السبت , 20 أكتوبر, 2018
إخبــارات
الرئيسية » إخبــــارات » رحيل محمد عابد الجابري (1936-2010): بين الثقافة العالمة والكتابة عن الذات

رحيل محمد عابد الجابري (1936-2010): بين الثقافة العالمة والكتابة عن الذات

الثالث من مايو 2010 يوم مختلف. محمد عابد الجابري يسلم الروح عن سن الخامسة والسبعين. كنت منذ سنوات خلت أقرأ بانتظام مقاله الأسبوعي يوم الثلاثاء في زاوية وجهات نظر من صحيفة الاتحاد الإماراتية، وكانت مقالاته في الأسابيع السابقة لوفاته كلها حول محور الهوية الوطنية الذي ربما جره إليها النقاش الإشكالي الذي بدأت تطرحه فرنسا الساركوزية من منظور عرقي أثار جدلا واسعا وأسال مدادا غزيرا ما بين مؤيد ومندد.

27 أبريل 2010 عنون الجابري مقاله ب”المغرب وهويات الفاتحين العرب”، أنهاه بعبارة:”وللمقال صلة”. أحزنني ألا اقرأ الصلة التي يقطعها خبر رحيله المفاجئ، لكن الرجل كان وفيا حتى وهو يودعنا، فعنون مقاله الأخير ب”الاعتزال… وهوية الدولة الوطنية في المغرب”، وكان قد بعثه إلى الصحيفة ربما أياما أو ساعات قبل الرحيل الأخير. ورغم أن الموضوع يخص علاقة المعتزلة بالمنظور الذي يحلل من خلاله الهوية الوطنية في المغرب الوسيط، إلا أن الانطباع الذي حضرني وأنا أتصفح موقع صحيفة الاتحاد يوم الثلاثاء 4 مايو، هو هذه الصدفة التي تجعل الرجل يختار هذا العنوان وكأنه يعلن عن خبر اعتزاله هو، اعتزاله الأبدي الذي يحدث في نفس قرائه المنتظمين غصة الفقد والإحباط والحيرة، فمحمد عابد الجابري يمتلك في كل كتاباته الفكرية العميقة أو الصحفية تلك القدرة التي تشد القارئ وتجعله ينتظر المزيد باستمرار وبلا ملل وكأنه يقرأ رواية يعود إليها كل مساء ليواصل الحكاية. حصل لي هذا الأمر مرات عديدة خصوصا عندما يجعل من مقاله سلسلة تنشر على مدى أسابيع مثل موضوع حجاب المرأة من منظور تاريخي ومعرفي، أو موضوع الجهاد والإمامة والخلافة والدولة وتدوين القرآن وجمعه وظاهرة أوباما وغيرها كثير.

كان ذا قدرات فائقة في تحويل الموضوع الفلسفي إلى مادة يقرأها طالب العلم بشغف بالغ، وهو الأمر الذي حصل لجيل بكامله (هو جيل طلبة الثمانينيات بالجامعة المغربية الذي أنتمي إليه) حيث كان كتابه في نقد العقل العربي وتحليل بنياته، منارته ومطيته لفهم تراث الأسلاف وتمثله، وخلق مسافة التوازن بين الرؤية التحليلية للتراث وبين الأنماط الفكرية والفلسفية والسياسية المهيمنة آنذاك (إسلاموية ويسارية وغيرها). بقي هذا التأثير طاغيا حتى وأنا أُدرس نصوصه فأكتشف في أعين المتعلمين بريقا يشدهم إلى أفكاره وإلى الكيفيات التي يحلل ويدافع من خلالها عن قيم الحداثة وضرورة انسجامها مع كل القيم حتى وهي تمارس فعل القطيعة والاحتواء في آن واحد.

الثقافة العالمة وفضيلة الاجتهاد

لا تعود أهمية الجابري فقط في كونه من أكثر الفلاسفة العرب المعاصرين غزارة في الإنتاج رغم أن مشروعه الفكري لم يكتمل -كما أشار إلى ذلك عبد السلام بنعبد العالي وهو يستحضر ذاكرة الرجل وعلاقتهما منذ ستينيات القرن الماضي– وهو إنتاج جعله يتبوأ مكانة أساسية ضمن مفكرين آخرين لا يتجاوزون ربما أصابع اليد الواحدة. تتمثل أهمية الجابري كذلك في أن هذا الإنتاج انصب –من خلال الاهتمام بالثقافة العالمة على حد قوله- على قراءة جديدة للفكر العربي الإسلامي بالحفر في أصوله العميقة خارج أية نظرة إيديولوجية فجة أو خلفية سياسوية أو دينية ضيقة رغم أنه كان ملتزما من حيث التوجه السياسي بمعناه الحزبي والنضالي. ومن يتتبع مسار كتابة الرجل يكتشف بوضوح هذه الخصلة النادرة: خصلة التنقيب في الأعماق البعيدة، والدعوة الواعية إلى فضيلة الاجتهاد الحاضرة بقوة في المنظومة الفكرية التراثية واستشراف قيم الحداثة الكونية التي لا مناص منها لنستحق وجودنا في عالم لا يكف عن التطور والإدهاش. لقد عبر الجابري بوضوح عن خلفياته الفكرية واهتماماته العالمة والآليات التي يبني من خلاها نموذجه الفكري في الحوار الذي أجرته معه مجلة الثقافة الجديدة سنة 1984 قبيل توقفها بقرار إداري فنشرت الملف وضمنه الحوار مجلة الكرمل الفلسطينية (التي كان يرأس إدارتها فقيد آخر هو الشاعر محمود درويش) في عددها 11/1984. قال الجابري في ذلك الحوار حين طرح عليه سؤال عن المتعة لديه خارج مجال القراءة: ” المتعة الفنية بالنسبة إلي هي متعة ذلك الرياضي عندما يحل مشكلة. إن أستاذ الرياضيات عندما يكون مشغولا بمشكلة رياضية، ويعيش مع تلك البنيات الرياضية، ومع تلك الكائنات الرياضية في علاقتها بعضها مع البعض، ثم يكتشف الحل، فتلك هي المتعة الفنية التي لا تقاس، كذلك بالنسبة لي عندما أعيش مع كتاب، أو مع نص وأتعامل معه رياضيا. بهذا الشكل اكتشف في نهاية الأمر، ما كنت حدسته من قبل. هذه هي المتعة الفنية. مثلا، أمس شعرت بإحساس فني من هذا النوع عندما وجدت أن مقولة الاجتهاد كأصل فقهي، هي سلطة مرجعية في الفكر الإسلامي. أنا مؤمن بأن الاجتهاد موجود في كل مفكر، كيفما كان أديبا، أو شاعرا. ولديه هذا الاجتهاد كسلطة مرجعية بشكل من الأشكال. المتعة الفنية شعرت بها في هذين اليومين لما كنت أقرأالمثل السائر لابن الأثير، ووجدت نصا يقول إنه لكي يصبح كل أديب أديبا مجتهدا فعليه أن يقرأ القرآن، ويترك شعر المحدثين، وإذا تملَّأ من القرآن والشعر الجاهلي ومن الحديث، فحينئذ سيكون مجتهدا. فمفهوم الاجتهاد الفقهي هو هذا. أي أن تجتهد انطلاقا من الأصول.”الكرمل، ع 11 / 1984 ، ص 161

حفريات في الذاكرة

رغم هذه العناية الأبدية بالثقافة العالمة فاجأنا الجابري في بداية تسعينيات القرن العشرين بإصدار جزء من سيرته الذاتية أطلق عليه عنوان حفريات في الذاكرة. أثار هذا الكتاب الذي نشر أولا على حلقات جدلا حول مقاصد هذا الإصدار الذي بدا ظاهريا أنه يشذ عن المشروع الفكري العالم للجابري. غير أن المتتبع الحصيف لابد وأن يدرك أن مشروع الكتابة عن الذات من قبل مفكر في حجم الجابري لا يمكن أن يخرج عن الانشغال بتجربة الحفر داخل الأبنية الثقافية العالمة نفسها في المنطقة الخاصة بالحفر في تاريخ مجتمع ما وسبر أغواره وجذوره الثقافية. ورغم انه صرح أكثر ما مرة بأنه غير معني بأنماط الثقافة غير العالمة، فإنه وفي الحوار نفسه الذي أجرته معه مجلة الثقافة الجديدة، يمكن أن يستشعر المرء شيئا ما جنينيا يتكون سنوات قبل نشر السيرة. كان السؤال عن حياته: صباه وتكوينه ودراسته وشبابه. ولم يكن التمهيد للجواب غير ربط عميق بين الكتابة عن الذات وبين حفر جديد في تاريخ مجتمع ولو بأسلوب موارب، وهو عنصر رئيسي اعتنى به كبار كتاب السيرة الذاتية حين أرادوا جعلها وصية آخر العمر. يقول: ” الحقيقة أنك تطلب مني شيئا من الصعب التعبير عنه في جمل أو كلمات، أو حتى في صفحات. فأن نطلب من مفكر، إذا صح هذا الوصف أن يتحدث عن نفسه كذات، فهذا شيء يتناقض مع صبغة المفكر نفسه. فالمفكر هو عادة عندما يفكر في ذاته يفكر فيها من خلال العالم الذي عاش فيه، من خلال التاريخ، من خلال المجتمع، من خلال الطموحات، من خلال الآمال، وأيضا من خلال الإخفاقات والمآسي. إذا فالتأريخ للذات هنا سيكون دون شك تأريخا للفترة التاريخية كلها. وإذا أضفنا أن الأمر يتعلق بمفكر، فإذا المسالة في نهاية الأمر هي التفكير. إنك تطلب من هذا المفكر أن يفكر من جديد في هذا المجتمع، أن يقرأه قراءة أخرى، لن تكون بالضرورة قراءة مرآوية”. أرجع بذاكرتي إلى صباي، إلى طفولتي. وأستعيد صورة العائلة، والوسط الاجتماعي، والمستوى الحضاري الذي عشته. أشعر بفارق كبير، بقفزة كبيرة. (…) الكرمل، ع 11/1984، ص 152 ألا يكون هذا السؤال سنة 1984 بداية تخلق جنيني لحفريات الذاكرة (1990)، النص الذي لم يحظ بما يليق به من احتفاء وقراءة متأنية. وقد نعود إلى ذلك في وقت لاحق.

- سعيد الحنصالي

جامعة محمد الخامس – كلية الآداب – الرباط

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*