السبت , 20 أكتوبر, 2018
إخبــارات
الرئيسية » إخبــــارات » إدمون عمران المليح الغائب الحاضر

إدمون عمران المليح الغائب الحاضر

kitab-wa-hadath_10.6كتب إدمون عمران المليح روايته الأولى المجرى الثابت سنة 1980 عن دار ماسبيورو، وقد أثارت في حينها اهتماما كبيرا في الأوساط الثقافية المغربية غطى على الصمت المريب الذي قوبل به النص في منتديات باريس ومنابرها الثقافية. كان لافتا في حينها إقدام هذا المناضل المنتمي للعشيرة اليهودية وأحد قادة الحزب الشيوعي المغربي إبان مقاومة الاستعمار، والذي اختار المنفى منذ 1965 كجواب على حملات القمع والتنكيل بالمعارضين التي قادها النظام ضد المعارضة على اختيار الرواية والكتابة الأدبية وفي سن متأخرة (66 سنة) كوسيلة لإعادة كتابة تاريخ شخصي معقد ومتشابك جرفه تيار أوضاع عامة.

أذهل النص قراءه بعمقه وفرادته ولم يعد هناك من شك في أن ذلك الطفل الذي تحدث عنه عمران المليح نفسه “عاشق الكلمات ومربيها” ظل قابعا بداخله يمارس شغبه الجميل في ملاعبة الكلمات وابتداع إيقاعات وسياقات جديدة لها، لم تنل منه سنوات ممارسة السياسة الطويلة وما تقتضيه من لوك للمفاهيم الجامدة واجترار للتعابير الجاهزة.

كتب عمران روايته بالفرنسية، لكنه تعامل معها “كغنيمة حرب” على حد قول كاتب ياسين، لذا فهو يلغمها ويحررها من انغلاقها ويشن عليها غارات بكلمات وصيغ من الدارجة المغربية ويدفعها لعناق شعري مع هامش فرح ومستفز. هذه الفرنسية الغريبة والفاتنة كانت تدفع الناشرين الفرنسيين وبعد أن توالت نصوص عمران للتوجس من نشر روايات متضمنة لكم هائل من الكلمات الغريبة بالإضافة لكونها تنتصر لقضايا يعمل الجميع على نصب سياج من الصمت حولها. جاهر عمران دوما بنصرته للقضية الفلسطينية، وكان هو اليهودي يطالب دولة إسرائيل الظالمة بعدم التكلم باسم اليهود، وتناول في كل نصوصه تقريبا جريمة تهجير اليهود المغاربة إلى فلسطين واجتثاثهم من جذورهم . لقد عاش هذا التهجير كنكبة شخصية فادحة مثلما عاشته المدن المغربية كضرب من التفقير الاجتماعي لأنها حرمت من مظاهر التعدد الخلاق والمخصب الذي يهب الأمكنة عبقرية خاصة. كان يعتبر المحرقة شأنا يخص تاريخ أوربا وضميرها ولا ينبغي تحميل الشعب الفلسطيني ظلم التكفير بدمه وأرضه عن هذا الذنب. انتمى عمران دوما وبشكل عميق ليهودية روحانية ومتفتحة ترى في الشتات هبة ليهودية تتلون بالأرض وتتحرر من تضخم الأنا اليهودي، يهودية مغرب عميق شكله العيش المشترك بين مختلف المكونات المغربية، لذا كان عمران يعتبر نفسه يهوديا متميزا فهو يمارس الشعائر اليهودية ولا يتكلم العبرية.

بعد وفاة ماري ـ سيسيل المليح عاد سنة 1999عمران بصفة نهائية للمغرب وسكن بشقة في حي أڭدال بالرباط . ومنذئذ صارت تلك الشقة بيتا للكتاب والتشكيليين المغاربة، إذ كان ينذر أن تجد عمران على مائدة غذاء أو عشاء لا يشاركه فيه بعض أصدقائه. كان طباخا ماهرا جمع في طبخه بين محاسن الطبخ اليهودي والإسلامي والفرنسي، ومثلما كان الكاتب يربي الكلمات ويروض الاستعارات كان الطباخ يبحث دوما عن الأذواق الرفيعة والفريدة. أذكر أنه ألح علي ذات يوم في المجيء إلى العاصمة لأمر جلل لم يفصح عنه، وحين ذهبت وجدت أن الأمر يتعلق بطاجين الترفاس وهو نبات ناذر أشبه بالفطر يستخرج من الغابات، كان سعيدا ومزهوا بطاجينه وسعيدا أكثر لاقتسامه معي.

الصداقة عند عمران فلسفة حياة وإن كان لم يحتفظ من حياته كمناضل سياسي بأي صديق، فإن مساره ككاتب كبير ومتميز نسج له شبكة هائلة من الأصدقاء وفي مختلف المدن المغربية ومن مختلف الفئات الاجتماعية والعمرية. كان أبا ومعلما ينصت للجميع بانتباه وتفهم وصبر لا يستهويه أبدا منبر الواعظ ويترك تجربته المديدة جانبا ليأخذ الحكمة من فم بواب أو بقال أو سائق تاكسي. لم تنجح سنوات باريس الطويلة أبدا في قتل الحس الشعبي لدى عمران أبدا، لذا كان محبوبا جدا ومحاطا بحدب جلي أينما سار بخطواته الوئيدة المتزنة.

فقدت الفنون التشكيلية بموت عمران المليح أحد أبرز نقادها ومتابعيها ومشجعيها. فمنذ صداقته مع المؤسس أحمد الشرقاوي الذي أهداه لوحتين كان يعلقهما فوق مكتبه ومرورا بصداقته مع المليحي ومحمد القاسمي وخصوصا خليل غريب الذي كتب عن أعماله عدة نصوص مهمة وغيرهم. دخل عمران المختبر الصعب لبناء هوية تشكيلية مغربية متميزة، كان يرى أن التشكيل هو أفضل تعبير عن الثقافة المغربية المعاصرة، لذا كان ينظم ويكتب في كتالوغات عدة معارض ويفرح لقدرة بعض التشكيليين المغاربة على الحوار مع الذاكرة البصرية للمغاربة والمنثورة في الزرابي والحلي والوشم والحناء والمعمار وكل تجليات الحياة اليومية بما فيها شكل تصفيف الخضر في السوق..

صدر في تل أبيب قاموس للتعريف بالكتاب اليهود، وبصدد إدمون عمران المليح قال القاموس:” كاتب يهودي مغربي معروف بتعصبه لوطنيته” فرح عمران كثيرا لهذا التعريف واعتبره وساما علق على صدره، وإن كان في أواخر أيامه قلقا إزاء تعثرات بناء دولة ديمقراطية حديثة وإزاء المحاولات الحثيثة للبعض للالتفاف على كل بشائر التغيير فإنه لم يكن يخفي اعتزازه الدائم بهذا المغرب المتعدد المتضامن المنفتح المعتز بتاريخه واستمراريته.

في المقبرة اليهودية بمدينة الصويرة حيث دفن عمران كنت ترى مئات المشيعين الذين جاؤوا من كل مدن المغرب وكانت هناك أيضا السيدة ليلى شهيد سفيرة دولة فلسطين لدى الاتحاد الأوروبي كانوا هناك لوداع الرجل والرمز الغائب الحاضر أحد رجالات المغرب العظام. وداعا عمران..

- عبد الكريم جويطي

67

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*