الأحد , 21 أكتوبر, 2018
إخبــارات
الرئيسية » إخبــــارات » القص الجميل وتقليص المسافات

القص الجميل وتقليص المسافات

أحمد المديني، خريف.. وقصص أخرى، الرباط، منشورات أحمد المديني، 2008.

المجموعة القصصية خريف.. وقصص أخرى لأحمد المديني هي المجموعة الحادية عشرة في سجل المؤلف القصصي الطويل والغني، وهي مجموعته القصصية الأخيرة لحد الآن. وللمؤلف سجل طويل وغني في مجال الرواية، والدراسات النقدية، والكتابة الأدبية، والإبداع الشعري. وقد حصلت هذه المجموعة القصصية على جائزة المغرب للكتاب لسنة 2009، في مجال السرديات والمحكيات.

تتألف مجموعة خريف ..وقصص أخرى من إحدى عشرة قصة قصيرة، ومن استهلال حاول فيه المؤلف، على غير عادته، أن يستعرض بعض الآراء النقدية حول الكتابة القصصية، وبخاصة ما يتعلق بهذه المجموعة وطريقة كتابتها. ولا شك أن في هذا الاستهلال ما ينور قارئ المجموعة ويجعله على بينة أكثر بنوع المجموعة التي يقرأها. وقد اختار المؤلف لهذه المجموعة موضوعاً موحداً يدور حول فضاء فرنسي، باريس بالأساس، وحول شخصيات فرنسية، في مختلف الأعمار وذات اهتمامات مختلفة. كما كان السارد يحكي بنفسه عن هذه الشخوص، أو يتركها تحكي بنفسها، وتعبر عن هواجسها وهمومها الإنسانية المختلفة.

تتنقل بنا القصص في المجموعة في فضاءات باريسية واقعية مفتوحة وفضاءات مغلقة، ولكنها فضاءات خبرها المؤلف بعد كثرة تردده عليها وطول الإقامة فيها ومعاشرة أهلها، بمكوناتها البشرية والمادية والثقافية، وكلها تكشف عن الحميمية الإنسانية الكامنة فيها، أو تبحث عنها. ولهذا سنعيش في هذه المجموعة تجربة قصصية خاصة تحاول أن تتأصل في الوسط الباريس الفرنسي الأجنبي الذي يتآلف معه المؤلف بنوع من الإيهام الفني الواقعي. يريد السارد أن يحكي لنا من “الهناك” الذي يجعله “هناه”؛ من قلب الآخرين، ويحكي لنا عن حياتهم اليومية العادية، عندما ينفردون بأنفسهم أو يعيشون فيما بينهم. وقد يبدو في ذلك أن المؤلف يحاول أن يتملك الآخر ويأخذ موقعه، سعياً منه إلى تجاوز المسافة الفاصلة بين الذات المغربية العربية، وبين الآخر الأوروبي الفرنسي. وتلك ثنائية معروفة في الدراسات المقارنة العربية. هل نجحت المجموعة في تقليص المسافة بين ذات المؤلف وآخره الأوروبي الفرنسي؟ للإجابة عن هذا السؤال لا بد من استعراض الوسائل الفنية التي استعملها المؤلف في قصصه، ونوع اللغة التي وظفها فيها، ثم البعد الفني الإنساني الذي يسود هذه المجموعة.

1- تجربة الشخوص

ركزت هذه المجموعة على الشخوص وعلى الفضاءات التي تعيش فيها أو تتنقل فيها، مثل الشارع الحديقة والمقهى ومقر العمل أو في البيت. كما ركزت على هيأتها وأوضاعها وسلوكها ودواخلها النفسية ومعاناتها أحياناً. ولكن الذي يجمع بينها تقريباً هو ما يعتريها من علامات الشعور بالوحدة، وسعيها لتجاوز وضعها عن طريق خلق تواصل اجتماعي وإنساني في الفضاءات المختلفة التي تعيش فيها. ويحاول السارد في مختلف قصص المجموعة أن يتقمص تلك الشخصيات، وأن يبدو عارفاً بطريقة حياتها. وقد يقوم في ذلك بلعبة القريب من شخصياته، ولكنه يخلق مسافة بينه وبينها في نفس الوقت. وهذا الوضع الدي اختاره السارد في قصصه هو الذي يجعله في قلب تجربته الجديدة التي تسعى إلى تجاوز المسافة القائمة بين الذات والآخر.

ولإبراز وضع الشعور بالوحدة الذي نلمسه في جل القصص، نذكر بعض النماذج منها. فالسارد في قصة نظرة، فابتسامة، فـ..يتحدث عن شخصية الشابة لور (laure) التي تبلغ العشرين ربيعاً، والتي تعيش نوعا من العزلة في حياتها الخاصة في عملها كذلك. ثم يتولد لديها، مع مرور الوقت، نزوع إلى إحدى الموظفات الساميات في عملها (شانتال)، والتي ستبادلها نفس الإحساس، مما سيفضي في النهاية إلى اللقاء بين الاثنتين، وتنشأ بينهما علاقة خاصة. بينما يحكي السارد في قصة

حليب حكاية امرأة في الخمسين من عمرها، ينعتها السارد بـ “من لا اسم لها”. و تعيش هذه الشخصية بدورها نوعاً من الوحدة التي تعبر عنها من خلال إثارتها لرواد المقهى الذي ترتاده، خاصة نادل المقهى، وذلك عبر إلصاق صورة وعل على صدرها بطريقة مثيرة، لتخاطب نفسها في الأخير بلهجة يائسة: “لماذا لم تأت يا ولدي، أنتَ يا عاقّ لو أتيتَ لما بعتُ حَلَمتي لأحد، أتفو عليكم جميعاً، خاصة أنت أيها النادل، كن رجلا أولاً، لما احتجت إلى وعل من صباغة”.(المجموعة، ص 95)

وفي قصة عادات ماري تريز، يتحدث السارد عن شخصية ماري تيريز كامرأة عجوز تعيش عزلة قاتلة في شقتها بعد وفاة زوجها وتقاعدها، إلا أن ما سيكسر عزلتها، نسبياً، هو أصّ زهور الجرانيوم الذي ستهديه لها جانيت (حارسة العمارة) وجارتها المتلصصة، بينما سيهديها صديق زوجها جيرار الأرمل بطتين لكي يخطب ودها

أما في قصة الخطاب، فتتوجه العجوز مامي، الشخصية الرئيسية والسارد في الآن نفسه، بالحديث إلى شلة “مقهى الصخرة”، لتعرض وضعها كعجوز تقليدية ومؤمنة، فقدت زوجها وعاشت بعده وحيدة، فأخذت تعوض عن ذلك الفقد بنوع من التمرد والاستهتار بصحتها بالإكثار من التدخين.

وفي قصة الخطاب -2-، يترك المؤلف المجال للشخصية ميشيل لتأخذ دور السارد والشخصية الرئيسية، و يؤشر إلى أن هذه الشخصية بدورها عجوز. تقول العجوز: ” أعرف أنك أنت بالذات يا ميشيل يزعجك دخان سجائري. فهل تحسب نفسك ستعيش ألف عام، يالك من عجوز دعي”. (المجموعة، ص60) ومن ثم، يتوجه ميشيل بخطابه المباشر إلى شخصية العجوز، لكي يعبر لها عن آرائه تجاه العديد من القضايا الاجتماعية والسياسية التي تحدث في فضائه، كموضوعات الشذوذ الجنسي والهجرة.

أما في قصةخريف فيهيمن، أيضاً، موضوع الوحدة التي تعيشها مارغريت (الفنانة المتقاعدة) في خريف عمرها، بعد أن فشلت مشاريعها التقدمية الكثيرة، ولكن الذي يكسر هذه الوحدة هو صديقها السارد العربي، الذي تناديه أهمد، الغارق في تأملاته، والذي تلتقيه بين الفينة والأخرى في حدائق باريس لتتحرر من ضغط الجدران المنزلية.

بينما يتحدث السارد في قصة هموم بطة، عن بطة هَرِمة، ووحيدة أيضاً، لا تزال تعيش على أحلام الماضي المجيد، لتكتشف في النهاية أن أحلامها في المشاركة في مسابقة للغناء ليست سوى أوهام. ويمكن لهذه القصة أن تكون نموذجاً لوضعيات بشرية مماثلة

في حين تُقدم قصة المصبنة الأدبية نموذجاً ايجابياً لمتقاعد برجوازي لا يتصور حياة بشرية بدون كتاب، إذ سيفك العزلة عن نفسه بتكوين مشروع مصبنة أدبية لتشذيب وتهذيب الأعمال الأدبية قبل نشرها، و قد كان لمجموعة خريف..وقصص أخرىشرف المرور بهذه المصبنة.

لقد حاول المؤلف عن طريق السارد المتعدد بتعدد القصص أن يتمثل نفسية تلك الشخوص المختلفة والمتنوعة، ويتركها في أوضاعها وأماكنها دون الإخلال بنمط عيشها وسلوكها ما أمكنه ذلك. وفي هذه العملية محاولة لتبني سرد واقعي معقول، وشفاف تكاد تنفذ منه حياة تلك الشخوص، ولكن بنوع من الإيهام الفني، الذي يسعى إلى تقليص المسافة بين السارد وشخوصه، حتى إننا نتوهم صدور حديثها من واحد من تلك الشخوص وبيئاتها، لا من غريب عنها.

2- اللغة القصصية

حاول المؤلف أن يوضح في استهلاله لهذه المجموعة بالقصة القصيرة، وبفنها، مبرزاً تميزها عن الرواية، منذ تجربته الأولى معها في مجموعته الأولى، العنف في الدماغ.(1971) ويعتبر “الرواية فن المجتمع، و القصة القصيرة هي فن الفرد بامتياز”.(المجموعة، ص13) وقد عبر عن هذا الفن الفردي بكل العتاد الفني واللغوي الذي يحقق ذلك. وهكذا جاءت لغة هذه المجموعة متسمة بكل المكونات الأساسية للقصة القصيرة الكلاسيكية في نبلها ووضوح دلالتها واحترامها للحكاية الكاملة، وذلك من حيث استعمال اللغة العربية الفصيحة الدالة في معظم مساحتها اللغوية، دون اللجوء إلى تعنيفها أو تكسيرها أو ترطينها، بل حتى اللغات الأخرى التي استعملها مثل الفرنسية والدارجة لم تخلاّ بجمالية فصاحتها المبسطة للعوالم القصصية. وربما ساعدت اللغات الأخرى على استقامة لغتها، وأعطتها أناقة واقعية، تعبر عن أناقة شخوصها وفضاءاتها وعوالمها. وبذلك لم تبد تلك اللغات الأخرى شاذة أو غير منسجمة مع عوالم القصص. هي لغة تريد أن تكون جميلة وتعبر عن وسط له أناقته. ولذلك جاءت منتقاة، يبدو أن المؤلف تعهدها هنا أكثر مما فعل في مجاميعه الأخرى. في هذه اللغة كثير من اللباقة وتفادي كل تعبير يخدش الحياء أو الأعراف والقيم؛ هي، في النهاية، لغة فيها كثير من النبل الكلاسيكي الأصيل، كما عبر بذلك بنفسه في الاستهلال المذكور. ومما يميز لغة هذه المجموعة كذلك، أن السارد قد استعمل لغة دقيقة في التعبير عن الأوضاع الخارجية للفضاءات، مثل البنايات التاريخية، والحدائق والمقاهي والبيوت والشوارع، ولكن بحمولتها الفنية والتاريخية والثقافية أحياناً. وعندما يتعلق الأمر بالشخوص، فإنه يحاول أن يستعمل لغة شفافة تكاد تعبر عن نفسية الشخصية وهمومها وهواجسها.

لقد استعاد المؤلف في هذه المجموعة المعايير الأصيلة للفن القصصي. فأعاد للحكاية نسقها ونسغها بلغة مكثفة تختصر الأشياء بطريقة موحية ودالة. وساعده في ذلك اللجوء إلى التقاط المشاهد المركزة الغنية التي تختزل العوالم الواسعة المحلية في لقطة مكانية أو مشهدية لها كثافة المكان والزمان والفعل. وقد رسخ المؤلف بتقنيته الفنية هنا الفن القصصي في أبعاده الكلاسيكية الأصيلة.

3- البعد الجمالي والإنساني

تحاول هذه المجموعة أن تحكي عن عالم باريس بطريقة أخرى عن طريق الغوص الداخلي في عوالمه وشخوصه، دون تبني حذر الذي لا ينتمي إلى ذلك العالم، أي أن المؤلف يريد ألا يكون غريباً أو مهاجراً، بل يريد أن يكون واحداً من ذلك العالم وأهله، ويتحدث عنهم كما يتحدثون عن أنفسهم. وتتمثل جمالية هذا التبني الفني في نوع المشاهد والفضاءات التي اختارها، وهي فضاءات ومشاهد تنبع من صلب الواقع الباريسي ومن واقعية شخوصه في حياتهم اليومية، بكل ما لها وما عليها، دون الخوف من وصف حالاتها الشاذة أو حالاتها الطبيعية، ودون الظهور بغير العارف بمكامنها وأسرارها. تلك محاولة من السارد أن يقلص المسافة بينه كإنسان من غير ذلك العالم، من الجنوب، أو من المغرب والعالم العربيين بكل حمولاتهما الثقافية والتاريخية عن الغرب، عن فرنسا، وباريس تحديداً. لم تكن رؤية السارد انبهارية ولا انتقاصية، ولا تبحث عن النواقص فقط، أو الامتيازات فقط. كان في الغالب يحاول أن يضع عالم باريس وشخوصه في مواضعها الإنسانية العادية، في أي مكان أو زمان. وبذلك يبرز قدرته على التكيف الإنساني المبرر زمنياً في علاقة المؤلف بباريس الطويلة، وفي استعمال وعيه الثقافي والفكري والإنساني.

ركزت المجموعة على البعد الحميمي للفضاء والأمكنة والشخوص. وكان ذلك بواقعية معقولة ساعده في ذلك نضج التخييل في تصوير المشاهذ والمواقف؛ تخييل يقرب إلى القارئ عوالم الواقع الذي يتخيله بلغة شفافة تكاد تختزل المسافة بين الواقع والكتابة. وبذلك أنتج إيهاماً فنياً جمالياً يترك القارئ يستعيد تصوراته السابقة وأفكاره المسبقة عن باريس وأهلها الأوروبيين، فيتولد لديه وعي آخر يجعله يتساءل عن مدركاته السابقة له. وهذا هو عمق الأثر الفني والجمالي لهذه المجموعة. إنها تترك القارئ يتأمل في ذاته وفي معرفته السابقة ويجعله موضع تساؤل. ومن جمالية كتابة هذه القصص في المجموعة أن جاء السرد فيها هادئاً، ومنساباً، لأنه يتبنى التعبير عن عالم عادي مثله مثل كل العوالم، رغم ما يميزه، ولكن التخييل السردي فيها جاء منساباً هادئاً. فليس فيه تغريب ولا تهويل ولا مواقف حادة ولا صراع واضح، فيه تخييل يعبر بلغته الدقيقة والعادية عن عوالم تهدر في داخلها أحياناً، وأخرى ساكنة. يعرض التخييل للأمكنة الطبيعية بنوع من التأمل الهادئ الذي لا تغريب ولا استلاب وراء ذلك، وكأنها من صلب عوالم السارد العادية. هي في النهاية مجموعة قصصية غلب عليها الطابع الإنساني في مختلف العلاقات التي عرفتها شخوصها أو ثقافة أمكنتها، ولكنها إنسانية عادية مثل أيتها إنسانية في العالم، في زمن السلم.

يمكن القول، في الأخير، إن هذه المجموعة، بالطريقة التي تعهد بها المؤلف كتابته القصصية هنا بالتهذيب العفوي والمقصود، قد أنتجت لغة قصصية عميقة، مشحونة بدلالات موحية عن كوامن الأمكنة والأزمنة والشخوص. هاجس هذه المجموعة هو الابتعاد عن الشعور بالكتابة عن الغربة أو الكتابة من المهجر، أو الشعور بالاستلاب إزاء العالم الذي يكتب عنه، باريس، أو الكتابة بنوع من الإحساس بالذهول والهول أمام ذلك العالم الأوروبي، وبالتالي تكوين وعي مشوب بملامح التغريب وانتكاس الذات. هي كتابة قصصية تبذل مجهوداً فنياً وثقافياً من اجل قبول ذلك العالم كما هو، والتعامل معه كذلك. هل نجحت المجموعة في تقليص المسافة بين العوالم المختلفة وبين الذوات المختلفة والمتباعدة بحكم الثقافة والتاريخ والجغرافية والعقيدة…؟ ربما ما يحمد لهذه المجموعة أنها حاولت ذلك، ولكن بلغة فنية دقيقة وروح إنسانية عميقة وتخييل واقعي شفاف وسرد جميل.

- أحمد بوحسن

جامعة محمد الخامس – كلية الآداب – الرباط

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*