الإثنين , 20 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » حول كتابي: العِرْق والتاريخ، والعِرْق والثقافة لكلود ليفي ستروس

حول كتابي: العِرْق والتاريخ، والعِرْق والثقافة لكلود ليفي ستروس

Claude Lévi-Strauss , Race et Histoire Race et Culture, Paris, Albin Michel, 2002.

oummahat_10.3الأنثروبولوجيا تخصُّص معرفي نشأ وتطوَّر في المجتمع الغربي. وقد أولى فيه الباحثون اهتماما كبيرا بظاهرة التَّنَوُّع والاختلاف في الثقافات البشرية، وكثير منهم سعوا من خلال أبحاثهم إلى العثور على ما يُدعِّم أحكاماً مُسبقة وجاهِزة كانت رائجة في أوساطهم، ومفادها أن الظاهرة المذكورة تعكس اختلافا طبيعياَ وواقعياً بين شعوب العالم وأعراقها وعقلياتها ومجتمعاتها. بمعنى أن هناك تغايُراً مطلقا يُميِّز ثقافة المُتحضِّرين عن ثقافة البدائيين والمتوحشين، ويميِّز بالتالي الحضارة الغربية عموما عن باقي حضارات وثقافات المجتمعات البشرية الأخرى. والظاهر أن العالِم الفرنسي كلود ليفي ستروس (Claude Lévi-Strauss, 28-11-1908/30-10-2009)، وهو رائد ومُؤسس الأنثروبولوجيا البنيوية، اختار السير في الاتجاه المعاكس لهذا التوجُّه.

الظاهر أن اهتمام كلود ليفي ستروس بظاهرة التَّنَوُّع والاختلاف في الثقافات البشرية ظل حاضرا في كتاباته عقودا طويلة، بَيْدَ أن الأفكارَ الرئيسية التي طوَّرها حول هذا الموضوع بالذات تبلورَت بصفة خاصة في موقفين أساسيين: الموقف الأول عرَضَه في كتاب صغير عُنوانُه:العِرْق والتاريخ، نشر في 1952؛ وهو عبارة عن مُساهمته في السنة الدولية لمناهضة العنصرية، المنظمة آنذاك من طرف اليونسكو. أما الموقف الثاني الذي يُعتبَر مٌكَمِّلا ومُعدِّلا للموقف الأول، فقد تم التعبير عنه في كتيِّب ثانٍ يحمل عنوان: الثقافة والتاريخ، وقد نُشِر في مناسبة مُماثلة سنة1971، كذلك ضمن كتابه النظر من بعيد(1983)، وهو النص المُحال إليه في هذا التقرير (1). بصدد الموقفين معاً يلاحِظ النقاد أن بينهما ما يشبه القطيعة، وهذا ما نودُّ إبرازه باختصار في هذا التقرير.

أولا: في الموقف الأول المعروض في العِرْق والتاريخ، ينتقد كلود ليفي ستروس بشدة التصوُّر العنصري الذي يربط بين ظاهرة التنوع الثقافي و بين الاختلاف العِرْقي ربطاً ضرورياً و متلازماً. و يستند نقدُه على الأفكار التالية ( العِرْق والتاريخ، طبعة 1977. . ص.:69-85 ):

ـ نَفيُ وجود أية علاقة ضرورية ومباشرة، بين تقدُّم الثقافات البشرية وازدهارها، وبين ما يُزعَم أنه امتياز وتفوُّق عرقي.

ـ التأكيدُ على أن الثقافات البشرية لا تتفاضل فيما بينها وإنما تتعادل.

ـ إبرازُ الطابع النسبي للمَعايير والقيَم التي تُصَنَّفُ بواسطتها الثقافات البشرية في خانات التقدُّم والتخلف.

ـ التأكيدُ على أن الازدهارَ الثقافي لا يتحقق إلا في ظروف انفتاح الثقافات البشرية على بعضها البعض.

ـ التأكيدُ على أن التَّواصُل والتعاون بين المجتمعات البشرية من خلال ثقافاتها، يُعَدُّ مصدرا للإثراء المتبادل.

ـ التأكيدُ على أن العزلَة والانكماشَ يُؤدِّيان حتماً إلى الجمُود والعُقًم الثقافي.

ـ التأكيدُ على أن أكبرَ مصيبة وأفظعَ عاهة يمكن أن تبتلي بها جماعة بشرية مَّا هي أن تعيش منعزلة.

ـ التأكيدُ على أن الواجب الكبير المُلقى على عاتق البشرية يقوم في الابتعاد عن كل نزعة عنصرية تحصُر الامتياز والتفوُّق في سُلالة بشرية معيَّنة وفي ثقافة بشرية واحدة مُهيمنة؛ فمن المستحيل أن ينفردَ جُزءٌ من البشرية بامتلاك ِصيَغ وحلولِ عامَّة يمكِن أن تنطبق على جميع الشعوب.

هذه الأفكار اعتبرت في حينها جديدة وثورية، كما عُدَّت لاحقا مقدمات ضرورية لأي حوار بين الثقافات. وفضلا عن ذلك فإن منظمة الأمم المتحدة للتربية العلوم والثقافة استلهمت منها كثيرا في إعلان اليونسكو العالمي بشان التَّنَوُّع الثقافي، الصادر في نوفمبر 2001. وهو من أهم النصوص المعاصرة المؤسسة لفلسفة أخلاقية جديدة في مجال الحقوق الثقافية.

ـ ثانيا: في الموقف الثاني المعروض في كتيب الثقافة والتاريخ، يبرِّر كلود ليفي ستروس عودَته إلى تناول نفس الموضوع بظهور دراسات جديدة في هذا المجال وبنضوج رؤيته للأمور. والارتسامات الأولى عن هذا الكتيِّب توحِي بأن مُفَكِّرَنا لا يزال متمسكا بموقفه الأول: نافيا أن تكون هناك أية علاقة بين التطور البيولوجي والازدهار الثقافي؛ رافضا اعتبار التطور الثقافي مجرَّد ظاهرة مُلحقة بالتطور البيولوجي؛ مَؤكِّدا في نهاية المطاف أن اختلاف الثقافات البشرية لا يرجع إلى عوامل عِرقية، ذاهبا إلى حد القول إن مفهوم “العِرْق” ذاته هو نتاج للثقافة أكثر مما هو حقيقة بيولوجية.

نقرأ في هذا الصدد: “… إن ما تحدِّده الوراثة عند الإنسان هو فقط الاستعداد العام لاكتساب ثقافة ما. أمَّا تلك التي ستصبح ثقافته بالفعل فترجِع إلى ظروف ميلاده وما يحيط بها من مصادفات، وكذلك إلى المجتمع الذي سيتلقى فيه تربيته”. (النظر من بعيد: ص 40).

ولا شك أن مضمون هذه الفكرة يُعد مساهمة قيمة في مناهضة التعصَّب الثقافي والعنصري، لكونه يؤكد على أن الاختلاف الثقافي، على رغم كونه ظاهرة واقعية لا يمكن تجاهلها، يرجع إلى عوامل تاريخية ظرفية أكثر مما يعود إلى عوامل وراثية. ولكننا نلاحظ أن هذا الرأي لم يستمر طويلا، إذ سرعان ما اعتراه بعض التذبذب، بحيث يلاحظ النقاد أن رفضه للنزعة العنصرية لم يعد قطعيا ولا جازما كما كان من قبل مما جعله يُستقبل بحمَاس فاترٍ من طرف اليونسكو ذاتها. بل ذهب بعضهم إلى حد القول إن هناك نوعا من القطيعة بين الأطروحة التي دافع عنها في العِرْق والتاريخ، وهذه التي يدافع عنها الآن فيالثقافة والتاريخ (2).

والحق أن كلود ليفي ستروس في المقدمة الجديدة التي كتبها لمجموعة الأبحاث المنشورة في كتاب النظر من بعيد، يفاجئنا بالفعل بما يمكن اعتباره تراجعاً صريحاً عن الموقف السابق، يبرِّرُه بعامل تقدُّم السن الذي جعل نظرته تصبح أكثر واقعية. أين يتجلي هذا التراجع؟

عندما يعرف النزعة العنصرية بأنها: “مذهب يزعم أن السمات والخصائص الذهنية والأخلاقية التي يتصف بها جماعة من الناس… تعَد نتائج ضرورية لموروث بيولوجي مشترك”. لا يلبث أن يستثني من ذلك “موقف الأفراد أو المجموعات الذين يدفعهم تشبثهم وإخلاصهم لبعض القيم، إلى أن يتبنوا، إن جزئيا أو كليا، توجها سلبيا لا يتجاوب مع قيم أخرى”. فلا إثم هناك في أن يرفع “أسلوب معين في الحياة فوق جميع الأساليب الأخرى”. (النظر من بعيد: ص 15).

وماذا عن فضيلة تلاقح الثقافات البشرية فيما بينها التي طالما امتدحها في السابق، واعتبرها شرطا لازما لكل ازدهار ثقافي؟ لقد أضحى الآن يرى فيها عاملا من العوامل التي تهدِّد الخصوصيات الثقافية بالاندثار: فحسب موقفه الجديد إن الخطر الكبير الذي يتهدَّد اليوم البشرية يتمثل في التجانس الكبير والتشابه المتزايد بين أنماط السلوك والحياة والتفكير نتيجة لانهيار الحواجز بين الثقافات، وسقوط جميع العراقيل أمام التواصل بين المجتمعات البشرية. إن ذلك سيؤدي عاجلا أو آجلا إلى القضاء على الخصوصيات والهويات الثقافية. ( النظر من بعيد: ص 47).

والأكثرُ إثارة للدهشة في هذا الموقف الجديد هو أن كلود ليفي ستروس غدا يعتبر ما تخوضه البشرية في عصرنا من نضالات من أجل المساواة وضد جميع أشكال التمييز العنصري، وكأنه مُوجَّه ضد مصلحة البشرية ذاتها. وهذه هي عبارته المثيرة في هذا الصدد: “… ليس بوسعنا أن نخفي أن النضال ضد جميع أشكال التمييز العنصري يندرج في التيار نفسه الذي يقود البشرية نحو حضارة كونية مدمرة لتلك الخصوصيات القديمة، التي يعود إليها الفضل في إبداع القيم الجمالية والروحية “. ( النظر من بعيد: ص 47).

أما العبارة التي أثارت تساؤلات وشكوكا كثيرة حول حقيقة الموقف النهائي لكلود ليفي ستروس من التَّنَوُّع والاختلاف في الثقافات البشرية فهي التالية: “… على البشرية أن تتعلم من جديد… أن كل إبداع حقيقي يقتضي نوعا من عدم الإنصات إلى نداء القيم الأخرى المُغايرة، يمكن أن يَصِلَ إلى حد رفضها بل حتى إلى إنكارها”. (النظر من بعيد: ص 47). ــــــــــــ

الهوامش:

1. نُشِر هذان النصان في الطبعات التالية:

– Claude Lévi-Strauss, Race et Histoire, Editions UNESCO, Paris , 1952.

- Claude Lévi-Strauss, “Race et Culture” in Revue internationale des sciences sociales, Vol. XXIII (1971), n° 4, UNESCO.

– Claude Lévi-Strauss, “Race et Culture” in Le Regard Eloigné, Paris, Plon, 1983.

– Claude Lévi-Strauss , Race et Histoire Race et Culture, Paris, Albin Michel, 2002.

ـ هناك ترجمة عربية للنص الأول: كلود ليفي ستروس، العرق والتاريخ، ترجمة سليم حداد، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، لبنان، 1982.

2. Emmanuel Terray, ” Face au racisme”, in Magazine Littéraire, n° 223, p. 54.

 

- عبدالرزاق الدواي

76

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*