السبت , 20 أكتوبر, 2018
إخبــارات
الرئيسية » إخبــــارات » رحيل محمد أركون: 1928-2010 القراءة العالمة للعقل الإسلامي

رحيل محمد أركون: 1928-2010 القراءة العالمة للعقل الإسلامي

kitab-wa-hadath_10.05قراءاتي الأولى لمحمد أركون بدأت بالموازاة مع الترجمات المتوالية التي كان ينجزها هاشم صالح، وعادة ما كان يقدمها بنصوص إيضاح وإضاءة كاشفة لمغالق المعنى. ولم أتعرف عليه وجها لوجه إلا في ربيع 2002 حين حضر إلى المغرب رئيسا للجنة تحكيم جائزة الأطلس الكبير التي ينظمها قسم الكتاب بمصلحة التعاون الثقافي التابعة لسفارة فرنسا في المغرب. كنت وقتها مسؤولا عن إعداد النسخة المزدوجة اللغة من الكتيب الذي يتضمن سير المرشحين وملفات عن أعمالهم وتفاصيل أخرى.

كانت تجربة إدراج الكتابات المغربية في العلوم الإنسانية والترجمات المغربية للآداب الفرنسية على الخصوص في بدايتها، وكانت رائعة بكل المقاييس وتشرف عليها هنا في المغرب الأديبة الفرنسية ماري رودوني.

كان الفائز بجائزة الكتاب العربي في هذه الدورة، نور الدين الزاهي الباحث المغربي في الفلسفة والسوسيولوجيا عن كتابه الزاوية والحزب (2001) وهو كتاب يدرس البنيات المعقدة للأحزاب السياسية في المغرب باعتبارها هياكل تنظيمية حديثة تشتغل بمنطق الزوايا والشيخ والمريد.

أستحضر هذا الحدث وأنا أكتب هذه التحية لروح محمد أركون لعدة أسباب أولها أنني أجالس الرجل وأكتشف شخصيته الإنسانية العميقة ضمن كل فريق لجنة التحكيم، وقد كان لافتا للنظر كيف كان أركون يتحدث بعربية طليقة ومؤثرة خلافا لكثير من المتخصصين في اللغة العربية الذين عادة ما تخونهم طلاقة اللسان وهم يتحدثون في ملأ من الناس.

وثانيها أن كلمة أركون التي قدم من خلالها معايير اختيار الفائز كانت شديدة العمق وهي تربط بين موضوع سياسي وسوسيولوجي معقد وبين الخلفيات العلمية والأكاديمية التي تدرس هذا النوع من القضايا دون حسابات سياسوية ضيقة. وأذكر من بين الأدلة على قيمة العمل اندراجه في سياق استحداث مصوغات وأقسام لدراسة تاريخ الأزمنة الحديثة في العديد من الجامعات العالمية الكبرى. نذكر في هذا السياق أن المشروع الفكري لأركون ارتكز على الخلفيات النظرية لما تقدمه علوم الإنسان والمجتمع في شموليتها وفي أبعادها التكاملية. ومنها أن دراسة الأزمنة الحديثة كانت حاضرة بقوة في فكره من خلال مجمل الإشكالات التي تعالج قضايا المجتمع الإسلامي في علاقتها بالغرب وبالعلمانية وحقوق الإنسان وأنماط الخلل المعرفي الذي تعيشه الثقافة الإسلامية الحديثة.

إن حديث أركون في هذه الجلسة لم يكن بعيدا إذن عن مجمل العمل النقدي والفلسفي والثورة الهادئة التي أحدثها في الفكر العربي الإسلامي وفي دعوته إلى تشكيل منهجية أكثر عمقا وأكثر جرأة في إحداث القطيعة الهادفة مع أشكال المقاربة التقليدية أو الانفعالية.

أقف في هذه الورقة عند بعض الخطوط العريضة والأساسية التي وسمت فكر محمد أركون ومشروعه لتجديد آليات مقاربة وتفكيك العقل العربي الإسلامي:

الإسلاميات التطبيقية وفهم الظاهرة القرآنية

يتعلق الأمر هنا في جعل القرآن موضوع بحث ومقاربة وتفكيك وتأمل، عملية وعرة السبل في ظل إشكالات التأويل وسوء الفهم وتكفير أصحاب المحاولات الفكرية لتغيير وجهة النظر التي عولجت من خلالها الظواهر الكبرى في تاريخ الإسلام. وقد قالها أركون في أحد حواراته الأخيرة حين زار تونس وألقى بجامعتها محاضرة (أبريل 2009):

“جعله موضوع بحث لا يعني الإعراض عن القرآن كمرجعية دينية لجميع المسلمين، وهذه النقطة أساسية يجب أن يفهمها القارئ لكي لا يردد ما لا أزال أقرأه عن كثير من المسلمين عندما يسمعون اسم محمد أركون، حيث يقولون هذا يريد أن يعزل القرآن ويخرجنا من الإيمان ومن تراثنا الإسلامي، وهذا افتراء وكذب، لأني لا أفكر أبدا في هذا الطريق”.

لقد قارب أركون هذه الظاهرة (وهو هنا يستعمل كلمة ظاهرة بمعناها الإيجابي، أي “الشيء يظهر أمامي ولا أعرف كيف أفسره، وهو ‏شيء مدهش وله حضور وصدى في العالم كله”)، باعتماد منهجية مقارنة وتفكيك لكل الكتابات الغربية والشرقية الآسيوية التي اعتنت بتحليل القرآن وفهمه في إطار كل النصوص السماوية الأخرى. وفي صنيعه هذا يكون أركون قد استثمر الخلفيات النظرية المتنورة في معالجة قضايا ذات حساسية كبرى وهو سليل مدارس فكرية متنوعة المشارب والاتجاهات قديمة وحديثة غربية وشرقية مثل مدرسة فوكو المعرفية ومدرسة بورديو الاجتماعية ومدرسة بلاشير اللغوية الفيلولوجية (خصوصا في البداية) ومدرسة أبي حيان التوحيدي الثائرة…الخ، حيث ندرك من هذا التنوع في المصادر والقراءات والمنهجيات، الجهد الذي بذله أركون في نحت منهجية جامعة بين ما هو فلسفي وتاريخي واجتماعي وألسني.

لقد أجمع الدارسون والمتتبعون ومترجمو أعمال محمد أركون أن هذا الاتجاه في الدرس والتفكير يعود إلى الحسم المنهجي منذ البداية في التفريق بين اتجاه البحث الذي مارسه الاستشراق التقليدي وبين اتجاه الإسلاميات التطبيقية التي جعلها لنفسه منهاجا وطور آلياتها وأسسها. يقول مترجمه هاشم صالح إن “هذا التمييز يمثل طفرة نوعية أو ابستمولوجية، وليس مجرد تصنيف سطحي أو ظاهري للاختلافات المنهجية. (…) ونلاحظ أن أركون يستخدم مصطلح الإسلاميات الكلاسيكية بدلاً من الاستشراق في معظم الأحيان لأن كلمة “استشراق ” أصبحت ملوثة أكثر من اللزوم بسبب الجدال الإيديولوجي الحامي الذي دار حولها منذ الستينيات على الأقل. (…) وعلى عكس الإسلاميات الكلاسيكية فان الإسلاميات التطبيقية تدرس الإسلام ضمن منظور أنثربولوجى واسع فهي تعتبر أن الإسلام ليس إلا إحدى تجليات الظاهرة الدينية التى تتجاوزه وتتجاوز كل دين خاص مأخوذا على حدة، فالظاهرة الدينية أو “ظاهرة التقديس” ظاهرة أنثربولوجية بمعنى أنه لا يخلو منها أي مجتمع بشري، بدائيا كان أم متحضرا عتيقا كان أم حديثا. إن وجهة النظر هذه تعتبر حديثة جدا حتى بالنسبة للفكر الغربي المتقدم.

وضمن هذا المنظور فان الإسلاميات التطبيقية تختلف جذريا عن الإسلاميات الكلاسيكية، فنحن نعلم أن هدف الإسلاميات الكلاسيكية “أي الإستشراق” هو: تقديم معلومات دقيقة ووصفية “أي خارجية وباردة” عن الإسلام إلى الجمهور الغربي الذي لا يعرف عنه شيئا، وهى لا تنخرط في دراسة نقدية مقارنة تضع الإسلام على قدم المساواة مع المسيحية واليهودية.”1

يمكننا أن نحدد قيمة المشروع الفكري الذي أسسه أركون وطوره في أنه اتجه نحو دراسة اللامفكر فيه داخل الثقافة العربية الإسلامية، وأول السبل إليه كما ذكرنا وضع جهاز مفاهيمي قادر على مقاربة الظاهرة الدينية في كليتها، وتحريرها من النزعة التقليدية القائمة أساسا على التفسير والشرح، ومن الأدوات العتيقة في المقاربة وأولها الكيفية التي تم من خلالها النظر إلى مفهوم المقدس داخل هذه الثقافة. لكن محمد أركون كان أيضا ومنذ البداية داعيا وبقوة إلى أنسنة المعرفة “بعيد عن كافة التعصبات المذهبية والعرقية والإيديولوجية” كما قال أحد الباحثين التونسيين، وهو الذي جعل أطروحته لنيل الدكتوراه عن نزعة الأنسنة في الفكر العربي، جيل مسكويه والتوحيدي، فكانت بذلك مدخلا مركزيا لكل مشروعه الفكري البَعدي في نقد العقل الإسلامي وتفكيك مكوناته. أستحضر في هذا السياق ما يقوله إدغار موران من أنه “على بني البشر أن يتعارفوا ويعترفوا ببعضهم داخل إنسانيتهم المشتركة، وان يعترفوا في نفس الوقت بتنوعهم فرديا كان أم ثقافيا”.

إن الدعوة إلى دراسة اللامفكر فيه تهدف أساسا إلى محاولة تقليص الهوة بين عالم يبني حداثة تحكمها قيم متطورة رغم أن متخيلها عن الفكر العربي تحكمت فيه الكثير من الأساطير والمغالطات، وبين عالم مازال يتلمس طريقه نحو حداثة محتملة، ويزيد في توسيع الهوة بينه وبين آليات التقدم الممكنة في الوقت الذي يبني واقعه على استشراف هذه الحداثة في بعدها الاستهلاكي وإدارة الظهر لعمقها الفكري والتاريخي والإنساني.

الهوامش:

1- مدخل إلى فكر محمد أركون نحو أركيولوجيا للفكر الإسلامي الإسلامي منهجيات علوم الإنسان والمجتمع ومصطلحات مطبقة على دراسة الإسلام، مجلة نزوى، العدد 3، 2009-06-17.

 

- سعيد الحنصالي

جامعة محمد الخامس – كلية الآداب – الرباط

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*