في تاريخ الذهنيات: التشبث بتلابيب الموتى في مجتمعات العصر الوسيط

رضوان رابحي، الموت والصلات الرمزية بين الأحياء والموتى بالمغرب والأندلس إبان العصر الوسيط، دار الكتب العلمية، بيروت، 2023.

 

الموت موضوع لكتابة التاريخ

      في معاركه من أجل التاريخ، دعا المؤرخ الفرنسي، لوسيان فيفر، سنة 1941، إلى اقتحام أوراش تاريخ العواطف والموت والخوف، وغيرها من الحساسيات والمشاعر الإنسانية، الفردية والجماعية، في ضوء سياقاتها الزمنية المعاشة، من أجل مقاربات شمولية للحضارة أو الثقافة[1]. ذلك أن موضوع الموت من أهم القضايا الوجودية الموغلة في التاريخ والرمزية، باعتباره مبحثا مناسبا للتفكير والتأمل في الذات والمصير، كما تعكس ذلك الأساطير، والأديان، والتأملات الفلسفية، ومختلف الإنتاجات البشرية، التي تلامس إشكالية أنطولوجية مزدوجة: هل “الوجود من أجل الموت”، أم “الوجود من أجل الحياة؟”[2]. ومقابل ذلك، اهتمت العلوم الإنسانية والاجتماعية، في وقت متأخر طبعا، بالموت كظاهرة بيولوجية واجتماعية وثقافية[3]، من أجل دراسة طقوس العبور، وتشريح الصلات الرمزية بين الأحياء والأموات، في المجتمعات ما قبل الصناعية على الخصوص.

تاريخ الموت من بين الموضوعات الأساسية التي اهتمت بها الكتابة التاريخية الحديثة، في إطار التجديد الإشكالي والمنهجي والمصدري الذي قادته مجلة الحوليات الفرنسية، منذ ميلادها سنة 1929، خصوصا خلال جيلها الثالث، جيل التاريخ الذهني والأنثروبولوجي، إبان السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين، حيث قطع البحث أشواطا كبيرة في موضوع الموت؛ فهو نقطة تحول كبير في حقل تاريخ العقليات أو الذهنيات، حسب ميشيل ڤوڤيل، إذ أن المواقف تجاه الموت، تكشف عن المواقف إزاء محطات الحياة وتفاصيلها، من الولادة إلى الشيخوخة[4]، التي تتيح إمكانيات للغوص في الممارسات الثقافية والمخيال الجماعي، حيث يتشبث الأحياء بتلابيب الأموات، ويتواصلون باستمرار، عبر شبكات رمزية متنوعة، كما تبرز دراسة المؤرخ جون كلود شميث، حول التاريخ الذهني والأنثروبولوجي للمجتمع الأوروبي الوسيطي[5]، انطلاقا من نماذج تاريخية وتطورات زمنية، تهم تمثلات عودة الموتى والأشباح، ذات صلة بالمعتقدات والذاكرة والطقوس والنظم الاجتماعية والثقافية.

 

في رحاب الكتاب: حضور الأموات بين الأحياء

انتقل صدى التطورات الإسطوغرافية السابقة، التي انطلقت من فرنسا، إلى العوالم الأوروبية وغير الأوروبية، بشكل متفاوت، حسب الشروط الذاتية والموضوعية. ذلك أن تأثيرها على الكتابة التاريخية المغربية، لاسيما في تاريخ الموت، على سبيل المثال، يبدو متواضعا ومحدودا، باستثناء بحوث ودراسات معدودة، خاضت غمار البحث والكتابة عن هذا الموضوع الشائك[6]، بأدوات منهجية وترسانة مصدرية متنوعة، لأن الانفتاح على المنجز السابق، في العوالم الأخرى، عملية مهمة للغاية، رغم الاختلاف المجالي والزمني، أحيانا، قصد معرفة النظريات، واستكشاف المناهج، وبلورة الإشكاليات، وتوسيع المصادر، وتوظيف المعارف[7]. من هذه الزاوية، تكمن أهمية كتاب الباحث المغربي، رضوان رابحي الذي يحمل عنوان: الموت والصلات الرمزية بين الأحياء والموتى بالمغرب والأندلس إبان العصر الوسيط، الصادر سنة 2023، في 432 صفحة من الحجم المتوسط، موزعة على بابين، يضمان ستة فصول، إلى جانب مقدمة وخاتمة، في ضوء سؤال إشكالي مركزي، صاغه على النحو الآتي: “كيف استحضر الأحياء الموتى بالمغرب والأندلس في العصر الوسيط؟ ولماذا؟” (ص. 26).

في الأصل، هذا الكتاب عبارة عن أطروحة دكتوراه، تخصص التاريخ الوسيط، نوقشت سنة 2021، في كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة ابن طفيل-القنيطرة. ويندرج ضمن مشتل تاريخ الذهنيات أو العقليات، الذي يسعى إلى سبر أغوار البنيات الرمزية والثقافية، بمنهجيات مختلفة ومصادر متعددة، اعتمادا على مفاهيم إجرائية، من قبيل: السلوكات والطقوس والمعتقدات والتمثلات والمخيال… نقرأ من تقديم مخصص للكتاب، بقلم المؤرخ المغربي، مصطفى النشاط: “اختار رضوان رابحي أن يركب الصعب في هذا الموضوع، بما يعنيه من سبر أغوار السلوكات والتمثلات، بعيدا عن الإغراق في التاريخ الحدثي العاج بالأحداث السياسية والعسكرية، والتسلح بالأناة لجمع ما هو متاح من إشارات عن موضوعه بمختلف المصادر، من كتب التاريخ العام والجغرافيا والمناقب والنوازل وكتب الحسبة والتراجم وكتب الأمثال…”(ص. 5).

إذا كان الحيز المجالي، لهذا المصنف، يشمل الجزء الغربي من الحوض المتوسط، حيث يجمع بين المغرب الأقصى والأندلس، مع الانفتاح على المجالات المجاورة، لاسيما المغربين الأوسط والأدنى، فإن إطاره الزمني يغطي الحقبة الممتدة بين القرنين الثامن والسادس عشر. فالعلامة الزمنية الأولى، منطلق البحث، تحيل على ملامح انتشار الإسلام، بشكل ملموس، في المغرب الأقصى، كما تعبر عن ذلك ثورات الأمازيغ ضد الحكم الأموي المشرقي، بالاعتماد على مبادئ مذهب الخوارج. أما العلامة الزمنية الثانية، فإنها تعكس التحولات العميقة التي عرفها غرب حوض المتوسط، على المستويات المادية والذهنية، حيث بدأت تبزغ ملامح التفاوت بين ضفتي الشمال والجنوب، بعد سيطرة الإبيريين على السواحل الشمالية والغربية، وتدهور تجارة القوافل الصحراوية، باعتبارها العمود الفقري للاقتصاد المغربي (ص. 38).

اهتم الباب الأول، وهو بعنوان: “الموت والصلات الرمزية بين الأحياء والأموات”، بتصورات الموت والمصير في المغرب قبل الإسلام. قدم سردا وتركيبا موجزا لمدافن الأمازيغ وقبورهم وطقوسهم، في عصور ما قبل التاريخ والتاريخ القديم، من أجل تتبع تطوراتها ودلالتها، قبل أن ينتقل إلى الطقوس الجنائزية، عند اليهود والمسيحيين، بالمغرب والأندلس. ثم تصورات الموت والعالم الآخر في نصوص أدبية ودينية وفلسفية إسلامية ومسيحية ويهودية. وهذا كله، بغرض تقديم إطلالة معرفية، تمكن من تناول طقوس الموت عند المغاربة المسلمين واليهود في العصر الوسيط، في ضوء نظرية طقوس العبور، باعتبار الإجراءات الجنائزية جسرا للعبور بين عالمي الأحياء والأموات. وهو ما أتاح، في الفصل الأخير من هذا الباب، مقاربة اللقاءات الرمزية بين الأحياء والأموات، من خلال التوقف عند زيارة الأحياء للمقابر، وزيارة الموتى للأحياء عبر الأحلام والرؤى…

وفي الباب الثاني، تحت عنوان: “الموتى وقضايا دينية وسياسية”، عالج الباحث القضايا التي تناولتها اللقاءات الرمزية بين الأحياء والموتى، كعودة بعض الأنبياء بعد الموت، وكذا الصحابة والأولياء والعلماء، حسب المخيال الجماعي. هذا بالإضافة إلى استدعائه لتجارب المهدوية، عند مسلمي ويهود المغرب والأندلس الوسيط، لكونها تنطوي على استغلال فكرة عودة الموتى المنقذين، من أجل الخلاص الديني الأخروي، أو الانقاذ الدنيوي السياسي. وهو ما يتقاطع، من جهة أخرى، مع قضية توظيف الجثث والمدافن في خدمة أهداف السياسية، مثل نموذجي: جثث الأمراء الأدارسة، وجثة الشيخ الجزولي، علاوة على ظاهرتي تقديس الموتى من السلاطين والأمراء، والتمثيل بالجثث، كشكلين من أشكال استغلال الموت في المشهد السياسي.

توصل البحث إلى خلاصات، في غاية الأهمية، حول صورة الموت وعالم ما بعد الموت بين المغاربة والأندلسيين خلال العصر الوسيط. أولا، يحمل الموت معان متناقضة ومختلفة، حسب الانتماءات الاجتماعية والثقافية، التي تؤطرها، أساسا، التصورات الدينية المتعددة، حتى إن “البحث عن الشفاعة، ظل هاجسا في أذهان المغاربة والأندلسيين”(ص. 357). ثانيا، اختلاف الطقوس والمواقف من الموت باختلاف الخصائص والسياقات التاريخية، حيث كانت موجات الموت الجماعي تعطل الإجراءات الجنائزية المعهودة، كما تقض مضجع الأحياء، وتعصف بذهنياتهم. ثالثا: تشابه في محطات طقوس الموت عند مسلمي ويهود المغرب والأندلس، وتباين طفيف على مستوى التفاصيل والجزئيات، مع ملاحظة ندرة الإشارات المتعلقة بالمسيحيين، في المتون الوسيطية، مما يدعو إلى مزيد من البحث من قبل المؤرخين والأركيولوجيين، لترميم الثغرات الملحوظة في المصادر المتداولة. رابعا، استمرار التواصل الرمزي بين الأحياء والأموات، من أجل أغراض أخروية، مثل الشفاعة وحسن المصير، وأخرى دنيوية، كالشأن السياسي، علاوة على التوظيف المباشر للموتى، عبر التمثيل بجثثهم لإخضاع الأحياء، أو إعادة اكتشاف بعضها خدمة لأغراض سياسية (ص. 359).

 

في الحاجة إلى التاريخ الثقافي الجديد

      توقف الباحث رضوان رابحي عند صعوبات البحث في موضوع الموت، في تاريخ المغرب والأندلس، على مستويات عديدة. معلوم أن هذا موضوع  يندرج ضمن قضايا التاريخ الأنثروبولوجي والثقافي، أو التاريخ الاجتماعي للحياة اليومية، التي تتطلب منهجا تاريخيا منفتحا على المعارف الإنسانية. يقول: “إيمانا منا بكون الموضوع المدروس نقطة تقاطع بين عدد من العلوم الإنسانية والاجتماعية، وظفنا في هذا البحث، منهجا تاريخيا منفتحا على مناهج العلوم المساعدة للتاريخ، ومعارفها، ومتفاعلا معها، خاصة المعرفة “السوسيولوجية” التي اعتمدناها في تحليل ما تخلل البحث من قضايا ذات طابع اجتماعي، إلى جانب التحليل النفسي، الذي وظفناه في تفسير بعض الظواهر المرتبطة بالموت، كالأحلام والرؤيا والخوف من الموت، والمعرفة الأنثروبولوجية التي استعنا بها في البحث عن جذور بعض العادات والمعتقدات المصاحبة للموت”(ص. 26).

لكن هذا التصريح المنهجي غير كاف، برأيي، وفي حاجة إلى مزيد من الأجرأة للتناهج المنشود، على مستوى البحث والكتابة. احتاط الباحث كثيرا من إغراءات التفسير والتأويل، فلم يتوقف عند بعض الطقوس والتمثلات، في ضوء التراكمات المحققة في العلوم المجاورة للتاريخ، خصوصا الأنثروبولوجيا، التي ركزت على وظائف طقوس العبور ورمزياتها، لكونها تعكس الوجه الخفي، المسكوت عنه، في مختلف ظواهر الحياة اليومية، إذ “يمر جزء من معرفة الناس عبر الطقوس”[8]. فعلى سبيل المثال، يحتاج دور المرأة في الحداد الطقوسي إلى مقاربة أكثر عمقا، حيث لاحظ بعض الأنثروبولوجيين بأن دورها كان محوريا في طقوس العبور[9]، ذلك أن المرأة، بأنوثتها، تمسرح الانفعالات النفسية والاجتماعية، عن طريق سلوكات وتعبيرات مرئية صاخبة، في إطار الحزن الطقوسي، من أجل دفع الضرر عن الأحياء، وتبديد مظاهر اضطراب البناءين النفسي والاجتماعي.

اختار رضوان رابحي الأمد الطويل قاعدة زمنية لهذا البحث، حيث يندرج ضمن أوراش تاريخ الذهنيات، بمعناه الواسع، الذي “يهتم بالجوانب الواعية واللاواعية عند الأفراد والجماعات، من دون فصله عن الواقع الاجتماعي” (ص. 30). إنه اهتمام ملحوظ بالمستويات المغيبة والمهمشة والخفية واللاواعية، في رحلة الحفر عن البنيات الطقوسية والذهنية، في حيز زمني طويل، يمتد على قرون، وينطلق من العلاقات الجدلية بين الواقعين المعاش والمتخيل. لهذا استحضر الباحث، أيضا، إشكالية التحقيب في تاريخ المغرب، ولم يحصر زمن البحث في التقطيع الزمني الكلاسيكي المتداول. بيد أنه، ظل مركزا على الحقبة الممتدة بين القرنين الثامن والسادس عشر، إذ كان ممكنا أن يتعامل مع الزمن بنوع من المرونة، من أجل ترميم نصوص الحقبة المدروسة، وتتبع بعض امتدادات الظواهر، بالانفتاح على النصوص المحلية والأجنبية، خصوصا في اتجاه المراحل اللاحقة، إذ يلاحظ استمرار عديد من الممارسات والطقوس والتمثلات، إلى حدود الأزمنة الحديثة، على الأقل، مع الرجة الاستعمارية في القرن التاسع عشر[10].

وبحكم تعقد ظاهرة الموت، نظرا لكثافة طقوسها وتعدد تمثلاتها، اعتمد المؤلف، إلى جانب الدراسات السابقة في الموضوع، وهي قليلة بالمغرب، على بنية مصدرية تاريخية متنوعة، “ككتب الحوليات التاريخية، ومصنفات الجغرافيا والرحلات، وأسفار التراجم والسير، وكتب المناقب والتصوف، ومدونات الفقه والنوازل، ومؤلفات الأدب والزجل”(ص. 13). كلها مصادر مهمة، تقتضي توظيفا حذرا يحتاط من المزالق المنهجية والمعرفية، تجنبا لآفات التعميم والشرود، على المستويين المجالي والزمني. لأن النوازل الفقهية، على سبيل المثال، رغم أنها من أهم مصادر كتابة التاريخ الاجتماعي والثقافي، إلا أنها تتميز بخلط الواقع بالمخيال، مع طرحها لقضايا متشابهة لعدة قرون، واجترارها الدائم للمرجعيات الدينية. لذلك لابد من وضعها في سياق بنيات طويلة الأمد، وافتراض أن الهياكل الاجتماعية والاقتصادية والثقافية، كانت شبه جامدة قبل الأزمنة الحديثة، على الأقل بين القرنين الثاني والتاسع عشر[11]. لكن هذا التصور يحتاج، من جهة أخرى، إلى مجهودات جماعية متواصلة، تعمل على اكتشاف نصوص تاريخية جديدة، لازال بعضها منسيا بين رفوف المكتبات الخاصة والعامة.

كان الباحث رضوان رابحي على وعي تام بأهمية بناء صورة الموت، عند فئات اجتماعية مختلفة، سواء بين المسلمين أو المسيحيين واليهود، كرجال الدين والمتصوفة والشعراء، في ضوء نصوص دينية وفلسفية وشعرية وسيطية، من أجل توسيع دوائر المقارنة والتفسير. رغم هيمنة الجانب المخصص للمغاربة المسلمين، مقارنة بالمجموعات الدينية الأخرى، لاسيما المسيحيين، نظرا لقلة المصادر التي توصل إليها الباحث في أطروحته. ذلك أن صورة الموت، لن تكون أكثر توازنا واكتمالا، كما يقر بنفسه، دون تقصي الطقوس والتمثلات عند مختلف شرائح المجتمع في شموليته، ما استطاع إلى ذلك سبيلا، بشكل يستحضر التراتب الاجتماعي والتعدد الثقافي.

تجدر الإشارة إلى أنه من الصعب مقاربة جوانب من تاريخ الموت، بالمغرب والأندلس الوسيط، مقاربة كمية، كما هو الأمر في الدراسات الأوروبية، حيث تتواجد وثائق متسلسلة، قابلة للتكميم والإحصاء، على عكس تاريخ المغرب والأندلس، إذ هناك إشارات متناثرة ومعطيات ممزقة، لا تسمح بتتبع مسار التطور وتجلياته، بل تمكن من توصيف الظواهر المدروسة وتأويلها، في إطار المقاربات الكيفية للممارسات الطقوسية والخطابات الواعية واللاواعية.

جمع الباحث رضوان رابحي بين المغرب والأندلس، نظرا لتعدد أوجه الترابط بين المجالين، مع الإقرار بصعوبة التدقيق في حدودهما، تبعا للظروف السياسية والعسكرية، ما بين القرنين الثامن والسادس عشر الميلاديين. لكن، ألن يؤدي الجمع بين مجالين مختلفين في خصوصياتهما، إلى تعميم النتائج والخلاصات، من أجل ردم الثغرات المسجلة؟ يظهر هذا العطب، أيضا، في دراسات أخرى، تناولت تاريخ المجالين عبر موضوعات اجتماعية وثقافية، مما يدعو إلى ضرورة تخصيص حيز في المباحث الأولى من هذه الأطروحة، قصد تقديم صورة عن الواقعين الديموغرافي والاقتصادي، والشروط الاجتماعية، والظروف السياسية، للحقبة المدروسة، من أجل مقاربة شمولية نسبيا، تُصلّب النتائج، وتُبرز العموميات والخصوصيات، عبر الربط الجدلي بين البنيات المادية والرمزية.

بالطبع، يتفق عديد من الباحثين على أن تعميم بعض الاستنتاجات على المغرب والأندلس، اعتمادا على نماذج من نصوص الدينية والفلسفية والفقهية،  يخل بالبحث التاريخي، ويفضي إلى حضور الوصف وغياب التفسير والتركيب، لأن النصوص الأخيرة، عموما، تبدو نصوصا متعالية على الواقع، تناقش ما يجب أن يكون، وليس ما هو كائن، كما أن النصوص الأدبية معدودة، لا تلامس كل الأزمنة، فلا تسمح بتتبع التطور التدريجي للمواقف أمام الموت والمصير المنتظر. يقول رابحي رضوان: “يتضح من خلال هذه النماذج من الأبيات الشعرية، أن موقف شعراء المغرب والأندلس إزاء الموت، عرف تطورا تدريجيا، حيث انتقل من مواجهته بشجاعة باعتباره قدرا لا مفر منه، مع نوع من التوجس الطبيعي منه، إلى تصويره كهاجس يقض مضجع الأحياء، ويدفعهم إلى طلب الدعاء والشفاعة” (ص. 95). هذا النموذج من التعميم، قائم على ما توصل إليه المؤرخ محمد حقي، في دراسته الرائدة حول المواقف أمام الموت[12]، غير أنه يحتاج إلى توظيف حذر، حسب تقديري، يضع صوب أعينه مبدأ النسبية في الأحكام، لأن النصوص المعتمدة في الرصد والتحليل، لا يمكن تعميمها على مجالي المغرب والأندلس، بحكم تباين الظروف الطبيعية والبشرية.

في المحصلة، استطاع الباحث رضوان رابحي، تركيب صورة معبرة عن الموت والصلات الرمزية بين الأحياء والأموات في المغرب والأندلس، إبان العصر الوسيط، اعتمادا على منهجية تاريخية منفتحة على تراكمات العلوم الإنسانية والاجتماعية، في ضوء أسئلة كثيرة، تتناسل باستمرار، كلما تقدم في البحث، أو توصل إلى إشارة تتضمنها البنية المصدرية والمرجعية، التي اعتمدها في صياغة مباحث هذه الأطروحة، الغنية بمعطيات هامة وأفكار قيمة، تحتاج مزيدا من التنقيب والتوصيف والتفسير والتأويل، في ضوء منجزات التاريخ الثقافي الجديد[13]، الذي يقوم على إرث التاريخ الذهني والأنثروبولوجي، باعتبار الثقافة عدسة إجرائية، تستبطن أصناف الممارسات والطقوس، وأنماط ردود الأفعال والمواقف، وأشكال التمثلات والمخيال.

 

—————————————————-

الهوامش:

[1] L. FEBVRE, La sensibilité et l’histoire. Problèmes et bilans, Annales d’histoire sociale, T. 3, N. 1-2, 1941, pp. 05-20.

[2]  بول ريكور، الذاكرة، التاريخ، النسيان، ترجمة جورج زيناتي، دار الكتاب الجديد، بيروت، 2009، ص. 524-526.

[3]  محمد أبرهموش، الموت في المغرب قبل الاستعمار. من الديموغرافيا إلى التمثلات، أطروحة الدكتوراه، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، القنيطرة، 2021، ص. 10.

[4] M. VOVELLE, Les attitudes devant la mort : problèmes de méthode, approches et lectures différentes, Annales. Économies, Sociétés, Civilisations, 31ᵉ année, N. 1, 1976, pp. 121-131.

[5] J.-C. SHMITT, Les revenants. Les vivants et les morts dans la société médiévale, Gallimard, Paris, 1994.

[6] راجع: رضوان رابحي، البحث التاريخي في موضوع الموت بالمغرب الاقصى الوسيط. حصيلة وآفاق، البحث التاريخي، ع 13-14، 2016-2017، ص. 139-152. محمد أبرهموش، “الكتابة بمنهجية تاريخ العقليات في المغرب: مراجعات وملاحظات أولية”، المناهل، ع 99، 2020، ص. 231-246.

[7] أبرهموش، الموت في المغرب، ص. 21.

[8] حسن رشيق، سيدي شمهروش الطقوسي والسياسي في الأطلس الكبير، ترجمة عبد المجيد جحفة ومصطفى النحال، الدار البيضاء، أفريقيا الشرق، 2010، ص. 9.

[9] مارسيل موس، تقنيات الجسد ومقالات إناسية أخرى، ترجمة محمد الحاج سالم، الكتاب الجديد، بيروت، 2019، ص. 283. عبد الله حمودي، الضحية وأقنعتها. بحث في الذبيحة والمسخرة بالمغارب، ترجمة عبد الكبير الشرقاوي، دار توبقال، الدار البيضاء، 2010، ص. 171-177.

[10] محمد أبرهموش، الموت في المغرب، ص. 183-217.

[11] أحمد التوفيق، المجتمع المغربي في القرن التاسع عشر (اينولتان 1850-1912)، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية، الرباط، طبعة ثالثة 2011، ص. 39.

[12] محمد حقي، الموقف من الموت في المغرب والأندلس في العصر الوسيط، مطبعة مانبال، بني ملال، 2007، ص. 15.

[13] L. Hunt, “Introduction:  History, Culture, and Text”, In The New Cultural History, University of California Press, Berkeley Los Angeles et Londres, 1989, pp. 1-22.

عن محمد أبرهموش

باحث في التاريخ، كلية الآداب والعلوم الإنسانية، القنيطرة

شاهد أيضاً

الوجه المشرق للمرأة المغربية في الخطاب الرحلي الغربي (ألف ليلة وليلتي: مغامرات من المغرب لأليس موريسون نموذجا)

ارتبط النص الرحلي الغربي لقرون بالخطاب الاستشراقي الامبريالي المبني بالأساس على ثنائيات ضدية تُحقّر من …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.