الأحد , 19 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » بإيـــجاز » الشائعة من منظور علم الاجتماع السياسي

الشائعة من منظور علم الاجتماع السياسي

Philippe Aldrin, Sociologie politique des rumeurs, Paris, P.U.F., « Sociologie d’aujourd’hui », 2005.


bi-ijaz_10.1الشائعة تعني في الوهلة الأولى الخبر غير المؤكد والذي يتم تداوله على نطاق واسع داخل وسط اجتماعي قد يضيق أو يتسع حسب الحالات. وحين نحفر بعض الشيء في دلالات الكلمة داخل بعض الثقافات التقليدية، فإن الشائعة تحيل بشكل قدحي على العامة، والاختلال، والنميمة، والمرأة

كانت الشائعة تُعتبر فيما قبل من الظواهر التافهة التي تتعدى مستوى الطرافة. واهتم بها البحث العلمي لأول مرة في ظرفية الحرب العالمية الثانية، حين انتشرت في الولايات المتحدة الأمريكية شائعات حول الهزيمة أو الخصاص في الموارد، فاتصلت الحكومة الفدرالية بباحثين في علم النفس بجامعة هارفارد، وطلبت منهم إنجاز بحث حول هذه الظاهرة المقلقة. وقد اعتمد البحث المذكور منظور علم النفس المرَضي، وتوصل على إثر تحريات ميدانية إلى أن الشائعة هي بمثابة عملية “تحويل العدوانية”، يلجأ إليها الأفراد لتوجيه قلقهم ضد أقلية إثنية أو ضد السلطات العلمية.

وفيما يخص علاقة الشائعة بالظواهر السياسية، سبق لبعض الأنثروبولوجيين مثل جان- فرانسوا بايار أن تناولوا دور الشائعة في المجتمعات الاستبدادية بإفريقيا جنوب الصحراء، واعتبروها أسلوبا يلجأ إليه المحكومون لممارسة “السياسة من الأسفل”. فالشائعة تمثل هنا شكلا من أشكال التعبير عن الاستياء الاجتماعي، وأحد الأنماط التلقائية للتدخل في الحقل السياسي، إلى جانب سلوكات فردية وجماعية أخرى مثل السكن العشوائي والهجرة وتجارة التهريب والالتجاء إلى القوى المرتبطة بالقداسة

أما فيليب ألدران، الباحث بجامعة السوربون بباريس والمدرس بمعهد الدراسات السياسية بإيكس أن بروفانس، فقد ارتأى أن يأخذ الشائعة مأخذ الجد في إطار علم الاجتماع السياسي. واختار نموذج فرنسا باعتبارها تنتمي إلى نمط المجتمعات القائمة على “الديمقراطية التمثيلية”. واستعمل المؤلف مقاربة تعتمد إبدالين اثنين. أولهما هو “الإبدال التبادلي” الذي ظهر خلال ستينيات القرن العشرين، وهو ينطلق من أن الشائعة هي شكل من أشكال تبادل الأخبار. وبالتالي ينبغي البحث في الشائعة في مستوى سياقها الاجتماعي، والفاعل الاجتماعي الذي يتولى إنتاج الشائعة ونشرها أو رد الفعل تجاهها بناء على أهداف فردية أو جماعية معينة. أما “الإبدال السيميولوجي” فهو يتناول الظاهرة من زاوية رمزيتها الاجتماعية، حيث تتخذ الشائعة صبغة النص السردي الذي يمتزج فيه جانب الواقع بجانب المتخيل

بناء على هذه المقاربة، يقترح المؤلف أطروحة تجعل من الشائعات سوقا موازية للأخبار، ووسيلة يوظفها الفاعلون السياسيون للتحايل على ضوابط وإكراهات التواصل التي سنها النسق السياسي الحديث، مثل الشفافية، والتعددية، والتمييزبين الفضاء العمومي والفضاء الخصوصي.

فحين تريد الدولة إصدار قرار لاشعبي أو سلوك ممارسة لاديمقراطية، نراها تلجأ إلى ترويج الشائعات التي تعتمد موضوع الخطر المحدق والمؤامرة الأجنبية، وتجعل من المعارضين عملاء للعدو. وفيما يخص الصراع الانتخابي، بين أطراف سياسية، ذكر المؤلف على سبيل المثال، ظاهرة شائعات “الزواج الإسلامي” التي انتشرت ابتداء من ثمانينيات القرن الفارط في عدد من المدن التي تكثر فيها جاليات المهاجرين. وهكذا ينتشر خبر زواج أو علاقة غرامية تربط المنتخب أو العمدة بفتاة من أوساط المهاجرين المنحدرين من بلدان إسلامية، ويتم الربط بين هذه العلاقة وبين بعض الإجراءات التي تم اتخاذها لصالح المهاجرين، والتلميح إلى أنها إجراءات تمس مصالح الساكنة الفرنسية الأصلية. وقد تبين أن اليمين المتطرف هو الذي كان يقف وراء تلك الشائعات، مُدينا بذلك منتخَبي اليسار الذين يتهمهم بالمساهمة في “تلويث الدم” والمس بانسجام المجموعة الفرنسية الافتراضية.

ويبين المؤلف كيف أن جُل هذه الاستعمالات تلتقي مع الدور الهام الذي تلعبه المقاولة الصحفية في المجتمعات الحديثة. فالفاعلون السياسيون يحتكمون إلى الرأي العام الذي يتكون من جمهور متلقي الحدث/ الخبر، والإعلام يتولى وظيفة إنتاج الحدث، والشائعة نخلق وضعية انتظار وتشويق، مما يجعلها أكثر مردودية من الحدث السياسي “الروتيني” الذي قد يكونأكثر دلالة وتعبيرا عن الرهانات السياسية الحقيقية

تتجلى أهمية هذا الكتاب في عدة مستويات. فقد بنى استنتاجاته النظرية انطلاقا من الدراسة الميدانية لحالات عديدة تفيد في معرفة أسلوب اشتغال الحقل السياسي الفرنسي. ويصف الكتاب، بشكل أعم، جانبا من جوانب عودة المخيال إلى مجتمعات ما بعد الحداثة التي تت مبدئيا بهيمنة العقلانية والفردانية والتكنولوجيا. وإذا كان المؤلف قد اهتم بالأساس بالمجتمعات الراهنة، فإن المنهجية المقترحة يمكن أن توظف، مع الاحتياطات الضرورية، في دراسة أشكال الشائعات وأدوارها في مختلف المجتمعات التاريخية

أما فيليب ألدران، الباحث بجامعة السوربون بباريس والمدرس بمعهد الدراسات السياسية بإيكس أن بروفانس، فقد ارتأى أن يأخذ الشائعة مأخذ الجد في إطار علم الاجتماع السياسي. واختار نموذج فرنسا باعتبارها تنتمي إلى نمط المجتمعات القائمة على “الديمقراطية التمثيلية”. واستعمل المؤلف مقاربة تعتمد إبدالين اثنين. أولهما هو “الإبدال التبادلي” الذي ظهر خلال ستينيات القرن العشرين، وهو ينطلق من أن الشائعة هي شكل من أشكال تبادل الأخبار. وبالتالي ينبغي البحث في الشائعة في مستوى سياقها الاجتماعي، والفاعل الاجتماعي الذي يتولى إنتاج الشائعة ونشرها أو رد الفعل تجاهها بناء على أهداف فردية أو جماعية معينة. أما “الإبدال السيميولوجي” فهو يتناول الظاهرة من زاوية رمزيتها الاجتماعية، حيث تتخذ الشائعة صبغة النص السردي الذي يمتزج فيه جانب الواقع بجانب المتخيل.

بناء على هذه المقاربة، يقترح المؤلف أطروحة تجعل من الشائعات سوقا موازية للأخبار، ووسيلة يوظفها الفاعلون السياسيون للتحايل على ضوابط وإكراهات التواصل التي سنها النسق السياسي الحديث، مثل الشفافية، والتعددية، والتمييزبين الفضاء العمومي والفضاء الخصوصي

فحين تريد الدولة إصدار قرار لاشعبي أو سلوك ممارسة لاديمقراطية، نراها تلجأ إلى ترويج الشائعات التي تعتمد موضوع الخطر المحدق والمؤامرة الأجنبية، وتجعل من المعارضين عملاء للعدو. وفيما يخص الصراع الانتخابي، بين أطراف سياسية، ذكر المؤلف على سبيل المثال، ظاهرة شائعات “الزواج الإسلامي” التي انتشرت ابتداء من ثمانينيات القرن الفارط في عدد من المدن التي تكثر فيها جاليات المهاجرين. وهكذا ينتشر خبر زواج أو علاقة غرامية تربط المنتخب أو العمدة بفتاة من أوساط المهاجرين المنحدرين من بلدان إسلامية، ويتم الربط بين هذه العلاقة وبين بعض الإجراءات التي تم اتخاذها لصالح المهاجرين، والتلميح إلى أنها إجراءات تمس مصالح الساكنة الفرنسية الأصلية. وقد تبين أن اليمين المتطرف هو الذي كان يقف وراء تلك الشائعات، مُدينا بذلك منتخَبي اليسار الذين يتهمهم بالمساهمة في “تلويث الدم” والمس بانسجام المجموعة الفرنسية الافتراضية

ويبين المؤلف كيف أن جُل هذه الاستعمالات تلتقي مع الدور الهام الذي تلعبه المقاولة الصحفية في المجتمعات الحديثة. فالفاعلون السياسيون يحتكمون إلى الرأي العام الذي يتكون من جمهور متلقي الحدث/ الخبر، والإعلام يتولى وظيفة إنتاج الحدث، والشائعة نخلق وضعية انتظار وتشويق، مما يجعلها أكثر مردودية من الحدث السياسي “الروتيني” الذي قد يكونأكثر دلالة وتعبيرا عن الرهانات السياسية الحقيقية

تتجلى أهمية هذا الكتاب في عدة مستويات. فقد بنى استنتاجاته النظرية انطلاقا من الدراسة الميدانية لحالات عديدة تفيد في معرفة أسلوب اشتغال الحقل السياسي الفرنسي. ويصف الكتاب، بشكل أعم، جانبا من جوانب عودة المخيال إلى مجتمعات ما بعد الحداثة التي تت مبدئيا بهيمنة العقلانية والفردانية والتكنولوجيا. وإذا كان المؤلف قد اهتم بالأساس بالمجتمعات الراهنة، فإن المنهجية المقترحة يمكن أن توظف، مع الاحتياطات الضرورية، في دراسة أشكال الشائعات وأدوارها في مختلف المجتمعات التاريخية     

- عبد الأحد السبتي

جامعة محمد الخامس – كلية الآداب – الرباط

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*