الخميس , 23 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » نـدوات وملفـات » الشعري في رواية القوس والفراشة

الشعري في رواية القوس والفراشة

محمد الأشعري،القوس والفراشة، المركز الثقافي العربي،الدار البيضاء، 2010.

milaffat_11تمتاز الرواية الجديدة عن النمط الروائي السائد باختراق الشعري الذي يشكل سمة مميزة لسرديتها في تمازج يصعب معه تصنيف الجنس الأدبي. في رواية الأشعري نوع من تجاور الأجناس: الشعر والتشكيل والسرد والحكي. إن سمو الجنس الشعري في الكتابة السردية عند الكاتب والانتصار لإنسانية الشعر، جعله ينقل مقومات الشعر إلى الرواية التي انتصر فيها لمعاني الشعر، هذه المعاني التي كانت عنده المجال الأول للكتابة والإبداع. إبداع يُثير في المتلقي الانفعال الشعري، أو حالة شعرية حسب Duffrenne MIKAEL (Le poétique-PUF-1963- p :77). فتتحقق بذلك الوظيفة الشعرية في الكتابة الروائية عند الكاتب لتشكّل جمالية خاصة انطلاقاً من عتبة العنوان الذي يُحيلنا على دلالات متعددة. ما جعل من هذه الرواية إضافة نوعية للأدب المغربي لما فيها من نقد لحاضرنا الثقافي والسياسي والاجتماعي بصورة أدبية خالصة تنتصر لشعرية النص، بداية بعتبة العنوان وصورة الغلاف. 

وتوضح صورة الغلاف علاقة الرواية بالخطاب الكاليغرافي من حيث البعد الشعري، حيث تتجه الكتابة بداية للعين قبل القراءة، وهي صورة للفنان التشكيلي خليل غريب. وخليل غريب من الفنانين المغاربة الذين تُعرض لوحاتهم في معارض عالمية. إذ يشتغل في لوحاته بالمواد المتلاشية التي تسير نحو الاندثار والفناء وهي مواد يلتقطها من محيطه المتواضع كبقايا الورق وفُتات الخبز اليابس، وأطراف الخشب القديم، وخيوط الحبال والأسلاك والخيش، وهي أشياء آيلة للزوال، ما أن تدخل محراب الفن حتى تنمو عليها حياة جديدة.

وتمتاز صورة الغلاف أيضا بتلويناتها المائية الشفافة وألوانها الضوئية الهادئة المستقاة من ألوان قوس قزح. اللون الأزرق الذي يعشقه الكاتب والأكثر حضوراً في قصائده. لكن لا ندري هل يعني هذا أن الخطاب التشكيلي الذي يتصدّر صورة الغلاف كصورة بصرية مرتبط بدلالات الرواية ومعانيها؟ أو هل يمكن اعتبارها بمثابة معادل فنّي تشكيلي للرواية تكتمل فيها شعرية التخييل الروائي؟

فقد بدا لياسين ابن يوسف الفرسيوي، أنه لو كان بمقدوره تركيب قوس كبير غير منتظم مثل قوس قزح. قوس ضخم يفوق في علوِّه قصبة الأوداية يوحِّد ضفّتي المصب “قوس من الفولاذ، مصبوغ بالأزرق، كأنه خيط ماء يلعب فوق المحيط.” (ص. 107-108). فأعجبت الفكرة يوسف الفرسيوي وذلك “لتكسير الحساب الصارم للربح والخسارة يمكن أن يُخرج المدينة من نسق العمران البحت إلى نسق الخيال البحت” (ص. 109-110). قوس يُدخل المدينة في تجربة جديدة ومشروع جنوني والتعوُّد على تمجيد الخيال.

إنه وصف سحري لقوس قزح من حيث شكله وضخامته وعلوه وألوانه وقدرته العجيبة على تغيير نمط الحياة والعمران. إذ تأتي ألوان قوس قزح الذي هو قوس من الضوء في سبعة ألوان. وهذه الألوان عبارة عن انعكاس أحد ألوان الطيف الصادر عن نور الشمس. ويتكون من ثلاثة ألوان أساسية وهي الأحمر والأصفر والأزرق أما الألوان الأخرى فهي فرعية. فشعرية اللون في “قوس قزح” لها كما للألوان جميعا دور كبير في التأثير على الفرد. كما أن الميل إلى لون دون آخر يرجع إلى ظروف حياتنا الاجتماعية والحضارية وكذلك تبعاً للظروف النفسية التي يعيشها الإنسان.

وقد اختار الأشعري اللون الأزرق كلون هادئ. كما أن لون الفراشة من لون قوس قزح وكذلك لون الطبيعة والمكان والفضاء. فعمق اللون الأزرق وصفاؤه إشارة إلى كنه الأشياء وتغيرها وإشارة إلى طريق اللانهائي كما ورد في معجم الرموز. فباللون الأزرق قد تتحول الحقيقة إلى خيال. أليس هو لون “طائر السعادة”: الطائر الأزرق؟ إن الأزرق رمز للحلم. ومن تخوم معنى الأزرق تأتي ومضة القصيدة وومضة الكتابة السردية من خلال كنه الطبيعة عند الكاتب من سيرة المطر إلى مائيات إلىحكايات صخرية إلى جنوب الروح ثم القوس والفراشة يقول في قصيدة “نهار أزرق”: “فجئتُ على دهشةِ الكلماتِ لأخطفَ من لوحةِ النبعِ أزرقها” (ص. 215)، وهي زرقة لا تَغِيمُ في قصيدة “هجرة” (ص. 223).

عديدة هي الكتابات التي اهتمت بقوس قزح وخاصة في شعرنا العربي، قوس قزح بوهجه وألوانه الزاهية ورونقه وامتداده. ولو أن الأشعري يُدرك منذ البداية أن نسمة الشعر والإبداع في قوس قزح يصعب تحقيقها  بين العدوتين على أرض الواقع. لكنه شعور مفعم بالأمل والانتصار على العجز الكامن في نفوسنا. يقول: “صرتُ أدرك بسهولة أن الخسارة ليست ما نفتقدهُ، ولكن ما يتبقى في نفوسنا من شعور بالعجز عن فعل شيء لم نفعله” (ص. 21). وقد حاول أيضاً أن ينتصر على الفشل شعرياً فكتب قصيدته “درس في المرارة” المرارة ليست سريرا غريبا/ وليست ثُمالةَ يومٍ بهيمٍ/ وليست قصائدَ ننجو بها من كآبتنا (ص278). كما كتب “الطائر الأزرق” أولى قصائده التي يضمها ديوانه صهيل الخيل الجريحة. فمن عادة الكاتب أنه يستمد رموزه من الطبيعة، فيُصبغ عليها من ذاته ما يجعل هذه الرموز امتداداً لكيانه، فدلالة الفراشة المقترَنة بقوس قزح، عَمِلَ على التكثيف من إيحائيتها. كما أن حياة الفراشة تمر بمراحل عديدة قبل أن تلتفّ بخيوطها وتتحوّل إلى فراشة لتتمتّع بقية حياتها بحرّيتها وتحوم حول الضوء حتى ولو كانت النتيجة الاحتراق، لتلبية نداء الذات الذي يرغب في التحرّر من سلطة الجسد والتّعالي عن كل ما يمكن أن يحدّ من حريتها. إنها الفراشة التي تكشف صمت الشاعر، يقول في سرير لعزلة السنبلة “وهذه الفراشاتُ التي تقودُ قطعانَ صمتِي” (ص.334). إنها معاناة الذات بالعودة إلى الذات، ويذكّرني هذا ببيتٍ لإيليا أبي ماضي الذي يخاطب فيه الفراشة، يقول فيه:

           لو كان لي غيرَ قلبي عند مرآك        لمــــــــــــا أضاف إلى بلواه بلواك

يبدأ الفصل الأول من الرواية بالورطة عند الفرسيوي وينتهي في الفصل الأخير بعنوان الفراشة، أي بين التورُّط الجميل في الكتابة عند الفرسيوي بحثاً عن الأمل رغم الضياع دون إحصاء للخسارة والممتلكات وانتهاءً بحلم الفراشة. إنها كتابة تبدو عند يوسف الفرسيوي ممارسة ووظيفة تسعى إلى تغيير الكثير من الأفكار والمشاعر لتتحوّل إلى خلق.

وهكذا نجد أن بين الروائي والشاعر تأتي الكتابة الروائية المتجددة عند الأشعري. فتبدأ الرواية بتصدير لهلدرلين، يقول فيه “ليس شيئاً بالنسبة لي/ ما لا يمكنه أن يكون لي كلاًّ إلى الأبد.” ما يوضّح استجلاب الشعري إلى الإبداع الروائي. وهذا التصدير انعكاس للحياة في نفس الشاعر لذلك يمكن اعتباره بمثابة مفتاح لقراءة الرواية لدلالاته وتأويلاته المتعددة. شغف الكاتب بالشعر ستفصح عنه فصول الرواية. إنه لغة الراوي حينما يريد التعبير عن المعاني الخلاقة وعن المطلق وعن تجربة وجدانية بحتة لا يمكن التعبير عنها إلا بلغة الشعر لأنها لغة المشاعر الإنسانية ولغة الحياة. لذلك يمكن أن نقول أن اللجوء إلى لغة الشعر في الرواية ليس إلا نوعا من رد الفعل لفقدان الحس الجمالي والإنساني في المجتمع.

في القوس والفراشة ترد الكثير من المقاطع الشعرية. كما نجد استظهاراً لقصيدة هلدرلين في الجامعة الليلية بفرانكفورت. وورد اسم ديوتيما زوجة هلدرلين وهي Susette Gontard التي كان يسميها Diotima رمزاً وتيمناً بالكاهنة التي أعلمت سقراط عن قدسية الحب في وليمة أفلاطون. كانت وفاة هذه المرأة صدمة كبيرة للشاعر التي أفرد لها قصائد عديدة من شعره. قرر الرجوع إلى بلاد الرّايْن بعد معاناة مقتنعاً حسب قوله بأن “ما يبقى، يؤسسه الشعراء”، “وعلى مسرح الحياة أدوار الشعراء”. جذوة الشعر من صدف الطبيعة يمكن أن نعثر عليه في كل شيء. يتحدّث الفرسيوي عن رأيه في الشعر، في حوار له مع ديوتيما، يقول: “أنا المسؤول عن إنقاذ هذا الشعر، بكل ما يعنيه من عنف ومنفى وجذوة خالدة إذا كنت حتى اليوم لم أدرك جوهرية الشعر في حياتي فلأن قدري كان يحضرني لهذا اللقاء الصاعق الذي جعلني أعتبر الشعر صدفة من صدف الطبيعة، كما لو تكون ماشياً مستسلماً لاستيهاماتك حتى تجد نفسَكَ فجأة وجها لوجه مع شلاّل عنيف ينزل راقصاً من علو شاهقٍ. هكذا نشأت علاقتي بالشعر فأصبحت أعثر عليه أحياناً حتى وأنا أغير عجلة الميرسديس تحت شمس حديدية” (ص. 197). وزوجة محمد الفرسيوي الألمانية التي تحمل اسم ديوتيما هي كذلك عاشقة للشعر عشقها لأرض وليلي التي تفانت في خدمة أناسها. لم تنجح في العثور على ديوان جدها هانس رودر، الذي قدِم إلى المغرب بعد الحرب العالمية الأولى ضمن الأسرى الألمان الذين أستقدمهم الماريشال الفرنسي ليوطي. ويورد الكاتب أيضا مقطعا من قصيدة لهولدرلين. جاء على لسان محمد الفرسيوي “في الدفتر الصغير الذي تركه جد زوجتي هناك قصيدة بعنوان ديوتيما حملتها زوجتي معها دائما كتميمة (ص.173- 174) :

تكابدين بصمت ولا يفهمونك

أيتها الحياة المقدسة وتذبلين بهدوء

لأنك تبحثين بين البرابرة

عن أهلك في نور الشمس

تلك الأرواح الحنون العظيمة الراحلة

غير أن الزمن يجري

ونشيدي الفاني سيرى مجددا

ذلك اليوم مثيلك

الذي سيسميك يا ديوتيما

على مقربة من الآلهة

وبين الأبطال.

إذا كان توظيف الحواس في الشعر رابطا بين الشاعر والمتلقي فإن توظيفها في الرواية يبين أيضا مدى قدرتها المعرفية والإيحائية في تشكيل الصورة والمعنى. فيوسف الفرسيوي الإبن العائد من ألمانيا، بعد ما اعتقد لسنوات أن والده كان وراء مقتلوالدته ديوتيما التي انتحرت، فقدَ حاسة الشم وفقد معها كل إحساس بالأشياء على إثر الصدمة التي انتابته وهو يقرأ رسالة من سطر واحد تبشره بشهادة استشهاد ابنه الوحيد ياسين. محمد الفرسيوي الجد شخصية فاقدة لحاسة البصر يعيش بقية أيامه بمدينة وليلي مُغرَماً بالحكايات والأساطير الرومانية، ويتماهى مع الخراب حتى أصبح داراً مهجورة”.(ص. 197). تحول إلى دليل ضرير  للسياح في ما تبقى من خراب مدينة وليلي بعد عودته من ألمانيا وببصيرة عبقرية يتمكن، وباللمس وحده، من تمييز الفسيفساء الرومانية عن الفسيفساء الحديثة. إلى جانب لغة الحواس نجد أن الأمكنة والفضاءات تشكّل عنصرأً أساسياً في تشكيل شعريتها قصبة الوداية، وليلي…تمثال باخوس الذي يزيّن شقّة بائع العطور العالمي والمجموعات الموسيقية الجديدة، واللوحات الفسيفسائية… وغير ذلك من الأشياء.

وتحمل الرواية خطابات متعددة. فالكاتب يثير مسألة الهجرة بأبعادها السوسيولوجية والسيكولوجية، والتي تبتدئ بهجرة محمد الفرسيوي من الريف، ذاكرة الهجرة، إلى زرهون ثم إلى ألمانيا، الفردوس المفقود، امتداداً بزمن الإبن يوسف الفرسيوي الريفي الذي يحمل ملامح ألمانية. وفي كل ذلك نلمس قدرة الكاتب على استلهام التراث بأشكاله المتعددة وتوظيفه توظيفا فنيا يُكسب قارئ الرواية قيمة معرفية وعلمية. إذ نجد استلهاما للتراث العربي الإسلامي والتراث الروماني والتراث الأمازيغي، وتطويعه لخدمة التجربة الروائية. لكن لم يكن استلهام التراث والتناص معه مجرد سرد تاريخي.

وقد رصد الكاتب بطريقة غير مباشرة مسألة التعدد اللغوي في المغرب وبخاصة منطقة الشمال التي تعرف هجرات متعددة وما ترتّب عنها من مشاكل التعدد اللغوي. الأمازيغية والألمانية والإسبانية والعامية والعربية الفصحى زيادة على لغة التمدرس. فمحمد الفرسيوي الجد من جذور أمازيغية متزوج من ألمانية ويوسف الفرسيوي الإبن الذي يمثل الجيل الثاني عاش قسطاً من حياته بألمانيا وعاد إلى المغرب ليخوض تجربة سياسية يسارية كاتب ومبدع وله موهبة أدبية متميزة. سلالة الفرسيوي التي تنتسب إلى جذور ريفية بشمال المغرب تهاجر إلى زرهون –وليلي- لم يبق في ذاكرتها إلا الإحساس بالخسارة والفقدان والاغتراب والضياع. الأب محمد الفرسيوي الجد وابنه يوسف وحفيده ياسين وحولهم شخصيات مختلفة ومتعددة ديوتيما وبهية وهنية وليلى وفاطمة والغالية ومي وإبراهيم الخياطي ومهدي وعبد الهادي والحاج التهامي وعصام وعباس والمختار وأحمد مجد… شخصيات تثير أسئلة الراهن الثقافي والاجتماعي والسياسي. أسئلة حاضر مغربي وعربي يشوبه نوع من الخوف والتوتر والإحباط المؤدي للخسارة والفساد والسلطة والرشوة. والتخوف على مسار الشباب ليس من الفقر والجهل لكن  من تناقضات المرحلة وأشكال الانفلات وانتشار الفكر الظلامي رغم التكوين والتربية والتأطير. ياسين الفرسيوي الحفيد تابع دراسته بفرنسا ومنها إلى أفغانستان بعد أن التحق بحركة طالبان ليلقى مصرعه هناك بتفجير نفسه. في الرواية استلهام للتاريخ السياسي والثقافي في النص الإبداعي، لما فيها من بوح وأمل وخوف وقلق وشعور باليأس والفرح وتصالح مع الفشل وانفتاح على الحياة وحلم بالغد. إنها نوع من النقد لمغرب اليوم وللتحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية من كاتب وشاعر خبر السياسة والأدب. إنها أيضا قراءة التاريخ الراهن للمغرب من خلال تقديم ثلاثة أجيال من عائلة الفرسيوي. نقد لواقع اجتماعي مأزوم. مجتمع يعاني المثقف إرهاصاته وتناقضاته وانكساراته. وقد يكون له تأثير كبير على إنتاجاته وطموحاته وممارساته السياسية. إنه طرح لمسألة الثقافة كإنتاج وإبداع معرفي. فالثقافة هي التي تنتج الفكر السياسي التي تنبني عليه الممارسة السياسية. شخصية يوسف الفرسيوي إشارة إلى مسألة حضور الثقافة في السياسة. فكل مثقف يمكن أن يكون سياسيا وليس كل سياسي مثقفا. كما أنه لا يمكن تحويل السياسي إلى مثقف.

وتشير الرواية أيضا إلى العلاقات الثقافية العربية الألمانية التي تمتد على مدى إثني عشر قرنا من الزمن، والتي كانت علاقات متميزة. فقد بذل الألمان جهودا كبيرة في خدمة الثقافة العربية مما خلق نوعا من التأثّر والتأثير في العلاقات الثقافية. فديوتيما التي يحيل اسمها على زوجة الشاعر الألماني هولدرلين نوع من إعجاب الشاعر محمد الأشعري بالشعر الألماني، وما اكتشاف محمد الفرسيوي لروائع هذا الشعر إلا نوع أيضا من الاحتفاء والفرح المغربي بثقافة الآخر. كما أن يوسف الفرسيوي ورث عن والدته الألمانية موهبته الأدبية. فكان يواظب على كتابة مقالات أدبية كما كان يكتب عمودا في جريدة حزب يساري.

يبقى اختراق الشعري للغة الرواية سمة مميزة لسرديتها. شعرية الفضاء والأمكنة، وشعرية اللون، وشعرية لغة الحواس، بهدف دعوة المتلقي إلى التأمل في معنى الحياة وكنه الأشياء. من أجل المصالحة مع الذات والمصالحة مع الفشل والتاريخ، لمقاومة الهزيمة. “فكلنا ننْهزم أمام الموت، لكن لا شيء أفظع من الهزيمة أمام الحياة” على حد قول الكاتب (ص.208). وهنا يُطرح السؤال: لماذا عجزت النخب الثقافية والفكرية للمجتمع المغربي عن تقديم وصياغة مشروع ثقافي حضاري متكافئ؟ وما السبيل إلى التخلص من هذا العجز الذي يسود الوطن العربي في هذه اللحظة الراهنة رغم إمكانياته الكبيرة تاريخا وحضارة وثروات؟ لذلك نجد في الرواية تأملا في الخسارة وما يترتب عنها. وهي خسارة معنوية أكثر منها خسارة مادية تحتاج إلى تأمل فكري للتخلص من الشعور بالإحباط الذي يرافق الخسارة ويتحول مع الزمن إلى نوع من التحدي، فالأماني والأحلام المنكسرة يولّد الفشل والانهيار، فشل مع ذواتنا، وفشل مع الآخرين، وهذا من أخطر المشاكل التي تصيب الفرد والمجتمع. لكننا نستطيع أن نصنع النجاح من الفشل والخسارة، بالصداقة والثقافة والكتابة والحفاظ على التوازن الذاتي.

- حورية الخمليشي

جامعة محمد الخامس – كلية الآداب – الرباط

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*