الأحد , 19 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » آفاق فن التأويل الحواري

آفاق فن التأويل الحواري

Jauss, Hans Robert, Probleme des Verstehens ausgewählte Aufsätze, Reclam, Stuttgart, 1999,

kiraat_12.2  دعا ياوس في أعماله إلى تجديد وظائف العلوم الإنسانية، من خلال دفاعه عن فن التأويل الأدبي. كما أن إعادته النظر في التعامل مع تاريخ الأدب جعله من أهم علماء الأدب العالميين في ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية. ففي درسه الافتتاحي  في جامعة كونستانس سنة 1967، بعنوان “تاريخ الأدب كتحد للأدب”، عمل ياوس على استفزاز البنيوية التي اعتبرها أداة وصف فقط، فالنص بالنسبة إليه يتحقق كوثيقة لتجربة جمالية، تحمل دائماً في ذاتها مؤشرها التاريخي. ولهذا لا بد من فن التأويل الأدبي التاريخي. لقد انطلق بالأساس من آنية المفسرين، حيث تتبع إشارة هانس جورج جادامير التي تعتبر “الفهم كانعكاس للوقت الفاصل بين الماضي والحاضر، وكانتعاش مُحَيّن و متجدد لتجربة ماضية تمارس في الحاضر”.

ويسعى ياوس في مجموعة تطبيقاته إلى إيجاد السؤال الذي كان النص جواباً له. إنه مسلسل حواري، مادام لا يستطيع أن يجرد أفقه التساؤلي الخاص به، لأنه بهذا يصبح جواب النص فقط آنيا بالنسبة لحاضر المتسائل. وعلى غرار كتابه مسالك الفهم(1)، يضم كتاب ياوسمشاكل الفهم  Probleme des Verstehens الذي صدر بعد وفاته (1997)، بين دفتيه أعمال ياوس الأخيرة، التي كتبها في السنوات ما بين 1995 و1997. ويضم الكتاب ست مقالات مطولة؛ وهي نصوص تطبيقية تتناول مجموعة من الأسئلة غير منطوية على ذاتها، وغير متأخرة أيضاً عن زمنها، كما تتضمن أجوبة متفائلة ومتميزة. وقد جلبت هذه الأعمال معها نغمة جديدة خاصة ومتميزة جداً في النقد التأويلي الأدبي.

ففي المقال الأول الذي عنونه ياوس بـ”عدو الإنسان هو صديق الإنسان- طبع في تحول أفق الفهم”. اهتم فيه بشرح مفهوم الطبع من خلال تتبع تحوله التاريخي، والحديث عن إحدى ميزات الطبع الإنساني، وهي الضحك. فهي ميزة تحدد عدو الإنسان القديم في مفارقة هرمينوطيقية: “من النص والحاضر- من الأفق البعيد والأفق الحالي للفهم-“. ويعطي عن ذلك مثالاً عن الأدب المسيحي للقرون الوسطى الذي ابتدع شريعته الأساسية من خلال الطبائع المستوحاة من قصص الحيوانات القديمة، وقصص الحيوانات الفلكلورية(2)، والتي تعيد تحديد الوجود الإنساني الخلاق من خلال التشابه بين الطبيعة الحيوانية والطبيعة الإنسانية. كما يشير  ياوس إلى أهمية الأنتروبولوجية الجديدة التي “تجتهد في إعادة تقييم طبيعة الإنسان التاريخية، اعتماداً على عمل مؤرخ الأدب الذي يستطيع تفسير هذا التغير بشكل أفضل، من خلال اطلاعه على هذا التحول في عرض الطبائع الأخلاقية”. فالقيمة الفردية للوجود الفردي نكتسبها بالحوار المتبادل، وبالفهم المتبادل، وبالضحك المتبادل، وكل السلوكات المتبادلة.

أما  المقال  الثاني: “فضيحة المنافق على ضوء المحاكاة والتقليد”، فيستفيض فيه الؤلف في شرح مفهوم “النفاق” وعرض تاريخ هذا المفهوم، من خلال الإشارة إلى تعارض الكلمة مع النقد المسيحي الأرثودوكسي وعلاقته بالتدين المسيحي، في مفارقة واضحة بين التدين الحقيقي والتدين المغشوش، ومن خلال تناول نوع من البشر المخادعين والمنافقين، ومن خلال تقريظ ياوس لملهاة مولييرطارطوف  Tartuffe كذلك. وهي ملهاة تعالج مشكلة النفاق البشري كمشكلة اجتماعية تتناول الذين يتظاهرون بالتقوى والفضيلة، ولكنها تعترف أيضاً بسمو الأتقياء الصالحين.

أما في مقاله “كارل لوثيت ولويكي بيرانديلو: قراءة للفردانية في دور الأقارب”، فيتناول ياوس بالنقد أطروحة كارل. وهي الأطروحة التي طواها النسيان وأعاد إحياءها النقاش الفلسفي والهرمينوطيقي الذي جرى في السنوات التسعين من القرن العشرين؛ ويتعلق الأمر بفن التأويل الأدبي. فكتاب كارل ترك تطبيقاً مثالياً، مارسه في تحليله لمأساة: هكذا  تجري الأمور. فقد نظر الى المأساة من منطلق أن “المعرفة هي شكل لمعنى متعدد العلاقات، وليس اعتبار الإنسان في علاقاته الحياتية بأنه لا يصلح أن يكون فرداً صافياً نقياً-وهذه هي الفكرة المحورية غير القابلة للتجزيء في إنتاجات Pirandello. ويختم ياوس مقاله بالتطرق لتاريخ مفهوم الشخصية وجذورها في  المسرح.

 ويعود  ياوس ليشتغل على مفهوم الطبع والشخصية والفردانية في مقاله الرابع: “أنا بذاتي والآخر: ملاحظات من وجهة نظر هرمينوطيقية”. فطرح سؤالاً جوهرياً، وهو: “لماذا لا ينظر الإنسان إلى نفسه كفرد، رغم أنه يحب أن يتعايش في علاقاته مع الآخر دائماً كأنا مفردة؟ وقد حاول  ياوس من خلال تساؤله هذا ايجاد حل من وجهة نظر هرمينوطيقية، وذلك بطرح السؤال الجوهري المتعلق بالاكتشاف  الهام في تاريخ الأنثربولوجيا، ألا وهو أن تاريخ الثقافة الأوروبية لا يعرف الإنسان كفرد، ولم يحدث هذا إلا في عصر الأنوار. وعلى هذا المنوال، وضمن مسلسل الاهتمام بالطبائع، يأتي التحرر التدريجي من جدلية غربية: فنظرية فن التأويل الأدبي ظلت حتى اليوم موجهة لفهم النصوص، بينما كانت تاريخياً تهتم بترجمة معاني الكتب الكنسية، وهمشت فهم الذات ومتطلباتها، من ضمنها متطلبات الطبائع السيميائية.

وفي المقال ما قبل الأخير، والذي يحمل نفس عنوان الكتاب: “مشاكل الفهم: أنت المفضل والآخر الوارث”، يتناول ياوس تاريخ مفهوم الصداقة” كوصف مؤكد لفهم متكامل “للهو- في الآخر” وتيارات الحياة الفردية للصديقين. كان تاريخ نظرية فن التأويل الأدبي موجهاً أساساً لفهم النصوص، ولترجمة معاني الكتابات المتعددة، فهمشت بهذا الفهم المتداخل الذوات وما يرتبط بها من طبائع. ولم تراع في أهميتها الهرمينوطيقية كلاً من سيميائيات الطبائع، وسيميائيات الأهواء، وسيميائيات التأثيرات. لكن الأنثربولوجيا المسيحية استوعبت فردية المسيح في ظل ميزات معيارية، وفسرتها أدبياً، حيث ربطت الخلود الأفلاطوني للروح بتميز حياتها الجسدية(3). وقد خلص ياوس في نهاية هذا البحث الى نتيجة مفادها أنه “يستحيل تعريف أي طبع بشكل منفرد مباشرة، بل نفهمه فقط عند الإنسان في سلوكه مع الإنسان الآخر”. وهي نتيجة تجعل ياوس يعاود طرح سؤاله المحوري: ماذا ينتج عندما لا نحصل من “الفهم” على”أنت مميزة”، ألا تلتقي بآخر محبوب؟.

وفي آخر مقال لياوس في هذا الكتاب بعنوان: “فهم التاريخ وحدوده”، ركز على ثلاثة أساسات من أجل فهم التواريخ، و هي ثلاث وضعيات لفن التأويل التاريخي: فالوضعية الأولى تفترض وجود طبيعة إنسانية غير قابلة للتغيير، تفهم تاريخياً كاعتراف متعادل، أما الوضع الثاني فينطلق من التغير الجذري للطبيعة الإنسانية، والذي يتطلب اعتراف الآخر عبر الآخر، و أخيراً يستخلص الوضع الثالث النتيجة الجذرية التي تقول: إن الفهم الحقيقي التاريخي مستحيل بشكل مطلق، وهو هكذا خطأ ضروري للمعرفة البشرية.

ويؤكد ياوس أن هذه الوضعيات لا يمكن الاستغناء عنها من وجهة نظر هرمينوطيقية، كما يؤكد تحيز هذه الوضعيات؛ فمن أجل فهم الآخَرِيَّة/Otherness/Altérité  Andersheit، يتوجب علينا البحث عن تفاعل بين الخاص والأجنبي. كما يؤكد على أن “الفهم هو إعادة إيجاد الأنا في الأنت، لأن الفهم هو تفاعل لمختلف القدرات في العلوم الإنسانية(4)، من خلال التماثل للروح وتاريخ الكون. فمشكل فهم الأجنبي يتفاقم، عندما ينعدم أفق تاريخي مشترك، يمكننا من تقليص الهوة مع الثقافات الأخرى البعيدة.

يستعين ياوس في نصوصه التطبيقية هذه بالمنطق الهرمينوطيقي للسؤال والجواب، كما جاء عند جادامير، حيث تكمن مجموعة من المشاكل المنهجية، كالعجز عن استدعاء معايير كافية للتلقيات. وقد اعتبر ياوس أن اللجوء إلى الكلاسيكية؛ بمعنى مراقبة قوة القول الأصلية للنص في مجال تطبيقاتها، والفصل بين الفهم الصحيح والفهم الخاطئ، هو حل معياري و أولي. فعوَّض ياوس مبدأ “تاريخ التأثير التبليغي” “بتاريخ التلقيات التبليغية. فتاريخ التلقي هو تطور متوال لإحدى احتمالات المعنى الموجودة في النص، وهو تلق خاص بالذات و الذي يظل دائماً، وبدرجات متفاوتة، واعياً حتمياً ومبلغاً بواسطة تاريخ التلقيات المبكرة، تماماً كما تواصل الذات وجودها. وهنا يجمع الفهم فقط بين قوة دفع تنويرية وعلم ذي غائية ضمنية، مادمنا نسائل الماضي عن التعرض المتوالي لمشاكل فهم الذات المعاصرة، وعلى الخصوص المشكل المنهجي، الذي نستطيع به مراقبة انصهار الآفاق الهرمينوطيقية، والتي نستطيع بها التمييز بين الفهم الصحيح والفهم الخاطئ.

يمكننا  أن  نستنتج أهمية تطبيقات ياوس عندما نلاحظ أنه لا يضع التجربة الجمالية إلى جانب المنفعة التافهة، بل يراها في أخلاقية متنورة. كما أن التقاطع بين الجمالية والأخلاقية يكبر باستمرار عند ياوس، وهو أمر يتضح أكثر من خلال أعماله الأخيرة.

تكمن أهمية هذا الكتاب،  أيضاً، في تأكيده على أن فن التأويل الأدبي والتاريخي هو فن تأويل حواري لا يتجاوز المسافة بين الماضي والحاضر فقط، بل يرتبها في الحاضر أيضاً، بمعنى أنه يضمنها نسق النقاشات الراهنة التي يجب على المفسر أن يكون ملماً بها. لقد اجتهد ياوس لكي يقدم بدائل متفائلة؛ فعارض مقولة باول دومان التي تقل: “إن التجارب السلبية فقط هي التي يمكن أن تكون جميلة”. أما بالنسبة لياوس، فعندما يريد المرء فهم شيء ما عليه أن ينسى شيئاً ما. وقد كانت هذه هي قوة ياوس في كل نسق حواري، حيث واصل تأثيره المتزامن مع تشديده على عقيدته الهرمينوطيقية، كما أن قوته التأثيرية تكمن في أنه مارس فن تأويل نابع من قاعدة “أن الفهم  يثبت في الآخر المتتبع- وليس في أنت المفضل”، وبسبب  أهمية هذه القاعدة بدأت نصوص الماضي تخضع لتلق جديد ومتجدد. وهكذا أمكن لياوس أن يسائل بقوة في نهاية مشروعه هذا التجربة الجمالية، على أساس أخلاقي في التعامل الفهمي التفاهمي مع الآخر  المحبوب.

الهوامش:

1- أنظر: رضوان ضاوي: “فن التأويل النقدي” في رباط الكتب، مجلة الكترونية، عدد 11، شتاء 2012، الرابط:http://www.ribatalkoutoub.ma

2.الفابيولا Fabel، (قصص على لسان الحيوانات) شكل من أشكال الحكايات الخرافية تصور حدثاً مختصراً جداً حول الطبيعة، ولكنه يشير الى الإنسان، وأبطاله غالباً من الحيوانات التي تشبه البشر في طبائعها. ويقول ليسينغ عن الفابيولا: “إن لها فائدة معرفية، أي: أن القارئ هو الذي يستطيع وحده أن يستمد منها حكمة تعليمية.

3. يعتبر ياوس أن اعترافات القديس أوغستين هي إبدال لتحول المخطئين الى مؤمنين، فاعترافاته تتبع – في اختيارها وفي معناها – نتائج فن تأويل سردي في قالب لاهوتي. فجنس السيرة الذاتية يفترض على كل حال علاقة محطمة بين الذات كموضوع والذات كذات بين الشخص والكاتب.

 4. أنظر: “نموذجية العلوم الانسانية في حوار التخصصات”، هانس روبيرت ياوس، ترجمه عن الألمانية رضوان ضاوي، مجلة مبدأ عدد1، ربيع 2012، دار أمل للنشر والتوزيع، تونس

- رضوان ضاوي

أستاذ باحث / الرباط

7 تعليقات

  1. ألف مبروك أخي العزيز و بارك الله في قلمك –مزيدا من الابداع و دمت متألقا
    أختك المحبة لك سليمة

  2. شكرا أختي الصغيرة تسلمي لي يا غاليتي

  3. أمينة أزوكاي

    هنيئا لك أخي الكريم رضوان،
    أتمنى لك مسيرة موفقة بإذن الله ومزيدا من العطاء،التألق و النجاح. كما عهدناك ًدائما
    أختك أمينة

  4. هنيئا لك أخي الكريم رضوان،
    أتمنى لك مسيرة موفقة بإذن الله ومزيدا من العطاء،التألق و النجاح
    كما عهدناك ًدائما.
    أختك أمينة.

  5. كلثوم بوطالب

    مشروع ياوس النقدي أعطى ابدالا نوعيا للعلوم الانسانية و وظائفها التي يدعوا ياوس الى تجديدها…اهتمام ياوس بالفهم اعتمادا على فلسفة هايديجر و جادامير و توجهات هومبولت العلمية جدير بأن نهتم به و نترجمه و نطبقه على نصوصنا و على أدبنا …
    كلثوم بوطالب

  6. ein hervorragende erfolgreiche ubersetzung,die das aufsehen erregt und mein interesse an die literatur erneut erweckt.ich gratuliere dir und mach weiter
    dein freund mouatasim

  7. في العدد 13 مقال جديد فيه عرض لكتاب “العلوم الانسانية اليوم
    لمجموعة من الكتاب من بينهم هانس روبيرت ياوس…
    رضوان ضاوي

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*