الجمعة , 22 سبتمبر, 2017
مواضيع المجلة
الرئيسية » قـــراءات » إسطوغرافيات المغارب

إسطوغرافيات المغارب

 

الكتابات التاريخية في المغارب. الهوية، الذاكرة والإسطوغرافيا، تنسيق عبد الرحمان المودن وعبد الحميد هنية وعبد الرحيم بنحادةالرباط، ، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، 2007.

يطرح المؤرخون في البلدان المغاربية في المدة الأخيرة أسئلة كثيرة على الإنتاج التاريخي الذي راكمته جامعات هذه البلدان خلال الخمسين سنة الأخيرة التي توافق بطبيعة الحال فترة الاستقلال، إذ راكمت شُعَب التاريخ بهذه الجامعات ما يكفي من التجارب في مجالات تحقيق المتون والبحوث والدراسات التي جاءت في شكل رسائل وأطروحات بالدرجة الأولى، والتي همت مختلف الحقب التاريخية.

وتتوزع هذه الأسئلة في اتجاهات متعددة، نذكر منها، في حدود هذه القراءة، الأرشيف والتحقيب والكتابة التاريخية. وتلخص تجربة التعاون بين جامعة الرباط وجامعة تونس، في شخص وحدة التكوين والبحث في الدراسات المغاربية – العثمانية، “المغرب والعالم العربي الإسلامي 1500 – 1900″ (1997) / ” المتوسط والعالم الإسلامي” (2002)، التي كان يديرها عبد الرحمان المودن وعبد الرحيم بنحادة، في كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، من جهة، ومختبر “دراسات مغاربية” الذي يشرف عليه عبد الحميد هنية، في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بتونس، من جهة ثانية، هاجس الجيل الجديد من المؤرخين المغاربيين المرتبط بمساءلة التاريخ والإنتاج التاريخي، وتجديد أدوات المؤرخ في أفق منح نفس آخر للمعرفة التاريخية، ومنحها المكانة التي تليق بها بين العلوم الاجتماعية.

وقد شكل الأرشيف وإسهاماته في ابتكار موضوعات جديدة، محطة أساسية في سلسلة هذا التعاون، إذ نظم الطرفان سنة 2003 مائدة مستديرة حول “العثمانيون في المغارب من خلال الأرشيفات المحلية والمتوسطية”، والتي نشرت سنة 2005. وفي مرحلة موالية، شكل التحقيب موضوع لقاءين علميين في المغرب وتونس خلال سنة 2005، حيث طرح الباحثون السؤال حول التقطيعات الكرونولوجية المتداولة، وبلوروا صيغا زمنية جديدة، بحسب الاهتمامات والاجتهادات. أما المحطة الثالثة الأساسية في هذه السلسلة فتهم الكتابة التاريخية، نظم حولها الطرفان المذكوران ندوتين، الأولى في مراكش، والثانية في تونس، خلال عام 2004. وأعمالها صدرت سنة 2007 عن منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، تحت عنوانالكتابات التاريخية في المغارب. الهوية، الذاكرة والإسطوغرافيا، بتنسيق من عبد الرحمان المودن وعبد الحميد هنية وعبد الرحيم بنحادة.

انتظمت هذه الحلقة من حلقات التعاون بين مؤرخي المغرب وتونس حول محاور متعددة، وتناولت قضايا كثيرة تتصل بالأرشيف والذاكرة والهوية وبموضوعات في طور التشكل مثل التناص (Intertextualité) والدراسات الإيرانية ودراسات المجالات المهمشة (Subaltern Studies).

ويمكن أن نركز في هذه القراءة على قضيتين، أعتبرهما رئيسيتين في هذا الكتاب، وهما مسألة التاريخ والذاكرة بخصوص حالة تونس، ومسألة تشكل الحقل الإسطوغرافي بالنسبة لحالة المغرب.

تتصل القضية الأولى بإشكالية العلاقة بين التاريخ والذاكرة، واستعمالاتهما العلمية والسياسية. استقطبت هذه القضية اهتمام الباحثين التونسيين بالخصوص، وهم عبد الحميد هنية، ومحمد الأزهر الغربي، ومحمد مريمي، ومحمد الطاهر. لقد أوضح محمد الأزهر الغربي بخصوص تونس خلال المرحلة الكولونيالية كيف تكونت الذاكرة لدى التونسيين، إذ اتجه المثقفون التونسيون إبان الاستعمار، وفي طليعتهم المؤرخون، إلى بناء ذاكرة تؤسس لدولة قومية، باستثمار مجموعة من المقولات تنبني على أساس ترابي مثل “مملكة”، “قطر”، وليس على أساس سلالي، كما كان عليه الأمر في السابق. وقد تدعمت هذه الذاكرة مع مثقفي حزب الدستور في مطلع القرن العشرين، الذين ألحوا في استعمالهم لهذه الذاكرة على رصيد التاريخ، وما أفرزه من تركيب حضاري بين ما هو محلي وما هو كوني، منذ ما قبل الإسلام إلى حقبة الاستعمار مرورا بالعصر الإسلامي.

وفي نفس المجرى، يرى عبد الحميد هنية، في مساهمته التي همت فترة ما قبل التدخل الاستعماري، أن مقولة “القطر” ساهمت في بناء ذاكرة الدولة. فقد استعملت الإسطوغرافيا التونسية التقليدية مفهوم القطر التونسي، وعملت من خلاله على محو التقسيم الترابي العثماني إلى ثلاثة نطاقات (الجزائر وطرابلس واسطنبول)، وجعلت مفهوم القطر هذا يندرج ضمن استمرارية مع الفترة ما قبل العثمانية، أي المرحلة الحفصية، والذي رمزت إليه تسمية إفريقية. ففي العصر الوسيط كانت قد ظهرت إفريقية في كتب الأخبار، بدءً بابن عبد الحكم (ق 9) وانتهاءً بابن خلدون (ق 15) ومرورا بالرقيق القيرواني (ق 11)، كوحدة قطرية ذات هوية خاصة. وهذه الوَحَدة هي التي تدعمت في القرن الخامس عشر مع الحفصيين كسلالة خاصة بهذه المنطقة من بلاد المغرب. وقد رافق هذا الظهور نوع من الممارسة الفقهية في شكل نوازل محلية ذات هوية إفريقية محضة تحوم حول مدونة سحنون، سار على دربها فقهاء كثيرون أمثال ابن أبي زيد، وابن عبد الرفيع، وابن عرفة الذين ساهموا في إنتاج عمل تونسي يختلف عن العمل الفاسي وعمل قسنطينة. وهذه الذاكرة نمت وكبرت مع المؤرخين الذين جاؤوا فيما بعد، خاصة منذ القرن السابع عشر مع ابن أبي دينار، وابن أبي الضياف، وباقي المثقفين الإفريقيين، وكذلك مع نخبة مدينة تونس التي ساهمت في رواجها، وعيا منهم بالفوارق الموجودة بين تونس والجزائر وطرابلس، في سياق المواجهة مع الجارة الجزائر. وكلها أمور ساهمت في بناء مخيال قومي جماعي حركه حس الانتماء إلى وحدة قطرية – سياسية جسدتها السلالة الحسينية.

وتشكل قضية البناء التاريخي للهوية القطرية موضوعا رئيسيا يشتغل عليه الباحثون التونسيون من خلال انتقاء الخطابات الإسطوغرافية وقراءتها في تقاطعاتها، وتناولها ليس فقط من زاوية الأخبار التي تعرضها، وإنما أيضا من زاوية بناء الذاكرة والهوية، كما يظهر في لقاء علمي آخر جمع هؤلاء الباحثين المذكورين فضلا عن باحثين آخرين مثل خالد كشير وسامي بركَاوي وفاطمة بن سليمان1.

أما القضية الثانية فتهم الإسطوغرافيا. ويمكن معالجة هذه القضية من خلال نقطتين رئيسيتين:

أولا، شروط الإنتاج الإسطوغرافي في المغرب، من الناحية المؤسساتية والتنظيمية، على النحو الذي تظهره مساهمة عبد الرحيم بنحادة الذي ركز على وضعية البحث التاريخي في المغرب في الثمانينيات والتسعينيات، التي ارتبطت بلامركزية الجامعة وإكراهات القوانين المنظمة لمناقشة الرسائل والأطروحات وولوج الجامعات، وأيضا بظروف الإشراف العلمي وإنتاج البحوث الجامعية. وتظهر شروط الإنتاج الإسطوغرافي هذه من ناحية مسار الأجيال كذلك. فالجيل الأول من المؤرخين المغاربة الذين تحدث عنهم عبد المجيد القدوري، وهم محمد المنوني وجرمان عياش ومحمد حجي وعبد الله العروي، بالرغم من الاختلاف الموجود بينهم من الوجهة المنهجية، بالقياس إلى أفكار هذا الأخير الحداثية، كانوا يكتبون التاريخ بنزعة وطنية ردا على الكتابات الكولونيالية، وذلك في ظرفية الاستقلال وما أفرزه من حماسة في بداية الأمر.

ثانيا، تشكل الحقل الإسطوغرافي. إلى حدود أواسط الثمانينيات كان دارسو التاريخ بالمغرب يشتغلون إما في تحقيق المتون، والتي غالبا ما كان يدشن بها المرء مشواره كباحث في التاريخ، وإما في مونوغرافيات حول القبائل والواحات والمدن، أو حول موضوعات محددة ذات سمة اقتصادية أو اجتماعية أو دينية. لكن المونوغرافيات الخاصة بالقبائل كانت قد حظيت باهتمام كبير من طرف الباحثين المختصين في القرن التاسع عشر، اقتداءً بدراسة إينولتان لأحمد التوفيق الذي جسد الجيل الثاني من المؤرخين المغاربة الذين فضلوا تناول تاريخ المغرب انطلاقا من الملاحظة المجهرية. وإذا كان جل الباحثين قد عالجوا موضوعاتهم بصرامة أرشيفية فائقة سيرا على هدى الأبحاث الأولى لدرجة أن أبحاثا كثيرة خصصت ملحقات لنصوص طويلة أحيانا، فإن النقاش حول القبيلة وتركيبتها وعلاقتها بالمخزن، ظل وفيا للنزعة الوطنية، وحبيسا لما تبوح به الوثائق، ولم تتجاوز الإطار الوصفي. فباستثناء الدراسة التي أنجزها عبد الرحمان المودن حول قبائل إيناون والتي فتحت هي الأخرى حوارا مع نتائج العلوم الاجتماعية، على غرار ما قام به أحمد التوفيق، فإن معظم المونوغرافيات ظلت سجينة النصوص، وبسطت مقاربة التاريخ المونوغرافي، ولم تولد أفكارا تذكر. وربما يعود هذا التقصير، كما يرى عبد الأحد السبتي، إلى “الإطار الإيديولوجي العام الذي تحكم في تناول القرن التاسع عشر”، من حيث “إعادة النظر في الصورة الموروثة عن الكتابة الاستعمارية” بالاستناد إلى كم هائل من الوثائق، المخزنية والأوربية، والانسياق في استعراض توتر العلاقة بين القبائل والمخزن مع “أجوبة جاهزة” تتمثل في “الدور الذي لعبه التدخل الأوربي في إضعاف الدولة وتفاقم تناقضاتها مع مختلف مكونات المجتمع”. وبذلك يطرح هذا التناول “الجواب محل السؤال، ويتكلف بإعادة الاعتبار بدل التحليل، ويُحَمِّل التدخل الأوربي أكثر مما يتحمله لتفسير معضلات المغرب خلال القرن التاسع عشر”2.

لقد تسببت هذه الدراسات المستنسخة، وهي كثيرة، في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، في حصول نوع من الاحتقان في الإنتاج المونوغرافي، من حيث الموضوع، أي تناول آليات المجتمع المحلي، ومن حيث الاستعمال المتواتر للأرشيفات، المحلية منها والأجنبية. وهذا ما دفع ببعض الباحثين إلى طرح أسئلة جديدة، وابتكار أرشيفات جديدة، واعتناق آفاق جديدة. ويظهر هذا الأمر من خلال تجربة عبد الرحمان المودن وعبد الرحيم بنحادة وعبد الحفيظ الطبايلي، إذ تنفس هؤلاء الباحثون بالانفتاح على البعد المتوسطي والشرق أوسطي، وبلوروا حقلا جديدا للبحث والتكوين هو “الدراسات المغربية العثمانية”3.

وتُلقي مداخلة عبد الرحمان المودن “تكون موضوع جديد في البحث التاريخي بالمغرب: الدراسات التركية الإيرانية”، بعض الأضواء حول هذه التجربة الإسطوغرافية في الجامعة المغربية. وترسم شهادات هؤلاء الباحثين الثلاثة مجموعة من المسالك التي سارت في هذا الاتجاه:

المسلك الأول: نوعية القراءة، وخاصة قراءة عمل فيرناند بروديل حول البحر الأبيض المتوسط والعالم المتوسطي في عهد فيليب الثاني، الذي فتح أعين الباحثين على آفاق رحبة.

المسلك الثاني: نوعية الأرشيف، إذ أن الأرشيف العثماني بدا لهؤلاء الباحثين مختلفا تمام الاختلاف عن الأرشيف المغربي، من حيث غزارته، وسمته الإدارية وإمكاناته الكمية. وهذا ما يفسر الجاذبية التي مارسها هذا “الفردوس الأرشيفي” على الباحثين المغاربة. فأسئلة كلاسيكية كثيرة كانت تنقبض بسبب محدودية الأرشيف المحلي، تم استرجاعها وتناولها على ضوء هذه الأرشيفات الجديدة، فأفرزت عناصر إجابة عريضة مفتوحة على العالم المتوسطي.

المسلك الثالث: نوعية التكوين، إذ أن المقام بجامعة برينستون بالولايات المتحدة الأمريكية في أواسط الثمانينيات مكن عبد الرحمان المودن من اللقاء بأخصائيي الدراسات العثمانية، وحفز على استعادة ذلك السؤال المركزي في تاريخ المغرب، بل وفي تاريخ المغارب والعالم الإسلامي: لماذا تمكن المغرب من الإفلات من السيطرة العثمانية؟

لقد أدى هذا الانفتاح المتعدد، من حيث نوعية القراءة ونوعية الأرشيف ونوعية التكوين، إلى تغيير رؤية الباحثين المذكورين، من الاهتمام بما هو محلي المحكوم بضيق المصادر، إلى الاهتمام بمجال فسيح، هو المجال المغربي المغاربي، والمجال العثماني الإسلامي، والمجال المتوسطي بضفتية الشمالية والجنوبية، لأن معرفة الكل من شأنها هي أيضا أن تساهم على نحو كبير في تعميق معرفة الجزء.

لقد آن الأوان، وقد قطع الباحثون في الجامعات المغاربية شوطا زمنيا طويلا يفوق الخمسين سنة في البحث والتنقيب والكتابة، أن نغير طبيعة العمل والرؤية، من حيث التعامل مع المصادر بطريقة أخرى تستند إلى نوعية السؤال، والسعي إلى مقاربات أخرى ذات سعة وأفق، والخروج من دائرة القطر إلى مجال أرحب لاعتناق التاريخ العريض، تاريخ المغارب، وتاريخ الحوض المتوسط. إن اقتحام التاريخ العريض هو الذي من شأنه أن يعالج المشكلات الكبرى ذات الصلة ببنية المجتمع وذاكرته، ويسهم بالتالي في فهم معضلات الزمن الراهن. وتبقى جرأة الاقتحام هي المفتاح المعرفي لهذا الأمر. فكما يقول المؤرخ الفرنسي إدمون فرال (Edmond Faral) “التحفظ من التاريخ العريض هو الذي يقتل التاريخ العريض”.

هـوامـش

1- S. Bargaoui et H. Remaoun, dir., Savoirs historiques au Maghreb. Constructions et usages, CERES, Tunis/Oran, 2006.

2- ع. السبتي، بين الزطاط وقاطع الطري،. أمن الطرق في مغرب ما قبل الاستعمار، الدار البيضاء، دار توبقال للنشر، 2009، ص. 21.

3- راجع: A. El Moudden, Emergence d’un nouvel objet de recherche historique au Maroc : les études turco-iraniennes, in Ecritures de l’histoire du Maghreb. Identités, mémoire et historiographie, publications de la Faculté des Lettres et des Sciences humaines, Rabat, 2007, pp. 127-128. B. ومن أهم الأبحاث التي أنتجها هؤلاء الباحثون:

A. El Moudden, Sharifs and Padishahs, Moroccan Ottoman Relations from the 16th through the 18th Centuries. Contribution to the Study of a Diplomatic Culture, Ph. D, Princeton University, N.J., 1992.

ع. الطبايلي، العلاقات المغربية العثمانية خلال القرن السادس عشر، 1548-1617، دبلوم الدراسات العليا، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، ،1989، مرقون؛ ع. بنحادة، المغرب والباب العالي من منتصف القرن السادس عشر إلى نهاية القرن الثامن عشر، منشورات مؤسسة التميمي، زغوان، 1998؛ والعثمانيون. المؤسسات والاقتصاد والثقافة، اتصالات سبو، 2008.

- محمد حبيدة

جامعة ابن طفيل – كلية الآداب القنيطرة

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*