الإثنين , 20 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » نـدوات وملفـات » من التاريخانية إلى ما بعد التاريخانية

من التاريخانية إلى ما بعد التاريخانية

عبد الله العروي، السنة والإصلاح، الدار البيضاء/بيروت، المركز الثقافي العربي، 2008.

1

milaffat_6.2يُجمِع الذين قرأوا كتاب السُّنة والإصلاح لعبد الله العروي بأنه كتاب مدهش، ولعل ذلك يعود، علاوة على أفكاره الطريفة وملاحظاته اللاذعة وإشاراته الشخصية والأصيلة، إلى طريقة كتابته المخضرمة بين أجناس مختلفة من الكتابة1. فقد أبَى إلا أن يكتب بالمفارقات والمتضادات، بالإشارات والتلميحات، باللطائف والشوارد، وبمستويات وشبكات متداخلة من التحليل والتركيب، مبتعدا بذلك عن الكتابة الاستدلالية التحليلية التي تدّعيها الفلسفة. و قد تعطِي هذه الكتابة الانطباعَ لأول وهلة بأنها كتابة بسيطة فطرية، لا تحفل بالتناقضات العقلية ولا بالمتضادات الواقعية، لاسيما وأنها سلكت طريق الجزالة والأحكام المفاجئة الصادمة للفهم، طريق الحِكَم والأمثلة (انظر مثلا ص67، 68، 205). لكنها، في الواقع، أبعد ما تكون عن ذلك، فهي كتابة كثيفة متأملة عميقة واعية بذاتها وبصعوباتها، غنية بلفظها موحية بدلالاتها2. وهذا ما يجعلها شبيهة بالوحي (oracle) في جزالته وأحكامه الجازمة. إن القدرة على الإدهاش تقتضي نضجا كبيراً، فكريا ووجدانيا ولغويا، نضجا يمكّن صاحبه من الجمع بين الكثافة والرشاقة، وكأني به يدشن أسلوبا جديدا في الكتابة العربية المعاصرة.

لكن القول بأن هذا الكتاب مدهش لا يعني أبداً أنه مقنع. فالدهشة لا تؤدي لزوما إلى القناعة، فأحرى إلى اليقين، وكأن عدم الإقناع ملازم لزوما ذاتياً للدهشة. وأعتقد أن الكاتب كان مصرّا على ذلك، أي على عدم الاهتمام بتحويل الدهشة إلى قناعة أو يقين، طالما أنه لم يكن يؤمن بأسلوب التحليل الفلسفي القائم على التحليل والبرهان. وهو لا يؤمن به ليس تقيةً من ملاحقة، أو هيْبةً من اضطهاد إن هو كشف عن مراميه الحقيقية، ولكن رغبةً منه في أن يترك للقارئ هامشا من الحرية في الفهم والتأويل. ولعل الكتابة على طريقة المذكرات/المراسلات، ساعدته على أن يتعالَى على الحجة والدليل، والاكتفاء باعتصار خبرة العمر على نحوٍ تقريري شبه نهائي، وكأن الأمر يتعلق بجوامع كَلِم كافية نفسها بنفسها.

ومما يُضفي على الكتاب مزيدا من الهالة والتشويق حرص صاحبه، العروي، على الارتفاع فوق التاريخ والفلسفة والثيولوجيا نحو الميثولوجيا. أضف إلى ذلك اختياره لأسلوب في الكتابة يقع فوق أجناس الكتابة، في منزلة بين المنازل، لا في منزلة بين المنزلتين وحسب: فلا هو حصراً أسلوب فلسفي أو كلامي (ولو أن موضوع الكتاب في جوهره كلامي، ثيولوجي، لأنه ينبري فيه صاحبه للدفاع عن الإسلام، لكن لا كبناء مكتمل جاهز قبْليا على شكل “سنة” نهائية، وإنما كمشروع مستقبلي لمُسلِمي الغرب، أي ككلام جديد!)، ولا هو أسلوب روائي أو تاريخي إخباري ولا هو من جنس اليوميات والسير الذاتية أو جنس الكتابة التَرسُّلية… ولكنه يبدو أنه يؤم كل ذلك، وكأنه أسلوب هجين3.

وبهذه الجهة يمكن وَسْم هذا الأسلوب بأنه أسلوب برزخي، بالمعنى الذي يفيد فيه البرزخ تلك المرتبة الوجودية المتحررة التي تملك أكثر من وجه يُمكّنها من الإطلال على المجالات المتقابلة التي توجد بينها دون أن تسقط في التوحد بأي منها، وهذا لعمري من دواعي قوة الكتاب. ونتيجة لذلك تُعفيك كتابته من اتخاذ موقف منه، معه أو ضده، وتكتفي باستدراجك على حين غرة لكي تطرب معه في أجوائه الغنية الحافلة بأطياف من الغموض والمفارقات والتلميحات الفلسفية والشعرية المشرقة. وهو أثناء كل ذلك لا ينفك عن القيام بعمليات تفكيك جذرية للمفاهيم والأفكار والمسلمات، سواء تجاه السُّنة الإسلامية أو المسبقات الغربية، لإعادة بنائها بكيفية تكاد تكون شبه أسطورية. وبالفعل، كانت الأسطورة (بالمعنى الفلسفي لا الأنثروبولوجي) أداته المفضَّلة في هذا الكتاب، بل لعلها غايته القصوى. فنحن في زمن الأساطير، تقام دولٌ وتنهَدّ أخرى بفعل الأساطير، ومن لا أسطورة له لا يُعوَّل عليه في مجال السياسة التي هي أحد موضوعات الكتاب. خذ مثلا تعامله مع لفظة “هلنيستي”، ذات الرنين الموسيقي4، حيث كان يتعامل معها كما لو كانت أحد “العناصر الأربعة” التي تدخل في تركيب كل شيء يتصل بالوجود التاريخي والمصير الثقافي شرقا وغرباً إلى زماننا هذا!

وبسبب قربها من الفلسفة، تبدو كتابة العروي في هذا العمل وكأنها خواطر مسائية. وبحكم جنوحها إلى “اعتقال الشاردة” بدل “استخلاص البديهة” (ص 14)، تظهر وكأنها توهمات صوفية. ولعل جانبا آخر من سحر العبارة لديه آت من كونها اتخذت سبيل الحكي والرواية لا سبيل البرهان والدراية، مما أضفى عليها طابعا شعريا غامضا، وشجع صاحبها على إطلاق الأحكام ولو كانت طائشة، وكأنه أحد المجاذيب المعاصرين!

2

هل كان القصد من وراء كتابه هذا، السُّنة والإصلاح، أن يَرجِع بنا إلى زمن “اللاهوت السياسي” بعد أن يئس من “الفلسفة السياسية” التي طالما روّج لها في كتبه السابقة؟ أم أنه كان يقصد مكافحة اللاهوت السياسي عن طريق استدراجه إلى مسلسل الحداثة؟ هل أراد أن يكون “متكلما” سياسيا، بعد أن كان فيما مضى فيلسوفا سياسيا، أم أنه اكتفى بأن يلبس خرقة الحكيم “الصوفي”؟ بعبارة أخرى، هل ينتمي موضوع الكتاب إلى مجال التجربة التاريخية السياسية العامة، أم إلى مجال التجربة الروحية المتصلة بعالم “الكتاب العزيز” و”التجربة المحمدية”؟

يصرّ العروي على البقاء وفيّاً لانتمائه الأصلي “للتاريخانية”، بالرغم مما تعرض له هذا التيار الفكري من انتقادات عنيفة، وبالرغم من مخاطر العدمية التي تحف بها. نعم، مَن يقرأ الكتاب لا بد أن يلحظ بين السطور وجود طيف من العدمية، التي هي قدَر الحداثة، لاسيما في شعوره الخفي بالمرارة جرّاء الفشل الذريع الذي أصاب جلّ المشاريع الوطنية والقومية والاشتراكية، بما تحمله من وعود الحرية والعقلانية والعلمانية، وهذا ما أضفى على هذا الكتاب طابعا تراجيديا يائسا، تمت ترجمته بضرب من الحنين نحو الماضي السحيق. أمام هذا الجو المُحبِط، لم يبق أمامه سوى أن يقوم بتجربة ذاتية ذات طابع شبه “صوفي” تتمثل في قراءة القرآن رأسا لرأس. إنه لا يُخفِي فشله الذي تمثل في العودة إلى الفردانية بعد أن تخلى عنها زمن التأجج اليساري؛ لكنه مع ذلك لم يركن إلى اليأس، لم يفقد الأمل في إصلاح ما سيأتي5. ولعل هجومه المدمن على الفلسفة هو ضرب من الاعتراف بهذا الفشل.

تَمثّل القصد المباشر للكتاب خاصة في تقديم وصفة لمواطنة غربية، ذات مواصفات خاصة، للحفاظ على الهوية وشفاء أمراضها6. وبالرغم من أن صاحب الكتاب آل على نفسه أن يخرج من “كهف” الحاضر نحو “نور” الماضي، فإن خطابه كان موجها نحو المستقبل. وما كان له أن يفعل ذلك لولا قيامه بتفكيك آلية ومفاهيم تشكل السُّنة في كل من الدين والفلسفة والعلم والكلام، باعتبارها، أي السُّنة، العقبة الكأداء أمام تحرر العرب من ماضيهم والانخراط في رهان الحداثة7. ذلك أن تحول الدين إلى سُنة معناه أن يتكلس كل مرة في نظام مغلق مناهض لكل البدائل سواء جاءت باسم الاجتهاد أو التحديث، مما يترتب عنه رفضها لكل تعدد أو اختلاف على صعيد الأفراد والجماعات، فتقف بذلك ضد العقل، والحرية، والتاريخ، أي ضد التقدم وكل ما يبعث روح التحدي في الذات. في مقابل ذلك، تكتفي السُّنة بالنظر في كلام الله بدل تحليل الكلام البشري (العلم والفلسفة والفن والصناعة). وهذا الكلام صحيح بالنسبة لأي سنة، سواء أكانت سنة فلسفية أو علمية أو كلامية، وليست مختصة بالدين الإسلامي8.

لكن هل كانت هناك فعلا غاية من وراء التفكيك، بعد أن صرّح بأنه بعد التفكيك والتحليل لا وجود إلا للصمت أو الحرية؟ بالرغم من هذا الأفق شبه العدمي لفعل التفكيك، فقد كان يروم من ورائه فهم الأزمة الخانقة التي يعيشها الإسلام، وتقديم بدل يتمثل في إسلام صافي لا تحجبه سُّنة أو مذهب صارم. منطق التفكيك قاده إذن إلى الوقوف على ما قبل السُّنة، ليُقيم مصالحة بين العقل الحداثي والعقل الإيماني، كما فعلت ’ما بعد الحداثة’ إما مع تراثها ما قبل السقراطي الذي عملت الأفلاطونية والأرسطية على نسيانه، أو مع التراث الوسطوي الذي أنسته النهضة والحداثة. لم يشأ العروي، هذه المرة، أن يفكر في هذه الأزمة في ظل غطاء الفكر الغربي أو الحضارة الغربية، لأن التفكير فيها ضمن هذا السياق، أي في جو من المقابلة والمقارنة، لا يزيد الطين إلا بلة، وإنما أراد أن يفكر في الأزمة بالرجوع إلى ذات “ما قبل السنة”، لاكتشاف أعراض وأسباب أمراضها وتقديم وصفة لشفائها. لا ينكر العروي تماما أهمية الاستئناس بالمؤولين والاستعانة بكلام الفلاسفة لفهم القرآن والتجربة الأصلية، ولكنه يوصينا خاصة بأولئك الذين تابوا كالغزالي وابن طفيل، لا بالفلاسفة الشراح كابن رشد (ص 12). ومن الواضح أنه كان يقصد بالتوبة، الأوبة إلى الذات، إلى الإنسان الفرد، بعد أن كان تائها في الموضوع، مجتَمَعاً كان أو وجودا مطلقا.

يمكن القول، من جهة أخرى، بأن هذا الكتاب تفكير في الحداثة الإسلامية، التي لا يمكن أن تقوم ما لم يتم تفكيك آليات ومفاهيم العقل المستعمَل في صناعة السُّنن والأنظمة الدينية والفلسفية والكلامية، سعيا وراء تأمل أصولها العلمية والفلسفية المشتركة، والتي يعبر عنها صاحب كتاب السنة والإصلاح، بالهلنستية. ولعل هذا هو السبب في إدراج الفلسفة في صدارة الفرق الإسلامية حتى يتمكن من إقامة حوار واسع يربط المقاصد الفلسفية للعقل بالمقاصد الدينية للوحي. “فالعقل ما بعد السني”، كالعقل “ما قبل السني” لا يمكن أن يكون بطبيعته إلا منفتحا على البدائل الأخرى. ولذلك كان الوقوف على حدود الإسلام حيال الأمور الطبيعية والاجتماعية والسياسية والقانونية وتحريره من عبئها أحد مقاصد الكتاب، وذلك من أجل إثبات قوته وجدارته وقابليته للتفاعل مع الحداثة التي هي منه، بل واستعداده الذاتي لأن يكون بلسما لأزمة الإنسان المعاصر شرقا وغربا. 3

لكن، من هو العروي؟ من أي منبر فكري ينطلق للتفكير وإصدار الأحكام وتوجيه الانتقادات وصياغة الوصفات؟ هل ينطلق من موقع الفيلسوف، أو المتكلم، أو الفنان (الروائي)، أو المؤرخ؟ وهل هو مفكر نهضوي أم حداثي تنويري أم هو بالأحرى مفكر ما بعد حداثي، ما بعد تنويري، وما بعد علماني، أم هو من نوع الفلاسفة السابقين على سقراط، أو من المتصوفة الذين وصلوا وما وصلوا؟

في السنة والإصلاح يقدم لائحة تتضمن الاختيارات الممكنة بين المؤرخ والفيلسوف والمتكلم والعالم. فيربأ بنفسه أولا أن يكون فيلسوفا، ثم يرفض أن يكون متكلما، وينأى بنفسه عن أن يكون عالما وحتى مؤرخا (ص 4، 165)، ليقنع بالانتماء إلى زمرة التاريخانيين9. لن ندخل في تفاصيل رفضه الانتماء إلى الإمكانيات الأربع، وحسبنا أن نشير سريعا إلى أن رفضه الانتماء لجماعة الفلاسفة راجع إلى رفضهم الاعتراف بتأثير الزمن (ص195)10 (ونفس السبب، طي الزمن، كان وراء انتقاده العنيف للسنة11)، وإلى اتخاذهم سبيل التحليل والبرهان أسلوبا لعرض تفكيرهم. لكننا نجده في الجزء الثالث من خواطر الصباح يعرض لائحة أخرى لمجالات الانتماء الممكنة مكوَّنة من ثلاثة مباحث، هي الإبستيمولوجيا والفن والتاريخانية12، لينتهي أيضا إلى تعريف نفسه بأنه مفكر تاريخاني.

إنه تعريف غامض ومثير للجدل، لا فقط بسبب الالتباس الذي يلف كلمة “التاريخانية” وأهلها (وكأن الأمر يتعلق بإخوان صفا معاصرين!)، ولكن أيضا بحكم تطورها وارتباطات المفهومية والواقعية المعقدة. لن أدخل في التفاصيل، وحسبي أن أتساءل هل التاريخانية التي ينادي بها في هذا الكتاب الذي نحن بصدده هي نفس التاريخانية التي كان يقول بها في كتبه السابقة أم أنها، إذا جاز لنا اقتفاء طريقة تخريجاته للألفاظ، نيوتاريخانية أم أنها بالأحرى بوست تاريخانية؟ 4

عرّف العروي نفسه، فيما سبق، بالتاريخانية، إيماناً منه بأنها هي السبيل الوحيد لخروج العرب والمسلمين من مأزقهم السياسي، من كهف ظلامهم الذي يتخبطون فيه13. فكان رفع شعار التاريخانية موجها نحو المستقبل لا صوب الماضي، ولذلك كان عليها أن تتسم بالعقلانية والواقعية والفعالية بالاستناد إلى العلم والشرائع القانونية والسياسية الحديثة. سيظل العروي في كتابه السنة والإصلاح متشبثا بالتاريخانية بعناد وبدون رغبة في “التوبة” عنها، لكن بمضمون جديد جعله ينتقل من تاريخانية يسارية ذات نَفَس ماركسي إلى تاريخانية يحوم عليها طيف المحافظة. كانت تاريخانية العروي الأولى تعاني من مفارقة ذاتية مفادها أنه في الوقت الذي كان يربطها بالتاريخ والزمن، لا يتردد في الدعوة إلى القطع مع التراث، الذي هو ليس شيئا آخر سوى ترجمان التاريخ والزمن. لن ندخل في حيثيات هذه المفارقة ومدى شرعيتها، ولكننا نكتفي بالقول بأن هذه المفارقة لا تصح إلا في الزمن ذي المدى القصير. أما في كتابه هذا، فلأنه وضع مشروعه في أفق الزمن الطويل، فسنجده يحفر تحت التاريخانية الأولى، للعثور على تاريخانية ثانية. إذن بعد التاريخانية الواقعية ذات المدى الزمني القصير، نراه يبشر بتاريخانية أسطورية تنهض بخاصة على أساس راموز إبراهيم وولده إسماعيل جد العرب.

نفهم من هذا أن العروي لا يقوم في كتابه هذا بتحسين أو تعديل التاريخانية الأولى استجابة لمستجدات التاريخ الحديث14، بل يذهب أبعد من ذلك ليقدم لنا بديلا لها هو أشبه ما يكون “بما بعد تاريخانية” (بوستتاريخانية) أو “تاريخانية بديلة” (ألتيرتاريخانية)، قائمة على زمن وتاريخ رمزي حكائي بدل التاريخ الفعلي، والزمن المعاش. فعندما كان يتكلم مثلا عن النبي إبراهيم، لم يكن يهمه إبراهيم التاريخي، وإنما إبراهيم “الراموز”، الذي يفسر رفض العرب اعتناق اليهودية والمسيحية، أملا منهم في مجيء نبي يؤكد “الوعد الإبراهيمي” بتأسيس دولة تملأ الدنيا والزمن شرقا وغربا.

ومما يعزز الطابع “الما بعدي” لتاريخانية العروي في هذا الكتاب، جنوحه إلى التخلي عن تعريف الإنسان بالعقل والرؤية والاتجاه نحو تعريفه بالذاكرة والرؤيا مجاراة للعقلية السامية15، ونفوره من أي نظيم، من أي تركيب، ومن أي حلم16. غير أننا نذهب إلى أنه من بين أهم علامات الاتجاه الجديد الذي اتخذته تاريخانيته في هذا العمل، ربطه ظهور الحداثة الغربية بالإسلام، وليس بالأوائل من اليونان والرومان17.

وقد حقق بهذا الربط الجديد والطريف عدة أهداف فكرية، منها نزع هالة التقديس اللاتاريخية التي كانت تُضفَى على اللحظة الهلّينية، اللحظة التي تمثل في نظر مُدّعيها حالة نقاء “الفكر الغربي اليوناني” من أي تشويش واختلاط وارد عليه من الشرق. وبدلاً من ذلك، نجده يُضفِي تلك الهالة على اللحظة “المقابلة” لها، اللحظة الهلنستية، لحظة لقاء الحضارة اليونانية مع الحضارات الشرقية. ويفسر العروي هذا “القلب” بكون الشرق هو الذي أخصب الحضارة اليونانية بإدخال القلق في ذاتها وفكرها بفضل اختراعه الحرْفَ والعدَد من جهة، وبفضل الحدث الإبراهيمي الذي دشن انفصال الإنسان عن الكوسموس، أي عن الوثنية التعددية، واكتشافه الوحدة الإلهية المتعالية من جهة ثانية. وقد أدى ربط بزوغ الحضارة الغربية بالإسلام، من ناحية أخرى، إلى إعادة الاعتبار للإسهام الوسطوي، الإسلامي والمسيحي واليهودي، في بناء الحضارة الحديثة18.

لكن ع. العروي ذهب أبعد من ذلك، عندما اعتبر الإسلام هو الوريث الشرعي للحدَث الإبراهيمي في قوته وصفائه الذي يؤرخ لميلاد فكر الوحدة والواحد، وللحدث الهلينستي في شموليته وعقلانيته والمتمثل خاصة في الانتباه للزمن ولعالم الكون والفساد، ليستخلص بأن الحداثة الغربية هي بالضبط بنت الحضارة الإسلامية، وليس اليهودية والمسيحية، إذ هي التي حملت في أحشائها بذور الإنسية والحرية والعقلانية. بهذا النحو يكون العروي قد قدّم الإسلام بوصفه الخيط الناظم الجديد للحداثة وما قبل الحداثة من ناحية، ولحضارات البحر الأبيض المتوسط، والناظم من ناحية أخرى19.

وتحملنا الملامح الجديدة لهذه التاريخانية التي نصادفها في المؤلَّف الذي نحن فيه على الزعم بأنها تشبه التاريخانية الجرمانية في أكثر من وجه، وإن كانت تخالفها بأكثر من وجه. فعودة العروي إلى ما قبل السُّنة هي شبيهة بعودة كل من نيتشه وهيدجر إلى الفلسفة السابقة على سقراط، لأنه يعتبر كل ما جاء بعد التجربة المحمدية هو مجرد تحريف لها، أي تجميد للحدث الإسلامي بإفراغه من طاقته الفعالة وصبه في قالب السُّنة الجامد. ولعل وصف العروي للفلسفة بكونها مجرد عبور من لهجة إلى أخرى، ومن مذهب إلى آخر، يجعل تاريخانيته شبيهة بتاريخانية نيشته. وإذا كان العروي لا يذهب إلى حد اعتبار الفلسفة لُعبة لغوية صراحة، فإنه يشير أكثر من مرة إلى ما يشبه ذلك خصوصا عندما يشكك في وجود الحق. بينما يربط العروي الحداثة الغربية بالمنجزات الثقافية الإسلامية ذات الطابع المواضعاتي (التوافقي) والإنسي والعقلاني، فإن الفيلسوفين الألمانيين يربطانها بالفلسفة اليونانية والقوانين الرومانية20. وكما نجد هيدجر يعود إلى الفلسفة ما قبل السقراطية ليكشف عن الحقيقة الأصلية للعلم والفلسفة، أي عن العناصر التي تشكل البديل الذي يقترحه لحل معضلة الحداثة، فإننا نجد العروي يعود إلى ما قبل السنن الدينية، أي إلى النداء الإبراهيمي، ليثبت بأن الرسالة الإسلامية هي التي فهمت نداء إبراهيم الخليل فهما حقا. أما الرسالتان اللتان سبقتاها، اليهودية والمسيحية، فهما مدعاة للسخرية والاستهجان إما بسبب طابعهما التجسيدي، أو بحكم طابعهما اللاعقلاني. وبالتالي فإن حل أزمة الحداثة قد يكون بالرجوع إلى الإسلام الجامع بين الحدثين الإبراهيمي والهلينستي!

من جهة أخرى، تشبه تاريخانية كتاب السنة والإصلاح “تاريخية” ليو شتراوس (الجرماني الأصل) الذي ربط مشروعه الفكري المعادي للتاريخانية بسبب نسبيتها التي آلت بها إلى العدمية، بضرورة الانفلات من زمن الحداثة، والرجوع إلى الأسباب التي كانت وراء سقوطها في أزمتها الأخلاقية والسياسية الطاحنة، مع الأخذ بعين الاعتبار الإنسان من حيث هو موجود مدني (مواطن)، لا من حيث هو كائن وجودي فردي (دازاين)21. وبالمِثْل، كان مشروع العروي في هذا الكتاب تحكمه الرغبة في الانفلات “من سجن الزمنية السنية”22، وتوجيه الاهتمام إلى المسائل (الماهيات) الأزلية (الوعد الإبراهيمي). وبالفعل، حينما يصرّح العروي بأن التيولوجيا الوسطوية كانت موجودة كنواة في الفلسفة الهلنستية، والفلسفة الحديثة بدورها كانت كامنة كبذرة في الثيولوجيا23، فإنه لم يكن بعيدا عن الموقف المضاد للتاريخية (anhistorique) الذي اتخذه شتراوس، طالما أنه لم ينظر إلى الفلسفة والثيولوجيا في ضوء زمانهما وأفق تاريخهما الخاص، بصراعاته وبنياته وانتظاراته الثقافية والاجتماعية، وإنما باعتبارهما أمرين أساسيين أزليين يوجدان في رحم التاريخ. أما الوعد الإبراهيمي فهو غير عابئ بالزمن التاريخ. ويظهر ميله الصريح لمعاداة التاريخية في وصفته للتحرر الفكري قائلا: “علينا إذن، لكي نتحرر فكريا، لنواجه مشاكلنا في العمق، أن نتخطى، على الأقل نظريا، منظور الغير، أي علينا أن نقفز فوق حدود الزمن والمكان” (ص 205). بيد أن رجوع تاريخانية ع. العروي الحالية إلى اللحظة البريئة الفطرية السابقة للسُّنة تضع “تاريخانيته” في مواجهة “تاريخية” ليو شتراوس، لأن هذا الأخير فضّل أن يَرجع لا إلى السابقين على سقراط، وإنما إلى سقراط نفسه وتلميذيه أفلاطون وأرسطو، عبر تأويلات الفارابي والغزالي وابن رشد وابن ميمون، سعيا وراء اكتشاف بديل أكثر عقلانية وأكثر انفتاحا على الإيمان من الفلسفة السياسية الحديثة. بينما كان همّ العروي ينحصر في البحث عن لحظة إسلامية بريئة محايدة وبعيدة عن كل تأويل، تكون منطلقا لبناء هوية جديدة منفتحة على الحداثة بمقوماتها التي ناصبها العداء ليو شتراوس.

هكذا يكون ع. العروي، من جراء اكتشافه الأصلَ الديني للحداثة الغربية، مدعوا للبحث عن حداثة بديلة من داخل الإسلام، لكن لا الإسلام المتبلور في سُنّة محددة مطوَّقة بجملة من القواعد الفقهية والضوابط الكلامية الصارمة، بل الإسلام الصافي السابق على السُّنة. ومعنى ذلك في نظرنا أن هذه التاريخانية تشترط تغييرا متبادلا بين كل من الإسلام والحداثة، بأن يعمل الإسلام على الإسهام في تطوير علمانية الدولة انطلاقا من مبادئه الذاتية، وتعمل الحداثة الغربية على الاعتراف بأصولها الإسلامية. على هذا المنوال يمكن نزع فتيل التصادم بين الإسلام والحداثة، وفتح الطريق نحو تطوير الإسلام للحداثة وتطوير الحداثة للإسلام، في إطار ثوابت الحداثة العقلانية والعلمانية والليبرالية.

إذا كان الأمر هكذا، ألا يحق لنا اعتبار كتاب السُّنة والإصلاح بمثابة “رد جميل” على خطاب البابا المناهض لعقلانية الإسلام؟ هناك أكثر من مؤشر غير مباشر وربما غير مقصود على رجحان هذه الفرضية: منها إثباته أن الإسلام هو وليد الثقافة الهلنستية، شأنه في ذلك شأن المسيحية وسائر حضارات البحر الأبيض المتوسط؛ ومنها اعتباره أن أصل الحضارة الحديثة جرماني منذ بداياتها النهضوية، هذا الأصل الذي تمثل التجربة الإسلامية أحسن تمثل مستلهما إياها للقيام بثورته الإصلاحية (البروتستانتية) عن طريق العودة إلى التجربة الإبراهيمية24، وهذا ما يقوله بصريح العبارة: “لولا الإسلام الأول لما تم إصلاح في الغرب، ونشأة مسيحية جديدة في الغرب الجرماني (ص 278). ودليل العروي على ذلك، حدة التنابذ والتباغض بينهما، أي بين الحضارة الإسلامية والحداثة الجرمانية (الغربية)، الذي يصفه بقوله بمناسبة محاولة فهم الأزمة بين العرب والغرب: “الأزمة الحقيقية هي انعدام الهدف (Lack of Purpose). مثَّّلَ الإسلامُ في التطور التاريخي محاولة جدّية لتوحيد العالَم تحت راية الحرية والرقي. إلا أنه أخفق، فَخَلفه الغرب، أي الجزء الجرماني من الإمبراطورية. ونجح إلى حد ما. نجح لا بصفته وارثا للرومان بل للإمبراطورية الإسلامية، وارثا نظرتها إلى الدنيا وإلى التاريخ. من هنا التنابذ بين السلف والخلف، السابق والمسبوق. ويمتد النزاع، يصل التباغض إلى الذروة عندما يضطر المسبوق إلى التنكر لأفضل ما في ذاته والتقهقر إلى الجزء المتجاوز من ماضيه ليجعل منه جوهر ميزته وأصالته”25. 5

بكتابه هذا يكون العروي قد حاول الخروج من كهف التاريخ الواقعي، إلى كهف ثان، كهف التاريخ الميثولوجي، عندما جعل نقطة انطلاقه راموز النبي إبراهيم، مشفوعا “بأسطورة” الفلسفة الهلنستية. وكانت غايته من وراء ذلك التحرر من عائق التسنن الذي أرهق كياننا وشوه ذاتنا ورهن هويتنا وأقعدنا عن التحدي والفعل. أراد أن يعلّم مراسلته الغربية كيف تَنصِت إلى الحدث كما تتخطى قلاع السُّنَن التي طوقت الدين، والفلسفة، والعلم والتصوف، وتنظر إلى هذه الفضاءات بدون حجاب، من غير مشيخة، ولا مرجعية، ولا نظيم أو أنظوم. لاشك أن الأمر لا يتعلق هنا برشدية جديدة، ولا بِنيُو حزمية، أو بتصوف علماني ينهل مباشرة من الكتاب والتجربة النبوية في منأى عن التفاسير والتآويل والمشايخ، وإنما يتعلق الأمر بالأحرى “بما بعد تاريخانية” تسعى لفك الارتباط بين السنة وتجليات الحياة المختلفة.

لعل السؤال الذي حركه للتفكير على هذا المنوال هو كيف يمكن إخراج الإسلام من مآزقه وتناقضاته، وعلاجه من أمراضه الذاتية والعرَضية، كيف يمكن الاحتفاظ بالصفات الثماني للمراسِلة الغربية دون أن تفقد هويتها وإيمانها بالعلم والديمقراطية وحقوق المرأة؟ تفنن العروي في إخفاء “دوائه الأعظم” بجعله يتخذ أكثر من مظهر، وأهمها على الإطلاق القرآن والتأسي بالتجربة المحمدية التي هي صدى أصيل للتجربة الإبراهيمية.

برهن العروي بدوائه هذا على عناده الشديد. فأمام إلحاح “السائلة” الغريبة على أن لا يخاطبها بالأصول (هذه الغريبة الغربية التي تذكرنا بشخصية “الغريب” في المحاورات الأفلاطونية)، أبَى إلا أن يتحداها ويقدّم لها وَصْفة قائمة بالضبط على أصول الأصول حفاظا منه على هويتها وضمانا لمستقبلها. لقد مارس صاحب كتاب السنة والإصلاح نوعا من الحفر وراء “الأصولية” المحافظة، لاكتشاف أصول أخرى وراءها، أصول محرَّرة ومحرِّرة للأفراد والجماعات من جبروت الزمن السني. والتحرر من زمن السنة معناه الانفتاح على زمن الحدَث، الأمر الذي يخلق في الذات مَلَكة التقاط الجديد في حياتها ورؤية الطارئ على وجودها. دافَعَ العروي عن عناده بالقول، من جهة، بأن الجميع بدون استثناء يبحث عن الأصول، ومن جهة أخرى، بأنه لا يمكن فهم، أو بالأحرى، شفاء الإسلام من الأمراض التي يعاني منها إلا بالعودة إلى الأصول، لكن لا الأصول الثانية التي شذبتها السُّنة، وإنما الأصول الأولى، الأصول السابقة على التشذيب. نحن إذن أمام تاريخانية من طراز جديد، تاريخانية “ما بعد حداثية”، أو “تحليلية نفسية”، تفتح الباب أمام لقاء غير مشروط بين اللوغوس بالميتوس في لحمة لا تنفصل. وبالطبع ما كان للعودة إلى الأصول الطرية المحايدة أن تتحقق لولا قراءة الكتاب العزيز مباشرة، من غير إرشاد أو توجيه من لدن المفسرين والشرّاح والمتكلمين، اللهم إلا إذا كانوا من “التائبين!”.

لم يكن من الصعب عليه أن يصفّي حسابه مع سُنن الفلسفة وعلم الكلام. فمنذ الصفحات الأولى يعلن تبرأه منهما وحتى من التاريخ الإخباري. ولكن الصعوبة الكبرى بالنسبة إليه كانت تكمن في كيفية تبرير تجاوز السُّنة الدينية؛ ولهذا استأثر تفكيك آلية تكونها بجل صفحات الكتاب تقريبا، بحيث كدنا نجاهر ما مبرر حشر كلمة “الإصلاح” في عنوانه. وهو أثناء كل ذلك لم يكن يُخفي إيمانه العميق والمتميز26، بل لا يخفي حتى انتصاره لإيمان معين، هو الإيمان بالإسلام، في وجه الديانتين النصرانية واليهودية. وهو بهذا الوجه كان يجمع بين المؤمن والمتكلم (الثيولوجي) معاً.

هل يمكن اعتبار هذا الكتاب بمثابة اعتراف مبطَّن بالفشل حيال إمكانية إنجاز مهام الحداثة والتنوير في العالم العربي؟ أبدا،ً فنحن نذهب إلى أن هذا الكتاب هو من أكثر كتبه تفاؤلا، لا لأنه فقط يكشف فيه، وبقوة، عن المضمون الحداثي والتنويري للإسلام، مما يفتح الباب واسعا أمام إمكان القيام بإصلاح جذري يمكن أن نبارز به “الحضارة الجرمانية المعاصرة” حسب قوله، بل ولأنه استطاع أن يلتقط الجديد في مجرى تاريخنا المعاصر وحاول أن يعالجه بطريقة أصيلة. وعلى الرغم من مظاهر المحافظة التي تلوح بين الحين والآخر بين ثنايا كتابه، فإن العروي، في اعتقادنا، لم يتنازل عن حداثته بلوازمها العقلانية والعلمانية والليبرالية، مع رغبة دفينة في تطوير مضمونها بالانفتاح على الإيمان، عِلْماً بأنه يعرف جيدا بأن الدين بالتعريف رزمة من القيم والمعايير غير القابلة للمساءلة.

هذا وكان هاجس وحدة البحر الأبيض المتوسط حاضرا لديه بقوة، حتى لا تكون هناك ذريعة لأي كان للتبشير بمعاداة غبيّة وغير مبَرّرة من الضفتين، بين الحداثة والإسلام، بين العرب والغرب. وقد تمكّن من تكريس هذه الوحدة بين الضفتين بفضل إثباته اشتراك الضفتين في السجلين الأساسيين الإبراهيمي والهلينستي. حقا، تظل هناك ثغرة كبيرة، تتمثل في غياب سجل “الفلسفة السياسية الحديثة” عن الأمور المشتركة بين الحداثة مع الإسلام، ولكن إن سلّمنا بأن هذا الكتاب هو في عمقه محاولة غير مباشرة لتجاوز “اللاهوت السياسي” نحو “الفلسفة السياسية” من جهة (تجلى هذا في مطالبته بتحرير الإسلام من الاهتمام بالمجالات القانونية والسياسية والعلمية)، ولإثبات الأصول الإسلامية لقيم الحداثة من جهة ثانية، فإن اتساع الثغرة المذكورة يمكن أن يضيق أكثر مما نظن.

وقد يذهب بنا الظن بأن عودة صاحب الإيديولوجية العربية المعاصرة إلى التجربة الدينية، كمَنفذٍ للخروج من المأزق الذي يتخبط فيه الإسلام منذ مدة، تلتقي مع تيار فكري معاصر يرى بأنه “فقط بالتوجيه الديني نحو نقطة مرجعية متعالية يمكن إخراج الحداثة المعطوبة من طريقها المسدود”27. غير أن ما نلاحظه على المنفَذ الذي ارتآه العروي أنه لا يتجاوز نطاق التأمل الفرداني، غير عابئ بأهمية الحوار الديمقراطي بين الأفراد والجماعات. فهو لم يقترح معالجة التقابل الأساسي بين الدين والسُّنة، أو بين السنة والحدث، عن طريق الحوار والنقاش الحر بين مواطنين أحرار في فضاء عمومي بناءً على مساطر وضوابط يتفق عليها الجميع. وهذا الموقف مخالف لأطروحته الأساسية القائلة بأن الإسلام في جوهره حر وإنسي وعقلاني. ومما يدل على تفضيله مسلك “الإنسان المتوحد” على مسلك “الإنسان المدني-السياسي بالطبع” مطالبته إيانا بالتخلي عن الأحلام واليوتوبيات والمشاريع التاريخية، ونبذ الاستراتيجيات والتركيبات الكبرى، والاكتفاء بالمساطر والبروتوكولات والتكتيكات الصغرى28. لننصت إلى تساؤله المرعب: “وبعد التفكيك والتحليل ماذا؟ الصمت… والحرية” (ص 20). فإذا فهمنا الصمت بأنه يعني التصوف، أي العيش مع الواحد الأحد، فإن قناعتنا ستزداد رسوخاً بأنه أضحى يُفضِّل في نهاية الأمر الصمتَ على الجدل (الديمقراطي) (ص 70).

أخيراً، لا أملك إلا أن أشير، بالرغم من حدود اطمئنائي لما سأشير إليه، بأن إخراج العروي لكتابه هذا ذكّرني بإخراج ابن عربي لكتابه العمدة، فصوص الحكم، مع وجود الفارق، بالطبع، على أكثر من مستوى. فقد نظر ابن عربي في هذا الكتاب إلى نظام الوجود عبر الأنبياء ليكشف لنا عن مقامات تجليات الحق في الخلق، وبالمِثْل نجد العروي يلجأ إلى الأنبياء لتفسير نظام الحضارات وانتقالاتها من طور إلى آخر؛ لكن بينما ينظر ابن عربي إلى بناء الوجود سبع وعشرين نبيّ، فإن ع. العروي يكتفي بنبيين أو ثلاث، لا للنظر إلى النظام الروحي للكون، فهذا أمر لا يهمه لحد الآن، ولكن لتأمل النظام التاريخي. ومن الواضح أن البحث عن تجليات الحق ليس هو البحث عن تجليات الحضارة في التاريخ. ففي الفص الإبراهيمي من كتاب فصوص الحكميروي لنا “الشيخ الأكبر” عن سريان الحق في مخلوقاته، بينما يتكلم العروي معنا في كتاب السُّنة والإصلاح عن سريان السجل الهلستيني في ثقافات البحر الأبيض المتوسط الدينية والحداثية، وسريان الدعاء الإبراهيمي في الديانات الثلاث. وهذا معناه أن العروي لا يؤسس تاريخه الحضاري على روحانية الأنبياء فقط، بل وأيضا على عقلانية الفلاسفة والمتكلمين والفقهاء. لعل الأفق الصوفي الذي وضعه نهاية لكتابه هو الذي سمح له باستشفاف البديل، حيث مكّنه من الانفلات من “سجن الزمنية السنية… وإعادة تركيب العقائد البديلة… بالرجوع إلى المسائل، نقاط الخلاف، وإليها وحدها”29.

الهوامش

1- العروي، عبد الله، السنة والإصلاح، الدار البيضاء ، المركز الثقافي العربي، 2008.

2- الكتاب يثير الدهشة حتى بألفاظه الغريبة: النظيم ج نظائم، نفسه، (ص 17، 19، 20)، يتهلسن (ص 18)؛ التعداد السلوقي! (17)؛ التبطين (80)؛ مخلاف (88)؛ التغربة! (55)؛ راموز أو أمثولة (56)؛ الصغار (من العظمة إلى الصغار!) (57)؛ الملاعبة (58)؛ بدوة! (61)؛ التبطين (80)؛ الرب الديان! (122) الخ.

3- نلاحظ لديه بعض التردد فيما يتصل بمنهج كتابته؛ فهو حينا يصف منهجه بأنه تحليلات مقتضبة ومفصلة (190)؛ وينعته حينا آخر بأنه منهج نقدي اجتماعي استنتاجي على المنهج الفلسفي الافتراضي التأملي (192)؛ لكن الهاجس الذي كان يسكنه على الدوام هو التحرر ما أمكن من منهج الفلسفة التأملية (194)؛ فهو لا يفسر ولا يؤول! وإنما يروي (120، 123).

4- يبدو أنه وقع تصحيف في رسم هذه الكلمة، إذ وردت في الكتاب برسم هلستيني، بدل هلنستي.

5- عن الطابع المطلق للفشل يقول: “تجربة الإنسان تجربة فشل وأمل ضائع، تجربة الحضارة وتجربة الملك”، ص 41.

6- وقد تُنبّهنا خواطر الصباح ج3 إلى مضمون هذا الكتاب وطبيعة فكر صاحبه. فبمناسبة كلامه عن محمد إقبال يعلن العروي عن موافقته على موقف الفيلسوف الباكستاني الذي يقول فيه بأنه يفضّل فعل “أستطيع” على فعل “أتأمل”. كما يعتقد مثله بأن العلم في الدين باعتباره تجربة صوفية ذاتية، إلا أنه يوافق على هذا الموقف انطلاقا من مبادئ خاصة به، انظر خواطر الصباح: حجرة في العنق، يوميات 1982-1999، الدار البيضاء، المركز الثقافي العربي، 2005، انظر ص 278.

7- يعرّف العروي السنة بعدة تعريفات، فهي رفض وإقصاء، طمس واختزال، تقليد ورفض للمروق، جدل ونفي، رفض عنيد للحدث والعمل على تكييفه في نفس الوقت، الخ. باختصار، السنة إلصاق الجديد، الحديث، الحدث، بالقديم، بالمفهوم، أو إدخال الحدث الجديد، الذي لم يحدث مثله، في مقولة قديمة.

8- عن سُنّة الفلاسفة، انظر السنة والإصلاح، ص 152، وسُنّة المتصوفة، ص 151، وسُنّة المعارف العملية، ص 152-153.

9- نشير إلى أنه هجر أسلوب المؤرخين (رصد الأسباب والسوابق) إلى أسلوب التاريخانيين (تعقّب الروابط والعلاقات، انظر نفسه، ص 165)، أي أنه فضّل أن يبقى في دائرة المقدمة، لا أن يتجاوزها إلى كتاب العبر (لابن خلدون)، وكأن “التاريخان” أو العمران أضحى هو علم العلوم. وبهذه الطريقة الماكرة يكون العروي قد دخل من جديد أرض الفلسفة بجواز سفر تاريخاني بعد أن أمسى لا يعترف بانتمائه للمؤرخ الإخباري.

10- لكنه في سياق آخر كان يعرّف الفلسفة بالتفكير في الزمن: “إذا كان لِما قلنا ونقول الآن معنى، فهو أن الفلسفة (لا الميتافيزيقا) في العمق هي تفكير في الزمن، واللافلسفة إعراض عن الزمن ونفي لحقيقته. يواكب العلم التجريبي ويواكب اللافلسفة الفن، فيما تكون السياسة والصنائع حقلا مشتركا لهما معا”، نفسه، ص 195-196.

11- عن علاقة السنة بالزمن يقول: “لأن السُّنة تعمل منذ قرون على طي الزمن ولا تشجع أبدا على تمديده وإبرازه”، نفسه، ص 195.

12- “واحد من ثلاثة: الإبستيمولوجية، الفن، التاريخانية. ولْيسِر كل على نهجه بلا لجج. عدا ذلك فهو لغو لا أسمعه. أٌدرِك حق الإدراك إني لا أجيب على هموم الأفراد، لكن هذا موضوع للقص والمناجاة لا للعرض والتحليل” ، العروي، عبد الله، خواطر الصباح، م.م.، ص 35.

13- عادة ما يَربط ع. العروي التاريخ عادة بالضوء بالأنوار (ص 72)، مما يعني أن الفلسفة لم تعد هي التي تمثل الضوء في مقابل الكهف (السياسة، التاريخ)، بل التاريخانية باعتبارها إدراكا للحتمية الزمنية.

14- من المعروف أن النزعة التاريخانية تذهب إلى أن كل فعل، كل تفكير، كل فهم مرتبط بأفقه التاريخي، الأمر الذي يعني بأنه لا مجال لفهم القدماء أكثر مما فهموا أنفسهم؛ يقول العروي: “المؤرخ ينظر إلى فعالية الإنسان في الكون بكيفية خاصة بها، مهما كانت ظروفه الزمانية والمكانية. إن المؤرخ إذ يؤرخ يعبر ضمنيا عن فلسفة في الحياة لا يتعداها أبداً. هذا هو أساس المذهب التاريخاني، كما نجده عند كروتشه وكولينجوود ومارو وغيرهم. التاريخانية، في رأي هؤلاء، هي فلسفة المؤرخ إذ يؤرخ، كما أن الوضعانية هي فلسفة العالم إذ يعمل في مخبره”، ثقافتنا في ضوء التاريخ، الدار البيضاء-بيروت، المركز الثقافي العربي، 1992، ص 16؛ عن ارتباط التاريخانية بالحرية: ” لا يُعنَى التاريخاني بالحقيقة بقدر ما يُعنَى بالسلوك، بوقفة الفرد بين الأبطال. التاريخ في نظره هو معرفة عملية أولا وأخيراً”، نفسه ص 17.

15- انظر السنة والإصلاح، ص 58-60.

16- “عدم حاجة العلم، السياسة، الفن، التكنولوجيا إلى نظيم”، نفسه، ص 19.

17- ولم يكن ليثبت ذلك لولا اعتماده على الكرونولوجيا الطويلة التي تعتبر الإسلام نقطة تحول لا نقطة بدء، انظر، نفسه، ص 175.

18- يقول العروي بأن مضمون الفلسفة المدرسية والكلاسيكية هلينستية: “من يتفلسف يتهلسن”، نفسه، ص 18.

19- يجدر بنا أن نشير إلى ما يشبه الدور التاريخي (وليس الدور المنطقي) فيما يقوله عن العلاقة بين الفلسفة والتيولوجيا: فمن جهة نجده يصرح أكثر من مرة في كتابه هذا بأن الثيولوجيا كانت وليدة الفلسفة أو السجل الفلسفي الهلنستي (انظر ص 18) ، ومن جهة ثانية نُلفيه يؤكد بأن الحداثة كانت نتيجة الثيولوجيا، وليست نتيجة القطيعة معها والعودة مباشرة إلى الحضارتين اليونانية والرومانية.

20- ينتقد العروي بطريق غير مباشر الموقف الهايدجيري من الجوهر اليوناني للعلم والفلسفة متهما إياه باللاتاريخانية، انظر نفسه، ص 29-30؛ هناك جانب آخر تختلف فيه تاريخانية العروي عن تاريخانية هيدجر؛ فهذا الأخير يعتمد على الاشتقاق الفيلولوجي مؤولا إياه بطريقته الشخصية لتأدية معاني وهموم وجودية معاصرة. أما العروي فيرى أن لا نفع من الاشتقاق اللغوي في فهم بعض الكلمات الغامضة في الثقافة الإسلامية، ككلمة الأمي الذي هو صفة ذاتية ومميزة لنبي الإسلام.

21- عن الطّيف الماهوي الذي يخيم على فكر العروي، نقرأ: “وإذا حصل هذا الأمر بصورة تلقائية، فلأن موقع الإنسان في الكون لم يتغير. أكان بواسطة لغة الشعر أو لغة الرياضيات، بواسطة الأمثال أو الأعداد، فإنه دائما الإنسان، العقل، الذي يستنطق الكون، المحدود الذي يحاول إدراك اللامحدود”، نفسه، ص 34.

22- نفسه، ص 175-176.

23- انظر نفسه، ص 22

24- يلعب النبي إبراهيم دور المبدإ والغاية بالنسبة لكل شيء: “كل شيء يبدأ مع إبراهيم، وكل شيء ينتهي إليه. قصته مؤثرة، سيما فينا أبناء إسماعيل، لأننا أعرناها صيغة أكثر صفاء وبداهة. نزعنا عنها كل الزوائد… فيه وبه تحصل القطيعة الكبرى، مع الكون ومع الكواكب، مع الجماعة ومع الأسرة، مع الحضارة ومع الاستبداد. هو من يكسر ويجبر، يهدم ويشيد، يخفي ويظهر”، نفسه، ص 51. ينبه إلى أنه لا يعود إلى ما قبل الوحي “عكس ما يتبادر لذهن البعض ليس في كلامنا عودة إلى ما قبل الوحي. لو فعلنا ذلك لناقضنا المنهج التاريخاني الذي نقول به”، نفسه، ص 211.

25- خواطر الصباح: حجرة في العنق ، ص 106.

26- عن طريقة إيمانه يقول: “… أُشهِد أنا، دائما وأبداً، الرسول على الرسالة. لا أي رسول، في أية فترة من حياته الأرضية، بل رسول الفترة الأقرب إلى الوجدان، الرسول الذي أرضاه وأتولاه بكامل عقلي وجسدي”، الإصلاح والسنة، ص 200؛ لكنه يقدم ” مبدأ موازيا: لا تتمثلوا النبي كما تُصوره السُّنة، إذ في ذلك مس بكرامته”، نفسه، ص 202؛ ويضيف بنبرة أخرى: “وهذا النبي العربي، الذي أصبح بتوافق الأحداث نبيِّي أنا، أحَبُّ إلى قلبي من أولئك الغائبين جميعا. ينيرهم كما ينيرونه، يُغنيهم كما يُغنونه. أتماثل معه الآن لأني أرتاح إلى كل ما أختاره لنفسه. في إطار دعاء إبراهيم، هذه البقعة التي يحدها السد شرقا والمحيط غربا، رفض النبي العربي سُنّة اليهود وسُنّة النصارى. فعل ذلك بحزم وإن بوقار واحترام. واليوم في قرارة قلبي أرفض بالحزم نفسه ما رفض”، ص 201.

27- الإشارة هنا لكارل شميث وم. هيدجر وليو شتراوس، انظر: Habermas, Jurgen, Entre naturalismo y religión, trad. Pere Fabra y otros, Barcelona 2006, p. 115.

28- انظر السنة والإصلاح، ص 20.

29- نفسه، ص 175-176.

- محمد المصباحي

30

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*