الإثنين , 20 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » الفلسفة العربية الواقع والآفاق

الفلسفة العربية الواقع والآفاق

محمد المصباحي (تنسيق)، رهانات الفلسفة العربية المعاصرة، الرباط، منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط، 2010.

kiraat_10.8صدر مؤخرا عن منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط كتاب رهانات الفلسفة العربية المعاصرة، وهو حصيلة أشغال مؤتمر فلسفي دولي، نظم

تحت هذا الاسم بنفس الكلية، بين يومي 20/21 نونبر2009 بتنسيق محمد المصباحي. ووفق ورقة العمل المؤطرة لأعمال هذا المؤتمر، فإن هذا الأخير أريد له أن تتسم بحوثه بالطابع العملي، بحيث تنأى بنفسها عن ما دأبت المؤتمرات الفلسفية العربية السابقة عليه من تقييم ومراجعة لوضع الفلسفة العربية منذ بداياته الحديثة، وكذا من تصنيف وفرز لمراحلها، والتساؤل عن مدى أصالتها وقيمتها بالنسبة لواقعها أو بالنسبة للفلسفة الغربية. هذا إضافة إلى الابتعاد عن الكلام عن صدمة الحداثة، أو عن النهضة العربية، أو عن تقابلات التراث والحداثة ولواحقهما، وكذا عن الدور الذي لعبته الفلسفة في تأويل العالم وفهمه. فعلى العكس من كل هذا، فالمؤتمر يسلم بوجود فلسفة عربية معاصرة، لم يعد هناك مجال للتشكيك فيه، مما يعني أن المطلوب هو الكلام عن كيفية تعاطيها مع واقعها، وكذا كيفية مواجهتها للأسئلة الجديدة التي تهم الإنسان العربي من حيث هو مرآة للإنسان العالمي (ص 7-8).

وهكذا أراد هذا المؤتمر لأشغاله أن تحكمها روح تفاؤلية، تبعدها عن جلد الذات، والتأكيد على عجزها، خصوصا وأن هناك من الحوافز الكثيرة، على رد الاعتبار لهذه الذات في ممارسة القول الفلسفي بضمير المتكلم. ومن بين هذه الحوافز: التجربة الفلسفية الواسعة والعميقة التي تختزنها اللغة العربية، بفعل احتكاكها بالفلسفة اليونانية. فهي تجربة بدا تأثيرها الإيجابي واضحا اليوم على الفلاسفة العرب المعاصرين، بحيث ساعدتهم على تحقيق ولو حد أدنى من إمكانية التواصل الفلسفي مع اللغات الفلسفية الأوروبية الحديثة والمعاصرة. كما تتجلى في ذلك الإرث الفلسفي الغني الذي خلفه التراث العربي الإسلامي، والذي كان مؤشرا على ازدهار حضاري، رغم المضايقات التي كان يتعرض القول الفلسفي بين الحين والآخر. هذا إضافة إلى حافز رهان التحديث في الحاضر العربي. لكن بقدر ما هناك من الحوافز، بقد رما هناك أيضا من التحديات التي تواجه هذا التحديث، يجب أن تواجهها بحوث المؤتمر، تحديات فكرية وواقعية، داخلية وخارجية، أوقعت الإنسان العربي في لبس وحيرة(ص.7).

ومن هنا تطرح على الفلسفة العربية المعاصرة، مهمة مواجهة هذه التحديات، لوضع العالم العربي على سكة الحداثة والتنوير. وهي مهمة وزعها المؤتمر على خمسة قضايا أساسية، هي ما يشكل محاور هذا الكتاب، تتمثل في: رهانات الفلسفة السياسية، والدينية، ورهانات مجتمع المعرفة، والحاضر في الفلسفة العربية، وأخيرا راهن هذه الفلسفة.

لكن هل تحقق ما كان يعول عليه هذا المؤتمر، أي ممارسة القول الفلسفي باسم ضمير المتكلم؟ يجيبنا محمد المصباحي في مقدمة هذا الكتاب كمنسق لأشغال هذا المؤتمر، بالقول بأن جل الأبحاث قد التزمت بورقة العمل الموجهة لأعمال المؤتمر، بحيث أبانت “‘عن إرادة الجرأة على التفلسف”(ص.7)، وهي إجابة توحي بعدم التزام بعض الباحثين بورقة العمل هاته. ونحن نفترض في قراءتنا لهذا الكتاب بأن هذا البعض يشكل أغلب الباحثين الذين لم يلتزموا بما كان يعول عليه المؤتمر. ويرجع ذلك في نظرنا، إلى كون مفهوم “الرهانات” يحيل على دلالات متعددة، جعلت الباحثين يختلفون في تفسيره، بشكل حال دون التعاقد على دلالته،التي اعتمدها المؤتمر.والنتيجة، كانت هي توظيف الرهانات وفق دلالات مختلفة إن لم تكن متناقضة، توزعت بموجبها البحوث إلى ثلاثة أصناف هي : بحوث رافضة للحديث عن الرهانات من داخل الفلسفة، بحوث ربطت رهانات الفلسفة العربية، بما يجب أن تكون عليه، وأخيرا بحوث ربطت هذه الرهانات بالتفلسف في قضايا محددة لها راهنيتها في الواقع العربي. وهذا ما يمكن أن يفيد بأن عنوان هذا الكتاب سيحيل على فهم متعدد لرهانات الفلسفة العربية المعاصرة.

2) رهانات الفلسفة العربية بما هي تفكير في خارجها

يدافع الكبيسي في عرضه “في نقد الرهان” عن أطروحة مفادها أن الحديث عن رهانات الفلسفة العربية، من شأنه أن يخل بصناعة الفلسفة. فمفهوم الرهان قد تبلور أساسا، في العلم والأدب، ونقله إلى الفلسفة، من شأنه أن يجعل هذه الأخيرة كأرضية لحرب المزايدات الرهانية، وما تحيل عليه من نزعة تجريبية اختزالية وتحنيطية، تتحول بموجبها الفلسفة إلى مجرد شاهد على عصرها وواقعها. كما تتحول إلى مجرد مخاطرة، قوامها الربح والخسارة. وهكذا كانت مراكمة الفلسفة العربية المعاصرة لكم هائل من الرهانات،هي ما يفسر تعاليها عن المجتمع وعدم تفاعلها معه. وكبديل لما يسميه الكبسي حرب الرهانات الفلسفية وما تحيل عليه من تدخل للذاتية، تفسد على الفلسفة انفتاحها الأبدي، فإنه سيستعير العبارة الهيدجيرية المشهورة “ترك الوجود يوجد من خلال وجوده نفسه” للقول المطلوب أن توجد الفلسفة العربية من خلال وجودها نفسه(ص.282)، أي أن المطلوب ترك الفلسفة تدافع عن ذاتها ومجالاتها مادامت الفلسفة لها زمنها ومبدؤها الخاصين بها، واللذان يجعلانها دوما تحيل على نفسها. لهذا “فالمطلوب تغيير طبيعة الأسئلة الفلسفية لمنع سوء التفاهم وضمان معقولية القول الفلسفي كأرضية للتفاهم لأنها معقولية مشتركة تناقش مشاكل مشتركة هي مشاكلنا، لأن التفلسف حول أنفسنا هو الشيء الأكثر أهمية الذي يمكننا فعله، وهنا تكمن طرافتنا” (ص.287). وبهذا تكون الفلسفة العربية المعاصرة حسب هذا المفكر، قد أنجزت إحدى مهماتها الأساسية وهي مكافحة الرهانات، باعتبارها هي ما يحول دون سيادة روح الحوار في هذه الفلسفة، وكذا إرادة الانخراط في العصر والحاضر. وهكذا يفهم هذا الأخير، مهمات الفلسفة العربية هاته، بأنها نابعة من ذاتها، ولا تفرض عليها من خارجها. كما يعتقد وكأن نقل مفهوم الرهان من مرجعيته العلمية والأدبية، إلى الفلسفة، لا يفقده معناه الأصلي، ويجعله مرادفا للتفلسف بما هو تفاعل مع هموم وقضايا الإنسان.

أما بالنسبة لحسن حنفي فإنه في بحثه “رهان الفلسفة في الوطن العربي والموقف الحضاري” يقصد بالرهانات، مجموع التحديات والصعوبات والمخاطر والعقبات، تلك التي تنتصب كعوائق أمام ” قدرة الفلسفة على التنظير المباشر للواقع دون أن تكون فقط تعاملا مع النصوص القديمة أو الحديثة” (ص 16) ، وهذا معناه أن رهانات الفلسفة توجد خارجها، فهي رهانات ترتبط بأكثر من جبهة، وعامل، إنها هي ما يعيق انخراط الفلسفة العربية في تحقيق رهانها الخاص، والذي هو وجودها كفلسفة، وليس كمجرد ثقافة فلسفية كما هو حاصل الآن (ص 18). إنه رهان يتفاعل مع الرهانات المحيطة بهذه الفلسفة، لتحقيق التجديد والتحضر في العالم العربي.

وهكذا يرفض الكبسي اعتبار رهانات الفلسفة العربية تتحدد من داخل هذه الفلسفة. مما يعني أن حلول مشكل ممارسة التفلسف في العالم العربي بما هو انخراط فعلي في تحديث المجتمع لا توجد في هذا التفلسف نفسه، وإنما في محيطه.، ف” الفلسفة تجد حلولها في محيطها وليس في جوهرها” (ص 16)، وهذا ما أكدته في نظره كل بحوث هذا الكتاب، فهي ليست بحوثا فلسفية، وإنما هي بحوث في الفلسفة، أي في الرهانات أو التحديات المحيطة بالفلسفة، والتي تكبل الوجود العربي وتحول دون تحضره، ودون قيام فلسفة عربية تساهم في هذا التحضر.إنها بحوث في مهام ووظائف الفلسفة، أو في ما يحيط بها من موضوعات، كالعلمانية والإيديولوجيا والحرية والمقاومة… وهذا ما جعل هذه البحوث، في نظر حنفي، منسجمة ليس فقط، مع موضوع الكتاب، كموضوع “يقترب من الثقافة أكثر من منه إلى الفلسفة” (ص14)، وإنما أيضا مع مشروعه: “التراث والتجديد” باعتباره يجسد أكثر المشاريع الفكرية العربية، معاصرة، لأنه يراهن على فك حصار الزمن الماضي والحاضر والمستقبل عن الوجود العربي، في التاريخ والذي تشكل الفلسفة جزء منه (ص25). وهكذا وبموجب هذا الفهم الذي قدمه حنفي للرهانات، فإنه يكون قد ابتلع كل فصول الكتاب في مشروعه الفكري، باعتباره لا يشكل فقط صيرورة (بالمعنى الهيجلي للصيرورة) هذه الفصول، بل ولكل المشاريع الفكرية العربية الأخرى. وهذا ربما ما يفسر،إشارته في بداية بحثه إلى خشيته من أن يكون بحثه هذا، مجرد تكرار لمواقفه المعروفة على الساحة الفلسفية العربية.

و فيما يخص بحث عبد الحليم عطية “الفلسفة الغربية والفكر العربي المعاصر” فهو قد ربط رهانات الفلسفة العربية بتشابكها وتداخلها مع مختلف المذاهب الفلسفية الغربية. وخاصة منها المذهب الفينومينولوجي، باعتباره يشكل المدرسة الفلسفية الرصينة الغير المصطبغة بالإيديولوجيا، التي عبرها سيستحضر الفلاسفة العرب، باقي التيارات الفلسفية الغربية. من هنا يرى هذا الأستاذ ضرورة فض الاشتباك بين هذه المدرسة، والفلسفة العربية، وذلك حتى تتمكن هذه الأخيرة من ممارسة حقها في الإبداع وذلك عبر قنوات متعددة، قوامها الدعم المادي والمعنوي سواء من طرف المؤسسات الغربية، أو العربية (ص 353- 370).

أما سالم يفوت، فقد ربط عرضه حول رهانات الفلسفة العربية المعاصرة ، بجزء منها، وهي الفلسفة المغربية، في وضعيتها في النصف الثاني من القرن العشرين. وقد أول رهانات هذه الفلسفة، بحضورها كمادة دراسية بالجامعة المغربية في هذه المرحلة من تاريخ المغرب.وهو حضور عبر عن نفسه في مجموعة من الإنتاجات الفلسفية، التي ظلت محكومة بهاجس الانفلات من قبضة المثالية بشتى ألوانها. وهذا ما عبرت عنه في المرحلة الأولى شخصانية عزيز الحبابي، ومن بعده الدراسات الإبستيمولوجية القطاعية، في المنطق، والفلسفة الإسلامية، والحديثة، والمعاصرة. وقد توجت هذه الدراسات الإبستيمولوجية، بتأسيس مجوعات بحث متفاعلة ومتعاونة في مختلف شعب الجامعة وكلياتها. وهذا ما يكشف، حسب سالم عن راهنية الفلسفة المغربية، كفلسفة تتطور باستمرار وفي مناحي متعددة ومختلفة. لذلك يفترض في هذه الفلسفة الحفاظ على وتيرة هذا التطور، من خلال تعميق التواصل أكثر بين مجموعات البحث، لتواكب مستجدات العصر. ولتحقيق نهضة فلسفية مغربية (ص 425- 431).

وهكذا يمكن أن نخلص إلى أن هذه البحوث رغم اختلاف منطلقاتها، فإنها ربطت التفكير في رهانات الفلسفة العربية،بالتفكير في ما يحيط بها. وذلك إما من منطلق نقدي، بموجبه تم التأكيد على أن التفكير في الرهانات من شأنه أن يخرجنا من مجال الفلسفة إلى العلم أو الأدب، كما هو الحال بالنسبة للكبيسي، أو من منطلق التفكير في كيفية مواجهة التحديات المحيطة بها وبواقعها،كما هو الأمر بالنسبة لحسن حنفي، أو من منطلق تأثرها الإيجابي بمحيطها الفكري والمؤسسي كما هو الحال مع عبد الحليم عطية، وسالم يفوت.

3) رهانات الفلسفة العربية المعاصرة بما هي تفكير في ما ينبغي أن تكون عليه هذه الفلسفة.

بتوقفنا عند عناوين مجموعة من البحوث التي يتضمنها هذا الكتاب، سنلاحظ أنها تؤشر على ربط رهانات الفلسفة العربية المعاصرة، بما ينبغي أن تسهم به في هذا المجال.

وهكذا فحسب بحث أحمد الأمين “النقد الفلسفي العربي المعاصر بين الإيديولوجيا والفلسفة “فإن الفلسفة لا تعبر عن نفسها كفلسفة إلا من خلال ترسيخها لمجموعة من الثوابت، وعلى رأسها النقد.لهذا فإن الفلسفة العربية، مطالبة اليوم بترسيخ هذا النقد، وذلك بإعادة صياغة أسئلتها، ل “تأسيس مدرسة نقدية فلسفية عربية معاصرة، تساجل مقولات التاريخ والتراث والعصر، فتفسرها وتفهمها وتؤسس لنظر نقدي متجدد،يجعلها في مواجهة مستمرة، مع الإيديولوجيا، كفكر يقوم على التمويه والتبرير والتبعية والالتحاق. وبهذه المواجهة، فإن الفلسفة العربية ستكون قد حافظت على ترسيخ ما دأبت عليه الفلسفة عبر تاريخها الطويل، أي مواجهة، ونقد مختلف أنواع الفكر الأسطوري والعقائدي. وهذا ما يتضح جليا لدى مجموعة من الفلاسفة المسلمين كالغزالي وابن رشد. وإن كان هذا النقد لم يرق إلى مستوى النظرية الفلسفية، كما هو الحال مثلا في الفلسفة الغربية، لدى كانط وغيره. حقيقة أن فلسفة النهضة في العالم العربي قد حضر لديها النقد، لكنه رغم أهميته فقد ظل نقدا خجولا سواء للتراث أو للفكر الغربي. كما أن الفلسفة العربية المعاصرة هي بدورها قد حضر فيها هذا النقد، مناهج ودراسات ومواضيع، ولكنه نقد وجد نفسه أمام مأزق، تمثل في تنامي الحركات الأصولية، وازدياد مظاهر التقهقر في المجتمع العربي من جهة، واجتياح الثورة العلمية والتكنولوجية، والتي طالت كل مظاهر ثقافة العصر من جهة أخرى. وهذا ما عمق التفاوت التاريخي، بين العقل العربي، والعقل الأنواري والحداثي. وهكذا وللخروج من هذا المأزق فإن الفلسفة العربية اليوم مطالبة ، بتبني موقف نقدي، سواء اتجاه الفكر الأصولي، أو اتجاه العولمة، وذلك بفهمهما، وتجنب الاندفاع العشوائي اتجاههما، قبولا أو رفضا.هذا هو السبيل لتجاوز التفاوت التاريخي العربي مع العصر، والتحول إلى ثقافة تلبي احتياجات المجتمعات العربية الإسلامية، في قرن مثقل بالتحديات” (ص، 79- 92).

أما حسب بحث أحمد ماضي “هل ثمة فلسفة في الوطن العربي يمكن أن تنعت بأنها عربية؟ “فإنه فضل أن يتحدث عن رهانات الفلسفة العربية، عبر مجموعة من الآراء الفلسفية النقدية لهذه الفلسفة، كنقد، الجابري والحبابي، وناصف نصار، وزكي نجيب محمود، وطه عبد الرحمن، وهي آراء قدمت صورة قاتمة عن هذه الفلسفة أو أنها “أقرب لأن تكون تشاؤمية من أن تكون تفاؤلية ” (ص415). فكل هذه الآراء نفت، بطريقة أو أخرى، طابع الإبداع أو الاستقلال، على ما يعتقد وكأنه فلسفة عربية. وهكذا وبحكم ما ميز عرض هذا الباحث من إطلاع واسع على المنتوج الفلسفي العربي المعاصر، ومن حس نقدي، فإنه شكك في صدقية بعض الأحكام القطعية، الصادرة عن هذا المفكر أو ذاك، وعما إذا كانت مبنية على إطلاع واسع على المنتوج الفكري العربي الذي تنتقده. من هنا فهو يرى أن إصدار حكم موضوعي ودقيق على الفلسفة العربية، يقتضي إطلاعا واسعا على مختلف إنتاجاتها وهذا ما ليس بمتحقق لأحد الآن. لكن ومع ذلك فهو لا يشكك في وجود هذه الفلسفة، بحكم وجود مؤلفات ورسائل وندوات. ترتبط بها (أي بهذه الفلسفة) وهكذا فإن المشكل المطروح في نظر أحمد ماضي ليس في وجود الفلسفة العربية أو عدم وجودها، بل في ما إذا كانت هذه الأخيرة لها قيمتها المضافة في الفلسفة بصفة عامة؟ أي هل هذه الفلسفة تابعة أم مبدعة ومستقلة؟ هل هناك فلاسفة عرب معترف بهم عالميا؟ إنها أسئلة تقويمية ضرورية لأنها وحدها تحدد رهانات هذه الفلسفة، أي ما ينبغي عليها إنجازه، وكيفية إنجازه، أي رصد الشروط الموضوعية والذاتية لإمكانية قيام فلسفة عربية مبدعة ومستقلة، وما تحيل عليه من تحديد للعقبات والمعيقات، التي تمنعها من ذلك. وتتجلى، أولا، في تخلف الواقع العربي وتبعيته، والفلسفة جزء منه. وثانيا في معاناة الفلسفة في الوطن العربي، من مضايقات رجال الدين وكذا من مؤسسات التربية والتكوين. وثالثا كون المتخصصين في الفلسفة من العرب لا يتابعون بالشكل المطلوب مستجدات الفكر الفلسفي في الشرق والغرب، وعدم اهتمامهم باللغات الحية وخاصة اللغات الشرقية، إضافة إلى عدم ترجمتهم لأمهات الكتب الفلسفية العالمية (ص415). وهكذا فإن تجاوز هذه المعيقات من شأنه أن يجعل الفلسفة العربية قادرة على الإسهام في التراث الفلسفي العالمي، من منطلق واقعها العربي، بحيث تجسد تفاعل ما هو فلسفي كوني وعالمي مع ما هو فلسفي خاص وقومي ص(415).

وفيما يخص عاهدة طالب فهي في بحثها: “الفكر العلماني بين انغلاق الهوية وأسئلة العصر”، تعتبر أن راهنية الفلسفة العربية المعاصرة، بما هي استجابة لأسئلة العصر، يقتضي منها، تجاوز كل انغلاق على الذات، وذلك حتى تتمكن من تحقيق مطلب يفرضه العصر، ألا وهو البحث عن إمكانية فعلية لإقامة حوار صريح وصحيح بين التيار الديني، الإسلامي والمسيحي، والتيار العلماني في الثقافة الغربية، يتجاوز الأصول والمرجعيات، بشكل يكفل مجابهة المخاطر المحدقة بالوطن والأمة (ص 169 – 179). وهذا ما يعني أن راهنية الفلسفة العربية المعاصرة إنما تتجلى في انفتاحها على القضايا الملحة في الوطن العربي، والتي على رأسها، قضية العلمانية، ومن خلالها على الفكر العلماني في الغرب باعتبارها (أي العلمانية) تشكل الحل الأمثل لكثير من المشاكل التي يتخبط فيها هذا الوطن، كمشكل الديمقراطية والعدالة والحرية.

وارتباطا مع ما ينبغي أن تكون عليه الفلسفة العربية، كعنوان لراهنيتها، ربط محمد الشيخ، هذه الراهنية “بوضع وشروط إمكان قيام فلسفة الدين في الفكر الفلسفي العربي المعاصر”، وهكذا ووفق عرض محمد الشيخ فإن المطلوب من الفلسفة العربية المعاصرة، ملء فراغ يجسده وضع فلسفي عربي تغيب فيه”فلسفة للدين ” قوامها التفكير في الدين من خارج الدين، وما يستتبعه من إقرار بتعددية الأديان. وإذا كان تاريخ الفلسفة العربية، هو بدوره كان يعاني من هذا الفراغ، فإن المعول على التراث الفكري المهمش في تاريخ الفكر العربي، لكي يملأه، حتى نجد ما يمكن تسميته جذور لفلسفة الدين في هذا التاريخ، يمكن الاستئناس بها، كما هو الحال مثلا عند ابن خلكان. هذا مع إشارة صاحب البحث إلى” أن الطريق إلى إنشاء مبحث فلسفة الدين في العالم العربي طريق شاق وطويل منقلبه بين اليأس والرجاء.”(ص 181-198) في إشارة لما يمكن أن تتعرض له هذه الفلسفة من مضايقات في الواقع العربي.

ووفق منطق “الما ينبغي أن يكون” أيضا، يدعو لحكيم عز العرب في بحثه المعنون “بالفلسفة والإصلاح الديني والرقابة الذاتية” إلى ضرورة التفات الفلسفة العربية المعاصرة للحداثة الدينية التي أعقبت الإصلاح الديني الأوروبي، وأن تتجاوز بذلك عائق اهتمام الفلاسفة العرب المعاصرين بالتدريس والذي فرض عليهم ربط الفلسفة بنماذج محددة من تاريخ الفلسفة، كالفارابي وأرسطو وهيدغر. من هنا كان السؤال المطروح على هؤلاء هو كيفية الانفتاح على قضايا غير فلسفية وعلى مفكرين قد لا يعتبرون فلاسفة وفق المعايير المعروفة.فالمطلوب من الفلاسفة العرب إذن هو تجاوز منطق الدعوة بما هو رقابة ذاتية وإيديولوجية تحول دونهم وهذا الانفتاح، بحيث يتمكنون من مواجهة تحدي أساسي، ألا وهو الجمع بين التراث الفلسفي العربي والمعرفة العميقة بالفكر الغربي، في أفق معالجة القضايا الكبرى التي طرحها فكر النهضة كالعلاقة بين الدين والمجتمع، كعلاقة تهم العلاقة بين الدين والدولة، وكذا تعايش القانون الوضعي المعاصر مع الشريعة. وكالعلاقة بين الإيمان والعدالة الاجتماعية. والدعوة إلى تجديد الخطاب الديني بشكل يضمن الحرية (ص199 – 207).

وارتباطا مع مطلب التحدي كرهان مطروح على الفلسفة العربية المعاصرة، يرى عبد الرزاق الدواي، أن هذه الفلسفة مطالبة بالانفتاح على إشكالات الفتوحات العلمية في ميادين التكنولوجيا الحيوية والطب وعلوم الحياة. لكن لا بدافع الانسياق وراء ما هو جديد فكريا وعلميا، بل لأن الرهانات والمسائل التي تطرحها هذه الفتوحات، تهم كل مشتغل بالفلسفة ومحب للحكمة، بل وتهم كل إنسان. هذا ناهيك عن كون الفيلسوف العربي الآن هو في حاجة ماسة، إلى مزيد من الوعي النقدي بمدى هيمنة السلطة الجديدة لما أصبح يطلق عليه “مجتمع المعرفة”بحيث ستمكنه هذه الاستفادة من التسلح بمقولات، ومفاهيم جديدة، في التفكير في الإنسان والعالم.بحيث تؤهله مثلا للمساهمة في التبشير، بفكر بيئي ديمقراطي، وكذا بأخلاقيات تصون إنسانية الإنسان وكرامته (ص211 – 229).

وبالرغم من أن عنوان بحث عمر بوفتاس: “الأخلاقيات التطبيقية مساهمة في تجديد الفلسفة العربية ” يوحي وكأنه سينفلت من قبضة التمنيات، أو ما ينبغي أن تكون عليه الفلسفة العربية المعاصرة، إلا أنه ظل مع ذلك مشدودا إليها. فهو قد ربط بحثه هذا برصد المستجدات التي طالت الفلسفة المعاصرة، كفلسفة ودعت عصر الفيلسوف الموسوعي والعصامي والأكاديمي، ليحل محله أبطال السباق الفلسفي الجدد، وهم منشطو الفلسفة الشعبية والمقاهي الفلسفية وجماعات الحوار والنقاش. ومن هذا المنطلق، يجب حسب الأستاذ عمر المساهمة في تجديد الفلسفة العربية المعاصرة، لكن لا من خلال إثارة إشكالات أخلاقية وتطبيقية ومجالية يطرحها الحاضر العربي، بل من خلال الاكتفاء بالمطالبة بتجديد هذه الفلسفة لرهاناتها الأساسية لمسايرة العصر ومواكبة انشغالات الفلسفة المعاصرة. وذلك من خلال الاهتمام بالراهن العالمي وما يحيل عليه من إشكالات أخلاقية عملية جديدة أفرزها عصر المعلومات، ترتبط بالمهن، والاقتصاد والسياسة والصحة والبنوك والمرأة والجسد وحقوق الإنسان (ص 231 – 249).

أما عرض عبد العالي معزوز: “الفلسفة العربية وتحديات عالم الصورة” فينطبق عليه ما ينطبق على عرض بوفتاس، فهو اكتفي بتشخيص التحديات التي تواجه الفلسفة العربية المعاصرة، في قضايا الاتصال والصورة والميديا، والتي أثارتها الفلسفة الميديولوجية في الغرب (ص 255- 267)، كما هو الحال مع رائد هذه الفلسفة “ريجيس دوبري” ). وبهذا فإن هذا المفكر،شأنه شأن عمر بوفتاس، لم يتجاوز هذا التشخيص للتحديات، نحو المواجهة الفلسفية لبعضها على الأقل، أي لتلك الإشكالات التي يمكن أن تثيرها، بعض أشكال الميديا في العالم العربي، كالتلفيزيون، والأنترنيت، والمسجد،والهاتف المحمول.

وارتباطا بلغة التحدي، التي حضرت في كثير من فصول هذا الكتاب، يرى عز الدين الخطابي في بحثه “في الحاجة إلى عقلانية تواصلية وحجاجية” بأن التحديات التي تواجه الفلسفة العربية المعاصرة، تتمثل في قدرتها على تحليل الواقع العربي بشكل نقدي، والدفاع عن حرية التفكير. وتجاوز هذه التحديات، يؤشر على أننا في العالم العربي الآن في حاجة إلى فلسفة عقلانية تواصلية وحجاجية، تضع المجتمع العربي على سكة الحداثة كعنوان لمجموعة من القيم الخلافية، كالحرية والديمقراطية والتسامح، والعدالة.ويعتقد هذا المفكر بأن درس الفلسفة، كدرس في الحجاج والعقل والذات والتواصل والحداثة، من شأنه أن يكون منطلقا لهذه الفلسفة المأمولة، وذلك لأن أزمة الفلسفة في العالم العربي، هي أزمة تدريسها. ورفع هذا التحدي ليس موكولا للفلاسفة فقط وإنما أيضا لرجال السياسة كمسؤولين عن شؤون التعليم (ص269 -278).

وعلى عكس عز الدين يعتقد عبد الرحمان بوقاف في عرضه “الفلسفة العربية ومجاوزة التبرير”، أن تدريس الفلسفة، لا يمكنه أن يكون مدخلا لدورها التحديثي. فتاريخ الفلسفة الغربية قد أثبت، أن الفلاسفة الذين أسهموا في التنوير والتحديث، لم يكونوا مدرسين.وهذا يعني أن الفضاء الأكاديمي، أو المدرسي لم يكن هو الحاضن لإشكالية التنوير، والتي بموجبها انفتحت هذه الفلسفة على مجتمعها آنذاك. لكن المثير للانتباه في التراث العربي، حسب هذا المفكر، هو أن الفلاسفة العرب لم يكونوا مدرسين للفلسفة، ومع ذلك كانت هناك أزمة لتلقي فلسفتهم في صفوف المجتمع. وهذه الأزمة مازالت سائدة لحد الآن بالنسبة للفلسفة العربية المعاصرة كفلسفة لا تبارح قفص المؤسسة. ولتجاوزها يرى هذا المفكر ضرورة مواجهة هذه الفلسفة لمختلف أشكال الطوق المضروب حولها، كالطوق المعرفي العلمي، والطوق السياسي، والديني.. وهذا لن يتم إلا باقتحامها لفضاءات غير الفضاء الأكاديمي. وأداتها في ذلك، ما يمكن تسميته، بالإعلام الفلسفي، والذي من شأنه أن يجعلها تكتسب أصدقاء جددا من خارج التخصص، كالأدباء والإعلاميين. هاجسها في ذلك البحث عن المتلقي الاجتماعي، الذي يكون الأداة المادية في تقدم المجتمع وتحديثه (ص289). وهذا الاقتحام الذي يتحدث عنه بوقاف، يربطه عبد السلام بن عبد العالي في بحثه “الفلسفة والترجمة في العالم العربي “بإحدى إمكانياته وهي “الترجمة”. لكن لا باعتبارها مجرد تفكير في النصوص، بل كتفكير بها.وهذا ما يعني أن اقتحام الفلسفة العربية لما يوجد خارجها، أي لإشكالات عصرها وواقعها، لا يمكنه أن يتم خارج ما يسميه “مختبرات الفكر، وبعيدا عن قاعات الدرس وفضاءات الإنتاج الفلسفي “كما يجب أن لا يكون مجرد فضول معرفي، دون التفكير في الانفصال عن ما تمت ترجمته (ص345). وهذا ما لم يمارسه هذا الأستاذ في بحثه هذا، هذا مع العلم أن كتاباته طافحة بهذا الانفصال والاقتحام.

هذا ويعتبر إدريس كثير في بحثه “راهن الفلسفة المغربية” أن هذا الانفصال بما هو انعطاف، أصبح ضروريا بالنسبة للفلسفة المغربية المعاصرة. لذلك فهي مطالبة اليوم بعدم الانبهار بمرجعيات فلسفية تراثية أو حديثة ومعاصرة، وتقليدها ومحاذاتها. فهذا من شانه أن يهدد قدرتها على الإبداع والابتكار. وفي هذا الإطار يفترض فيها أن تنفصل عن تقليد فلسفي عربي،هو عدم الاهتمام مثلا بمبحث علم الجمال، ناهيك عن تهميش الفلاسفة العرب المعاصرين، للاجتهادات الفلسفية الموجودة خارج أسوار الجامعة. فهذه انعطافات أو انفصالات من شأنها أن تهيئ الفلسفة المغربية المعاصرة،لتحقيق وتعميق انفصالات بدأت تلوح في الأفق (ص417).

وهكذا وبموجب هذا الفهم، لرهانات الفلسفة العربية المعاصرة، الذي يوحد كل هذه البحوث، ستفضل هذه الأخيرة ممارسة التفلسف بطريقتها الخاصة، وذلك بإحالتها أولا على تاريخ الفلسفة الغربية والعربية،وثانيا على الواقع العربي بتحدياته وإكراهاته ، وعلى ضوء هذه الإحالات سيتمكن أصحاب هذه البحوث، من إثارة إشكالات لها قيمتها الفلسفية، بحيث تجسد بداية،ما يسميه الفيلسوف ناصف نصار “طريق الاستقلال الفلسفي” كمؤشر على ممارسة الفلسفة بضمير المتكلم.

4) رهانات الفلسفة العربية بما هي تفلسف بضمير المتكلم

إن التفلسف بضمير المتكلم، هو ما جعلته بعض البحوث المتضمنة في هذا الكتاب، مرادفا لرهانات الفلسفة العربية المعاصرة. وهو فهم للرهانات، سيضع كمهمة أساسية له مواجهة إشكالية علاقة هذه الفلسفة بتاريخ الفلسفة من جهة وبالإيديولوجيا من جهة أخرى، كإشكالية تفرض على الفيلسوف العربي المعاصر طرح ومعالجة الأسئلة التالية: هل الالتزام برهانات الفلسفة العربية المعاصرة بما هي تفلسف بضمير المتكلم في قضايا الحاضر العربي، يعني ضرورة الاستقلال عن تاريخ الفلسفة ، باعتباره يجسد التفلسف بضمير الغائب؟ وماذا يقصد بهذا الاستقلال، هل هو إقصاء هذا التاريخ، أم التحاور النقدي معه؟ وهل ممارسة التفلسف بضمير المتكلم في قضايا الراهن العربي، تعني ضرورة خضوع هذا التفلسف لتوجيهات إيديولوجية؟

ففيما يخص أزرقان، فهو في بحثه في “الأسس النظرية للمصالحة في المغرب” قد أثار “إشكالية المصالحة”، باعتبارها تحيل على إحدى القضايا الراهنة والساخنة في الواقع المغربي.وهو في إطار معالجته لهذه الإشكالية، عمل على تأصيل مفهوم “المصالحة” فلسفيا وذلك من خلال البحث عن أشكال حضوره عند مجموعة من الفلاسفة الغربيين المحدثين أمثال، ويجل، بول ريكور، وديريدا، وسلزار. وهو بهذا، أراد أن يكشف عن إمكانية التأسيس لقول فلسفي عربي مستقل عن تاريخ الفلسفة العربية، ومنفتح جزئيا، على تاريخ الفلسفة الغربية. وهكذا وبموجب هذا الانفتاح تجاوز الدلالة اللفظية “للمصالحة”، من حيث هي مجرد خلق جو من الطمأنينة، والإخاء، والصداقة بين طرفين أو عدة أطراف، إلى معناها الفلسفي والذي هو الاعتراف بحقوق وواجبات محددة بشكل دقيق. وهو ما يعني تغيير العلاقة بين الكائنات، قوامه تغليب الكل على الذات، وتمرير السيادة والسلامة عبر سيادة الكل وسلامة الكل (ص64). ولكن ما يفاجئ القارئ لبحث هذا المؤلف، هو توقفه عند هذا الحد من الانفتاح على تاريخ الفلسفة الغربية، وكأن بدون هذا التوقف، سوف لن يحقق البحث استقلاله عن هذا التاريخ. وهذا ربما ما يفسر عدم فحص أزرقان هذه الدلالة الفلسفية، للمصالحة، على ضوء تاريخ الفلسفة الغربية نفسه، الذي استلهم منه هذا التعريف. بدليل أنه وظف في بحثه مجموعة من المفاهيم، وكأنها تحيل على دلالة ثابتة في هذا التاريخ، لا يخترقها التعدد والمفارقة، كالواجب، والحق، والذات، والكل، والسيادة، والسلطة، والحقيقة، والإصلاح. كما يشير إلى ذلك المصباحي في بحث له حول نفس الموضوع1. فهذه مفاهيم حضرت في الفلسفة السياسية الغربية الحديثة والمعاصرة، في صورة إشكالات، لو كان قد حاورها هذا المفكر انطلاقا من الواقع المغربي بمختلف،وانطلاقا من التراث الفلسفي العربي الذي لا يخلو هو بدوره من معالجات فلسفية للمصالحة من جهة أخرى، لانتهى إلى النظر لهذه المصالحة، كإشكالية فلسفية تقتضي أكثر من حل،وأنها في ارتباطها بأطرافها (أي أطراف المصالحة) ليس من المسلم به أن تتخذ نفس المعنى، لدى الجميع. وهكذا اكتفى بإتباع أسلوب الوصف والتحليل إزاء هذه “المصالحة”. وهذا ما جعل معالجته لها، رغم عمقها ودقتها، بقيت بالنتيجة معالجة باردة.حقيقة أنه ميز بين تجربة المصالحة في جنوب إفريقيا، وتجربة المصالحة في المغرب لكن هذا التمييز، لو أنه طعم بمواقف فلسفية من تاريخ الفلسفة الغربية أو حتى العربية، لأضفى عمقا أكثر على البحث وجعله في منأى فعلي عن رأيه الشخصي (ص 76). والذي قد يصنف ضمن هذه الإيديولوجيا أو تلك. فالاستقلال عن تاريخ الفلسفة، لا يجب أن يحجب عنا، كما يقول المصباحي، كونه مكسبا إنسانيا يجب أن نحاوره نقديا، أي بشكل يمكن المفكر من توظيف هذا التاريخ لبناء ومعالجة إشكالاته بشكل مستقل، وبعيدا عن أي توجيه معرفي وإيديولوجي. وربما كان هذا الحضور الباهت لتاريخ الفلسفة في عرضه هو ما جعله يعترف بالتقصير في التفكير في هذه المصالحة. أما أبو يعرب المرزوقي فهو بدوره، في بحثه “المقاومة العربية” قد أبان عن جرأة كبيرة في التفلسف بضمير المتكلم. فقد تمكن فعلا من تجسيد رهانات الفلسفة العربية المعاصرة، من حيث هي ممارسة فلسفية تفاعلية، مع إحدى القضايا العربية الساخنة، هي قضية “المقاومة”. وهكذا نقل هذه القضية من كونها مجرد “ظاهرة فرضتها أحداث سياسية ظرفية “إلى كونها إشكالية فلسفية يفرضها الواقع العربي من جهة، وعلاقته بالدول الأخرى، وعلى رأسها إسرائيل، من جهة ثانية. إشكالية، كشف فيها عن الأبعاد الفلسفية أو الميتافيزيقية الوجودية والمعرفية للمقاومة كجهاد حقيقي، في برزخ بين “المقاومة المادية”، و”المقاومة الرمزية” أو “الفعل المباشر” و”الفعل غير المباشر” و”المقاومة” و”العدوان” (ص 32-33).

لكن تهميش هذا الباحث لتاريخ الفلسفة العربية والغربية، في معالجة هذه الإشكالية، أفقد هذه الأخيرة بعضا من عمقها الفلسفي والإشكالي، بحيث أضحت هذه المعالجة إيديولوجية أكثر منها فلسفية، عبر عنها في سحب صفة المقاومة عن الحركات التحديثية العلمانية باعتبارها في نظره قد وجهت المقاومة ضد الحركات التأصيلية، رمز قيم الأمة الإسلامية. مع استنادها في ذلك، على الإعلام والرأي العام الغربي ذي الصلة الوطيدة بإسرائيل. لذلك فقد كان يجب على هذه الحركات التحديثية، مواجهة الأنظمة السياسية العربية باعتبارها تهدد حرية أفراد هذه الأخيرة (ص 58-59). وهكذا يتضح جليا لماذا لم ينفتح هذا المفكر على تاريخ الفلسفة الغربية في معالجة إشكالية المقاومة. إن الأمر يتعلق بمعالجة أراد لها أن تكون عنوانا للاستقلال عن هذا التاريخ، بما هو قطع جذري معه، باعتباره يهدد هويتنا كمسلمين. هذا مع العلم أنه كان في الإمكان أن يشكل الانفتاح على هذا التاريخ، مناسبة ثمينة لصاحب البحث، للانخراط في حوار نقدي مع مواقف فلسفية كثيرة. حقيقة أن هذا المفكر قدم وعدا للانفتاح على تاريخ الفكر العربي، وخاصة فكر ابن خلدون، وذلك لرصد أبعاد المقاومة الرمزية، النفسية، والاجتماعية. ولكنه لم يلتزم بهذا الوعد (ص 36). هذا مع العلم أن انفتاحه على تاريخ الفلسفة الغربية كان سيوفر له مناسبة ثمينة لتعميق إشكالية المقاومة فلسفيا، وذلك بالنظر إلى كونها إشكاليه قد طرحت بهذا الشكل أو ذاك لدى فلاسفة أمثال: غرامشي وسارتر وماركس.

ويمكن القول بأن هذا التهميش الذي لقيه تاريخ الفلسفة في عرضي، أزرقان، والمرزوقي سينقلب إلى حضور قوي في عرض بومسهولي. لكنه حضور، أراد له هذا الأخير أن يكون عنوانا للاستمرارية، بما هي عنوان لاكتمال الأنساق الفلسفية وسيرورتها من جهة، وعنوانا للتخلص من هذه الأنساق، وإحداث انقطاعات معها تسمح بإمكانية استئناف قول فلسفي مستقل يتماها مع الحاضر (ص 334). لكن “الحاضر” كما يحضر في عرض هذا المفكر هو الحاضر كرهان فلسفي، أو كإشكالية فلسفية يثار بصددها السؤالان التاليان: كيف يغدو الحاضر إمكانا فلسفيا ؟ وكيف تغدو الفلسفة إمكانية للحاضر؟

وهكذا وفي إطار معالجته لهذين السؤالين، يعتبر بأن الحاضر حافز على التفلسف بما هو إثارة لإشكالات فلسفية على رأسها “الإنهمام بالموت” كأساس لزما نية الحاضر، كزمانية منفتحة على الموت هي قوام وجود الكائن الإنساني. وفي إطار هذا الانفتاح على تجربة الموت، يصبح الحاضر معاشا كتجربة تمنح للإنسان إمكانية اختبار قدرته على الفعل والتأثير في وجوده، وتقديره. ومن هنا يصبح الحاضر هو بمثابة لحظات سعادة ومتعة. ومن هنا تبدو الحاجة ملحة لهذا التفلسف كإمكانية لحاضر، أدت فيه سيادة التقنية المعولمة إلى تذويب الذات الإنسانية وإفقادها قيمتها وكرامتها و موقعها الأساسي في هذا العالم. فالتفلسف إذن وحده يكشف لنا كيف أن الحاضر هو عنصر تحرر وليس عنصر هيمنة، فزمانيته تنعكس على الذات بحيث تجعله ينفلت من هيمنة الحضور كمعطى، لكي يتحول إلى وجود مبنى أي إلى وجود يجسد قدرة هذه الذات على الفعل والتأثير والانفلات من ما هو معطى وجاهز. إن التفلسف هو إرجاع للذات إلى عرشها الذي هو “الزمانية” والتي بموجبها يصبح الحاضر خاضعا لرغبتها في الحياة بما هي تحرر وابتكار وإبداع، وانفلات من قبضة الماضي كحضور معطى سلفا. وهذا ما يعني أن الباحث هو من يمنح الحياة للحاضر. “فالحاضر وقد صار متعينا في الموجود هو الفيلسوف، والفيلسوف وقد صار متعينا في الزمان هو الحاضر” (ص337). وبما أن الفيلسوف هو الحاضر، أي هو ما به ينبثق كوجيطو ” أنا أفكر إذن فأنا حاضر ” فإن الحاضر يصبح بالنتيجة هو “العلة التأسيسية ” للعالم كتجربة ذاتية خاصة (ص343).

هكذا إذن جعلنا عرض عبد العزيز أمام محاولة جريئة في التفلسف، تمكن من خلالها تحويل الحاضر إلى إشكالية فلسفية استنار في معالجتها برصيده المعرفي الفلسفي الذي استقاه من فلاسفة الوجود المعاصرين، وعلى رأسهم هيدغر، وميرلو بونتي، وليفيناس هذا دون أية محاولة للاستنارة بما قاله الفلاسفة العرب عن حاضرهم. على أن هذه الاستنارة بفلاسفة الغرب لم تحل مع ذلك دون بنائه لمفاهيمه الفلسفية الخاصة التي لا تخلو من إبداع. لكن استنارته بهؤلاء الفلاسفة، لم تنته به مع ذلك إلى التخلص من أنساقهم2، وذلك من خلال استئناف قول فلسفي يتخذ كإشكالية فلسفية له الحاضر العربي، بهمومه وقضاياه. فالحاضر كما حضر في عرض عبد العزيز، رغم ما يبدو عليه من طابع شمولي ومجرد بموجبه يندرج فيه كل حاضر، لكنه ومع ذلك فإن حضوره لدى فلاسفة الغرب، جاء في سياق النقد ما بعد الحداثي للحداثة. حقيقة أن الحاضر العربي هو بدوره يعاني من هيمنة تقنية العولمة، لكن في ارتباطها بأشكال أخرى أكثر حضورا، من الهيمنة. وهكذا يمكن القول بأن الغائب الأكبر في عرض هذا المؤلف، هو تاريخ الفلسفة العربية، وكذا الحوار النقدي مع تاريخ الفلسفة الغربية، انطلاقا من خصوصيات الحاضر العربي.

لذلك كان يجب أن ننتقل إلى بحثي المفكرين ناصيف نصار، ومحمد المصباحي، لكي نكون أمام ممارسة فلسفية، لا تستحضر تاريخ الفكر عموما والفكر الفلسفي خصوصا، إلا لكي تحاوره نقديا على ضوء خصوصيات الراهن العربي، وما يقتضيه من خلخلة، تزج به في معركة الحداثة، وهي خلخلة اختار نصار أن تكون عبر إثارة إشكالية “العلمانية” بينما اختار المصباحي أن تكون عبر التفكير في إشكالية “الحرية”. وبهذا يكون كل منهما قد اختار ربط ممارسته للفلسفة، بمبدأ المواجهة، أي مواجهة الواقع العربي، كمبدأ حداثي وتنويري. حقيقة أن المفكرين قد نقلا إشكاليتهما من مجال السياسة إلى مجال الفلسفة، لكن هذا لا يعني أنهما أرادا القطع مع السياسة وما يمكن أن تحيل عليه من إكراهات تعيق تحقيق العلمانية والحرية، بل على العكس من ذلك، إنهما أرادا ممارسة الضغط على الممارسة السياسية في العالم العربي،لأن هذه الأخيرة لا يمكنها أن تقوم من تلقاء نفسها باستنبات بذرتي الحرية والعلمانية.

وهكذا وفي إطار تجاوب نصار مع الحاضر العربي، وما يطرحه من تحديات تقتضي المواجهة، فإنه يعتبر العلمانية كقضية حتمية بالنسبة لكل المجتمعات البشرية بما في ذلك المجتمعات العربية. وذلك لأن تاريخ الوعي البشري يكشف عن تطور في اتجاه مواجهة النظرة الدينية للحياة والعالم… وهي مواجهة كشفت لنا تاريخيا، عن تمكن مجتمعات من “التطور في العلمانية” وهي المجتمعات الديمقراطية الغربية، وتطور مجتمعات أخرى ” نحو العلمانية “، مثل المجتمعات العربية. وهذا ما يعني ضرورة استرشاد هذه الأخيرة بالأولى لكن ليس بشكل حرفي، مادامت لكل مجتمع خصوصياته الثقافية، ومستوى معين من التطور. هذا ناهيك عن كون المجتمعات المتطورة في العلمانية، لم تحقق علمانيتها بالكامل. وبهذا يخلص نصار إلى ضرورة التفكير في العلمانية، كورشة مفتوحة على أنماط مختلفة من الفكر (ص131).

و تتجلى الخاصية الثانية للعلمانية، بكونها هي حصيلة تاريخ تطور التفكير في الدين. فهو تفكير تطور من “التفكير في الدين من داخل الدين”، كما هو الحال بالنسبة لعلوم الدين أو النقل، في التراث العربي الإسلامي، إلى “التفكير في الدين من خارج الدين”، كما هو الحال بالنسبة لعلوم الدين في الغرب. والتي تدرس الدين كظاهرة من ظواهر التاريخ البشري، وذلك لأهداف بشرية وعلمية، وليست دينية كما هو الحال بالنسبة لعلوم النقل في التراث الإسلامي.كما أن التفكير في الدين من خارج الدين قد اتخذ أيضا تاريخيا، صبغة فلسفية منطقية، ووصفية، وتفسيرية للدين. وهكذا انتهت فلسفة الدين إلى تعرية المبادئ التي يقوم عليها الدين، إيمانا، وخطابا، ومؤسسات. وإضافة إلى التفكير العلمي، والفلسفي في الدين، هناك أيضا التفكير السياسي، وهو تفكير ظل هاجسه هو نزع الصفة الدينية عن الدولة. وهكذا يخلص بنا ناصف نصار إلى أن التفكير في الدين من خارجه شرط ضروري للتطور نحو العلمانية. أما التفكير في الدين من داخل الدين، فأقصى ما يمكن أن يحققه في ظل التطور الحضاري، هو إصلاح العقيدة والمعاملات والعبادات كما كان الحال بالنسبة للبروتستانتية في أوروبا في عصر نهضتها. ومن هنا تبرز عدم جدوى دعوة بعض المفكرين العرب إلى تجديد الفكر الإسلامي، كتفكير في الدين من داخل الدين، مثل محمد أركون. وذلك لأن حظوظ تطور المجتمعات العربية نحو العلمانية وفق هذا النوع من التفكير، تبقى ضئيلة في غياب التفكير العلمي والفلسفي والسياسي في الدين كتفكير من خارجه (ص161).

أما الخاصية الثالثة للعلمانية، فتتجلى في كونها خروج من هيمنة الدين. وبموجب هذه الخاصية يتم التمييز بين دلالتين للعلمانية: الدلالة الضيقة وهي الدلالة السياسية، وتعني فصل الدين عن الدولة، أي تحررها من هيمنته. والدلالة الواسعة أو التنويرية، وتعني تحرير العقل في مقاربته للحقيقة، من الرؤية الدينية للكون والإنسان. فالعلمانية ليست خروجا كاملا عن الدين، أي إلحادا كما يعتقد عادة، فهي تكتفي فقط بنقد الهيمنة، سواء أكان مصدرها الدين أو العقل. فالاستقلالية التي تبشر بها العلمانية، لا تعني استقلال العالم عن الرؤية الدينية، بل تعني جعل هذا العالم فضاء محايدا لمختلف الرؤى، لا مجال فيه لهيمنة إحداها على الأخرى. وهذه المواجهة قد لاقت تاريخيا وما تزال، معارضة قوية من طرف المؤسسات والتيارات الدينية التقليدية. وهذا هو حال السلفية في الإسلام الآن، والتي تدعي رفض الإسلام مطلقا للعلمانية، باعتبارها فكرا غريبا وطارئا على المسلمين. هذا مع العلم أن التراث الإسلامي، عرف اتجاها عقلانيا لم يكتب له الاستمرارية والتطور، لم يخشى رواده التفكير في الدين الإسلامي من موقع العقل كالمعتزلة، ومن موقع فلسفي كالفارابي وابن طفيل، أو من موقع علم التاريخ كابن خلدون (ص144).

وتتجلى الخاصية الرابعة للعلمانية في أنها ترتكز أساسا على العدل. ويفسر ذلك الأستاذ نصار، تفسيرا أنتروبولوجيا، بموجبه يعتبر بأن عالم الإنسان يقوم على تعددية السلطة، سلطة الله، سلطة الوحي، سلطة العقل، سلطة الدولة، وهي سلط تحيل بالضرورة على وجود علاقة مبنية على العدل، أي عدم هيمنة سلطة على أخرى.وهذا ما تستنتج منه فكرتان: الأولى هي أن العدل الذي هو مرتكز العلمانية، هو عدل بين السلطة الدينية، وغيرها من السلطات الأصلية في عالم الإنسان. أما الفكرة الثانية وهي أن العلمانية هي عنوان للعدل بين الأديان، والمذاهب الدينية. وهذا ما يؤكد بأن العلمانية لا تقصي الأخلاق الدينية، بل تعدل مكانتها بحيث تصبح كغيرها من المذاهب الأخلاقية الفلسفية وغيرها خادمة للإنسان ككائن أخلاقي قادر على تنمية وعيه الأخلاقي.كما أن هذا ما يؤكد بأن العلمانية دفاع عن تعدد السلطات ضد كل أشكال اختزال هذا التعدد. إنها تقوم على التفاعل الإيجابي بين مختلف السلط، دون أن تحدد مسبقا ما يمكن أن يسفر عنه هذا التفاعل. فهو تفاعل لا يتم في إطار الدولة، بل في إطار المجتمع، لأن هذا الأخير أشمل وأعظم من الدولة. فالمجتمع وحده يشكل الفضاء الرحب لتفاعل السلطات دون هيمنة لسلطة على أخرى.وهذا ما يعني أن “القاعدة الوحيدة القادرة على إخراج المجتمعات المتعددة الأديان والمذاهب الدينية من منطق التصارع والقهر والظلم، هي القاعدة العلمانية”(ص155).

أما الخاصية الخامسة للعلمانية، فهي تحرر الإيمان، من كل أشكال الاحتكار. فالإيمان كما تتصوره العلمانية، يعطي للحياة الإنسانية معناها، ولكنه لا يعطيها تعسفا. وهذا ما يفيد فتح المجال أمام الإيمان الديني لكي ينخرط في العمل السياسي، إلى جانب أشكال الإيمان الأخرى، كالإيمان بالديمقراطية، والعلم وبعظمة الوطن والأمة… فقيام العلمانية على فصل الدين عن الدولة، لا يعني بأية حال فصل الدين بصورة كلية عن العمل السياسي، أي لا يعني مثلا عدم إدخال الاعتبارات الدينية في خياراتهم السياسية، إلى جانب الاعتبارات الأخرى. فالعلمانية لا تقتل الإيمان كما يعتقد عادة، بل تعمل على تحريره، وبذلك فهي تضع الإيمان الديني في منافسة ديمقراطية وعادلة مع سائر الإيمانات في المجتمع، وذلك بالتمييز بينها، منعا لكل تسلط، وكذا باحترام حرية الفرد في البحث والنقد واعتناق الإيمان الذي يريد، وإفساح المجال لكل منظومة إيمانية للكشف عن قدراتها على إقناع معتنقيها عبر تعاقب الأجيال (ص158).

وإذا كان ناصف نصار يعتبر أن العلمانية هي قدر كل المجتمعات البشرية، بما في ذلك المجتمعات العربية، فإن محمد المصباحي يعتبر أن الحرية هي أيضا قدَر هذه الأخيرة. فالمجتمعات العربية الآن، لابد لها من خوض ثلاثة معارك لا يمكن الفصل بينها هي: معركة الفلسفة، والحداثة، والحرية. حقيقة أن هناك شرائح اجتماعية في العلم العربي قد استأنست بالعبودية، وحقيقة كذلك أن الحرية كما الحداثة هما قضيتان طارئتان، سواء على ثقافتنا، أو على الثقافة الغربية، وأن تيارات ما بعد الحداثة قد بخست قيمة هذه الحرية بالنظر لما آل إليه سوء استعمالها. لكن كل هذه المعطيات لا تشكك في الحرية بقدر ما تطرح مشكلة تفعيلها بشكل يجعلها تؤثر في الواقع العربي. وهذا ما من شأنه أن يحول الحرية من مجال السياسة إلى مجال الفلسفة. حيث تطرح الحرية نفسها كإشكالية يلخصها المصباحي في سؤال أساسي هو: هل الحرية مبدأ متعال عن الحيثيات الثقافية والعرقية والجغرافية والتاريخية، أم أنها مبدأ محايث ينغرس في صميم كيان الشعوب المختلفة؟ (ص98) لمعالجة هذا الإشكال الفلسفي، يستأنس هذا المفكر بمرجعيات فلسفية غربية، مثل فلسفة هيدغر، وعربية مثل تاريخانية العروي وشخصانية الحبابي، وكذا بوقائع من المجتمع العربي. وبذلك يفرع سؤاله الإشكالي هذا إلى ثلاثة أسئلة.

السؤال الأول وهو : أية علاقة تربط الحرية بالحقيقة والعقل؟ في إطار معالجته لهذا السؤال يستدعي هذا الأخير تعريف هيدغر للحقيقة والذي يقول فيه “ماهية الحقيقة هي الحرية” (ص98) فالعلاقة إذن بين الحقيقة والحرية هي علاقة تضايف. وإذا كانت الحقيقة نابعة من نور داخلي يسمى عقلا، فمعنى ذلك أن العقل هو الذي يضيء طريق الحرية، أي طريق الحقيقة ويحذرها من العواقب الوخيمة،كما أن معنى ذلك “تساوق في فضاء الإنسان المتعاليات الثلاث للعقل العملي : الحرية والحقيقة والعقل” (ص99) وهكذا فإن أزمة الحرية في العلم العربي، لا تعود فقط لبعض الأنظمة السياسية الاستبدادية بل أيضا إلى استبداد بعض الأنظمة الثقافية، فما يجمع الطرفين هو تشويههما للحقيقة وادعاء احتكارها. وهكذا يخلص، في إطار معالجته لهذا السؤال إلى أن الحرية مغروزة في الإنسان كإنسان، وليست خاصة بهذا المجتمع أو ذاك (ص105).

السؤال الثاني وهو: كيف أن الحرية ذات دلالة شمولية وتاريخية؟ إذا كانت الحرية تتعالى عن الخصوصيات الثقافية والعرقية والجغرافية، فمعنى ذلك أنها سؤال كلي لأنه يشمل كل مظاهر الحرية الفردية والجماعية والسياسية والاجتماعية والأخلاقية….كما أنه سؤال مطلق لأنه لا يهتم بالحرية في هذا المجتمع أو ذاك أو في هذا المجال أو ذاك، بل في الحرية كحرية حقيقة إن معايير الحرية تختلف باختلاف الثقافات والمراحل التاريخية. لكن هذا التعدد والاختلاف لا يلغي مع ذلك الوحدة الأصلية للحرية كنزوع فطري في الإنسان. من هنا تأتي ضرورة استفادة العرب من معايير الحرية في الغرب المعاصر لكن دون نقلها حرفيا،بحيث إن المطلوب محاورة هذه المعايير نقديا. كما أن من الضروري استفادة الفلاسفة العرب المعاصرين من إسهامات فلاسفة الغرب في مجال تنظيرهم للحرية، كتنظير يمثل أعلى درجات الشمولية التي تتعالى عن الخصوصيات الثقافية، لكن دون أن يعني هذا نقد بعض هذه الإسهامات والتي ترتبط بفلاسفة كبار أمثال هيغل وهيدغر… والذين يغمطون حق الشعوب غير الغربية في التفلسف بما هو عنوان لممارسة حق الحرية. لذلك وتجاوزا لأية مقارنة بمكن أن تسيء للحرية، يقترح محمد المصباحي التعريف التالي: “الحرية فعل للاستكمال أي للتحرر يمر عبر سيرورات خصوصية للتغلب على أشكال من النقص والقسر والاستبداد” (ص105) ومعنى ذلك أن الحرية هي حصيلة كفاح داخلي مرير في حلبة من الصراعات والتناقضات الحادة والمتجددة والتي تختلف أشكالها ومضامينها من ثقافة إلى أخرى ومن لحظة زمنية إلى أخرى. وهكذا فالحرية إنما تعرف نفسها بنفسها أي بالتحرر. وهذا ما يتضح في نظر المصباحي في خطاب الحرية في الفكر العربي الحديث، ففي اللحظة النهضوية ارتبط الحديث عن الحرية بالفلسفة والتراث، أما في لحظة سيادة قيم الوحدوية والاشتراكية والقومية، فقد ارتبط القول بالحرية بالسياسة والإيديولوجيا، إما اليوم فقد عاد خطاب الحرية من جديد للفلسفة بعد أخذ العبرة من هزائم هذه الإيديولوجيات الشمولية.وقد تمكن هذا الخطاب الأخير، والذي ينتمي إليه هذا الأخير، من تحديد الأخطار المحدقة بالحرية في العالم العربي، وكيفية تجاوزها. وتتمثل في خطرين : الأول سياسوي يتمثل في تحويل الحرية إلى مجرد شعار بدون أي محتوى إرضاء لقوى خارجية أو داخلية. أما الخطر الثاني فيتمثل في تنامي المد الأصولي. ولتجاوز هذين الخطرين، يجب تحرير أنفسنا من أنفسنا أي من الجزء المحافظ والمعادي فينا. وهذا ما يقتضي البحث في التراث من أجل تطويره من الداخل انطلاقا من البحث فيه عما يعضد مبدأ حرية الأفراد (ص110).

السؤال الثالث وهو: أية علاقة بين الحرية الفردية والحرية العامة؟ في إطار معالجة هذا السؤال، يحاور المصباحي الواقع السياسي العربي وكذا مفكري الحرية في العالم العربي أمثال الحبابي وعبد الله العروي وناصف نصار، إضافة إلى الثورات العلمية والتقنية المعاصرة، كالبارابول والإنترنيت والحاسوب، وكل ماله علاقة بثقافة الصورة. وهو في حواراته هاته ينطلق من ذلك التصور الليبرالي الديمقراطي والعقلاني للحرية والذي قوامه النقاش الحر والديمقراطي والعقلاني والعادل في إطار ذلك الفضاء العمومي المؤسسي، الذي هو السياسة… لذلك فالحرية الفردية أو الخاصة لا يمكنها أن تتحقق إلا في إطار الحرية العامة التي تصونها السياسة.كما أن هذه الأخيرة لا يمكنها أن تتحقق بدون ضمان الحرية الفردية. ومن هذا المنطلق يرى هذا المفكر، بأن الديمقراطيات الفتية والهشة في العالم العربي تختزل الحرية، في مجالات سن القوانين الحداثية في مجالات الاقتصاد والمقاولة والإدارة… وبذلك فهي ترفع شعار “الحرية العامة” دون “الحرية الخاصة” وبالتالي المصلحة العامة دون المصلحة الخاصة،فما تهمله هذه الديمقراطيات هو مشاركة المواطنين في اتخاذ القرارات الهامة التي تهم مصير المجتمع والدولة. وهذا ما عبر عنه العروي بالقول: “كلما اتسع مفهوم الدولة ضاق مجال الحرية” (ص112) فلو ارتقت هذه الديمقراطيات العربية إلى مستوى الليبرالية المحصنة بالديمقراطية والإنسية والعقلانية، لما قيدت حرية الفرد، بالحرية أو الإرادة العامة، بل على العكس ستكون بمثابة ذلك الإطار المؤسسي، أو التربة الخصبة لنمو وتطوير الحرية الفردية، أي لتحرير الفرد من كل أشكال الحجر والوصاية والاستعباد، بما في ذلك هويته كهوية تدعي الوحدة والانغلاق والثبات. وهكذا تصبح الحرية العامة مستوعبة للحرية الخاصة، لكن دون أن تذيبها أو تقييدها بالمجتمع كما هو الحال مع الفيلسوف عزيز الحبابي أو بالدولة والإيديولوجيا، كما يرى ذلك عبد الله العروي (ص115) وهذا النزوع نحو تذويب الحرية الفردية في الحرية العامة عند بعض مفكري الحرية في العالم العربي، مرده في نظر المصباحي، الخوف من الحرية الفردية في صورتها المتوحشة وما يمكن أن تحدثه من ردود فعل رافضة في المجتمع العربي. لكن هذا الخوف لا يجب أن يحجب عنا واقعة أن تقلص مساحة الحرية في هذا المجتمع مرده إلى ضعف في حضور الحرية الفردية وما تقتضيه من تعددية في الآراء، وقدرة على النقد والتساؤل، وليس هذا الضعف سوى مؤشر على هيمنة الذات الجماعية أو الوحدة الاجتماعية والسياسية،على الذات الفردية، والهوية الثابتة والمغلقة على الهوية المتغيرة والمنفتحة. هذا مع العلم أن الثورة الحاصلة الآن في مجال تكنولوجيا الصورة والاتصال والسمعي البصري، هي بدورها تجسد وحدة اجتماعية أكثر خطورة على الحرية يطلق عليها هذا الأخير وبوحي من ابن عربي اسم “وحدة الوجود الافتراضية” حقيقة أن هذه الثورة قد وسعت من حرية الأفراد في التفكير والمعرفة، كما حررتهم من كل أشكال الاستبداد، لكنها أفرزت هي بدورها أشكالا جديدة من هذا الاستبداد من بين مظاهره سيادة روح الإدمان على الصورة أو الإنترنيت والحاسوب، وما يترتب عنه من تحكم عن بعد في أفكار عواطف ومعتقدات الفرد (ص119).

وهكذا فالحرية حسب هذا المفكر، تمتلك في ذاتها نقيضها، حتى في مجالات يبدو وكأنها هي مرتع الحرية، كالأنظمة السياسية التي تقدم نفسها على أنها ديمقراطية، وأنظمة الفكر والمعرفة المنظرة للحرية، أو الحاملة لشعارها. لذلك وتحصينا لها من خطر هذا الانقلاب، يجب عليها أن تكون عنوانا لثقافة مواجهة كل أشكال الاستبداد، وتوسيع حضورها وتعميقه في كل المجالات. وهذا لن يتحقق في العالم العربي إلا وفق الشروط التالية: (1) اعتبار مشكلة الحرية في المجتمع العربي مشكلة سياسية، فما لم تحل عقدة الحرية السياسية لا يمكن تحقيق الحرية الفردية. (2) أهمية التنظير الفلسفي السياسي للحرية في العالم العربي، باعتباره كورقة ضغط سياسي. (3) التأكيد على تلازم الحرية والحداثة. (4) ضرورة الحسم في اختيار النظام الليبرالي الديمقراطي لنظامنا السياسي العربي. (5) الإعلان بأن الحرية هي الإنسان في نزوعه المستمر نحو التحرر. (6) ليس العرب أحرارا في أن لا يكونوا أحرارا (ص123).

5) خاتمة

هكذا إذن نخلص إلى أن كتاب رهانات الفلسفة العربية المعاصرة وإن لم تلتزم بحوثه بفهم موحد لمفهوم “الرهانات”، فإنها مع ذلك جعلت من هذا الكتاب شهادة ميلاد لقول فلسفي عربي يريد لنفسه أن يكون مستقلا ومبدعا، وله قيمته المضافة، أو حيزه الخاص به، في ذلك الذي يسميه المصباحي “المكان المحايد” الذي هو الفلسفة. ويكفي أن نتصفح صفحات هذا الكتاب حتى نجد أنفسنا أمام ممارسات فلسفية لا تقل قيمة عن ممارسات زملائهم الغربيين فلاسفة كبار إنها ممارسات تجعل القارئ المتمعن ينبهر من تلك الإمكانيات الفلسفية التي وحدت فلاسفة عرب، ينتمون إلى أجيال مختلفة، وحساسيات متباينة، ومؤسسات بحث خاصة،على بناء إشكالات متجذرة في الراهن العربي، كالمقاومة والمصالحة والعلمانية والحرية والحاضر… مع معالجتها بروح فلسفية لا تخلو من طرافة. حقيقة أن بعض بحوث هذا الكتاب، اكتفت بنقد الممارسة الفلسفية في العالم العربي، من حيث عجزها عن الانخراط في قضايا عصرها، ومواكبة الفلسفة المعاصرة في إشكالاتها، وذلك بفعل تحديات ترتبط بمحيطها الحضاري أو بالمشتغلين فيها. لكن لهذه الانتقادات فضيلتها، فهي قد كشفت عن الطرق التي يفترض أن تسلكها الفلسفة العربية لكي تحقق حضورها، والكشف عن هذه الطرق يشكل خطوة أولى فيها. كما أن هذا الكتاب جاء ليعلن من خلاله ثلة من الفلاسفة العرب عن وعيهم بثقل المسؤولية الملقاة عليهم إزاء مجتمعهم العربي، والمتمثلة في المساهمة في دفع هذا المجتمع للانتماء للحاضر والمستقبل والانخراط في المعركة الأساسية لهذا الحاضر والتي هي معركة الحداثة والتنوير، بدل أن يظل مشدودا إلى الماضي. لكن هذه الاعتبارات سالفة الذكر سوف لن تعفينا مع ذلك من المساءلة النقدية لبحوث هذا الكتاب انطلاقا مما ورد في مقدمته، على لسان المصباحي، والذي يربط مفهوم الرهانات، بممارسة التفلسف بضمير المتكلم، وليس بضمير الغائب. فلماذا إذن لم يلتزم بعض المشاركين في هذا الكتاب بهذا الفهم للرهانات؟ قد يرد على هذا بالقول، بأن الحديث عن الالتزام بالمعنى الذي أعطته مقدمة هذا الكتاب للرهانات،من شأنه أن يتناقض مع روح الفلسفة، والتي قوامها الاستعصاء عن الاندماج والتعاقد والتوحد، وأنه من الطبيعي فلسفيا، أن يختلف الفلاسفة في فهم وتأويل رهانات الفلسفة العربية المعاصرة. وهو اختلاف يجسد ما كان يتغياه الكتاب وهو الممارسة الفلسفية. وفي اعتقادنا أن عدم الالتزام بفهم موحد للرهانات في هذا الكتاب يكشف عن صعوبة تحقيق ما كان يتغياه هذا الأخير من إحداث قفزة في تاريخ الفلسفة العربية المعاصرة، بين مرحلة التفلسف بضمير الغائب التي ظلت سائدة في هذا التاريخ، وبين مرحلة التفلسف بضمير المتكلم.

الهوامش:

1- محمد المصباحي، “الوجه الفلسفي لحقيقة الانتهاكات السياسية بالمغرب”، مجلة فكر ونقد، عدد 65- 2005.

2- رغم تأكيد صاحب البحث على أن الرجوع إلى تاريخ الفلسفة هو بهدف ضمان استمرارية هذا التاريخ بصورة أخرى تقطع معه لتؤسس لممارسة فلسفية خاصة ومتميزة، إلا أنه لم يحقق في بحثه هذه القطيعة، فظل بذلك أسيرا لنفس إشكالات هذا التاريخ.

 

- محمد بنحماني

61

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*