الإثنين , 20 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » مرتكزات السياسة التربوية

مرتكزات السياسة التربوية

محمد السوالي، السياسات التربوية: الأسس والتدبير، ترجمة مصطفى حسني، الدار العربية للعلوم ناشرون- دار الأمان ، بيروت- بالرباط، 2012.

 kiraat_12.1الكتاب، موضوع هذه القراءة، بعنوان:السياسات التربوية: الأسس والتدبير لمؤلفه محمد السوالي، صدر باللغة الفرنسية في طبعته الأولى سنة 2010، منشورات مجلة علوم التربية، العدد 21، عنوانه الأصلي: “Les politiques d’éducation: Fondements et Gestion ، نقله إلى العربية  مصطفى حسني، صدرت طبعته الأولى سنة 2012 عن الدار العربية للعلوم ناشرون، ببيروت، ودار الأمان بالرباط. يقع الكتاب في الطبعة العربية في 247 صفحة من الحجم المتوسط. تم تصميمه في ثلاثة أقسام كبرى، تفرع عنها اثنا عشر فصلاً.

تناول كل قسم من هذه الأقسام مكوناً من المكونات الثلاثة لعنوان الكتاب: السياسات التربوية والتغيير الاجتماعي، محددات السياسة التربوية، وتدبير السياسة التربوية. بالإضافة إلى تصدير هام قدم فيه الكاتب موضوع كتابه ودوافع التأليف، والمرتكزات التي اعتمدها في ذلك ومنهجه في البحث والتحليل. وخاتمة لا تقل أهمية عن التصدير، جمع فيها ما توصل إليه من خلاصات. وأثبت في آخر الكتاب ببليوغرافيا قيمة استقى منها مادة بحثه، باللغتين الفرنسية والأنجليزية .

 

موضوع الكتاب وأهميته ودوافع تأليفه

تناول السوالي في كتابه القيم النظام التربوي، باعتباره مؤسسة محورية في كل المؤسسات العمومية، فهو من القضايا ذات الأولوية فيها، نظراً للدور الريادي الذي تقوم به التربية في الرقي الاجتماعي للأفراد، ورقي المجتمعات وتقدمها ثقافياً واقتصادياً، وفي مساهمتها في نشر الثقافة والمعرفة وإنتاجهما؛ وتزويد الدولة بالكفاءات… الخ. وقد تتبع السوالي بالتحليل والتأويل الأسس النظرية والمبادئ والقيم التي تنبني عليها السياسات التربوية، والتي تتجسد في هياكل ونظم ومؤسسات تحتاج إلى أجهزة وهياكل إدارية لتدبيرها.

وكان من دوافع بحث السوالي وانشغاله بالموضوع ما يحظى به قطاع التربية والتكوين لدى الحكومات، ولدى كل الفئات الاجتماعية، على اختلاف طبقاتها واهتماماتها. ثم الوضع الراهن المتعلق باستراتيجية تطوير النظم التربوية في كثير من البلدان الصناعية، وعدم وضوح السياسات التربوية في البلدان النامية، رغم ما تثيره من جدل. وتناول أخيراً جزئية المقاربات التي تناولت الموضوع. من هنا تأتي أهمية هذا الكتاب، وفرادته وقيمته المعرفية. خاصة إذا استحضرنا، فضلاً عما ذكر، واقع منظومتنا التربوية ومعها البرنامج الاستعجالي 2009-2012 الذي يعيش  أنفاسه الأخيرة.

 

مضامين الكتاب

        ينقسم الكتاب إلى ثلاثة  أقسام:

    القسم الأول: يدور حول “السياسات التربوية والتغيير الاجتماعي”، وهو تحليل نظري في مجمله، حدد فيه السوالي الخلفيات السياسية والتاريخية والاجتماعية والاقتصادية التي تكمن وراء تغيير وإصلاح المنظومة التربوية، نتيجة نقاشات حول إعداد استراتيجية للتربية والتكوين، تستجيب للدينامية الاجتماعية، وتحقق الغايات والأهداف المرجوة منها، وعلى رأسها: الديمقراطية والتنمية. وقد واكب وضع السياسات التربوية وإصلاحها في أوربا في القرن العشرين حركة من التأليف والبحث في السياسة التربوية والحقول المعرفية المتصلة بها.

        إن التربية والسياسة في تفاعل مستمر، إذ تعكس التربية الوضع السياسي للدولة ضعفاً وقوة. ثم إن السياسة التربوية جزء من السياسات العامة للأمم. وتتجلى هذه الأخيرة في مجال التربية في الخيارات الأساسية التي تُبنى عليها السياسة التربوية، وفي وضع الهياكل المؤسساتية لتنفيذها. كما تتخذ السياسة التربية وسيلة لتحقيق توجهاتها الإيديولجية: “إن الدولة بتخصيصها لمجموعة من الموارد وتحديدها للتوجهات، لا يقتصر دورها على توفير الممتلكات والخدمات، وإنما يتجاوز ذلك إلى الاستجابة إلى الطلب المعبر عنه من قبل مكونات التشكيلة الاجتماعية، وتحديد الإطار العام لأنشطتها. ومن خلال محتويات هذه السياسة والغايات التي تروم تحقيقها، فإن الدولة تُعَيِّن وتُشْرِك، بشكل مباشر أو غير مباشر، الأفراد والجماعات المعنية، بالإضافة إلى المنظمات التي لها دخل في هذا المجال”(مصطفى محسن، ص. 39-40).

        إن تعدد المتدخلين في المجال التربوي يؤدي أحياناً إلى صعوبة اتخاذ القرارات حول القضايا التربوية ووضع السياسات والإسترتيجات وبرامج التنفيذ وسبل التقويم. “إن القرارات الإدارية لا تتخذ من قبل جهاز دولة مستقل تماماً في اختياراته. فالدولة تواجه الخيارات الفردية للفعاليات السياسية، كما تواجه القيود التي تفرضها الموارد. إن القرار هو بيروقراطي وتنظيمي ومركزي في نفس الوقت، ويأخذ بعين الاعتبار التأثير الاجتماعي أو الفردي للفاعلين والاتجاهات الثقافية والشروط الظرفية من جميع الأنواع”(ص. 47)

        هذا إذا كانت الدول مستقلة في اتخاذ القرار، بمنأى عن تدخل أو تأثير للهيئات والمنظمات الدولية والجهوية التي توجه الدول النامية بخاصة نحو سياسة تربوية معينة. وهو ما سماه السوالي بـ “تدويل النماذج”  أو “عولمة الخطاب التربوي”. وعلى الدولة في هذه الحالة إخضاع هذه النماذج للانتقاء والتكييف مع واقعها، ليساهم ما يستورد في تحقيق الأهداف والغايات المرسومة، المتمثلة في تلبية المطالب الاجتماعية والاقتصادية للفرد والمجتمع، وحفظ القيم وتحديثها. هذه الأهداف وكيفية أجرأتها غالباً ما تكون سبباً من الأسباب التي تجعل من التعليم موضوع نقاشات وصراع اجتماعي بين المتدخلين في القطاع، وهو ما يفسح المجال لمفاوضات ومشاروات لإعداد سياسة تربوية تمثل الجميع وترضيه.

        القسم الثاني: يركز فيه السوالي على أسس تقوم عليها السياسة التربية : اجتماعية، واقتصادية وسياسية.

         يتمثل الأساس الأول في الطلب الاجتماعي للتربية. تتبع السوالي مظاهر استجابة الدولة لهذا الطلب، وما التربية الإلزامية، كحق من الحقوق، إلا مظهراً من مظاهر هذه الاستجابة؛ وضمنها الاستجابة للاحتياجات من التأهيل والعمالة وتحقيق مبدإ تكافئ الفرص أيضاً. وهو أمر مكلف للدول النامية، بينما الصناعية فقد تجاوزته منذ ستينيات القرن الماضي. ويرتبط الطلب والإقبال على التربية في الأذهان بتحقيق الرقي الاجتماعي والثقافي، لحد صار معه طلب التربية عند البعض استثماراً(ص.88). وفي مقابل هذا الإقبال تحدث السوالي عن العرض أو العروض التي تقدمها الحكومات في هذا المجال، والتي قد تتعارض أحياناً مع الطلب بدلاً من أن تستجيب له. “إن سياسات البلدان السائرة في طريق النمو تسعى في اتجاه التأثير على المظاهر والتجليات غير المتوازنة للطلب من التربية، من خلال القيام بتدابير رادعة وتعجيزية أو من خلال تعزيز وترسيخ عملية الانتقاء”(ص.91)

وارتباطاً بما سبق عن الإقبال على التربية، من منظور كونه استثماراً، يفرض المجال الاقتصادي نفسه على التربية، فتصير هذه الأخيرة معادلة للتنمية الاجتماعية والاقتصادية. إن تحقيق هذه المعادلة يكشف عن الترابط الحاصل بين التكوين والإنتاج. من هنا تأتي المقاربة الاقتصادية للتربية، والنظرة إلى القيمة الاقتصادية لها و”التي تؤكد على تأثيرها على توزيع الأدوار الاقتصادية وآثارها على توزيع الدخل وعلى تطور الحركية الاجتماعية، وتؤثر نسبياً على التمييز الحاصل بين الفئات الاجتماعية”(ص. 94)، لأن التكوين يجعلها تلج سوق الشغل في مقاولات تعتمد على التكنولوجيا أو تنتجها. فالتقدم الصناعي الذي شهدته الدول الصناعية بعد الحرب العالمية الثانية ناتج عن التقدم التقني. وهو ما جعل السياسات التربوية في بلدان كثيرة تعرف تطوراً وتجديداً على مستوى هيكلتها ومناهجها وبرامجها التعليمية من جهة، ومن أخرى دفع الأبناك الدولية إلى تمويل برامج تعليمية لتحقيق التنمية. إلا أن هذا الربط بين التربية والتنمية الاجتماعية، خاصة في الدول النامية، قد تعرض لانتقادات شديدة من طرف باحثين وخبراء في معاهد متخصصة، لأنه لم يحقق المنتظر منه؛ بل جاء بنتائج عكسية. منها هجرة الأدمغة المرتبطة بتقدم التعليم العالي، والهجرة القروية إلى المدينة المرتبطة بتعميم التعليم، وانتشار بطالة الخريجين وغيرها. ويسهب السوالي في تحليله للأسباب التي أدت إلى فشل تحقيق التنمية عبر التربية، بالاعتماد على آراء مختلفة لباحثين وخبراء تبلغ أحياناً حد التضارب فيما بينها: فـ” العلم عند البعض وسيلة للارتقاء الاجتماعي وعند آخرين توجه ثقافي”.

والركيزة الثالثة التي تقوم عليها السياسة التربوية هي سياسية وإيديولوجية. تتمثل في دمقرطة التربية، وبذلك تكون المدرسة أداة لتحقيق المساواة الاجتماعية. وقد تتبع السوالي فكرة دمقرطة التعليم وتاريخ ظهورها في الدساتير الغربية منذ القرن الثامن عشر، ومغزاها في الفكرين الليبرالي والاشتراكي معاً، والإجراءات التي اتخذتها الدول الصناعية. وتتجلى، بشكل عام، في المجانية والتعميم وتوزيع معرفة مماثلة على الجميع، وتكافؤ الموارد المتوفرة للمؤسسات المدرسية…(ص. 114).  وهذا ما مكن من الاندماج الاجتماعي وتوسيع نطاق المساواة في معاملة المواطنين، وفي الوصول إلى مراكز القرار وولوج سوق الشغل.إلا أن الإرادة القوية للدول الصناعية لدمقرطة التعليم وقف في وجهها بعض التناقضات التي أفرزتها أنظمتها التربوية، وكذلك الأصول الاجتماعية والثقافية المتجذرة في المقبلين على التربية، والتي تكون أحيانا عائقا في تحقيق هذا التكافئ الذي نتج عنه إعادة الإنتاج الاجتماعي ونظام القيم الذي ينتمون إليه.

 أما الدول النامية فهي بعيدة عن تحقيق هذه الديموقراطية رغم الميزانيات الضخمة التي تخصصها لهذه الغاية، بسبب التفاوتات الجهوية على مستوى انتشار التعليم، والنشاط الاقتصادي السائد في الجهات؛ وكذلك عناية الدولة بجهات في مقابل التهميش الذي يطول أخرى. يضاف إلى ذلك الهوة العميقة بين ما يقدم من برامج في المؤسسات التعليمية والمحيط الاجتماعي للمؤسسة، وتهميش اللغة الوطنية، والتوجيه التربوي. إلا أن هذه العراقيل يمكن تجاوزها برغبة أكيدة من الدول بوضع ما يعرف ببيداغوجيا تعويضية مناسبة لخصوصية كل بلد.

كيف يدار النظام التربوي؟ سؤال يجيب عنه السوالي في القسم الثالث والأخير من الكتاب. ويستهله بتعريف النظام التربوي بكونه “يدل على مجموع العناصر والوسائل المرتبطة فيما بينها بواسطة علاقات متعددة، وتمتلك القدرة على التفاعل مع المحيط الاجتماعي والاقتصادي للاستجابة لحاجيات محددة، بهدف التطور والتنظيم الذاتي”(ص. 137) هو نظام يتسم بعدم الاستقرار لتفاعله الدائم مع ما هو متغير ممثلاً في النظامين الاجتماعي والاقتصادي. وقد وقف الكاتب ملياً عند مركزية ولا مركزية الإدارة الوصية على تدبير الشأن التربوي. وبين فضائل كل منهما، وأن ما يصلح منها لبلد لا يصلح بالضرورة لآخر. ومن هنا جاء ارتباط نمط الإدارة بخصوصية الدولة. هذه الخصوصية التي يجسدها تنوع أشكال خوصصة التعليم، ومستوى التمويل وعلاقتها بالسلطة المركزية. وختم الفصل الثامن بالحديث عن الاتجاهات المعاصرة في تدبير الإدارة التربوية؛ منها إشراك مهنيي القطاع في التسيير نظراً لمؤهلاتهم وكفاءاتهم، والاعتماد على سياسة المشاريع وتحديد الوظائف وغيرها.

     وفي الفصل التاسع حصر المؤلف التنظيم البيداغوجي للنظام التربوي في أربع نقط، هي:

 أولاً: مورفولوجيا النظام التربوي التي تضم أسلاك التعليم من التربية ما قبل المدرسة إلى الجامعي، واعتبر التعليم الثانوي مفصلياً لأنه يؤدي إلى اختيارات عامة أو متخصصة أو تقنية أو مهنية.

ثانياً: إدارة شؤون الموظفين، ونبه إلى أهمية دور المدرس ضمن فئات الموظفين في قطاع التربية، لأن عمله يحدد فعالية النظام التربوي وكفاءته، فمن خلاله يكتسب المتعلمون المعارف التي تتجسد في شكل برامج ومناهج تحدد الأهداف ومعايير التقويم.

 ثالثاً: تنمية المهارات، وتهدف أيضاً إلى إحداث تحول أخلاقي لدى الأفراد (ص. 165).

رابعاً: التوجهات الفلسفية والإيديولوجية للمناهج. توجه الخيارات السياسية والقيم الاجتماعية والاقتصادية المحتويات التعليمية نحو التطور والتحديث تبعاً للتحولات الاقتصادية والاجتماعية. ولذلك انسحبت التربية التقليدية القائمة على استرجاع المعرفة المجردة لصالح البيداغوجيات الحديثة… والتي تكشف عن الجانب الوظيفي للمكتسبات والمعارف، لأن التكوين العقلي هو الكسب والربح الفعلي والحقيقي للنشاط الفكري ولتعلم واكتساب المعارف(ص. 166).

 وأفرد السوالي فصلاً للتعليم الجامعي وسياسة تدبيره، نظراً للدور الطلائعي الذي يقوم به في رقي المجتمعات وفي الابتكار وإعادة إنتاج الثقافة العالمة، وكذلك في بناء الحقل الثقافي للمجتمع. كما يساهم في التقدم التكنولوجي، والإنتاج الاقتصادي، وتكوين الأطر المنظرة وذات المهن المختصة. وفي سياق حديثه عن تاريخ التعليم الجامعي عرج السوالي، وفي الهامش فقط، على أقدم الجامعات التي عرفها التاريخ، هما: جامعة “القرويين” وجامع “الأزهر”. إلا أن افتقارهما للتنظيم الدراسي والامتحانات جعلهما لا يرقيان إلى مستوى الجامعات الأوربية كجامعة “نابولي” مثلاً. وأسهب السوالي في الحديث عن أعظم الجامعات الأوربية: الأمريكية والفرنسية والألمانية والبريطانية، وعن مدى مساهمتها في تكوين الفرد وإعداده للمساهمة في التنمية الاجتماعية. ثم تناول أنظمتها الداخلية وأجهزة تسييرها ومصادرها المالية وعلاقتها بالسلطة المركزية وبمؤسسات المجتمع المدني و المؤسسات الاقتصادية بخاصة، وبدور الأستاذ ومكانته، وحرية البحث العلمي الذي يجد في الجامعة فضاء رحباً يحتضنه؛ إلى جانب مراكز البحث العلمي التي تنشئها الدولة. وتخصص ميزانيات ضخمة للبحث العلمي تتقاسمها الدولة والمؤسسات غير الحكومية المهتمة.

ويتناول في فصل مستقل التخطيط كآلية أساسية لتدبير السياسات التربوية. وقد اعتمدتها أوربا لترشيد وعقلنة التوقعات وإصلاح وتجديد منظوماتها التربوية، وتبعتها في ذلك الدول النامية على ضعف مخططاتها. ويشكل التخطيط مظهراً من مظاهر السياسة العامة للدولة. وقد فصل السوالي الحديث عن مبررات اعتماده من قبل الدول لأجرأة سياستها التربوية، وبين أهمية تحديد التكلفة والنفقات ومصادر التمويل لتصريفه، والجهات التي تتكفل بذلك؛ وأهمية الأخذ في الاعتبار خصوصيات البلد وخصوصية الظرف التربوي. وتمثل الخريطة المدرسية وسيلة أساسية لأجرأة وتنفيذ المخطط في أرض الواقع. وانتهى به الحديث إلى القول بأن الدول الصناعية لم تعد تقنع من التخطيط أن يكون مجرد تنفيذ للسياسة التربوية، ولكنه ينبغي أن يتجاوز ذلك إلى الدور الجديد الذي يتمثل في أخذ زمام المبادرة في مجال التنفيذ التجريبي للإصلاحات. فهو يساعد على فحص تجارب الإصلاح على الميدان ويحدد عوامل النقص في النظام التربوي، وعوامل عدم استقراره والتي يمكن أن تكون حافزا للقيام بتغييرات استراتيجية(ص. 218).

ويسلمنا الحديث عن التخطيط إلى الحديث عن التقويم المؤسساتي واستراتيجية التغيير. إن الرأي العام في المجتمعات المعاصرة صار يلح على شفافية تسيير قطاع التعليم لحيويته وتكلفته المادية، وانتظارات المواطن منه؛ لذلك فرض التقويم نفسه. ويتجاوز مفهوم التقويم هنا معناه الدوسيمولوجي، لتشمل العملية النظام التعليمي برمته، من أجل تجاوز معيقات تحقيق الأهداف المسطرة، وتطوير المنظومة التربوية، واختيار أفضل تنظيم ضمن الخيارات الممكنة. لأن الهدف النهائي للتقويم “هو أن ندرك أن الاستثمارات في مجال التربية وانتظامها هي في الواقع عملية مربحة”(ص. 222) لنجاح المنظومة التربوية في تبليغ المعارف، وتحقيق الاندماج الاجتماعي والاقتصادي للمواطنين، وتحقيق العدالة ؛ والحفاظ على هوية المجتمع والدفع به إلى التقدم.

 

مصادر ومراجع السوالي في التأليف:

الكتاب، كما ذكر السوالي، دراسة اعتمد فيها صاحبها على بحوث متعددة التخصصات: فلسفية، سياسية، سوسيولوجية وتربوية…تكشف عنها  الببليوغرافيا القيمة المثبتة على الصفحات الثماني الأخيرة من الكتاب معظمها باللغة الفرنسية، تنوعت هذه المؤلفات ما بين عمل فردي وثنائي وأعمال جماعية هي أبحاث لمنظمات دولية مهتمة بالشأن التربوي أو جامعات عريقة أو مؤسسات وطنية مختصة. يعود أقدم هذه الدراسات إلى الثلاثينيات من القرن الماضي، ومعظمها أنجز في بداية الستينيات عندما بدأت هذه الدول الصناعية، بعد الحرب العالمية الثانية، تبني هياكلها، استجابة للتحولات التاريخية والسياسية والتربوية والاقتصادية والاجتماعية التي عرفتها. ومازالت الأبحاث مستمرة لأن التربية والتكوين قضية تستأثر، على الدوام، باهتمام الباحثين والمنشغلين بها. وفي مقابل ذلك تفصح ندرة المراجع العربية في هذا الكشف عن التهميش الذي يطول هذا القطاع الحيوي، وإن كانت الخطابات الرسمية تعده من أهم القضايا الوطنية.

 

منهج السوالي في الكتاب:

يمكن إطلاق اسم المنهج التركيبي على منهج السوالي في كتابه، لأنه تميز باعتماد مناهج مختلفة، إلا أنها تتكامل فيما بينها،؛ ما بين منهج تاريخي وسوسيولوجي ونفسي، فضلاً عن المقاربة المقارنة والمقاربة البنيوية. فقد وصف وحلل البيانات والمعطيات التي جمعها، ما جعل الكتاب يتسم بما تتسم الكتابات التقريرية التركيبية كالموضوعية والدقة في إصدار الأحكام وعدم الميل إلى نظرية دون أخرى.

       يضاف إلى هذا ما تمت ملاحظته من تنظيم محكم  مبنين لأقسام الكتاب وفصوله والوحدات المشكلة لها. وقبل مغادرة منهج السوالي نشير إلى ما يلفت انتباه القارئ من استشهادات الكاتب بنصوص طويلة تصل أحياناً إلى ثلاث صفحات، غالبا ما يختم بها الفصل أو جزءاً منه. تكتب بخط مضغوط وتوضع بين مزدوجتين ينسبها السوالي لأصحابها. وهذه مسألة قد تطرح تساؤلاً حول حدود النص المستشهد به وحجمه.  بينما نجده لا يحدد بداية النص المستشهد به في متن الكتاب مما يصعب معه وضع حدود لأفكار السوالي وما يستشهد به من نصوص الباحثين والمختصين في الموضوع.

 

وقفة مع الترجمة:

تعتبر ترجمة مصطفى حسني لهذا الكتاب مساهمة قيمة منه في إغناء الحقل الثقافي العربي عموماً، والتربوي خصوصاً؛ سعى من ورائها إلى مد جسور التواصل بين الحضارات والثقافات، ونقل معارف وخبرات من سبقونا في مجال التربية والتكوين. واللغة هي الأداة الجوهرية للترجمة، لذلك فبصمات المترجم ظهرت في الكتاب من خلال اللغة التي نقل بها مضامينه، والتي اتسمت بالوضوح، رغم أن السوالي نهل من حقول معجمية متعددة بتعدد الحقول المعرفية المجاورة للحقل التربوي. إلا إن تمكن المترجم من أدواته اللغوية وإدراكه لمضامين الكتاب تجاوز بهما هذه الموسوعية المرجعية. فالذي يقرأ الكتاب يشعر بانسياب الأفكار في عبارات واضحة سلسلة، وبدقة في اختيار اللفظ والمصطلح، وأذكر من ذلك على سبيل المثال لا الحصر، اعتماده مصطلحي “التقويم” و”التقييم” مقابلاً لمصطلح Evaluation. فالأول، يدل على إصلاح الاعوجاج، بينما الثاني يدل على إعطاء قيمة للشيء. وقد توفق المترجم في اختيار ما يناسب السياق، علماً أن المصطلحين العربيين يفيدان نفس المعنى عند بعض الباحثين، والبعض منهم يستعمل واحداً منهما دون غيره للدلالة على معنى القيمة والإصلاح معاً، أو يخلطون في الجذر اللغوي لهما كأن يجعل “التقييم” من فعل “قَوَّم” مثلاً.

وهناك بعض الأمور الشكلية الأساسية المطلوبة في مثل هذه الأعمال المترجمة التي تعطي للكتاب المترجم مصداقية علمية أكثر، ولكنها غائبة في هذه الترجمة، مثل العنوان الأصلي باللغة الفرنسية التي نقل منها المترجم ، وكذا توثيقه، والتعريف بصاحب الكتاب، وتصدير أو تقديم للمترجم، وثبت في آخر الكتاب للمصطلحات المعتمدة في الترجمة.

  

من وحي القراءة

تتمثل أهمية هذا العمل القيم على المستوى التربوي في الفائدة التي يقدمها الكتاب لكل مشتغل بالحقل التربوي، أو منشعل بهمومه لفهم عميق لقضية التعليم، لتتبعه للسياسة التربوية في مراحل بنائها، والمبادئ التي تقوم عليها، مروراً بآليات  تنظيمها ووصولا إلى وسائل أجرأتها وتفعيلها على أرضية الواقع.  ولأننا منشغلون ومشتغلون في هذا الحقل التربوي في آن واحد، فإن قراءة الكتاب قد أوحت لي بمجموعة من الملاحظات التي لها علاقة وطيدة بمنظومتنا التربوية في المغرب، والتي لم تَسْمُ بعد إلى مستوى السياسات التربوية في البلدان التي نتخذها مثالاً يحتذى، رغم اعتبارها، ومنذ عقود، من أولويات السياسات الوطنية. وأوجز هذه الملاحظات في ما يلي:

1- كيف يمكن الاستفادة من مثل هذه المؤلفات لمتخصصين خبروا السياسات التربوية ؟ وكيف يمكن إشراكهم كفاعلين داخل المنظومة ؟

2- يلاحظ قارئ الكتاب أن الكثير مما ذكر فيه حاضر، بشكل من الأشكال، في خطابنا التربوي، ومع ذلك فمنظومتنا التربوية صنفت في المراتب الأخيرة في العالم. لعل السبب يكمن، كما يؤكد على ذلك السوالي، في الخصوصيات التي تميز كل بلد عن الآخر، مما يفرض في الأساس الانطلاق منها في  اعتماد سياسة تربوية دون أخرى. ولكننا كثيراً ما نستورد  نظريات وبيداغوجيات تربوية، ناجحة وفاشلة، من مجتمعات ونستنبتها في غير تربتها، فتموت وإن عاشت لا تثمر.

3- هل منظومتنا التربوية ترقى إلى سياسة تربوية، كما تحدث عنها الكتاب، أم أنها عبارة عن برامج ومشاريع  مؤقتة، آخرها ما وصف بالبرنامج الاستعجالي. وهل تقبل قضية في مستوى قضية التعليم أن تنفذ مشاريعها بعجالة؟

 4- كيف يتم تقويم وتقييم منظومتنا التربوية؟ ومشروعية هذا السؤال مستمدة من تصريح بعض المسؤولين عن القطاع عن البرنامج الاستعجالي الذي اعتبره تجاوزاً لمقتضيات الميثاق الوطني للتربية والتكوين.

5- أين نحن من تقويم وإصلاح منظومتنا كما تمارسهما الدول الصناعية( تجريب ثم تقويم وإصلاح فتعميم)؟

6- ما هي مبررات القرارات التي تَُّتخذ، بين عشية وضحاها، من قبل كل من صار وصياً على القطاع؟ تغيير طريقة احتساب النقط في الامتحان الموحد الذي سيؤدي، لا محالة، إلى الرفع من نسبة النجاح في الباكلوريا. ما هي أسباب وأبعاد وآفاق هذا القرار؟ خاصة وأن شوارع مدننا لا زالت تؤثثها مشاهد يومية لبطالة الخريجين وحاملي الشواهد العليا؟

8- كثيراً ما أجهضت مشاريع هي في طور الإنجاز، بُذل فيها مجهودات جبارة وصرفت فيها أموال طائلة (بيداغوجيا الإدماج، مؤسسات التميز…)، بل صارت بعض المشاريع توأد في رحم المنظومة قبل ولادتها ( مشروع المؤسسات المرجعية. أكاديمية اللغة العربية التي بقي قرار إنشائها طي الأوراق. أين نحن من التخطيط ومن سياسة مستقرة مستمرة لا تتغير بتغير الوجوه في مراكز القرار؟

9- هل يمكن الحديث عن دمقرطة التربية وتكافئ الفرص في ظل الهوة الساحقة بين الطبقات الاجتماعية وفي راهنية الواقع التربوي: اكتظاظ في مؤسسات، خصاص في الأطر التربوية في أخرى، افتقار مؤسسات للتجهيز…

10- أخيراً ما قيمة اللغة العربية وما مستقبلها، وهي اللغة الوطنية، في منظومتنا التربية. “فاللغة الأجنبية المعتمدة تمرر معارف علمية وتقنية، وهي أداة لتدبير القطاعات الإدارية والأعمال، وهي لغة للهيمنة، وتفتح المجال لولوج القطاعات العصرية للاقتصاد”؟

- خديجة بوحة

91

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*