السبت , 18 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » دراســات » التهامي الوزاني تحولات مثقف مغربي في النصف الأول من القرن العشرين

التهامي الوزاني تحولات مثقف مغربي في النصف الأول من القرن العشرين

في سنة 1950، طلب السيد حسن المصمودي من التهامي الوزاني (1903-1972) كتابة مقال، لا يتعدى صفحتين، يلخص حياته في مجملها وذلك بغية نشره في مجلة المعرفة التي كان يصدرها في تطوان. نُشر المقال بعنوان «التهامي الوزاني بقلم التهامي الوزاني» (عدد24- مارس1950)، وفيه تطرق الكاتب إلى التقلبات التي عرفتها حياته، إلى أن قال: «وكنت أظن أن الزمان سيوجهني توجيها صوفيا، ثم رأيته يحوّلني تحويلا سياسيا، إلى أن استقر اليوم في توجيهي توجيها أدبيا».

1

سأحاول في هذه المقالة تأمل تحولات أحد المثقفين المغاربة في تطوان إبان النصف الأول من القرن الذي ودعناه، مع تشخيص العوامل التي أعتقد أنها كانت السبب في حدوث تلك التحولات والتي كانت نتيجة تجارب مفصلية. يتعلق الأمر برجل ذي جذور اجتماعية بالغة العمق، لكونه ينتمي إلى طبقة الخاصة الذين كان عليهم، مع تغير السياق الاجتماعي والسياسي، أن يعيدوا تأويل أدوارهم بمقتضى المهام التي أناطتها بهم التقلبات التاريخية. إنه بالأحرى مثقف عضوي، مندمج في طبقته، لكنه متمرد على بعض مصائرها.

لقد كانت المجتمعات الإسلامية، في حال مواجهتها لأزمة، تلجأ غالبا إلى استفتاء رأي الخاصة. ومن المؤكد أن الحواضر ضمت طائفة هامة من هؤلاء، الأمر الذي أهلهم للقيام بدور نافذ في صياغة مصير المجتمع الذي كانوا يوجدون به. وغير خاف أن الدين، خاصة في المجتمعات التقليدية، كان عنصرا بالغ الفعالية في تحديد الفروق الاجتماعية وصياغتها. فالشرفاء كانوا يحظون بالتقدير بسبب شرف أنسابهم أو بالنظر إلى امتلاكهم المفترض للبركة والكرامة. وقد كان الناس، وخاصة العامة، يتوجهون إليهم لحل نزاعاتهم أو للتوسط في هذه النزاعات. ولم يكن السلاطين المغاربة، رغم شجرة أنسابهم، يترددون في دعوة الشرفاء للقيام بوساطات في بعض القضايا المستعصية على الحل.

وتتوفر الطوائف الدينية والزوايا وكذا شيوخهما على نفوذ اجتماعي كبير. وكانت أهمية هاتين المؤسستين قائمة على السلطة الأخلاقية للشيخ وعلى وجود آلاف المريدين المنتشرين سواء في بنية الدولة ودواليبها أو في الهرم الاجتماعي. لكن الملاحظ أن نفوذهم لم يكن مقتصرا على المجال الديني، بل كان الشيوخ الصوفيون يقومون بدور الحكم في حل بعض النزاعات، كما كانت زواياهم ملاجئ آمنة لمن كان يتعرض لملاحقة ظالمة. ومع نهاية القرن التاسع عشر، كان لبعض الزوايا تأثير كبير على الحياة السياسية إلى درجة أن شيوخها كانوا يتدخلون علانية في النزاعات التي كانت تحدث داخل السلطة، الأمر الذي أثار حفيظة بعض المسؤولين السياسيين. وعندما استقرت الزاوية الوزانية بضواحي تطوان في أواسط القرن التاسع عشر، بعد تعرضها للبطش، كان ذلك إيذانا بزوالها وانتقال إشعاعها إلى طريقة أخرى. هكذا كان ظهور محمد الحراق خطيبا في أحد مساجد المدينة، وتأسيسه الطريقة الحراقية، وتحسينه صورة الممارسة الطرقية لدى النخبة من العلماء أو لدى الخاصة، بمثابة تأويل جديد للتصوف الدرقاوي. لقد كان الشيخ محمد الحراق عالما وشاعرا، لكن تصوفه لم يحل بينه وبين توثيق علاقات «الزاوية الحراقية » بالسلطة وكبار الرسميين. إن ذلك هو ما جعل الزاوية تتغلغل في المجتع التطواني، بل مهد لها كي تستقل بمواقفها عن بقية الزوايا الدرقاوية، خاصة أثناء فتنة فاس (1820- 1822)، حيث رفض محمد الحراق التوقيع على بيعة مولاي إبراهيم، وأعلن ولاءه المطلق لمولاي سليمان باعتباره سلطة شرعية .

2

اقتحمت الحداثة المجتمع المغربي على شكل موجات متتالية وصادمة، حيث جاءت أولى هذه الموجات بتأثير بعض الهزائم العسكرية في القرن التاسع عشر (1844،1860)، وجاء غيرها بتأثير البعثات والمبادلات التجارية، وكذا عبر الإصلاحات التي اقترحتها القوى الأجنبية منذ أواسط القرن المذكور. إلا أن أكثر هذه الموجات صدمة وتغلغلا واكتساحا هي تلك التي ارتبطت وتزامنت مع فرض نظام الحماية سنة 1912.

لكن إذا كان أثر الصدمات مزلزلا في البداية، فإنه سرعان ما شرع يتسرب بصورة تدريجية وعميقة بحيث لم يعد يمس المظاهر فحسب، وإنما العقليات و المقاربات كذلك. ويبدو لي أن ذروة تأثير الحداثة إنما انعكست في شكل شعور لدى الخاصة (أي من نسميهم اليوم مثقفين) بأن مجتمعهم أصبح هشا في مواجهة التطورات، وأن مفاهيمه غدت عتيقة ويجب تأويلها بسرعة حسب معطيات الأوضاع المستجدة. بعبارة أخرى: إن المثقف يجب أن يغدو حذرا إزاء ثقافته، كما أن عليه أن ينظر إلى نفسه ومجتمعه نظرة الآخر، أي ذلك الكائن الذي يتشكل بمعزل عنه، لكنه عاجز عن عدم الاحتكاك به.

لم يكف المغاربة، منذ بدء عهد الحماية، عن البحث عن تعبير مطابق للمرحلة التاريخية التي كانوا يعيشونها بصورة غامضة، وإن كانوا يشعرون بقوة أن مراجعهم لم تعد تجديهم نفعا. وكان المثقفون الذين يعبرون عن مشاغلهم بواسطة الكتابة يدركون أن وصفهم لمجتمعاتهم ازداد تعقدا وصعوبة، لأن عوامل كثيرة مما كان يعتري تلك المجتمعات كان يتعلق بإعادة صياغة هويتها في سياق تطور محتمل، كما كانوا يشعرون بأن عليهم الابتعاد بشكل كاف عن ماضيهم والنظر إليه عن كثب. إن هذه الوضعية المعقدة لم تكن لتدرك المثقفين حينا، لذا لم يكن التفكير في إشكالية المسافة الفاصلة بين الهوية والتاريخ ليستحوذ على اهتمامهم إلا في فترة متأخرة من عهد الحماية.

3

وُلد التهامي الوزاني في مستهل القرن العشرين، ونشأ في كنف أسرة فقيرة، وأحضان امرأتين أميتين هما أمه وجدته لأبيه، ومنزل صودرت أرضه من أملاك المقدم النقسيس وقـُدّمت من طرف المخزن هبة لأشراف وزان. كان ينتمي، من حيث النسب العقدي، إلى زاوية عتيدة، لكنه اختار لنفسه مسارا آخر سلكه كمتصوف مبتدئ بعد أن نبذ مواصلة تعليمه إلى منتهاه، متحديا بذلك الأوفاق الاجتماعية السائدة. وبما أن الظاهرة الدينية لم تكن في ذلك الوقت تعاني من انقسام حاد بين المعتقد السلفي والمعتقد الشعبي، فإنه سيكون علينا أن نلاحظ باندهاش أن التطور العقلي، المؤدي إلى استبصار تعقيدات الواقع، بدأ في أحضان الزوايا، سواء في ذلك زوايا العامة (الزاوية الحراقية) أو زوايا الأعيان (الزاوية الريسونية).

لقد عاش في بيئة ذات إواليات عتيقة، تمارس إسلاما بسيطا وعميقا، لكنه متشبع ببقايا خرافية. هكذا كانت أمه تعلق على عنقه تمائم لا تحصى، وكان هو بدوره يصطنع لنفسه تمائم أخرى مثل التميمة التي اصطنعها -خفية- من شعر لحية الفقيه الذي كان يدرسه القرآن. لكن هذا الجو المشبع بالخرافة، لم يكن يخلو من عنف رمزي. كان المسيد مدرسة لتعلم القرآن، لكن هذا التعليم كان يتحدى المبادئ التربوية، إذ كان التلميذ مطالبا بحفظ الكتاب المقدس دون أن يتعلم كيف يفهمه. وبما أن التهامي الوزاني كان حريصا على تعلم القراءة، فقد استعان بتلميذ أكبر منه سنا ليعلمه الأبجدية: هكذا تعلم الحروف مثلما حفظ القرآن بواسطة رغبة داخلية لا علاقة لها بالمناهج المتبعة، رغبة هي أشبه ما يكون بالتنوير الصوفي.

لم تنج نشأته أيضا من تقلبات التاريخ. فبعد عشر سنوات من ميلاده دخل الإسبان إلى تطوان بمقتضى اتفاقية الحماية، الأمر الذي أحدث ذعرا كبيرا في وسطه العائلي. لقد كانت أسرته مشبعة بالروح الأندلسية، فكانت تتذكر حرب تطوان سنة 1860 كنكبة مشابهة لسقوط غرناطة سنة 1492، خاصة وأن الشعور العام حينئذ كان شعورا دينيا بالأساس بحيث أن سكان تطوان شعروا بأنفسهم كمسلمين مستهدفين في عقيدتهم حينما رأوا جيوش المسيحيين تتوغل في مدينتهم، فعرتهم خشية من أن يكون نظام الحياة الجديد حائلا بينهم وبين ممارسة شعائرهم. ومع أن جدة التهامي الوزاني كادت تفقد صوابها من جراء ما حدث، إلا أنها، فيما كانت تلاحظ بأسف هروب عائلات بأكملها أو هجرتها إلى طنجة وشفشاون، فضلت أن يستمر بيتها على ما هو عليه ، حريصة على أن يتابع حفيدها حياته العادية. في هذه الظروف قرأ التهامي الوزاني مقامات الحريري، التي بدت له أشبه بطلاسم، كما قرأ حكايات “السندباد”، التي مكنته من اجتراح الهروب من الواقع إلى الحلم. في نفس هذه الفترة أيضا سمع من جدته أزلية سلفه مولاي العربي الوزاني الذي خرج في أوائل القرن التاسع عشر من وزان للاستقرار في ضواحي تطوان ، وكيف قاوم احتلال الإسبان لتلك المدينة مقاومة بطولية .

ابتداء من سنة 1918، أخذت آمال المغاربة في الانعتاق من نير الأجنبي تولّي وجهها شطر المشرق الذي كانت أصداء انهيار الخلافة العثمانية فيه تصل إلى تطوان عبر بعض الصحف أو عبر بعض المثقفين المغاربة الذين زاروا مصر أو أقاموا فيها ردحا من الزمن على هيئة كارثة جديدة، أو تبخر حلم. ورغم أن الآثار السيكولوجية لهذه التطورات كانت وخيمة على نفسية سكان تطوان، إلا أنها مكنتهم من النظر إلى أوضاعهم بصورة موضوعية، بحيث شعروا بأن الواقع أبعد من مطامحهم، وأن عليهم أن يتدبروا علاقتهم بالوضع الجديد من زاوية السعي إلى اقتناص فرص الإصلاح الممكنة في إطار نظام الحماية، دون التوقف، مع ذلك، عن توقع غد أفضل.

4

التحق التهامي الوزاني بالزاوية الحراقية سنة 1919 بسبب خاصيتها الشعبية التي تجافي معتقدات النخبة. كان عمره إذ ذاك ستة عشر عاما، وكان نظام الحماية قد أصبح ساري المفعول منذ سبع سنوات فلم يعد للتهامي الوزاني من خيار آخر، وهو المنتمي إلى أسرة صوفية ، سوى وضع مصيره بين يدي الشيخ المربي، فهو وحده الذاكرة المتبقية من المجتمع الذي تتعرض أسسه لهزات عنيفة. هكذا توثقت صِلاته بالشيخ ادريس الحراق (1875-1934) الذي لقنه الورد، ومكنه من الخلوة في علية الزاوية، وأمره بلبس الشاشية والعمامة وتعليق السبحة وحمل العصا، وحذره من ارتياد المساجد التي يدرس فيها الفقهاء المناهضون للزاوية الحراقية. إثر ذلك، غدا التهامي الوزاني مرافقا له في كافة تنقلاته. وكانت شكاوى سكان أحواز تطوان من عسف العسكريين الإسبان وتسلطهم على ممتلكاتهم تصل إلى الشيخ دون انقطاع، فكان لا يكف عن التدخل لرفع الحيف عنهم. لكن التهامي الوزاني لم يلبث أن لاحظ أن الشيخ كان يمالئ أولئك العسكريين أحيانا، بل لا يستنكف من تلقي هداياهم مقابل الصمت عن تصرفاتهم الشنيعة. عند هذا الحد أخذ وعي الفتى في التبلور كمساءلة للواقع: لقد كان كل شيء يجري كما لو أن شيخه، حين محاولته فهم وضعه، جعل من ذاته شيئا خارج التاريخ ، مستعيدا أشكال الوعي التي تم تجاوزها بفعل تسارع الأحداث. وبما أن الوجود الأجنبي هو الذي يطرح عناصر النقاش على الهوية، فإن ثمة إغراء قويا للقول بأنه هو الذي يحاول إبقاءها حية على نحو مصطنع.

على أن ما أذكى حس المساءلة لدى التهامي الوزاني حيال تصرفات شيخه، وحيال موقف الزاوية الحراقية السلبي من معارف السلف، هو ابتعاد صديقه الحميم امحمد بنونة (1900-1965) عن سلوك جادة التصوف التي ارتآها لنفسه واضطراره، انصياعا لضغوط أبيه وشقيقه الأكبر، إلى إتمام الدراسة في فاس حيث تتبلور معالم سلفية جديدة لا تخلو من مسحة سياسية قوامها كراهية المحتل. لقد كان هذا الحدث صدمة بالنسبة للتهامي الوزاني، لكن ليس هناك ما يدل على تغير موقفه، نتيجة لذلك، من الممارسة الصوفية ومن معتقد ولاية الشيخ، وإن كان رأيه في عصمته قد عراه بعض الاهتزاز. مع ذلك هناك احتمال للقول بأن تحوله لم يكن إذ ذاك إلا في حالة كمون، وأنه لن يبرز على السطح إلا عندما بدأ بعض رواد التيار الوطني في تطوان، وهم أعيان وسلفيون، يعملون على إحداث مؤسسات تعليمية حرة فانضم إليهم ودعم مسعاهم رغم تحفظ شيخه. وحينما دعوا إلى تنظيم استقبال حافل لشكيب أرسلان، صديق الحاج عبد السلام بنونة (1888-1935)، لم يتردد التهامي الوزاني في قبول رئاسة اللجنة المنظمة، وهو ما يدل، فيما يبدو، على أن مساهمته في بلورة حس وطني لم تكن وليدة هذين الحدثين، وإنما كان الحدثان تتويجا لها. فهل بالإمكان الاعتقاد، حسب عبد الكريم غلاب، بأن الرجل «استطاع أن يجمع بين الزاوية والحركة الوطنية» في تصور واحد؟ أم أن وطنيته كانت صوفية، وأن تصوفه لم يحل بينه وبين معاينة الواقع كما هو؟ أم أن صورة سلفه المقاوم مولاي العربي الوزاني كانت ما تزال متوهجة في ذاكرته؟.

5

في فترة مبكرة من حياته، تعرّف التهامي الوزاني على فتى يدعى (شعيب). لم يكن (شعيب)، رغم فقره وأصوله الشعبية، غافلا عن الأخطار المحدقة بالمغرب، وكان يتطلع إلى الجهاد في صف العثمانيين في حالة ما إذا جاءوا لإنقاذ بلاده، رغم أن نفوذ هؤلاء، في غيبة عنه، كان آخذا في التلاشي. تتوثق الروابط بين التهامي الوزاني و(شعيب)، وتتأجج في نفسيهما الأحاسيس التي تتلخص في الخطر المحدق ووجوب مقاومته. لكنهما يستفيقان ذات يوم على استحالة القيام بذلك، ثم يفقد كلاهما أثر الآخر. غير أن التهامي الوزاني لن يلبث أن يعلم أن صديقه، بسبب ضيق ذات اليد، انخرط في الجيش الإسباني، وأنه غدا بإمكانه أن يفتك بإخوانه المجاهدين فيما إذا دعت الضرورة إلى ذلك. ولن يتذكر التهامي الوزاني (شعيب) إلا عندما وجد نفسه، في شهر يوليوز 1936، وجـها لـوجه أمـام نائب الأمور الوطنية خوان بيكبيدير( 1888-1957). ألم يكن إذ ذاك، وهو في حضرة المسؤول الإسباني، الوجه الآخر لذلك الفتى الأمي المغلوب على أمره؟.

لقد كان الوعي بالأحداث يراوح مكانه، وفي نفس الوقت كان هنالك حرص على اكتشاف المنطق الكامن وراءها. يتعلق الأمر بوعي يتشكل على هيئة مواجهة حذرة، لكنه يتأرجح مع ذلك بين عتاقة ذاكرة مجتمع، وحداثة صيرورة قاهرة: وعي يستبطن أن المعركة كانت سريعة، وأن الهزيمة استقرت في النفوس، لذا لابد من وضع معايير أخرى لحساب الخسائر. لم تكن السياسة في ذلك الوقت معروفة في تطوان كالتزام معنوي وممارسة فاعلة ومنظمة، كما أن المشاعر التي كانت مهيمنة حيال الوجود الأجنبي كانت، كما أسلفنا، مشاعر يسيطر عليها الملمح الديني، ومن هنا تعاطف الناس مع محنة الخلافة في تركيا. في هذا الإطار لعب الحاج عبد السلام بنونة دورا هاما في تعريف الخاصة بالسياسة والعمل السياسي، وذلك نظرا لاطلاعه الواسع، وتنوع دوائر اتصالاته وعلاقاته الشخصية، وتردده على مدريد، وخاصة في عشرينات القرن الماضي، حيث عرف شبه الجزيرة الإيبيرية غليانا كبيرا عبّر عن نفسه في احتدام النقاش بين الأحزاب حول النظامين الملكي والجمهوري. لكن الرجل كان أيضا على اتصال بالرعيل الأول من وطنيي فاس، حيث كان تردده على العاصمة العلمية لتفقد أحوال شقيقه امحمد، الذي كان يتابع دراساته بجامع القرويين، وسيلة للاطلاع على تصوراتهم للمستقبل، وتنظيماتهم، وخططهم الرامية إلى بث الوعي السياسي ومناهضة التدين الطائفي. ألا يدفعنا هذا إلى الظن بأن تبرعم المشاعر السياسية لدى التهامي الوزاني حدث في كنف علاقته بآل بنونة وصداقته «التاريخية» لهم، وأن ظهور حزب الإصلاح الوطني، في أواسط الثلاثينات، إنما عمل على تأطير هذه المشاعر على نحو معقلن، وتوجيهها صوب أهداف وطنية مناسبة للأوضاع الراهنة في ذلك الوقت؟. لكن يتعين علينا مع ذلك أن نشير إلى أن وطنية التهامي الوزاني لم تكن حزبية بالمعنى الضيق، كما أن حزبيته لم تكن تجد نفسها في عقيدة محددة وثابتة، بل في ملتقى عقائد متقاطعة، تتداخل فيها المواقف بالعلاقات الشخصية، والمنافع بالولاءات الناتجة عنها. لذا كانت نظرته إلى السياسة نظرة تأملية تميل إلى تنسيب الآراء، وتنأى عن الحسم، وتحاكم الأوضاع بمقتضى حتمية التطورات.

في سنة 1929، وفي دروس ليلية، بادر التهامي الوزاني إلى تعلم اللغة الإسبانية التي أتقن التحدث بها وكتابتها والترجمة عنها، كما جعل منها وسيلة للاطلاع على الصحافة الصادرة في إسبانيا، وعلى المؤلفات الإسبانية التي تهتم بتاريخ المغرب وأوضاعه الراهنة. لقد مكنه ذلك أيضا من الاختلاط برجال السلطة الإسبان، بما في ذلك العسكريين الذين شاءت الصدف أن تتوثق علاقته بأحدهم، وهو القبطان كريستوبال دي لورا إي كاسطانييدا (1896-1936)، حيث اقترح عليه، سنة 1931، الانخراط في أحد «الألواج» الماسونية، فلم يتردد في القيام بذلك ظنا منه أن هذه المحافل منتديات للنقاش والانفتاح على ذوي النفوذ في إدارة الدولة الحامية. لم يكن هذا الحدث عابرا في حياة التهامي الوزاني، بل يعتقد البعض أنه شكل بداية القطيعة مع الشيخ ادريس الحراق، كما أن عواقبه كادت أن تكون وخيمة عليه وذلك حينما عمد النظام الفرانكوي إلى شن حرب شعواء على الحركة الماسونية في إسبانيا وفي منطقة الحماية بغاية استئصالها، وسعى إلى تشريد المنخرطين فيها أو مصادرة أملاكهم أو إعدامهم دون تمييز.

6

في هذا السياق غدا من الواضح أن النهوض الاجتماعي والثقافي يقتضي مواجهة الهوية، وتأويل مقومات الماضي، وإعطاء الذات حقها في أخذ الكلمة. معنى ذلك أن الخاصة كان لابد أن تغادر وضعها الانتظاري، ولغتها المتكلسة، بحثا عن خطاب جديد في شبكة الخطابات الممكنة. في هذا الوقت بالذات يُدعى التهامي الوزاني للقاء نائب الأمور الوطنية بيكبيدير الذي لم يكن طارئا على الحياة السياسية في تطوان بل متمرسا بتقلباتها منذ أواسط العقد الثاني من القرن الماضي: فعقب تخرجه من الأكاديمية العسكرية برتبة قبطان، حل بتطوان سنة 1915 حيث تعلم اللغة العربية الفصحى والدارجة المغربية. وفي سنة 1916 عُين ملحقا بديوان المقيم العام الإسباني إلى غاية سنة 1924. إثر ذلك كلف بمصلحة الاستخبارات بنيابة الأمور الوطنية التي ظل على رأسها إلى سنة 1930، حيث عين مستشارا للنائب السياسي قبل أن يغدو خليفة له سنة 1933. وعندما وقع الانقلاب الذي أطاح بالنظام الجمهوري في إسبانيا، عمد بيكبيدير إلى أخذ زمام المبادرة، فاستولى على نيابة الأمور الوطنية التي أقره فرانكو عليها، قبل أن يعينه مقيما عاما على منطقة الحماية في 30 مارس 1937.

كان هذا الأخير يقيم إذ ذاك، بصورة مؤقتة، في الأوطيل ناثيونال بتطوان عقب انقلاب فرانكو على الشرعية الجمهورية واندلاع الحرب الأهلية، وكان قد رسم سياسة تهدئة لمنطقة الحماية تتميز بالحث على الانفتاح، وتدعو إلى حياة سياسية قوامها تعدد الأحزاب وتنوع المنابر والصحف. ذهب التهامي الوزاني للقاء بيكبيدير فوجده لا يزال مخلدا إلى النوم فأيقظه. رآه وهو ينهض من سريره، ويدخل الحمام، ثم لاحظ أنه لم يلبث إلا وقتا وجيزا حتى اغتسل وحلق لحيته وصفف شعره ثم دعاه إلى طاولته حيث أخذا يتحدثان عن مستقبل المنطقة وحاضرها. وفيما كانا يتناولان الفطور، اقترح بيكبيدير على التهامي الوزاني إصدار صحيفة «في أقرب وقت» مقابل تعهدات بتقديم مساعدات شهرية من نيابة الأمور الوطنية ( قدرها ألف بسيطة) ومن المجلس البلدي (وقدرها 250 بسيطة)، فقبل هذا الأخير ذلك بعد استشارة أصدقائه الوطنيين الذين لم يتحمسوا في بادئ الأمر، واتهموه بالتسرع والمغامرة، لكنهم لم يلبثوا أن تراجعوا عن موقفهم فيما بعد.

لم يكن ذلك أول لقاء جمع بين الرجلين، بل سبق لهما أن التقيا من قبل في مناسبات عدة إلى درجة أن التهامي الوزاني « تعوّد على حفاوة استقبال» الضابط الإسباني له، كما تعود على « حديثه الحافل بالوعود والأماني ». من هنا سجل تفاصيل هذا اللقاء في كتابه المخطوط بين صديقين(1955) الذي يتضمن بعض ذكرياته السياسية والشخصية بدقة مثيرة للانتباه. معنى ذلك أنه كان يدرك بعمق أهمية الحدث، ليس بالنسبة للحركة الوطنية، وإنما بالنسبة له هو شخصيا. هناك دلالات واضحة تؤكد أن إصداره لصحيفة الريف كان بمثابة بنية جديدة لطاقته كمثـقف، أدت إلى خروج الكاتب من شرنقة المتصوف و قوقعة السياسي الذي يباشر معالجة المواقف المبدئية. لقد كانت هناك رقابة على الخطاب المطالب بالاستقلال، والخبر المرتبط بأخبار الحرب الأهلية، ثم الحرب العالمية الثانية بسبب انحياز حركة فرانكو لدول المحور، لكن الرجل وجد، وراء ذلك وفي خضمه، مجالا رحبا لممارسة الكتابة. وفيما انكفأ أصدقاؤه السلفيون خلف محاذير اجتراح الأخطاء، وتشبث الوطنيون برؤيتهم المتراوحة للتطورات، استطاع هو أن يعرض تاريخه الشخصي على مجهر المستقبل، مكتشفا في مرآته تعقيدات التخلق التي شكلت وجدانه المتـفتح وجرأته التي لا تعرف التراجع.

7

صدر العدد الأول من الريف في شهر غشت 1936 كصحيفة «مستقلة» أو «حرة» كما وصفها التهامي الوزاني في إحدى مقالاته، وتواصل صدورها 19 عاما، بحيث شكلت فضاءا مركزيا للدفاع عن قضايا منطقة الحماية الإسبانية على الصعيدين الاجتماعي والسياسي، كما كانت مجالا مفتوحا للكتابة التاريخية والسردية والتأملية. ويمكن القول بأن السنوات الممتدة من 1940 إلى 1952 عرفت تحولا نوعيا في كتابة التهامي الوزاني حيث انتقل من معالجة المقالة إلى تأليف الكتب التي قام بنشر بعضها على صفحات الريف وذلك بدءا من تاريخ المغرب (1940) ومرورا بـالزاوية (1942)، وفوق الصهوات(1943)، ووصولا إلى «سليل الثقلين (1950) والباقة النضرة (1952)، وهي في الغالب نصوص تتراوح أجناسها بين التاريخ والسيرة الذاتية والرواية والخطاب التأملي.

لم يكن التاريخ، كمعرفة، مجالا غائبا عن اهتمامات التهامي الوزاني. ويمكن القول بأن عمله الصحفي، واتساع فضاء الكتابة أمامه، وانخراطه كرجل سياسة في مضمار الفعل، كل ذلك كان حافزا له على تأمل تاريخ بلاده بحثا عن نقاط القوة ومكامن الضعف. لقد كان التاريخ، في جانب منه على الأقل، مدىً من الأحداث يرتبط بذاكرته الدينية والوطنية، كما كان معرفة تروم تبرير التحولات المتعاقبة، والبحث عن منطق لها، ومقاربتها من زوايا نظر متعددة. هكذا ألـّف التهامي الوزاني كتابه تاريخ المغرب الذي كرس جزءه الثالث لفترة الحماية، معتمدا فيه على الوثائق الإدارية الاستعمارية، وعلى الصحف والمراجع الإسبانية، وكذا على الروايات الشفوية، وهو ما لم يكن أمرا مألوفا في الكتابة التاريخية في ذلك الوقت. لكن التاريخ، في تصوره، لم يكن فقط مجموعة وقائع بحاجة إلى تحليل، بل كان أيضا سرودا يتناقلها الرواة، وتتداولها الألسنة دون تمحيص: من هنا حرص، منذ نعومة أظفاره، على الإصغاء لما كانت ترويه جدته عن مصائر أسلافه، ومغامراتهم وبطولاتهم، وما ينسب إليهم من خوارق وكرامات تشذ عن المألوف. في هذا الصدد، يعتبر كتاب فوق الصهوات حصيلة مرويات تراكمت في ذاكرته على مدى سنوات إلى أن عمد إلى صياغتها على هيئة سيرة «شعبية» يتجاور فيها التاريخ والسرد الملحمي. وشكـّل الأدب مركز اهتماماته الثقافية.

لقد لاحظ جاك بيرك بأن السيرة الذاتية كانت شكلا نادرا في الثقافة الكتابية بالمغرب، واعتـبر الزاوية نتاج جرأة ومكابدة لإبراز أن الكاتب في خضم تاريخ قائم على نسيان أنوات الأفراد. إن الكتاب هو أيضا محاولة من الكاتب لرؤية حياته كنظام بقدر ما يبين فرديتها، بقدر ما يجعل المجتمع والتاريخ جزأين لا يتجزءان منها. وعندما شرع التهـامي الوزاني في كتابة سليل الثقلينسنة 1949، عمد إلى استيحاء ذاكرة قراءاته لكتاب ألف ليلة وليلة، جاعلا من هذا التراث الكوني منطلقا لصياغة رواية تجري أحداثها قبل آلاف السنين، وسط أرخبيل سندبادي، بين بشر أقرب إلى الملائكة، وأبالسة حريصين على تدمير القيم الجديدة. ويعتبر كتاب الباقة النضرة كتابا تأمليا، يسعى إلى بلورة أسس «إسلام بسيط»، تنويري، قابل للإصلاح، وغير متطرف في مقاربة التطورات الاجتماعية والسياسية التي أخذت تكتسح العالم بعد نهاية الحرب العالمية الثانية.

8

هكذا كانت الكتابة، وهي تـنفتح على الماضي والحاضر، أشبه برهان أنثروبولوجي: فإذا كان الوضع برمته مثبطا لعزيمة العديد من المثقفين، فإن التهامي الوزاني، بسبب حرصه الشديد على تأويل دور سلالته تأويلا جديدا وتوفر تاريخه الشخصي على فرص قاهرة دفعته إلى ممارسة الكتابة، كان أكثرهم شعورا بالحرية إزاء تدوين كل ما يعن له. صحيح أن هناك فترات في حياته لم يكن أكثر من مسجل وقائع الجدل الدائر بين الوطنيين وسلطات الحماية، لكن هنالك أيضا لحظات غيرها كان يبدو فيها ميالا إلى الاستئثار بحريته إلى حد الرغبة في التخلي عن انتمائه الحزبي الذي كان يعتبره « أقسى العبوديات»: كان يريد الغوص في ذاكرة السلالة حيث يجد مجالا رحبا لتأمل علاقته الخاصة بجذوره وأسلافه، كما كان يقتنص فرصا للتعبير بقوة عن إحساسه بسيولة التاريخ وأهمية التورط في إشكال الصيرورة بحثا عن دور مناسب. معنى ذلك أن الكاتب كان يدرك أن الحداثة لا يكمن مصدرها فيما هو مدون في الكتب العالمة، ولا فيما هو شفوي، وإنما في كتابة تخومية تعتمد منطق تآلف الحقيقة والخرافة، وترى في ذلك حلا لإشكالية انفصال ثقافة الخاصة عن ثقافة العامة.

تلك هي تحولات التهامي الوزاني إبان النصف الأول من القرن العشرين: لقد كان تصوفه بمثابة سعي إلى تمتين جذوره العائلية، كما كان تمردا على المد السلفي الذي كان آخذا في التحول إلى عقيدة دوغمائية. أما ممارسته للسياسة، فكانت عملية انتماء إلى تيار تاريخي وجد في ديناميته تعبيرا عن طموحه في العثور على دور مناسب يستوعب جذوره وتمرده. فيما كان انكبابه على الكتابة اكتشافا لذاتيته ولطاقته كمثقف مندمج ومنفصل، قادر على أن يكون في المركز وفي الهامش، في دائرة الفعل ونقد الفعل. مثقف بالمعنى الذي أعطاه إدوارد سعيد لهذه الكلمة في كتابه عن المثقفين والسلطة: «شخص يتعذر توقع ما سينجزه في الحياة العامة، ومن المستحيل تقليص كيانه إلى شعار معين، أو إلى تيار حزبي، أو مذهب فكري قار وثابت». لقد كانت رؤيته إيجابية حتى إلى السلبيات: رؤية متسامحة، تضع ثقتها في تيار الزمن المسترسل الذي جرى صوغه تحت ضغط التطورات، لكنها تعتبر نفسها مسؤولة عن وضع الوعي في مستوى تاريخه.

مراجع:

  مجلة المعرفة، عدد 24- مارس 1950.

  التهامي الوزاني،الزاوي،مكتب النشر، 1942 .

  التهامي الوزاني،بين صديقين(مخطوط)، 1955.

  عبد الكريم غلاب،الماهدون الخالدون، كتاب العلم، 1991 .

  التهامي الوزاني، «أماني معسولة» الريف 12/10/1936

  التهامي الوزاني،قدم في الدنيا وأخرى في الآخرة، (مخطوط)، 1965.

  التهامي الوزاني: التصوف، الكتابة والتاريخ، (ندوة)، اتحاد كتاب المغرب، 1988.

  Abdelmajid Benjelloun, Approche du colonialisme espagnol et du mouvement nationaliste marocain dans l’ex–Maroc Khalifien. Edition Okad, 1988

  Edward Said, Des intellectuels et du Pouvoir, Paris, Seuil, 1996

  Jacques Berque, Maghreb, Histoire et Société, 1974

- إبراهيم الخطيب

135

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*