الأحد , 19 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » تقاريـــــر » ملاحظات أولية حول “تقرير المعرفة العربي1 للعام 2009”

ملاحظات أولية حول “تقرير المعرفة العربي1 للعام 2009”

تقرير المعرفة العربي للعام 2009: نحو تواصل معرفي منتج، المكتب الإقليمي للدول العربية، ومؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم، 2009

takarir_10.0يطرح تقرير المعرفة العربية لسنة 2009 أسئلة عن منهجية التعامل معه والمداخل الممكنة لقرائته. هذه الأسئلة تمتح مشروعيتها من أن هذا النص حول المعرفة العربية ينتمي إلى جنس خاص من الكتابة لم يكن متداولا في الساحة العربية بكثرة، وهو جنس التقارير. فهل تستتبع دراسة هذا الجنس عدة خاصة تختلف عن الآليات المنهجية المستعملة لقراءة وتمحيص أعمال أخرى من جنس الأعمال الأكاديمية ؟. بعبارة أخرى هل يتعين لقراءة هذا النص، الاقتصار على أدوات تنسجم مع طبيعته (تقرير) وتأخذ في الحسبان أنفاس السياسة التي تتخلله، أم تنبغي مخاتلته والتسلل إلى ميدانه على نحو يمكن من كشف أعطابه المنهجية وثغراته المضامينية؟ هل يتعين تشريحه وتفكيكه بهدف الكشف عن منطقه و أدواته و خلفياته ؟

إنني أميل إلى اختيار المسلك الثاني للاعتبارات التالية:

أولا: إن جنس أو تقنية الكتابة، لا يبدو مبررا وجيها لاستبعاد النص من دائرة الفحص والاستنطاق والتفكيك والتأويل. فاختزال الكتابة حول المعرفة في مجرد تقنية، يبدو غير مقنع. فخلف التقنية تنحجب مساحات تعبير وتفكير يجب استكشافها ومسائلة الآليات التي توظفها و المنطق الذي يلهمها، وإلا غدت التقنية (صيغة التقرير) قناعا يؤدي وظيفة الحجب والمراوغة وحيلة لتمرير كتل من الأفكار كدوغما يجب التسليم بها أو كأصنام يتعين تأليهها. إن التذرع بجنس الكتابة لإملاء صنف معين من القراءة، يحول تقرير المعرفة العربية لسنة 2009 إلى بكارة شفافة يخشى عليها من الافتضاض بعد أول احتكاك يشهر مهماز الحفر وملقاط التفكيك وآلية التأويل.

ثانيا: إذا كانت تقنية الكتابة تساق مسوغا لجنس خاص من التناول، فإن طبيعته السياسية قد تستغل لرسم إحداثيات توجه عمل الباحثين وتعبد مسالكهم وتنتقي آليات اشتغالهم. ومن تم، فأي عمل يشذ عن “واجب” الانضباط لمقتضى جنس الكتابة وطبيعة النص، قد يعتبره من يدافعون عن هذا الأمر، انحرافا عن مسار محدد الإحداثيات واستعارة لملاقيط قراءة وأدوات معالجة لا تتناسب والطبيعة السياسية للتقرير. نتيجة هذه الرؤية، هي أن جهد القراءة المنضبط للمقتضيات المتعارف عليها في الساحة الأكاديمية، بل وأيضا لمنطلقات التقرير نفسه وللمنهجية التي يتبناها، يغدو عديم الفعالية لأنه ليس في موضعه. مرتكز هذه الأحكام المعيارية ليس هو اختبار ذلك الجهد في آلياته المنهجية وأطر إسناده النظرية، بل إن المعيار خارجي وهو طبيعة التقرير السياسية. وأعتقد أن هذا هو جوهر الإيديولوجيا، تصوغ الأفكار في القالب الذي ترتضيه وتسعى جاهدة لفرضها كحقيقة يقينية.

ثالثا: إن سعيي للحفر في منهج هذا التقرير وتفكيك مقاطعه، ينطلق من أن لكل نص كينونته. فالنص لم يعد مجرد أداة للمعرفة بل أضحى نفسه “ميدانا معرفيا مستقلا” و”منطقة من مناطق عمل الفكر”، ” له مشروعيته وكينونته المستقلة. وكينونته تقتضي النظر إليه من دون إحالته لا إلى مؤلفه ولا إلى الواقع الخارجي. ففي منطق النقد يستقل النص عن المؤلف كما يستقل عن المرجع لكي يغدو واقعة خطابية لها حقيقتها وقسطها من الوجود”2.

رابعا: إن انخراط التقرير في عمل مسحي، لا يعني أنه ينقل أحوال المعرفة العربية وواقع مرتكزاتها بشكل أمين ومحايد، بقدر ما يقدم قراءة لتلك الأحوال ولذلك الواقع. فعملية الرصد تسلط الضوء على ظواهر ومعطيات وتغض الطرف عن أخرى، وتفسر هذه وتعف عن التفسير بالنسبة لتلك أو تقف عند حدود التفسير الكمي. بمعنى أن من يرصد يملك نسبيا سلطة على ما يرصده. إن السلطة التي يملكها معدو التقرير في رصدهم لحال المعرفة ولواقع مرتكزاتها، تتجسد في ما أسميه قراءة الواقع والأرقام والأعمال. ففي كل قراءة جرعات من السلطة. المطلوب إذن، مساءلة تلك القراءة السلطة وفحص منطلقاتها ومنهجها وكشف ما تسكت عنه وتحجبه من معطيات ومواقف وخلفيات وإضاءة ما هو معتم فيها وكتابة ما يضيع في ثنايا بياضات النص لا تعسفا وتقولا، وإنما تبليغا لوحي باطن بعض عباراته وإنصاتا لهمس أنفاس الإيديولوجيا المبثوتة في حناياه. إن خطاباتنا قد تكون أقنعة تخفي أكثر مما تجلي3.

خامسا: لكل نص حقيقتان. حقيقة ظاهرة تهديها لنا العبرات التي تم التلفظ بها، وحقيقة باطنة تشكل “المتواري أو اللامفكر فيه أو ممتنع التفكير أو اللاشعور والذي يلتحم بالمتجلي أو المفكر فيه أو الشعور”. وإذا كانت القراءة في المستوى الفوقي للنص( “مافوق النص”) “تقوم على أحادية المعنى أو سيرورة التقدم أو تطابق الذات و الموضوع”، فإنها في الطرف التحتي (“ما تحت النص”) “تنفتح على شظايا الدلالات أو سانكرونية الأفعال أو الاختلاف الطفيف واللامتساوي بين الذات والموضوع”. بعبارة أخرى إذا كان “التحليل العباري”(فوكو) يقتصر على ما يقال دون أن يمتد إلى ما يسكت عنه، “فإن التأويل والتفكيك في القراءة التحتية” يبحث “عن الأغوار أي المكبوتات الدفينة” وعن “الهوامش المستبعدة أو الأصوات المخرسة. بهذا المعنى، التأويل والتفكيك هما صفيحتان لا تنفكان عن الاحتكاك في سبيل زلزلة البداهات أو تقويض السلطات، أي ابتكار الإمكانات وخلق المكانات”4. إن قراءة المستوى التحتي تمكن إذن من تعقب حركة طيات النص و تحسس نزيف الدلالات والتقاط همس الأصوات المخرسة. من هذا المنطلق، لا تكفي الإحاطة بالرؤى والمعاني التي يهديها لنا تقرير المعرفة العربية وبالحقائق التي يفترض التسليم بها، بل لا بد من اختراق حجب الفوق (“فوق النص”) لاجتراح الإمكانات الجديدة الراقدة في نتوءاته ورصد توتراته المكممة.

إنني أزاوج في هذه القراءة بين الحفر الذي يتعقب التشكيلات الخطابية و يهتم بكيفية انبناء التقرير وبين التأويل والتفكيك الذين ينصرفان إلى الباطن بحثا عن أصوات مخرسة ونصوص أو فصوص كلم مهدورة. إنني أوظف حزمات من العبارات التي وردت في التقرير للبحث عن الترابطات القائمة بينها وإبراز ما بينها من توترات، وكشف المراوغات المنهجية بغية اكتشاف إمكانات جديدة لم يطرق التقرير بابها أو لم ينتبه إليها، وانتشال أمور أخرى كي تطفو إلى السطح بعد أن حجبها. وسأضرب أمثلة للتوضيح. استعمل التقرير عبارات أو وقائع خطابية وفق منهج يوحي بتطابق دلالاتها رغم أنها غير مأتلفة، وانتقد النزعة الكمية وفي نفس الآن اقتفى أثرها طوعا أو استسلم لها كرها. وبينما أشار إلى عدم إغفال الروح النقدية الملتزمة، أبان التقرير في مواطن كثيرة عن روح امتثالية تستكين أمام المعطيات عوض استنطاقها وتفكيكها. وانخرط في منهج تحليل يوحي باستجداء الإجماع وليس توليد الإقتناع. فهو يرتحل من المقدمات إلى الخلاصات دونما وسيط يسير بخطى منهجية متئدة فيصل المنتهى بالمبتدأ. نتيجة ذلك هي أن الخلاصات تكون أحيانا هجينة، بحيث لا تستكمل نصابها من المؤشرات المقنعة، وتكون أحيانا لقيطة، بحيث يقذف بها قذفا قبل مرور الأطوار الطبيعية اللازمة لتكون الولادة سليمة. إنها لا تتخلق من رحم المؤشرات، فنكون أمام أحكام و تقديرات. ومن ذلك أيضا تلمس الضياء في ردهات عربية متشحة بالسواد ونسج خيوط الأمل من أطياف خصلات غد عربي متوقع، لا من بقايا الحياة في رفات واقع عربي منصرم أو واقع آني. فكيف يتوقع التقرير الأحسن في موضع يسوق فيه معطيات تدلل على كثرة أمارات التخلف أو الركود أو التطور البطيء؟. ولماذا يدعي الجرأة(الصفحة ب) ثم يلتزم الصمت في معرض الحاجة إلى الصدع بالرأي، أو يومئ في معرض الحاجة إلى البيان؟. ألحظ أيضا كيف أن منسوب الحماسة يرتفع حين يسوق معطيات بشأن قطر أو أقطار معينة، ربما كدليل على دقة المسح، بينما تستعر حمى التبرير في مواضع غياب المعطيات أو حين يتم تغييبها أو حين يتحسس معدو التقرير أن ساعة الصمت أزفت وأن توسيع مدى التفسيرات أو الانعطاف في حقل التفسيرات نحو المؤشرات النوعية يزعج ولا يبهج. كما يتردد بين تغليظ الكلام وترضية الخواطر. إنني لا أبحث فقط عن الانزياحات في جغرافيا التقرير، بقدر ما أبحث أيضا عما هو مطمور وخفي. والخفي، وفق فكرة الشبح “الدريدية” (نسبة إلى دريدا)، يكون مختلفا ومخالفا للمتجلي. فالتقرير موضوع القراءة معكوس لتقرير باطني، والمعكوس شبح ومجرد صورة لأصل غير منظور.

سادسا: المفروض في تقرير حول المعرفة يشير إلى حرصه على إثارة أسئلة كيفية والنهوض بالأداء المعرفي العربي والتزام الروح النقدية، أن يشرع صدره لكل آليات الحفر و التأويل والتفكيك والمساءلة وأن يقبل محاولات خلخلة منطقه ورج بنائه، سيما إذا كانت هذه المحاولات تنطلق من النص.

سابعا: إذا كان التقرير يبدو، بحكم جنسه، مختلفا عن غيره من النصوص التي تنتمي إلى حقول أخرى، فإن الكلمة التقديمية لرئيس مجلس إدارة المؤسسة الداعمة والمشاركة في رعاية هذا التقرير أكدت على أنه “يعكس جهدا منهجيا وعلميا مخلصا يتولى دراسة حال المعرفة العربية بكثير من التفصيل”(ب). كما أن مدير المكتب الإقليمي للدول العربية، برنامج الأمم المتحدة أكد على أن التقرير وضع “اللبنات الأساسية للتعامل العملي المبني على الحقائق الموثقة وعلى النظرة الواقعية لبناء مجتمع المعرفة (ث). ثم إن التقرير يعتبر أن فصوله التي ” تتجه للدفاع عن أهمية الحرية والمؤسسات والتشريعات تروم النظر إلى مبادئ المعرفة والحرية والتحديث “باعتبارها مفاتيح لتشييد مناخ العقلانية والنسبية وفتح الطريق أمام مفاهيم المحاسبة والرقابة والمراجعة والشفافية. كما يشدد على عدم إغفال “متطلبات الروح النقدية الملتزمة”(ص33). إن قراءتي لهذا التقرير تأخذ بعين الاعتبار هذه المنطلقات.

ثامنا: تنخرط بعض محاولات “قراءة” التقرير في لعبة الخوض في بعض المفاهيم أو ترديد محتوياته على شكل ملخصات لمقاطعه، بحيث تنكفئ على لغة مبجلة تصل أحيانا درجة التملق الفج. إن الإعجاب أو التقدير الإيجابي للتقرير ليس عيبا في ذاته. المشكلة، هي أن الانبهار يتولد غالبا عن انطباع سريع وافتتان بكم الصفحات والمعطيات الكمية والبيانية وليس عن قراءة متأنية تشحذ أدوات القراءة والمساءلة انطلاقا من منطلقات التقرير وأهدافه ومنهجه. هذا التوجه ينطوي في اعتقادي على خضوع وانصياع لمنطق التقرير ومنهجه، فتكون نتيجة ذلك، إعادة إنتاجه. و قد تأخذ القراءة في أحسن الأحوال، صورة تناول رتيب لأجزاء النص، فتشير إلى حسنات هنا و أعطاب هناك، مع الوفاء أو الانقياد لنسق التقرير ومنطقه. هذا النوع من “القراءة”، يستهلك النص الأصلي و يميته أكثر مما يحييه ويثريه.

أكتفي في هذه الورقة بإيراد نقطتين اثنتين، تتعلق الأولى بالأعطاب التي يشكو منها التقرير من حيث هندسة المتغيرات5. أما النقطة الثانية فتهم الخلفية الفكرية للتقرير وتكشف ضعف الإسناد النظري والضحالة التي يعاني منها التقرير على هذا الصعيد. وتجدر الإشارة إلى أن هذه الورقة مقتطفة من تقرير مطول يعكف على دراسة تقرير المعرفة العربية من خلال افتحاص التشكيلات العبارية التي يوظفها والمنطق الناظم لمقاطعه المختلفة وتفكيك وتأويل صفائحه الباطنية. ويتوقع أن ينشر هذا النص الأم، إضافة إلى أوراق أخرى قدمت في حلقة نقاشية حول تقرير المعرفة العربية، في إحدى إصدارات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط. و رغم حرصي على أن يساعد هذان المقطعان على تقديم إيضاءات تفيد نسبيا في تعميق النقاش حول التقرير، فإن اجتزائهما من جسد نص يتوق للإحاطة بجوانب مختلفة من تقرير المعرفة العربية يشوش من دون شك على معالم الصورة التي يحاول نسجها عن هذا التقرير. إن دراسة تقرير المعرفة العربية لسنة 2009 لن تكتمل من دون بحث أعطاب الهندسة الداخلية للفصول وأعطاب الفقر الكمي من حيث المؤشرات والضحالة النوعية للمحتويات. فنزعة الاختزال التي تطبع كثيرا من مقاطعه تفقر مضامينه وتضيق مساحاته التعبيرية.

أولا- أعطاب هندسة المتغيرات : اضطرابات وانزياحات

تكشف القراءة المتأنية لتقرير المعرفة العربية لسنة 2009، عن وجود خلل كبير في هندسة المتغيرات. فالتنظيم الداخلي للتقرير6 يشكو من أعطاب كثيرة. فرغم أن تناولنا للتقرير لا يتجاوز في مستوى أول7 ظاهر النص بما هو إنجازات لفظية ولم يطالب ذلك النص، عبر التأويل، بأن يكشف عن أسراره و يفضي بمكنوناته، واكتفى “بالتحليل العباري” الذي ينكفئ على ما يقوله النص ويتعقب “النص الذي نسمعه” (نقيض “الكلام الأبكم الهامس8”)، يلاحظ أن التقرير ينضح بهنات منهجية مزعجة. إن فحص منطلقات وخلاصات التقرير، يظهر أنه يحوي ثلاث طوائف من التشكيلات الخطابية. وجه الخلل في هذا التعدد هو أن دلالات تلك التشكيلات تحيل على تناولات منهجية مختلفة، والحال أن مقاطع التقرير صيغت وفق هندسة لا تعكس ذلك التعدد. بمعنى أن المنهجية الفعلية لا تترجم إيحاءات تلك التشكيلات. هذا التناول يشيع الغموض والاضطراب. تأسيسا على هذا، يبقى المعيار الذي نحتكم إليه في إثبات وجاهة أو تهافت المنهجية التي تحيل عليها كل تشكيلة خطابية هو الهندسة التي تنظم فصوله المختلفة وليس بالضرورة ما يعلن عنه من مقدمات ومنطلقات. ثمة بون بين ما يعلن عنه وما هو منجز.

الطائفة الأولى تنتظم في إطارها حزمة من العبارات. يعكس هذا التقرير “جهدا منهجيا و علميا مخلصا يتولى دراسة حال المعرفة العربية بكثير من التفصيل” (الكلمة التقديمية لرئيس مجلس إدارة مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم “ب”). و”يتناول تقرير المعرفة العربي للعام2009 أحوال المعرفة في الراهن العربي، حيث يكتسب شرعيته من الحاجة إلى التعرف على الأداء المعرفي للمنطقة” (ص1) و”ظل العمل طيلة فصول التقرير متجها لإنجاز تشخيص يساعد على إدراك واقع المعرفة العربية” (ص1). و”جرى العمل فيها باعتماد إيقاع مزدوج، يرسم أوله ملامح المعرفة في الراهن العربي، ثم واجهة رسم بعض ملامح الطموح الرامي إلى تجاوز الأعطاب” (ص13). ويشير التقرير في موضع آخر إلى أنه يرصد “راهن المعرفة في المنطقة العربية” وتتطرق فصوله” لأوضاع المعرفة ” ( ص 18). وعاود التقرير، بعد عبور الفصول الخمسة وفي إطار الفصل الأخير المتعلق بالرؤية والخطة، التأكيد على أن فصوله كشفت “جوانب هامة من واقع الأداء المعرفي العربي” ورصدت “حال المعرفة في العالم العربي” (ص203). هذه التشكيلة الخطابية تفيد أننا إزاء عمل مسحي ترصد كل فصوله أحوال المعرفة وواقع أو راهن الأداء المعرفي العربي. إنني أفترض أن تعابير أحوال وأوضاع وملامح المعرفة وواقع الأداء المعرفي تحيل على متغير واحد. وإذا صح أن التقرير يتضمن إشارات إلى قسمات تلك الأحوال وذلك الأداء والتي تشكل ما أعتبره متغيرا تابعا، فإن بنية ومضامين فصوله تؤكد أننا لسنا بصدد نمط واحد من المتغيرات، إذ يأوي التقرير متغيرات تفسر واقع حال المعرفة العربية.

الطائفة الثانية تضم عبارات توحي بجنس مختلف من الدلالات. فبعد أن صوب التقرير في قطبه الأول النظر على الإطار النظري الذي تناول الأسس والمنطلقات والمفاهيم، أشار إلى أن القطب الثاني “يدور حول بعض المكونات الصانعة لدوائر المعرفة في الواقع العربي” (ص1). ويضع التقرير “اليد على المعضلات الكبرى التي يعاني منها حال المعرفة في مجتمعاتنا، سواء في مجال التعليم أو البحث، أو في مجال استخدام الوسائط التقنية الجديدة “(ص2). كما يشير إلى أن فصول التقرير اللاحقة على الفصل النظري تسرد “الأبعاد الكمية والنوعية لأهم مرتكزات المعرفة” (ص25). و”حاولت فصول التقرير اللاحقة ( بعد الفصل الأول النظري) معاينة وتركيب واقع أهم مرتكزات ومؤشرات مجتمع المعرفة في ما يتعلق بالتعليم وأحوال تقانة المعلومات والاتصالات والإبداع” (ص200). كما جرى الحديث عن “الشروط التي تمكن من تطوير المعرفة” (ص4) وعن “الضغوط و القيود التي تعرقل بناء مجتمع المعرفة” (ص4) وسيقت البيئات التمكينية ” ككوابح وضغوط” (ص54). ويرصد التقرير أيضا “دور التعليم في تعميم المعرفة” (ص4) و”كيفية تطوير رأس المال المعرفي من خلال جملة من المؤشرات” (ص5) وتقانات المعلومات والاتصال كمرتكز لمجتمع المعرفة و”كدعامة رئيسية لنشر المعرفة و تداولها” وتطوير البحث العلمي و الثقافي (ص127). وأكد التقرير في مواضع أخرى، أن “أداء العرب في مجال الإبداع يتسم بضعف مستواه- مقارنة ببقية مرتكزات المعرفة في الدول العربية” (ص163) وأن” البحوث والإبداع في الدول العربية مرتكز من مرتكزات المعرفة”(ص187). توحي هذه الطائفة من العبارات خلافا لما تنزع إليه الأولى، أن التقرير سيعكف بعد الإطار النظري على بحث أهم مرتكزات المعرفة، بحيث يتيح واقع تلك المرتكزات فهم حال المعرفة، وهو ما يفهم منه أننا إزاء متغيرات تفسر أحوال المعرفة و طبيعة الأداء المعرفي (متغيرات مستقلة) . يثير هذا الاستنتاج بعض الملاحظات. إن المشكلة لا تكمن في إمكانية احتضان التقرير لمتغيرات تابعة وأخرى مستقلة، بل في أن منطوق بعض العبارات يوحي بأن كل فصول التقرير ترصد حال المعرفة الذي يبدو متغيرا تابعا، مثلما توحي تشكيلة عبارية أخرى بأننا بصدد بحث بيئات ودعامات المعرفة التي يسمح القبض على ملامحها العامة برسم قسمات المعرفة وفهم واقعها. فهل يستقيم التأكيد على أن “النقطة الأضعف في الأداء المعرفي تتعلق بتوفير البيئات التمكينية الملائمة” (ص20) واعتبار تلك البيئات في نفس الآن قيودا وكوابح تعرقل إرساء أسس مجتمع المعرفة؟. بمعنى، هل يستوي اعتبارها تمظهرا من تمظهرات المعرفة أو الأداء المعرفي تفيد و في نفس الوقت قيدا، أي سببا ضمن حزمة أسباب تفسر تعثر بناء مجتمع المعرفة؟. وما دلالة اعتبار أن كل الفصول ترصد، بعد الإطار النظري، أوضاع المعرفة ومعاودة التأكيد على دور التعليم والتقانات في توسيع أقباس المعرفة، وهو تأكيد يفيد أننا بصدد عوامل تساهم في فهم، ومن تم تفسير، واقع المعرفة؟. وهل تعبير حال المعرفة رديف لتعبير مجتمع المعرفة ؟. وهل حال مرتكزات المعرفة هو نفسه حال المعرفة؟.

من الملاحظات التي تثيرها أيضا هذه الطائفة الثانية من العبارات، إدراج حال البحث والإبداع ضمن “مرتكزات المعرفة” أو “المعضلات التي يعاني منها حال المعرفة”. يوحي هذا الأمر، أننا إزاء متغير مستقل يفسر أوضاع المعرفة العربية. لكن يبدو لي أن بعض مقاطع هذا الفصل تحوي مؤشرات تعكس أحوال المعرفة في المنطقة العربية. هذا الإبهام يثير استفهاما بشأن المتغير التابع الذي تفسره تلك المرتكزات والمعضلات. ما الذي يجري تفسيره؟. إلى ماذا ينصرف تعبير حال المعرفة؟. هل يعني حال المعرفة شيئا آخر غير حال بعض المؤشرات الواردة في الفصل المتعلق بالأداء العربي في مجال البحث والإبداع؟. إذا كان الجواب بالإيجاب وهذه هي الفرضية الأولى، فهذا يعني أن حال المعرفة لا ينصرف أيضا إلى حال التعليم والتقانات، مادام التقرير يعتبر البحث والإبداع مرتكزا من مرتكزات المعرفة. وحتى إذا قبلنا بهذا الافتراض، فما المقصود بتعبير “تجليات المعرفة” الوارد في التقرير؟. الظاهر أن هذا التعبير ينصرف، وفاء لمنطق هذه الفرضية، إلى التعليم والتقانات والبحث والإبداع. أي أن تجليات المعرفة يمكن تلمسها في مرتكزاتها. لكن هل يبدو منطقيا أن تكون تلك المتغيرات تجليات للمعرفة وفي نفس الوقت مرتكزات لها؟. وإذا كانت بعض مؤشرات واقع البحث والإبداع في المنطقة العربية تعكس حال المعرفة، وهذه هي الفرضية الثانية، فلماذا زج بها ضمن مرتكزات المعرفة. هل يتعلق الأمر فقط بمشكلة لغوية أي بعدم الإمساك بناصية المصطلحات؟. الظاهر أن التقرير يقيم مطابقة بين دلالتي التجليات والمرتكزات، وهو عطب لغوي ذي مفاعيل سلبية على المنهج والمضامين. إن عدم الإمساك بناصية اللغة وتلابيب المصطلحات، لا يشفع لتبرير الاضطراب الذي تشكو منه هندسة المتغيرات. فاللغة مكون رئيسي في صرح متعالق العناصر. الفرضية الثالثة وتبدو ضعيفة، لكني أطرحها من منطلق الرغبة في توسيع دائرة الافتراضات الممكنة، هي أن التقرير ينكب على بحث واقع البيئات التمكينية والدعامة التعليمية ومرتكز التقانات والذي يفسر حال المعرفة. فالتقرير في هذه الحالة، يسوق تفسيرات لواقع المعرفة العربية دون أن يحشد المؤشرات التي تعكس ملامح ذلك الواقع. غير أن هذه الفرضية تبدو متهافتة لاعتبارات عدة. أولا لأن التقرير يشير في أكثر من موضع إلى أنه يرصد حال المعرفة في الراهن العربي. ثم ثانيا، لأنه يتضمن في فصله الخامس، كما أشرت سابقا، بيانات تعبر نسبيا9 عن حال المعرفة العربية. وأخيرا، لأن المنهج السليم يفرض أولا، حتى وإن كان الموضوع الرئيسي هو واقع مرتكزات المعرفة، عرض مؤشرات مقنعة تبرز أوضاع المعرفة أو الإحالة على خلاصات أبحاث وتقارير في الموضوع، قبل بحث العوامل المفسرة لتلك الأوضاع. فمن خلال تلك المؤشرات، يهيئ التقرير أرضية تستند عليها التفسيرات التي يسوقها، إن لم يكن في فصل كامل، فعلى الأقل في التقديم.

إنني أزعم أن حال المعرفة العربية تعكسه بعض المؤشرات الواردة في فصل الأداء العربي في مجال البحث والإبداع والمرتبطة بالإنتاج والتداول في مجالات العلوم والتقانة والعلوم الإنسانية والاجتماعية والإبداع الأدبي والفني. فرغم أن الجملة المتضمنة للحكم على واقع البحث والإبداع صيغت بشكل يفيد أنه مرتكز للمعرفة (“ضعف مستواه مقارنة ببقية مرتكزت المعرفة” ص163)، وتكررت الإشارة إليه كمرتكز في مواضع أخرى (ص 166 وص 187 وص192)، فإن التقرير تناول ضمن هذا الفصل مؤشرات تشكل تجليات و تمظهرات للمعرفة، أي متغيرا يتبع حاله حال البيئات التمكينية والتعليم وتقانات المعلومات والاتصالات، بل وكذا بعض المؤشرات التي وردت في الفصل ذاته10. ما يدعم ذلك أيضا، هو ما تردد في إطار الفصل النظري بشأن تغير دلالات المعرفة كنتيجة للتحولات في أسس وقواعد المعرفة. فإذا كانت لفظة المعرفة في إطار عصر النهضة “تحيل إلى الإنتاج العقلي والفلسفي والبحث في مختلف العلوم والنظريات” (ص27)، واختلفت إيحاءاتها بعد ذلك في ظل الثورة المعرفية الحاصلة وما تمخض عنها من تناسل مفاهيم جديدة، فإن هذا الأمر لا يخرج نواتج البحث والإبداع من دائرة دلالات المعرفة، بل إنهما يعدان من تجلياتها. على أن الإشارة إلى افتراض عدم وجود “علاقة بين المعرفة في مجتمع المعرفة ونظرية المعرفة في تاريخ الفلسفة” وإلى أن المعرفة أضحت محصلة “مزج بين تقانات عالية، وخبرة إنسانية متطورة” (ص27)، لا يثبت أن مختلف ألوان الإنتاج تشكل مرتكزا للمعرفة ينضاف إلى غيرها من المرتكزات كتقانة المعلومات. فما يمكن إدراجه ضمن تلك المرتكزات هو عناصر أخرى ذات صلة بالبحث و الإبداع كواقع المراكز البحثية و طبيعة السياسات الوطنية في هذا المجال وعدد ونوعية الباحثين وغيرها من العوامل التي أشار إليها التقرير في الفصل الخامس. إن الدلالة التي ينبغي التقاطها في اعتقادي من الإشارة إلى متغير التقانات في إطار “مجتمع المعرفة المعاصر”، هي لفت الانتباه إلى مدى إسهامها في اضطلاع المعرفة بأدوار جديدة وليس لفظ بعض المعطيات المتعلقة بالبحث والإبداع من حقل المؤشرات العاكسة لأوضاع المعرفة للزج بها في إطار مرتكزاتها. ولا أستبعد أن الصعوبات التي يطرحها التأسيس المفاهيمي تنتقل عدواها إلى مختلف مقاطع التقرير، سيما في ما يرتبط بهندسة المتغيرات. فالظاهر أنها تفسر بعض جوانب الإبهام والاضطراب التي يشكو منها التقرير. فمعدو التقرير يقرون أنهم في مسعى لتجاوز “الارتباك الحاصل في دلالة التسمية” انكفأوا على”اختزال المسألة في أقطاب كبرى”، “وهي المجتمع والاقتصاد والتكنولوجيا (ص28). هذا الإقرار يبهم و يشوش أكثر مما يجلي ويوضح. المؤشر الذي يدعم ذلك الزعم أيضا، هو أن التقرير أكد ضمن خلاصاته أن ” الأداء الإبداعي العربي أكبر نقطة ضعف في المشهد المعرفي العربي الراهن” (ص187). ورغم أن هذه العبارة قد تحتمل أكثر من دلالة، فإن المعنى الأقرب للمنطق العميق للتقرير هو أن الإبداع تجلي أو مؤشر يعكس حالة المعرفة عوض أن يفسره ( الأداء الإبداعي يشكل تجليا من تجليات ضعف المشهد المعرفي العربي).

لكن، هل يمكن التخفيف من وطأة التناقض والتشويش بالتحايل على دلالات التعابير، فنقول إن حال المعرفة هو حال مرتكزاتها، فنكون أمام فرضية أن التقرير يتناول متغيرا واحدا في الفصول المتعلقة بالتعليم و تقانات المعلومات والاتصالات والإبداع والبحث، وهو أحوال المعرفة. صحيح أن بعض فصول التقرير تنزع لفهم واقع المعرفة من خلال رصد واقع بعض مرتكزاتها. بيد أن هذا لا يعني تطابقا بين منطوق تعبيري حال المعرفة وواقع مرتكزاتها. فحال البيئات التمكينية والتعليم وتقانات المعلومات والاتصال لا يعكس، في اعتقادي، واقع المعرفة بقدر ما يفسرها. على أن ما يبرر هذا القول، ليس هو ارتباط هذه المتغيرات الوجودي والمؤبد بالتفسير، وإنما منطق أو منهجية تناولها في التقرير. المسلك الثاني لمحاولة التخفيف من حدة التشويش هو جعل تعبير الفجوة المعرفية عقدة يلتف حولها التقرير، فلا نقيم اعتبارا كبيرا لتعابير أشبع بها التقرير كحال المعرفة وواقع الأداء وواقع مرتكزات المعرفة ومؤشرات مجتمع المعرفة. فمنذ تقديم التقرير، جرى التأكيد على هاجس محاولة قياس الفجوات المعرفية واجتراح سبل لمغالبتها و ردمها(الصفحات1 و2 و5 و6 و7 و20). وخلص الفصل السادس المتعلق بالرؤية والخطة إلى أن العنوان الأكبر لواقع الأداء المعرفي هو “الفجوة المعرفية القائمة”. لكن حتى باعتمادنا لهذا المتغير موضوعا رئيسا للتقرير، فإن هذا المسلك لن يحجب واقع كون فصول التقرير صيغت وفق منهجية وبمحتويات تغذي التشويش. فبناء التقرير لا يؤشر على أننا بصدد بحث تجليات الفجوة المعرفية بطريقة تذيب مشكل تعدد المتغيرات وما يرتبط به من أعطاب. فالفجوات المعرفية لا تساق موضوعا رئيسيا تنتظم في إطاره فصول التقرير، بل ترد الإشارة إليها في معرض بحث حال المعرفة وواقع ما يسميه التقرير مرتكزات المعرفة. ففي بعض المواطن يتهجس التقرير بمعرفة الفجوة أو الفجوات المعرفية في سياق تأكيده على أن فصول التقرير ترصد أوضاع المعرفة و حال مجتمع المعرفة وواقع المعرفة (ص1 وص وص2 وص18). بمعنى أن الإشارة إليها تكون في إطار مقاطع توحي بإثارة متغير تابع. ويتم ذكرها أيضا في مواضع الإشارة إلى أن التقرير ينصب على بحث ما أعتبره متغيرات مستقلة إشارة إلى بعض ما يعتبره التقرير” مرتكزات المعرفة “. من أمثلة ذلك، الإشارة إلى أن التقرير حاول “الاقتراب من الفجوات الكبيرة القائمة بين ما يجري عندنا” في مجالات التعليم وتقانة المعلومات والاتصالات والإبداع وما يجري في مجتمعات متقدمة معرفيا (ص200). كما حاول “تشخيص الملامح العامة للفجوة المعرفية العربية، سواء في البيئة التمكينية أو في إنتاج وتوظيف المعرفة في الواقع”(ص203). قد يقول قائل إن الأمرين يستويان، فبحث حال مرتكزات المعرفة يكشف تجليات وصور الفجوات المعرفية. تبدو هذه الملاحظة وجيهة من حيث المبدأ. لكن مناط المشكلة هو أن منهجية التقرير لا تفيد تناول تلك الدعامات كتجليات للفجوات أي كمؤشرات يتم حشدها لدعم متغير الفجوات كمتغير تابع. ففي معرض معالجة ما يفترض أنه مؤشرات وقسمات لمتغير الفجوات، يتم اجتراح تفسيرات. أن يكون موضوع الفجوة المعرفية أفقا أو مظلة تحتضن “مؤشرات مجتمع المعرفة”، يقتضي تناولا منهجيا يجعل منها تعبيرات وصورا للفجوة المعرفية والكف عن سوق تفسيرات تشوش على الفرضية التي تنطلق من إمكانية أن تصبح الفجوات المعرفية موضوع معالجة رئيسي. بمعنى أن المطلوب كي يساهم هذا المسلك المقترح في تبديد الغموض، هو إعادة هيكلة فصول التقرير وفق لغة ومنهجية تمتص أعطاب الهندسة المزعجة وما يرتبط بها من مفاعيل سلبية على المضامين.

في إطار بحر لجي من عبارات تنفث الاضطراب والتشويش، تبرز جزيرة تبعث نسبيا قدرا من الطمأنينة وترشدنا في سعينا لمعرفة الموضوع الذي يعالجه التقرير والمنهجية التي يسخرها. هذه الجزيرة تجسدها عبارتان اثنتان لم يتردد نظيرهما على مدار التقرير خلافا لعبارات الطائفتين الأولى والثانية. فالتقرير يؤكد أن فصوله اتجهت إلى ” توصيف ورصد ومساءلة حال المعرفة وطبيعة الأداء المعرفي العربي” (ص6). كما يجعل “المعاينة الدقيقة لمختلف تجليات ومرتكزات المعرفة”(ص 18) في صلب اهتمامه. وإذا أحدثنا تقاطعا بين العبارتين، أمكن القول إن التوصيف والرصد والتجليات مفردات تحيل على جهد التقاط المؤشرات التي تعطي صورة عن حال المعرفة (متغير تابع). وأخال أن الفصل الخامس المتعلق بالأداء العربي في مجال البحث والإبداع هو الموضع الذي يتضمن شذرات من مؤشرات ترسم بعض ملامح أحوال المعرفة. أما لفظ المساءلة و تعبير “معاينة مرتكزات المعرفة”، فينصرفان إلى بحث تفسيرات لتلك الحال، أي أننا بصدد متغيرات البيئات التمكينية و الدعامة التعليمية و الدعامة التقانية كمتغيرات مستقلة. ما يدعم أكثر هذا الافتراض الأخير هو ما ورد في إطار الفصل الأخير المتعلق بالرؤية و الخطة من أن “العناية برصد حال المعرفة في العالم العربي، كما طرحت في فصول11 التقرير” تدعو” إلى الإسراع في تهيئة الوسائل المناسبة لترسيخ أسس إقامة مجتمع المعرفة”(ص203). وقد حدد التقرير هذه الأسس في “الانفتاح والتواصل والحرية والتكامل مع الحاجات التنموية للمجتمع”. أما الوسائل فنجد من ضمنها بعض ما نعتبره متغيرات مستقلة في إشارة إلى البيئات والتعليم وتقانات المعلومات والاتصالات(الشكل 6-1 ، ص 204). ومن تم، تفسر الأعطاب التي تلحق تلك الوسائل، جزئيا، واقع المعرفة العربية. كما يستفاد من هذا، استحالة أن تكون هذه الدعامات مؤشرات أو تعبيرات لحال المعرفة و في نفس الوقت مرتكزات للمعرفة، بمعنى متغيرات تفسر واقع مجتمع المعرفة12.

قد يقول قائل إن ربط وشائج القربى بين العبارات المكونة للتشكيلات الخطابية و وصل بعضها ببعض يفيد في معرفة الموضوع الرئيسي الذي يعالجه التقرير، بحيث نتبين أنه بصدد إثارة نمطين من المتغيرات ومن تم لا حاجة إلى تعقب عورات الصياغة و تقطيع التقرير إلى أوصال، ثم تجميعها في طوائف. بيد أن القصد من وراء هذا العمل الحفري ليس هو خوض لعبة تفكيك النص وإعادة لمه وفق منطق يجمع المبعثر من العبارات في طوائف مؤتلفة. فهذا العمل ليس هدفا لذاته، بقدر ما أتغيى من ورائه لفت الانتباه إلى أن تلك الكثرة غير المأتلفة تشيع الاضطراب بل والتناقض أحيانا. هذه الأعطاب التي تنكشف من خلال فحص الطريقة التي يقدم بها التقرير نفسه ويعرض بها مقدماته وخلاصاته، تموه القارئ، بحيث تهيئه وتوجهه لملامسة قضايا تساق وفق منهج معلن، لكن لا يعثر عليها في التقرير أو يجدها، حتى في حالة مطارحتها، معيبة و مضطربة. فبعض العبارات تشير إلى أن كل فصول التقرير ترصد حال المعرفة وحال مجتمع المعرفة، والبعض الآخر يؤكد أنها ترصد أهم مرتكزات مجتمع المعرفة. كما ترد إشارات إلى أن الأمر يتعلق برصد سمات الفجوات المعرفية بما يوحي به ذلك من رصد لمؤشرات تعكس واقع المعرفة و واقع مرتكزات مجتمع المعرفة. لكن البيئات تساق ملمحا من ملامح الفجوات، في حين لا يتم اعتبارها من مرتكزات مجتمع المعرفة التي تعكس أعطابها سمات الفجوات التي يتم رصدها13. إن المشكلة تكمن في أن إيحاءات العبارات(المنهجية المعلنة) تعاند المنهجية الفعلية. على أن الأمر لا يتعلق بعثرة في التقديم، إذ أن بعض العبارات الدالة على وجود هنات منهجية تتكرر على مدار التقرير.

ضمن حزمة الفرضيات التي تسمح مختلف التشكيلات العبارية بتصورها، يرجح أن الفرضية التالية هي المعبرة أكثر عن تصور معدي التقرير. بعبارة أخرى، يبدو أن هذه الفرضية تعبر عما يعتزم معدو التقرير إنجازه و ليس ما أنجزوه فعلا. الظاهر أن التقرير يعكف كموضوع رئيسي على بحث واقع أهم مرتكزات مجتمع المعرفة إشارة إلى حال إسهام التعليم في بناء وتطوير رأس المال المعرفي وواقع تقانات المعلومات والإتصالات والبحث والإبداع. ذلك أن رصد أحوال تلك الدعامات، يتيح معرفة ملامح الفجوات المعرفية ومن تم حال المعرفة العربية. وانشغل التقرير في قطب آخر باقتراح رؤية وخطة تسمح بتجاوز الأعطاب المرصودة على صعيد تلك المرتكزات. على أن التقرير مهد لذلك برصد بعض الصعوبات النظرية التي تطرحها طائفة من المفاهيم ذات الصلة بالموضوع، فضلا عن تقديم مؤشرات عن واقع البيئات التمكينية. ويفيد هذا الأمر أن هذه البيئات تفسر ضعف إسهام الأنظمة التعليمية في التطوير الكمي والنوعي لرأس المال المعرفي وتدني الأداء العربي في مجالات التقانات والبحث والإبداع، مثلما تفسر تردي المعرفة العربية مادام التقرير يسوق في معرض تناوله لتلك المرتكزات تفسيرات لحال المعرفة العربية. وسألتقط بعض العبارات الموحية بالفرضية التي أزعم أنها قابعة في أذهان معدي التقرير وعلى الأخص من تولى مهمة الصياغة النهائية. فالمدير الإقليمي للمكتب الإقليمي للدول العربية ببرنامج الأمم المتحدة الإنمائي يشير إلى أن التقرير “توسع في رصد أحوال أهم مرتكزات مجتمع المعرفة المأمول” وشخص واقع “مظاهر مجتمع المعرفة في العالم العربي”(ت). كما أكد التقرير على أن فصوله اللاحقة على الفصل النظري حاولت “معاينة وتركيب واقع أهم مرتكزات ومؤشرات مجتمع المعرفة” (ص200).

غير أن بنية ومحتويات فصول التقرير توحي بمنهجية مختلفة أسميها المنهجية الفعلية. فالتقرير تناول في فصل نظري أول بعض الأسس والمنطلقات وكذا معطيات تروم تأطير التقرير. ويرصد في إطار الفصول الثاني والثالث والرابع، المؤشرات التي تبرز أحوال البيئات التمكينية للمعرفة وواقع الدعامات الميسرة لنشر وتوطين وتطوير المعرفة. هذه المؤشرات تقدم تفسيرات لأحوال المعرفة العربية. بينما ينصرف الرصد في جانب من الفصل الخامس المتعلق بالأداء العربي في مجال البحث الإبداع إلى حشد المؤشرات التي تكشف بعض قسمات واقع البحث والإبداع ( أذكر على سبيل المثال عدد الأوراق البحثية والمنشورات العلمية ونوعيتها وبراءات الاختراع والدوريات العلمية ومصدرها ولغة المنشورات ومصدرها ومؤشر الاستشهادات العلمية…الصفحة 172 وما يليها). ويحوي نفس الفصل مؤشرات تصلح تفسيرات لحال البحث والإبداع، أي لحزمة من المؤشرات التي تعكس جزئيا واقع المعرفة (أسوق على سبيل المثال أيضا بعضها كتقاعس مراكز البحث العلمي عن بلورة استراتيجيات في الموضوع وضعف الشراكة بين تلك المراكز ومؤسسات القطاعين العام والخاص ومستوى الإنفاق على البحث والإبداع وغياب أنظمة محفزة لمهنة الباحث العلمي المتفرغ … الصفحة 166 وما يليها) . ويبدو أن ورود بعض المتغيرات المستقلة في هذا الفصل، يفسر نسبيا حشره ضمن مرتكزات المعرفة. على أن الجمع بين نوعين من المتغيرات في قلب هذا الفصل، قادني إلى اعتبار المتغير الذي تجسده بعض المؤشرات المتعلقة بالبحث والإبداع في مجال العلوم والتقانات وفي مجال العلوم الاجتماعية والإبداع الأدبي والفني، متغيرا تابعا غير خالص أو هجين. بمعنى أنه ضعيف وغير مقنع. لكن، لماذا تم تجنيس هذا المتغير باقتناص طبيعته التابعة مع أنه يمكن، انسجاما مع جنس المتغيرات التي سبقته، اعتباره متغيرا مستقلا؟. الباعث الرئيسي على هذا الاختيار، هو أن التقرير يتضمن طيات عبارية توحي بوجود مؤشرات دالة على أحوال المعرفة. وما دمت لم أعثر في فصل البيئات التمكينية وفي الفصول الأخرى التي سيقت متغيراتها مرتكزات للمعرفة، على مؤشرات تعكس حال المعرفة، أضحى لزاما، ترجمة لمنطوق تلك التشكيلات الخطابية، البحث عنها في مقاطع التقرير. وفي العلاقة مع هذا الباعث، توحي مضامين ومنهجية بناء الفصول المتعلقة بالبيئات والدعامتين التعليمية والتقانية أنها تفسر أمرا ما. وقد بدا لي أن ما تفسره هو طائفة من المؤشرات الواردة في الفصل الخامس المتعلق بالبحث والإبداع. ويقترح التقرير في فصل أخير، ملامح عن مسالك تساعد على “مغالبة الفجوات المعرفية” التي رصدها في الفصول التي تلي الفصل النظري.

إن تعقب نوعية الأسئلة التي تشغل معدي التقرير يظهر أن التقرير يتهجس في الفصول الثاني والثالث والرابع، بمحاولة الإجابة عن سؤال لماذا كان واقع المعرفة أو الأداء المعرفي على ما هو عليه. بينما اهتم في جزء من الفصل الخامس بالإجابة عن سؤال ما هو حال المعرفة أو كيف هي أوضاعها؟. بمعنى أن التقرير استهل ببحث المتغيرات المستقلة قبل المتغير التابع الذي أوحت بعض عباراته بأنه غايته الأولى والرئيسية. هذه الهندسة تبدو مزعجة وتكشف عن وجود اضطراب وتشوش. إن منهج التحليل الوفي لمنطلقات التقرير و كذا المنطق السليم، يستتبعان البدء برصد مؤشرات عن أحوال المعرفة العربية ثم تقديم فرضيات لتفسير تلك الأحوال، فتعبيد مسالك لتدارك الفجوات المرصودة.

و يبدو أن مرد هذا الاضطراب هو التسليم بمنهجية تقييم الأداء المعرفي التي أعدها البنك الدولي والتي تستند إلى مرتكزات أربعة14 للمعرفة وهي الإبداع والتعليم وتقانة المعلومات وبيئة المعرفة، الحوافز الاقتصادية والنظام المؤسساتي. فالمرجح أن معدي التقرير، وفاء لتلك المنهجية، أوردوا الفصول الثاني و الثالث و الرابع و الخامس، باعتبارها مرتكزات للمعرفة يتيح رصد حالها نسج صورة عن واقع المعرفة. صحيح أن هذه المرتكزات ليست جامدة بمعنى أنها ليست متغيرات مستقلة أو تابعة بشكل مؤبد. فكونها متغيرات مستقلة أو تابعة هو رهن بمنطلقات التقرير. لكن فحص المؤشرات التي تم حشدها بالنسبة لكل فصل يوحي لي، رغم تلقف منهجية البنك الدولي، أن البيئات التمكينية والتعليم و تقانات المعلومات و الاتصالات متغيرات مستقلة تفسر تدني بعض المؤشرات في مجال البحث والإبداع.

مستوى آخر من المستويات التي تكشف عن وجود خلل في هندسة المتغيرات هو أسلوب معالجة ما أعتبره متغيرات مستقلة في التقرير (على اعتبار وجود عبارات تفيد بحث بعض المرتكزات كمتغيرات تابعة). فقد رصد التقرير بعضها في إطار القسم الثاني من التقديم (ص7-20) تحت مسمى الوطن العربي والعالم في 2009، حيث عرض لبعض التطورات الحاصلة في مجال التنمية الإنسانية (التنمية الاقتصادية، الأمن الغذائي ـ التقويمات الاقتصادية، سياسة إعادة التوزيع، التشغيل والبطالة) ولمتغيرات إدارة الحكم وضعف الأداء المؤسساتي ثم الحرب والاحتلال والنزاعات الداخلية والتطرف وجمود الإصلاح السياسي والأزمة المالية. نحن إذن إزاء متغيرات مستقلة ذات طبيعة داخلية وأخرى خارجية. لكن التقرير عاود إثارة بعض المتغيرات المستقلة، وهي من جنس تلك التي تناولها في التقديم15، بنوع من التفصيل بعد الفصل الأول المتعلق بالإطار النظري، وذلك في الفصول الثاني والثالث والرابع. وقد حصرها في بيئات الأداء المعرفي السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإعلامية وفي حرية الملكية الفكرية وغياب الأطر المؤسسية الداعمة والحامية للمعرفة، فضلا عن الدعامة التعليمية والتقانية. هذا التناول يخل، في اعتقادي، بمقتضى الانسيابية الذي يفرضه التحليل المنطقي، ويفضي إلى إحداث قطيعة أو فجوة في صبيب المتغيرات. فحتى إذا آثر التقرير بحث المتغيرات المستقلة قبل رصد الملامح العامة لحال المعرفة، وهو أمر لا أحبذه، فالأجدى سوقها بالتتابع بعد الفصل الأول، ولا أدري لماذا زج ببعضها في التقديم من منطلق أن ذلك من مهمته16. فكل المتغيرات المستقلة ذات الطبيعة الاجتماعية و السياسية و الاقتصادية و الثقافية التي وردت في التقديم يمكن إدراجها ضمن الفصل الثاني المتعلق بالبيئات التمكينية مع إضافة مقطع خاص بالبيئات الدولية كي تلحق بها متغيرات الحرب و الاحتلال.

ثانيا- الخلفية الفكرية للتقرير : بين “طموح الإسناد النظري” وواقع الضحالة

غالبا ما استقى التقرير معطياته من التقارير الصادرة عن بعض المنظمات الدولية والمؤسسات التابعة لها (البنك الدولي ومنظمة العفو الدولية واللجنة الدولية للصليب الأحمر والمفوضية السامية لحقوق الإنسان واليونسيف واليونسكو…)، ومن بعض المراصد والمراكز والجمعيات الدولية والوطنية. هذه التقارير الدولية حول مجتمع المعرفة يؤطرها نظامان مرجعيان. نزعة وضعية تؤمن “بالحتمية التقنية للمسار التنموي والمعرفي” ونزعة التحديث السياسي التي تستحضر أسس ومبادئ مواثيق حقوق الإنسان الدولية والتي تشكو بدورها وفق تقدير معدي التقرير من ثغرات، حيث إن القيم التي تسعى لترسيخها تدعم مصالح الأقوياء. وبحكم أنها تعوزها الموضوعية و رغبة في توطين المؤشرات التي تتضمنها تلك التقارير وحرصا على الانطلاق من المحلي والخصوصي وتجاوز الرؤية الاقتصادية إلى المعرفة، اعتبر التقرير أنه يتعامل مع تلك المعطيات بعيون فاحصة. ورغم ذلك، ألمس في التقرير بعض أنفاس السانسيمونية التي تأثر بها رائد الوضعية أوغست كونت (August Compte). تعتبر السانسيمونية أن المعرفة العلمية هي الأداة الوحيدة للتقدم الصناعي وأنه يتعين التقليص من الفوارق الطبقية وتكوين نخبة من التقنيين تسند إليهم السلطة وإحلال الشرعية المعرفية محل الشرعية الانتخابية أو التمثيلية.

قد يفسر صدى هذه النزعة بأثر الخلفية الفكرية للنزعة الوضعية المهيمنة على التقارير الدولية. فالتقرير وإن سعى إلى تجاوز تلك النزعة، بدا في كثير من الأحيان مستلهما لمنطقها وانكفئ في مواضع كثيرة (رصد حال المعرفة ـ التفسير ـ الخطة) على معطيات كمية، وأقر بدوره أن تعبير الفجوة المعرفية الذي تردد في كل فصول التقرير ينصرف إلى التخلف في مجال تملك مكتسبات التطور التقني (ص 203). في مقابل هذا الاعتماد الكبير على التقارير الدولية وعلى المؤشرات الكمية، لا ألمس أن التقرير استثمر بالشكل الكافي التراكمات النظرية التي أنتجها الفكر الإنساني والتي تتيح بمختلف تلويناتها مقاربة أعمق للإشكاليات والظواهر المثارة في التقرير، سيما في معرض التفسير (المتغيرات المستقلة). فالتقرير تبنى منهجية البنك الدولي في تقييم الأداء المعرفي والتي تعتمد مرتكزات أربعة للمعرفة سبق أن أشرت إليها (“الشروط التكويينية لتطوير المعرفة”). كان من الممكن الاستعانة في هذا الجانب ببعض الإسهامات النظرية لثلة من المفكرين و ذلك في القضايا التي لها علاقة بالقضايا المثارة في التقرير. فتلك الإسهامات تمده بالعمق الفكري أو السماكة النظرية الضروريين. أشير في هذا الصدد، على سبيل المثال، إلى مؤلف سوسيولوجيا المثقفين الثوريين لميكائيل لوي(Michael Lewis ). تحدث لوي عن شروط تقدم المعرفة في أواخر القرن التاسع عشر ومن ضمنها وجود مناخ فكري وثقافي. فالبحث العلمي يرتبط بالحرية السياسية ووجود جماعة من المثقفين لهم هموم مشتركة، فضلا عن وجود معاهد للدراسات والبحث تمكن من تحقيق التراكم المعرفي (البيئات الثقافية والسياسية). كما أشار لوي إلى شرط ظرفي عادة ما يقود إلى تطور المعرفة وهو الأزمات الفكرية والاجتماعية واهتمام المثقفين بها(البيئات الاجتماعية و الاقتصادية).

ورغم أن التقرير يعلن انخراطه في جدلية تربط بين المعرفة والتنمية والحرية، فإنه رغم كونه نهل من بعض إسهامات الفكر الاقتصادي العالمي(أمارتيا صن)، ظلت مرجعياته الفكرية ناقصة. فبعض المتغيرات المستقلة المثارة تحتاج إلى أطر إسناد نظرية. فإشكالية الفقر والتهميش تم تناولها ضمن البيئات الاجتماعية بنوع من البرود السلبي المرادف لتعمد حجب جوانب من الواقع، مع أنه يمكن تخصيب هذه النقطة من خلال الإشارة إلى إسهام مفكرين مرموقين نذكر منهم على سبيل المثال حنا أرندت. فقد أبرزت هذه الفيلسوفة الألمانية الآثار السلبية للحرمان على منظور الفرد وتصوره للحرية. ف”العالم الحالي بنظر أرندت ينشغل بتنمية الفرد المحروم و المنعزل على حساب المواطن”. إن بقاء الفرد في دائرته الخاصة كنتيجة لذلك الوضع يفضي إلى تكريس نمط معين من الحرية و هو الحرية الداخلية. “فأرندت تفهم الحرية كحرية خارجية تضمنها القوانين و المؤسسات، بخلاف الحرية الداخلية التي تعتبر خاصية العبيد، و التي تفيد انكفاء الأفراد على الذات وعلى الداخل » حيث تنبعث حاجتهم إلى الهيمنة باعتقاد ممارستهم للرقابة على جزء من ذواتهم « . فالمستبعد أن يسعى الفرد في ظل تهجسه بالاحتياجات المادية، إلى تلمس سبل الارتقاء بمستواه المعرفي. إنه يصير مجرد رقم ضمن مجتمعا الجماهير حيث الأفراد معزولون و مذررون، مما يسهل اجتثاهم من الواقع واندراجهم في اللاواقع17.

وفي مجال البيئات السياسية وتحديدا نقطة الإصلاح السياسي والحريات العامة يمكن استحضار تراث ألكسيس دوتوكفيل (Alexis De Tocqueville) حول الديمقراطية والحرية، وكذا كتابات يورغن هابرماس (Habermas, Jürgen) من خلال الاستفهام حول إمكانات بلورة مشاريع الإصلاح في المنطقة العربية لفضاء عمومي متحرر و داعم لبناء و نشر و تطوير المعرفة. وفي مجال البيئات الثقافية تفيد حفريات فوكو في مجالات المعرفة و السلطة و كتابات بيير بورديو (Pierre Bourdieu) حول الثقافة وإسهامات علي حرب و إدوارد سعيد في تفسير بعض جوانب تعثر الثقافة العربية و إبراز أدوار المثقف ومسؤولياته. كما يمكن استثمار بعض كتابات بيير بورديو (كالورثة والطلبة والثقافة وإعادة الإنتاج) لتقديم تفسيرات نوعية لضعف الأداء المعرفي للأطفال والشباب و الكبار، عوض التركيز على مؤشرات كمية و تقنية و تفسيرات جزئية. فالمدرسة18 تعزز اللامساواة الاجتماعية وتسهم في إعادة إنتاج الوضع القائم 19. إنها لا تكف عن تكريس “اللامساواة المبدئية أمام الثقافة”. ذلك أن “النظام التعليمي يقوم موضوعيا بإقصاء كلي، لاسيما تجاه الطبقات المحرومة جدا”20. فبنية النظام المدرسي ووظيفته يعملان على ترجمة اللامساواة من مستواها الاجتماعي إلى اللامساواة في المستوى المدرسي21. لذلك اعتبر جاك هالاك (Jacques Hallak)22 أن المدرسة تضفي الشرعية على البنية الطبقية. إن الأصل المجتمعي يعد أهم عامل في التمييز. فالثقافة “تكتسب بكيفية طبيعية و مثل تناضح (Osmose)”، بالنسبة لأبناء الأثرياء وذلك “بفضل الوسط العائلي: الخزانات، زيادة المتاحف، المسارح، الحفلات الموسيقية، أما بالنسبة لأبناء الطبقات المجتمعية المحرومة، تبقى المدرسة هي الطريق الوحيد لهذه الثقافة التي تهيكل وتقوم في النجاح المدرسي”. إنهم لا يعثرون في وسطهم العائلي على الطموحات التي يمكنها أن تحثهم على تجاوز العقبات”. إن النظام التربوي يساهم، عبر ميكانيزمات مختلفة في “إنتاج أرستقراطية مدرسية حقيقية”. فهذه “الثقافة الشرعية” التي تصادق عليها الامتحانات والشهادات هي ثقافة الطبقات المحظوظة”23. ذلك أن الرأسمال الثقافي المكتسب من خلال المدرسة يسوغ قيم وثقافة الطبقة المسيطرة و يكافؤ من يعيد إنتاجها. فهي ثقافة وقيم موضوعية للمجتمع بأكمله. فإذا كان الرأسمال الثقافي ينتقل إلى الأفراد بطريقتين : الأسرة من خلال اكتساب أنماط التفكير والاستعدادات ونظم المعنى والقيم، فإنه ينتقل أيضا من خلال التعليم، من خلال تحويل قيم وثقافة الطبقة المسيطرة إلى معرفة ومكافئة من يعيد إنتاجها. على أن الإخفاق في هذا الصعيد، بالنسبة للفقراء، يضعف فرص امتلاكهم للرأسمال الاجتماعي إشارة إلى الشبكات الاجتماعية المختلفة التي تعد مفتاح الفوائد المادية والرمزية (ومنها المعرفية).

هذه الوظيفة الجوهرية للمدرسة، والتي تتم توريتها بالتركيز على الوظائف البيداغوجية والاقتصادية، تجعل الفرد المنحدر من الأوساط الاجتماعية الدنيا والمتوسطة يتشرب سمت وضعه داخل المجتمع والمدرسة، فيعيد إنتاج الهيمنة التي يرزح تحت آسارها. فالمدرسة تعد الأطفال لقبول اللامساواة الاجتماعية المجوهرة للنظام السياسي والاقتصادي24. تكمن الوظيفة الايديولوجية للنظام التعليمي إذن، في شرعنة التفاوتات الاجتماعية من خلال جعل التفاوت في النجاح المدرسي نتاج مسلسلات الاستحقاق والاصطفاء التي تقدم كمعايير محايدة وموضوعية. هذا التضليل يشكل جوهر الإيديولوجيا25. فالتفاوتات في الأداء المدرسي تبدو، نتيجة هذا المنطق، طبيعية. فهي تعكس اختلافا في المهارات والقدرات الذهنية والاستعدادات النفسية. إن بعض أوجه الخلل التي أثارها التقرير، والتي تحول بين الأنظمة التعليمية وبين توسيع دائرة المعارف في المجتمعات العربية، حجبت هذه المظاهر التي سخر بورديو فكره لكشفها وفضحها.

ملاحظات واستنتاجات:

- إن بيان الأسس والمنطلقات واستعراض المفاهيم و إبراز التصورات الفلسفية التي تسند التسميات لا يجب أن يكون هدفا لذاته، بقدر ما ينبغي أن يكون لتلك المنطلقات والمفاهيم والخلفية الفكرية صدى في تضاعيف التقرير. ألمس غياب التعالق بين الفصل النظري وبين بقية الفصول وهو ما يحجم من أهميته. فجدوى الإشكالات التي يطرحها المبحث النظري تبدو ضعيفة من دون وصلها بالأجزاء المختلفة للتقرير. ألحظ أن الصعوبات التي تعترض معدي التقرير في هذا الموضع، انعكست على مضامين الفصول. فصعوبة ضبط بعض المفاهيم، كالمعرفة ومجتمع المعرفة مثلا، أثرت سلبا على أسلوب هندسة المتغيرات الذي أثر بدوره على المضامين. ثم إن الحضور القوي للنزعة الوضعية في التقرير، رغم أنه أكال لها من النقد ما يبعث على اعتقاد اجتهاده في بلورة مؤشرات نوعية لما يسميه مرتكزات المعرفة، يقود إلى القول إن ما يتردد في الفصل النظري لا يعدو أن يكون مجرد تشكيلات عبارية جوفاء أو تعبيرا عن طموح عجز معدو التقرير عن ترجمته فعليا. إن الفصل النظري إذن، زاد من جرعات التشويش أكثر مما كان مفيدا في التأسيس للموضوع وتنوير القارئ وتهييئه لما سيعكف على بحثه.

- يقابل، في كثير من الأحيان، قوة جرعات الطموح الذي تعكسه لغة المقدمات، فقر في مضامين بعض الفصول. فالخلاصات والخواتم لا تتخلق، في كثير من الأحيان، من رحم المؤشرات التي توظف في الفصول. لذلك تبدو تعبيرا عن انطباعات تفتقد إلى مؤشرات مقنعة للإثبات.

- انخرط التقرير، وهو بصدد التقاط مؤشرات لما يسميه مرتكزات المعرفة ، في تصنيف الدول العربية وفق طوائف، وخصوصا في الفصل المتعلق بالدعامة التعليمية وأحيانا فصل التقانات. بيد أنه استسلم في الغالب لنزعة توحيدية تطمس الفوارق بين الدول. إنه لم يسلم من شراك تلك النزعة، سيما بالنسبة للمؤشرات النوعية، رغم ترديده لعبارات تفيد أن الأداء المعرفي العام ضعيف مع وجود تمايزات بين الدول العربية. إن تلك النزعة التوحيدية لا تأخذ في الحسبان ما يسمى بالجغرافيا الثقافية التي تقيم وزنا للعلاقات التبادلية بين الجماعات البشرية و الفضاء الجغرافي الذي تقيم فيه، مثلما تتجاهل ديناميات التاريخ. و أخال أن عبارات “المنطقة العربية” و”العالم العربي” و”الوطن العربي” و”العرب ” و”المعرفة العربية” و”المشترك والعام” المترددة في التقرير، تعد تعابير سياسية مغلطة ومموهة، مادامت تنزع إلى المماثلة و الاختزال وتغطي من تم على حقيقة التمايزات القائمة بين الدول العربية .

- إن نزعة تبرير اختيار مسلك دون آخر أو استحضار أو استبعاد متغير معين بمسوغات كندرة المعطيات أو سعة الموضوع أو وجود أو انتفاء العلاقة مع مفهوم الحرية، فضلا عن الإيماء إلى أن بعض ما يشكل أوجه نقص أو أعطاب سيتم تداركه في التقارير اللاحقة، مؤشرات تستبطن إقرارا من جانب معدي التقرير بأن النص المنجز لم يبلغ مقاما رفيعا من حيث الجودة.

- يبدو تقرير المعرفة العربية لسنة 2009 نصا مخروما بحكم كثرة أعطابه و نزعته الاختزالية. لقد كشفت دراسة طبقته الفوقية عن اضطرابات في منسوب المتغيرات بل و تناقضات في دلالات التشكيلات العبارية و كثرة الهنات المنهجية. كما أظهر النفاذ إلى باطنه حجم النصوص المهدورة التي لم يستثمرها أو يغض طرفه عنها مع الجنوح لسوق تبريرات مختلفة. إن التضاربات التي تطفح بها التشكيلات العبارية، لا تبدو لي مؤشر تمرس على الكتابة و دليل قدرة على تطويع اللغة و لا تعبر عن تنويع في طرائق التعبير و فنيات الصياغة، بل تشكل هنات تطمس ألقه و تضعف بناءه و تحجم قيمته. وإذا كان الحجب يزيد من جرعات غواية النص و سحره ويغري بتحمل عناء الدلف من محتوياته أو مخاتلته من خلال قراءة تضيء عتمته ، فإن البياضات الموجودة في التقرير، و التي يعكسها على سبيل المثال غض الطرف عن أمور أو تناولها باختزال مفرط، لا تعد من جنس التورية المحبذة أحيانا و الغمز أو الإيماء المعبر الذي يستنفر ملكة التفكير و التأويل و يستحث مهارات الحفر و التفكيك، بقدر ما تبدو هذه الأمور أمارة فقر و مؤشر خواء. إنه يجبر القارئ على ركوب مزلج يمكنه من عبور مساحاته ذهابا و جيئة بحثا عن منطق يلم أشلاءه، دون أن يعني هذا كونه محكم الحبكة. إن التقرير في ظل هذه الصعوبات، يأوج تشويش القارئ و يبدد تركيزه و يرهقه، فيبقيه على السطح و يحول دون نفاذه إلى باطنه أو التفاعل معه و يطالبه بالتسليم بما جاء به. إن أسلوب بناءه و نوعية المعطيات التقنية و الإحصائية التي يوظفها و نزعة التبرير التي يطفح بها و حزمة الإجراءات التي يقترحها، مؤشرات توحي بأنه يستجدي الإجماع على منطلقاته و خلاصاته و على الرؤية و الخطة التي يقترحها عوض محاولة خلقه ، أكثر مما توحي بكونه يشرع ساحته للاشتباكات العلمية المشروعة و يهيئ رحمه لاستقبال نطف تساعد على تخصيبه و إثراءه. و في مسعى لمعرفة الأسباب المحتملة لهذه الأعطاب، أسوق فرضيتين اثنتين:

الفرضية الأولى هي أن التقرير تلقف منهجية البنك الدولي الذي اعتبرالإبداع والتعليم و تقانة المعلومات وبيئة المعرفة، الحوافز الاقتصادية والنظام المؤسساتي، مرتكزات للمعرفة. إن الوفاء المطلق لهذه المنهجية، في معرض تقرير جرى التأكيد في بعض مقاطعه على أن موضوع فصوله هو رصد أحوال المعرفة، أفضى إلى تحنيط مقاطعه. فقد تم رصد مرتكزات المعرفة كما حددها البنك الدولي، مع أن بعض التشكيلات العبارية و كذا المنهجية الفعلية للتقرير يفرضان تعاملا مرنا مع تلك المنهجية و تطويعها لخدمة أهداف الدراسة، أو على الأقل عدم إيراد التشكيلات العبارية التي توحي بأن الهدف هو رصد حال المعرفة و الاكتفاء بالعبارات الدالة على أن التقرير يعكف على رصد واقع مرتكزاتها. و يظهر التأثر السلبي بمنهجية البنك الدولي أيضا من خلال استسلام التقرير للنزعة الوضعية التي ينتقدها(ص34). و المرجح أن الإنشداد المفرط إلى تلك المنهجية بدد تركيز معدي التقرير، و خصوصا المحرر النهائي، بشكل لا يسمح بإيلاء اللغة ما تستحق من عناية و ما تستوجبه من يقظة. و أومئ في هذا الصدد إلى مصطلحي التجليات و المرتكزات.

الفرضية الثانية تتمثل في الصعوبات المنهجية التي يطرحها هذا الجنس من الكتابة. فالصيغة النهائية للتقرير تشكل تتويجا لمسار طويل و معقد تتداخل فيه حلقات التفكير و تحديد إطار العمل و الموضوع و بلورة المنطلقات و الإشكالات و التنسيق بين أعضاء الهيئات العلمية و الإدارية التي ترعى المشروع و الجهات الممولة و كتاب الأوراق الخلفية و الكتاب الرئيسيين و المحرر النهائي. كما يصطدم فيه نبل المقاصد و جموح الإرادات بإكراهات العمل و ضغوط السياسة و عنف المال. و الغالب ألا يسلم نموذج التقرير المأمول، كما تبلور في الأذهان و الخطط، من انزياحات و حتى انحرافات، و ألا تبقى الدخيرة من الأوراق الخلفية الكثيرة بمنأى عن التعديل أو الاجتزاء أو التحوير أو التعطيل، إما لضغوط الجهات الممولة أو الراعية أو لاعتبارات سياسية مرتبطة بتحاشي إزعاج و إثارة حفيظة الأنظمة السياسية أو وفاءا لخط منهجي محدد سلفا أو لأسباب أخرى نجهلها. و سأكتفي بعامل له علاقة بالصياغة، بحكم أنه يشكل مؤشرا منهجيا أتوفر على معلومات بشأنه. إنني أخال أن هيمنة منطق تجميع أزيد من ثلاثين ورقة خلفية أضعف هندسة التقرير و مستوى انضباطه المنهجي و أثر على التدفق السلس للمتغيرات التي ساقها. الظاهر إذن، أن صياغة الفصول المختلفة للتقرير، لم تتم وفق منطق يصهر تلك المقاطع و يلم شعت الأوراق الخلفية و يضخ التناغم بين محتوياتها و يخضع محتويات و منهجيات التقارير الدولية التي يعتمدها لمنطق أطروحته الأساسية. من نتائج ذلك أيضا، أن بعض المواقف المعيارية تسفر عن وجهها، بشكل يجعل التقرير ينزاح عن إحداثيات الموضوعية و يتحلل من واجب السهر على إظهار جدلية الأصوات ويخفق في ضمان سعة أفق التحليل.

- إن الإيماء في معرض الحاجة إلى البيان و الإيضاح و المكاشفة، و هي حاجة ملحة حين استعرت الاضطرابات و التناقضات في مواطن مختلفة من التقرير، يعد وجه نقص يعيب التقرير و ليس مظهر حسن يزدان به. و يكون هذا الوضوح مطلوبا بإلحاح حين إعلان المنطلقات و تقديم الموضوع.

- من السمات المميزة لجنس التقارير جنوحها في الغالب إلى اقتراح حلول وبدائل للمشاكل المطروحة والفجوات القائمة. وإذا كان تقرير المعرفة العربية لسنة 2009، اقترح “رؤية وخطة لبناء مجتمع المعرفة في الوطن العربي” تتضمن ما يسميه “مبادئ وآليات عمل مطلوبة لسد فجوة المعرفة”(ص199)، فإن مقترحاته تثير ما أعتبره ملاحظة أساسية، سواء من حيث حزمة العبارات التي استعملها أو مضمون الرؤية والخطة التي عرضها. فقد أكد رئيس مجلس إدارة مؤسسة محمد بن راشد آل مكثوم أن “التقرير خرج عن “المألوف إذ اتسم بالجرأة في بلورة رؤية وخطة عمل مقترحة لإقامة مجتمع المعرفة”(ب). كما أكد المدير المساعد لتقرير الأمم المتحدة الإنمائي والمدير الإقليمي لمكتب الدول العربية على أن التقرير ” تضمنت رؤيته خطة قابلة للإنجاز” (ث) وتكررت تلك العبارة في آخر فقرة من التقرير(ص214). ومن مؤشرات أهمية مبحث الخطة بالنسبة لمعدي التقرير، إدراج تناوله ضمن الإيقاع الثاني الذي يضبط فلسفة التقرير، بعد إيقاع رصد “ملامح المعرفة في الراهن العربي(ص6). فموقعه ضمن بنية التقرير، يبرز حجم الأهمية التي أنيطت إليه. وشدد التقرير على أن العناية برصد حال المعرفة تدعو إلى “الإسراع في تهيئة الوسائل المناسبة لترسيخ أسس إقامة مجتمع المعرفة” (ص 203).

تنبئ هذه الطائفة الأولى من العبارات عن طموح كبير و مشروع. لكن مصدر التشويش هو أنه تم التأكيد في نفس المواطن التي ذكرت فيها تلك العبارات على أن الخطة “تشتمل على علامات في درب التواصل المفضي إلى الاندماج في فضاءات المعرفة”(ث) و “على بعض العناصر الأولية و الآليات المطلوبة لردم الفجوات المتعددة”(ب). وتمت الإشارة أيضا إلى أن التقرير يحاول “رسم الملامح الكبرى لرؤية تتوخى المساهمة في ردم بعض جوانب الفجوة المعرفية القائمة في الوطن العربي”(ص1) و يكتفي “برسم المعالم الكبرى لتجاوز العقبات”(ص6). و يسعى إلى” رسم معالم مفتوحة و محفزة لركوب درب المعرفة المأمول”(ص199) و يقتصر في الخطة المقترحة على “العام و المشترك”(ص214). تكشف هاتين الطائفتين العباريتين إذن عن وجود تشويش. و إذا ربطنا مضمون الرؤية و الخطة بمنطوق عبارات تلك الطائفتين، نلحظ أنهما وفيتان لمنطق منطوق عبارات الطائفة الثانية. فالأمر يتعلق بعلامات و محاولة تركيب عناصر أولية و بملامح ومعالم كبرى، أكثر منه بخطة عملية تترجم جموح الإرادة الذي عكسته بعض العبارات. إنني لم أعثر في ثنايا ما يسميه التقرير خطة قابلة للانجاز، على ما يمكن أن يشكل خطة تقترح وسائل مناسبة و إجراءات دقيقة تنضبط لأمداء زمنية مختلفة و قابلة للتتبع و التقييم.

و أعتقد أن الخطة التي اقترحها التقرير هي التي تعكس بدرجة كبيرة ما ينتقده و يبعده من دائرة أهدافه، و يتعلق الأمر ب”رسم المأمول في الوضع العربي بلغة الينبغيات و الأحلام”(ص6). فالخطة القابلة للإنجاز، تتطلب إجراءات عملية دقيقة و واقعية تراعي أوضاع و خصوصيات و إمكانيات الدول و الشعوب و تشير إلى ما ينبغي فعله في دائرة الممكن. إن خطة تحتكم إلى هذه الفلسفة هي التي يمكن أن تعبر عما اعتبره رئيس مجلس إدارة مؤسسة محمد بن راشد آل مكثوم خروجا عن المألوف. أما الخطة في صيغتها الحالية فلا يبدو أنها تعتبر كذلك، بل إنها تعبر في المقابل عن أحلام و طموحات و تصلح أرضية لصياغة خطة قابلة للانجاز.

الهوامش:

1- أوثر استعمال تعبير تقرير المعرفة العربية، بحكم أن نعت “العربي” يوحي بأن التقرير حرر بالعربية، أي أننا إزاء نسخة عربية عن تقرير حول المعرفة، دون أن نعرف أية معرفة. فالنعت، كما جاء في العنوان، يعود على التقرير و ليس المعرفة. و الحال أن التقرير يعكف على بحث المعرفة في المنطقة العربية.

2- علي حرب، “النص والحقيقةI”، نقد النص، المركز العربي الثقافي، الطبعة الثانية، 1995، ص 7 و ص 12.

3- علي حرب، “النص والحقيقةI”، نقد النص، المرجع السابق، ص11.

4- “ما فوق النص” و”ما تحت النص”. تعابير استعملها محمد شوقي الزين إشارة إلى الاستعارات الجيولوجية التي ترددت في فلسفة جيل دولوز بشأن جيالوجيا النصوص، “ما فوق الأرض” و”ما تحت الأرض”. راجع محمد شوقي الزين، الإزاحة والاحتمال، صفائح نقدية في الفلسفة الغربية، الجزائر، منشورات الاختلاف، بيروت: الدار العربية للعلوم ناشرون، الطبعة الأولى 2008، صص 9- 10.

5- أقصد المتغيرات المستقلة إشارة إلى جملة المؤشرات التي تساق لتفسير حال المعرفة العربية و التي أعتقد أن التقرير يعبر عنها أحيانا بشروط أو دعامات تطوير المعرفة، فضلا عن المتغير التابع الذي ينصرف في اعتقادي إلى حزمة من المؤشرات الكمية و النوعية التي تعكس واقع الأداء المعرفي العربي.

6- أقصد الهندسة الداخلية للتقرير، أي الأعطاب التي تلحق الفصول وتثير الغموض بشأن هويتها أو طبيعتها والعلاقات القائمة بينها (متغير أو متغيرا ت تابعة أم مستقلة. ما الذي يجري رصده و ما هي المقاطع التي تنصرف إلى رصد حال المعرفة وتلك التي تهتم بسوق تفسيرات؟…). أميز هذه الهندسة عن الهندسة الداخلية للفصول والتي تكشف عن وجود مشاكل منهجية خاصة بالبناء الداخلي لكل فصل. يمكن القول إذن بأن هناك مشاكل ناتجة عن العلاقات بين الفصول وأخرى متأتية من البنية الداخلية لكل فصل والتي سأعرض لها لاحقا.

7- قلت في مستوى أول، لأن “التحليل العباري، لا يتناول أبدا سوى الأشياء التي قيلت و الجمل التي تم التلفظ بها أو كتابتها فعلا، والعناصر الدالة المكتوبة أو المنطوقة”، ميشال فوكو، حفريات المعرفة، المرجع السابق، ص 102. غير أن انكشاف الأعطاب المنهجية بعد افتحاص النص بما هو “إنجازات لفظية”، سيقودني إلى طور التأويل، الذي لا يدخل ضمن مقتضيات التحليل العباري، بغية معرفة ما يوحي به باطن النص وما أعتقد أنه يرقد في أذهان معدي التقرير اعتمادا على بعض المؤشرات وليس على ضرب من التنجيم.

8- ميشال فوكو، حفريات المعرفة، ترجمة سالم يفوت، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، المغرب، الطبعة الثالثة، 2005.

9- قلت نسبيا لأنها تبدو ناقصة من حيث عددها و لأنه أيضا كمية، بحيث تغيب المؤشرات النوعية المتعلقة ب نواتج البحث و الإبداع.

10- سأرجع لاحقا إلى هذه الفكرة لمزيد من التوضيح و رفع اللبس الناتج عن كون الفصل الخامس يتضمن مؤشرات تساعد على تكوين فكرة عن واقع المعرفة(متغير تابع) و في نفس الوقت مؤشرات تقدم تفسيرات لذلك المتغير(متغير مستقل). راجع الفقرة الثانية من الصفحة العاشرة و التي تنتهي في الصفحة الحادية عشر. تبتدئ “بعبارة ” بينما ينصرف الرصد في جانب من الفصل الخامس المتعلق بالأداء العربي في مجال البحث الإبداع….” و تنتهي بعبارة ” و قد بدا لي أن ما تفسره هو طائفة من المؤشرات الواردة في الفصل الخامس المتعلق بالبحث و الإبداع”.

11- أعتقد أن الأمر لا يتعلق بكل فصول التقرير و إنما فقط بإحدى فصوله و هو الفصل الخامس.

12- لا أقيم تطابقا بين واقع المعرفة و واقع مجتمع المعرفة. أكتفي في هذا الموضع باستعمال المصطلحات كما ترددت في التقرير.

13- وردت إشارة في التقرير تفيد أن بعض المتغيرات الداخلية كالحرب والاحتلال و الحروب و النزاعات الداخلية عوامل لا تؤثر على دعائم المعرفة ” من تعليم و تقنيات و إبداع فحسب، بل إنها تضر بالبيئات التمكينية”. و هو ما يعني أن تلك البيئات لا تنضوي في سلك مرتكزات المعرفة.(صص11- 12). غير أن التقرير أقحمها إلى جانب تلك الدعامات ضمن الملامح العامة للفجوة المعرفية”(ص203). فهي ملمح من ملامح الفجوة المعرفية كما هو الحال بالنسبة لدعامات المعرفة، وهو ما يفترض منطقيا إلحاقها بدائرة ما يسميه التقرير مرتكزات أو دعائم المعرفة.

14- وردت الإشارة إليها في الإحالة الثانية ضمن الفصل الخامس، راجع الصفحة 194 من التقرير.

15- التبرير الذي ساقه التقرير هو أن تلك العوامل تؤثر على مرتكزات المعرفة و بيئاتها. ويبدو لي هذا التبرير سقيما، على اعتبار أن بعضا منها تكرر تناوله في إطار البيئات التمكينية. كما أن البعض الآخر يمكن حشره ضمن فصل البيئات تحت مسميات مختلفة، بيئات إقليمية و دولية… . أكثر من ذلك، ينبغي ، وفاء لهذا المنطق المعطوب، إخراج متغيرات الفقر أو التشدد الديني أو محدودية أثر الإصلاحات السياسية مثلا من دائرة البيئات التمكينية و إدراجها ضمن المعطيات التأطيرية للموضوع الواردة في التقديم، بحكم أنها يمكن أن تكون مثلا ضمن العوامل التي تفسر النزاعات الداخلية. إن التبرير الذي ساقه التقرير يعكس غياب منطق العلاقات التبادلية بين المتغيرات.

16- “لأن مهمة التقديم لا تتجاوز مبدأ الإشارة إلى أهم مظاهر التحديات القائمة في الواقع العربي، وستتم العودة إليها تفصيلا”، ص3.

17- Hannah (A.), La crise de la culture, Paris Gallimard, 1972.

18- هذا المقطع المتعلق بدور المدرسة أو النظام التعليمي في إعادة إنتاج التفاوتات الاجتماعية و تبرير التمايزات المدرسية اقتبسته من الورقة الخلفية التي أنجزتها لفائدة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي و مؤسسة محمد بن راشد آل مكثوم. أحمد إدعلي،الإصلاحات التعليمية بالمغرب بين “جموح الإرادة” و تواضع الأداء النوعي، المرجع السابق، ص ص92 – 93.

19- Bourdieu (P.) et Passeron (J.C), reproduction, Paris Minuit, 1970, p 206.

20- تقرير مارتين فورنيه عن كتاب بورديو وباسرون الورثة – الطلبة والثقافة، راجع بيير بورديو الفتى المتعدد والمضياف، إعداد وتوطئة عبد الجليل بن محمد الأزدي، المرجع السابق، ص59.

21- Bourdieu (P.) et Passeron (J.C), La reproduction, op.cit, p 192.

22- Hallak (J.), A qui profite l’école, P.U.F, Paris, 1974, p 120.

23- تقرير مارتين فورنيه عن كتاب بورديو وباسرون، راجع بيير بورديو الفتى المتعدد والمضياف، المرجع السابق ص ص59 – 61.

24- Hallak (J.), A qui profite l’école, op.cit, p 88.

25- Salmi (J.,Crise de l’enseignement et reproduction sociale en Maroc, les Editions Maghrébines, 1985, pp 191-192.

- أحمد إدعلي

جامعة ابن زهر – كلية العلوم القانونية والاقتصادية – آكدير

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*