الجمعة , 15 ديسمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » قسوة الذاكرة

قسوة الذاكرة

ادوارد سعيد، “قسوة الذاكرة”، ترجمة ولاء فتحي، مجلة العربي عدد 577 ديسمبر 2006.

تقديم: قسوة الذاكرة وبراعة الحكي

archives_9.2نص ادوارد سعيد حول نجيب محفوظ مادة غنية للتعريف ولتثمين تجربة واسعة في الكتابة والحياة والنشر. يقدم الكاتب صورا أساسية تسم تجربة نجيب محفوظ الحافلة أهمها توفره على خصائص القدرة الفائقة على الحكي والحرفية والاطلاع الغزير على الفلسفة والمعرفة والتاريخ. مصر في متن نجيب محفوظ هي الحارة والتاريخ والصراع والتطور وحركة الإنسان. وقد حلل إدوارد سعيد هذه القضايا من خلال الوقوف عند النصوص الأساسية التي كتبها نجيب محفوظ في المرحلتين الواقعية والرمزية. كان إدوارد بارعا في وصفه لأنه ارتدى ثوب الأديب الشغوف الذي يحتفي بتجربة استثنائية محللا ومنصتا دون اللجوء إلى ثقل المصطلح ودون رغبة في التعتيم أو المبالغة. نص ممتع وعميق. يستحق القراءة.

نص المقال:

قبل فوزه بجائزة نوبل العام 1988 كان «نجيب محفوظ» معروفاً خارج العالم العربي على نطاق واسع بالنسبة لطلبة الدراسات العربية، ودراسات الشرق الأوسط، باعتباره مؤلفاً لقصص بديعة عن حياة الشريحة الدنيا في الطبقة الوسطى في القاهرة.

في العام 1980 حاولت أن أثير اهتمام ناشر نيويوركي، كان يبحث عن كتب خاصة بالعالم الثالث كي يقوم بنشرها، لإصدار الأعمال العظيمة للكتّاب العرب في ترجمة من الدرجة الأولى، ولكن بعد قليل من التفكير تم رفض الفكرة. وعندما تساءلت عن السبب أُخبرت – دون أن أكتشف أي سخرية مبطنة – بأن اللغة العربية لغة مثيرة للجدل.

وبعد عدة سنوات أجريت مراسلات طيبة – ومن وجهة نظري مشجعة أيضًا – مع جاكلين أوناسيس، التي كانت تحاول أن تقرر ما إذا كانت سوف تضطلع بهذه المهمة أم لا، ثم أصبحت بعد ذلك واحدة من المسئولين عن وصول أعمال نجيب محفوظ إلى دار نشر «دبلداي»، حيث توجد ترجمات لأعماله الآن، وإن تكن لا تزال في طبعات غير منتظمة إلى حد ما، تنتشر هنا وهناك دون أن تثير الكثير من الضجة أو الاهتمام.

أما حقوق ترجمة أعماله إلى اللغة الإنجليزية فهي محفوظة للجامعة الأمريكية في القاهرة، والتي يبدو أنه باعها لها بسعر زهيد، دون أن يتوقع أنه سوف يأتي يوم يصبح فيه مؤلفًا معروفًا على مستوى العالم، وليس لديه ما يقوله حول هذه الترجمات، التي أصبحت بشكل واضح غير أدبية، ومشاريع تجارية على نطاق واسع، وتفتقد الكثير من التماسك الفني أو اللغوى.

أما بالنسبة لقراء العربية فلمحفوظ في الحقيقة صوت مميز، يبرز براعة لغوية فائقة وجديرة بالملاحظة، لم تسترع الانتباه الكافي حتى الآن.

سوف أحاول فيما يلي توضيح أن لدى محفوظ رؤية شاملة مقررة سلفاً، وإلى حد ما متكبرة، لبلاده، ومثل إمبراطور يعاين مملكته يشعر بقدرته على التلخيص، وعلى الحكم وعلى تشكيل تاريخها الطويل، وموقعها المعقد، باعتبارها واحدة من أقدم الجوائز في العالم، وأكثرها فتنة ومطمعًا، لغزاة مثل الإسكندر، وقيصر، ونابليون، كما هي أيضًا بالنسبة لأبنائها.

يضاف إلى ذلك أن محفوظ يمتلك الوسائل الأدبية والفكرية كي ينقل كل ذلك بأسلوب خاص به تمامًا.. مفعم بالقوة والدقة والصراحة.

تدفق سردي

ومثل شخصياته، التي يتم التعرف عليها دائمًا فور ظهورها، يصل إليك محفوظ مباشرة، يغمرك في تدفق سردي كثيف، ثم يتركك تسبح فيه وحدك طوال العمل موجهًا تيارات، ودوامات، وأمواج حيوات شخصياته، وتاريخ مصر تحت حكم رؤساء وزارات مثل سعد زغلول ومصطفي النحاس، وعشرات من التفاصيل الأخرى حول الأحزاب السياسية، والحكايات العائلية، وما إلى ذلك بمهارة استثنائية.

واقعية؟ نعم، لكن يضاف إليها شيء آخر هو بصيرة ترتفع إلى ضرب من الرؤية الكلية الجامعة، لا تختلف عن رؤية دانتي في مزاوجته بين الحقيقة الدنيوية والأبدية، ولكن من دون البعد المسيحي.

ولد نجيب محفوظ العام 1911، وفيما بين عامي 1939 و 1944 قام بنشر ثلاث روايات – لم تكن قد ترجمت بعد – عن مصر القديمة، بينما كان لا يزال موظفًا في وزارة الأوقاف.

كذلك قام محفوظ بترجمة كتاب جيمس بيكي عن مصر القديمة، كل ذلك قبل أن يتعهد مشروعه التأريخي للقاهرة الحديثة بدءاً من خان الخليلي، التي ظهرت العام 1945، وبلغت هذه المرحلة ذروتها العام 1956، و1957 بظهور عمله الرائع الثلاثية

كانت هذه الروايات في الحقيقة ملخصًا لحياة مصر الحديثة، أثناء النصف الأول من القرن العشرين.

الثلاثية ودراسة الأجيال

والثلاثية هي تاريخ رب الأسرة «السيد أحمد عبد الجواد»، وأسرته عبر ثلاثة أجيال. وبينما تمدنا بمقدار هائل من التفاصيل السياسية والاجتماعية، تعتبر الثلاثية أيضًا دراسة للعلاقات الحميمة بين الرجال والنساء، وأيضًا حكاية بحث كمال الابن الأصغر «لعبد الجواد» عن الخلاص، بعد مناصرته المبكرة والقصيرة لقضية الإسلام.

وبعد فترة صمت تزامنت مع السنوات الخمس الأولى التي تلت الثورة المصرية العام 1952، بدأت أعمال محفوظ النثرية تتدفق بتعاقب متواصل. روايات، وقصص قصيرة، وصحافة، ومذكرات، ومقالات، وسيناريوهات.

ومنذ محاولاته الأولى لتصوير العالم القديم أصبح نجيب محفوظ كاتبًا استثنائيًا غزير الإنتاج، وأحد المرتبطين بحميمية بتاريخ عصره، ومع ذلك كان مصممًا على استكشاف مصر القديمة مرة أخرى، لأن تاريخها سمح له بأن يكتشف هناك ملامح عصره، منعكسة ومقطرة، كي تلائم بالأحرى غايات معقدة تخصه هو.

وعلى ما أظن فإن ذلك هو جوهر روايته العائش في الحقيقة التي كتبها العام 1985، وترجمت إلى الإنجليزية العام 1988 تحت عنوان أخناتون، العائش في الحقيقة التي تعتبر بطريقتها غير المُدَّعية جزءًا من الاهتمام الخاص لدى محفوظ بالسلطة، والصراع بين المتدين التقليدي والحقيقة الشخصية، بكل ما في الكلمة من معان، وبالتباين بين وجهات النظر المتناغمة بشكل غريب على الرغم من التناقض البالغ بينها، والمستمدة من شخص رمزي غامض وملتبس في الغالب.

وُصف محفوظ بخصائص مميزة منذ أن أصبح شخصية شهيرة عالمياً، فهو واقعي اجتماعي كغيره من الواقعيين الاجتماعيين أمثال بلزاك، وجالسوارثي وزولا، أو هو خرافي صاعد من ألف ليلة وليلة (من وجهة نظر كوتيزي المخيبة للآمال). ولكن الأقرب للحقيقة أن نراه كما اقترح الروائي اللبناني إلياس خوري باعتباره يزودنا في رواياته بنوع من تاريخ شكل الرواية، فمن حكاية الخيال التاريخي إلى الحكاية الرومانسية والسيرة والحكايات المرحة عن الصعاليك، تبعتها أساليب واقعية، وعصرية، وطبيعية، ورمزية، وعبثية.

علاوة على ذلك فإن محفوظ، على الرغم من أسلوبه الصريح، يعتبر حاذقًا إلى حد بعيد، ليس فقط لكونه صاحب أسلوب أدبي عربي مميز، ولكن أيضًا بصفته دارسًا مجتهدًا للمسار الاجتماعي ونظرية المعرفة- هذه هي الطريقة التي يرسخ بها الناس خبراتهم – دون أن يكون لذلك نظير في هذا الجزء من عالمه، وربما في أي مكان آخر. والروايات الواقعية، التي قامت عليها شهرته، والبعيدة تمامًا عن أن تكون مجرد مرآة سوسيولوجية مبعثها الإحساس بالواجب تجاه مصر المعاصرة، تعتبر أيضًا محاولات جريئة للكشف عن الطريقة بالغة القسوة التي تُستخدم بها السلطة في الواقع. وتلك السلطة قد تنشأ مما هو مقدس أو من الجمعيات المدنية مثل الأحزاب السياسية، والجامعات، والبيروقراطية الحكومية… الخ. وليس المقصود هنا أن روايات محفوظ موجهة بواسطة مبادئ تجريدية أو تنتظم حول هذه المبادئ، فهي ليست كذلك وإلا لكانت أعماله أقل قوة وإمتاعًا لهذا العدد، الذي لا يحصى من قرّائه العرب، بالإضافة لجمهوره الواسع الآن على مستوى العالم.

المطلق والتاريخ

وفى ملحمة الحرافيش العام 1977 تم توسيع وتعميق موضوع أولاد الجبلاوي. ومكنه استخدامه الدقيق للغة من أن يترجم المطلق إلى تاريخ، وشخصيات، وأحداث، وتسلسل زمني ومكاني، بينما يحافظ، في الوقت نفسه – لأن هذا هو المبدأ الأول للأشياء، بشكل غامض – على استعصاء المطلق، وأصالته، وربما أيضاً تباعده المعَذِّب.

وفي أخناتون يغير إله الشمس إلى الأبد الملك الصغير الموحِد قبل الأوان، لكنه لا يكشف عن نفسه أبدًا، مثل أخناتون نفسه، الذي تتم رؤيته متنقلاً، موصوفًا من خلال قصص متعددة لأعدائه، وأصدقائه، وزوجته، التي روت قصته لكنها لم تستطع أن تحل غموض شخصيته.

وعلى الرغم من ذلك فإن لمحفوظ جانبًا دنيويًا بشدة، لكنه ممزق بين ذكريات، بل وحتى مفاهيم حول قوة محيرة عظيمة تبدو مقلقة له إلى حد كبير. لننظر مثلاً إلى قصة أخناتون التي تتطلب، ليس أقل من أربعة عشر حكاء، وتظل عاجزة عن حسم التأويلات المتعارضة لعهده.

وفي كل عمل أعرفه من أعمال محفوظ نجد هذا التجسيد المركزي، النائي في الوقت نفسه، للسلطة، والأكثر جدارة بالتذكر هو تلك الشخصية المسيطرة والأعلى مقاماً للسيد أحمد عبدالجواد في الثلاثية، فحضوره الاستبدادي يخيم على الأحداث في كل الثلاثية. وتراجعه البطيء عن عليائه لا يمكن أن يكون ببساطة خارج الأحداث، لكنه أيضًا تراجع تم تحويل طبيعته والإقلال من قيمته من خلال أعمال عادية، مثل زواج عبدالجواد، وسلوكه المستهتر، وأبنائه، وتغير التوجهات السياسية.

ويبدو أن الأمور الدنيوية تربك محفوظ، بل قد تسيطر عليه وتفتنه أيضاً في الوقت نفسه، خاصة في وصفه لطريقة تلاشى تراث السيد أحمد عبد الجواد، الذي كانت عائلته الموضوع الفعلي لدى محفوظ، ذلك التراث الذي ظل حتى النهاية يتولى جمع شمل الأجيال الثلاثة معًا خلال ثورة 1919، والعهد الليبرالي لسعد زغلول، والاحتلال البريطاني، وفترة حكم فؤاد.

والنتيجة أنك عندما تصل إلى النهاية في إحدى روايات نجيب محفوظ سوف تجرب بصورة متناقضة كلاً من: الأسف على ما حدث لشخصياته أثناء تطورها الطويل المتحدر، وأمل واضح بالكاد في أنه بالرجوع إلى بداية القصص، ربما تكون قادراً على التعويض عن قوة الانحراف لدى هؤلاء الناس. وهناك تلميح بأن التحكم في هذا المسار موجود في قطعة منفصلة تسمى «رسالة» متضمنة في عمله أصداء السيرة الذاتية العام 1994: «تُظهر قسوة الذاكرة نفسها في تذكر ما تشتت في كثرة النسيان». محفوظ غير باحث عن الخلاص لكنه مدون دقيق، وذو بصيرة حادة لمرور الزمن.

رفض الاستسلام

لذلك فإن محفوظ يمكن أن يكون أي شيء غير أن يكون قاصًا متواضع الحال، يلازم مقاهي القاهرة مواصلاً العمل بهدوء في ركنه المنعزل البعيد. المثابرة والاعتداد بالنفس اللذان لازما صرامة عمله لمدة نصف قرن، ورفضه الاستسلام للضعف العادي، هي جوهر ما قام به ككاتب. وأكثر ما مكنه من التمسك بوجهة نظره الدائمة بدرجة مدهشة حول طريقة ترابط الأبدي والمؤقت بهذا القدر من الحميمية، هي بلده، مصر نفسها. وكمكان جغرافي وتاريخ، ليس لمصر بالنسبة لمحفوظ نظير في أي مكان آخر من العالم.فهي قديمة تمتد إلى ما وراء التاريخ، متميزة جغرافيًا بسبب النيل وواديها الخصيب، مصر محفوظ هي تراكم هائل من التاريخ تمتد جذروها لآلاف السنين، وعلى الرغم من التنوع المدهش لحكامها وأنظمتها، ودياناتها، وأعراقها فإنها تحتفظ بهوية متماسكة تخصها. ويضاف إلى ذلك أن لمصر موقعًا فريدًا بين الأمم، ولأنها محط اهتمام الفاتحين، والمغامرين، والرسامين والكتاب، والعلماء، والسياح، فهي بلد لا تشبه بلدًا آخر لمكانتها فى التاريخ البشرى، والمنظور شبه الأبدي الذي تتيحه.

إن تناول التاريخ ليس فقط على نحو جدِّي، ولكن أيضًا بحَرفية هو الانجاز الرئيسي لعمل محفوظ، كما هو الحال مع تولستوي أو سولجنيتسين. ويحصل الكاتب على مستوى شخصيته الأدبية عن طريق الجرأة فقط، أو حتى التكبر المتفوق لمجال إدراكه. ولصياغة المسارات الطويلة للتاريخ المصري لصالح هذا التاريخ القصصي، ولكي يشعر الكاتب نفسه بأنه قادر على عرض مواطنيه للتدقيق باعتباره من ممثليهم، هذا هو الطموح الذي نادرًا ما يوجَد لدى الكتّاب المعاصرين.

محفوظ مصر هو شخص مشحون، مفعم بحيوية تثير الانتباه للدقة والدعابة التي يُظهر بها هذه الحيوية، بأسلوب لا يتبناه بالكامل الأبطال العظام، ولا يمكن أداؤه دون بعض من الحلم بالانسجام الكامل، الذي سعى إليه أخناتون يائسًا لكي يحافظ عليه، لكنه لم يتحمله.

ومن دون مركز سيطرة قوي قد تنتهي مصر بسهولة إلى فوضى سياسية أو حكومة استبدادية عبثية بلا مبرر تعتمد على التأويلات الدينية أو على دكتاتورية فرد.الآن بلغ محفوظ التسعين عامًا، لا يبصر تقريبًا، وبعد تعرضه لاعتداء جسماني من قبل متعصبين دينيين العام 1994 يُقال إنه اعتكف. وما هو لافت للنظر ومؤلم في الوقت نفسه فيما يخصه، هو كيف يبدو عليه، مع اتساع رؤيته وعمله، إنه لا يزال يحافظ على إيمانه الليبرالي المنتمي للقرن التاسع عشر، بمجتمع إنساني لائق لمصر، حتى وإن كانت الشواهد التي ظل يستخرجها ويكتب عنها في الحياة اليومية والتاريخ مازالت تدحض هذا الإيمان. والمفارقة أنه أكثر من أي كاتب آخر قد عبر بشكل درامي في عمله عن النزاع الكوني تقريبًا في أنه يرى مصر تدمج بين المطلقات المهيبة من جانب، ومن جانب آخر تآكل وتقويض هذه المطلقات عن طريق الناس، والتاريخ، والمجتمع.

وفي الواقع لم يجر محفوظ أبدًا صلحًا بين هذين المتناقضين، ومع ذلك فإنه كمواطن يرى الدماثة واستمرار تخطي الحدود القومية، والبقاء لوقت طويل، والشخصية المصرية في عمله على أنها قد تنجو من مسارات الضعف الناجمة عن الصراع والانحطاط التاريخي، التي صورها بقوة أكثر من أي كاتب آخر قرأت له.

P.-S.

تقديم:

سعيد الحنصالي

كلية الآداب والعلوم الإنسانية

الرباط

 

- ادوارد سعيد

52

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*