Paris, Nathan, 1998.

GIRAUT, F., “Conceptualiser le Territoire”, in Dossier Construire les territoires, Historiens et géographes 403, 2008, pp. 57-68.

GOTTMANN, J., The significance of Territory, Charlottesville, University Press of Virginia, 1973.

OZOUF-MARINIER, M.-V., “Le territoire, la géographie et les sciences sociales. Aperçus historiques et épistémologiques” in M. Vanier (dir.), Territoires, Territorialité, Territorialisation : et après ?, Actes des entretiens de la Cité des territoires, Université Joseph Fourier, Grenoble, 7 et 8 juin 2007.

POURTIER, R., “Les âges de la territorialité” in B. Antheaume et F. Giraut (dirs.), Le territoire est mort, Vive les territoires !, Paris, IRD Editions, 2005, pp. 39-46.

SACK, R., Human Territoriality. Its Theory and History, Cambridge, Cambridge University Press, 1986.

- محمد حبيدة

جامعة ابن طفيل – كلية الآداب القنيطرة

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*