الجمعة , 24 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » بلاغة التساند

بلاغة التساند

محمد بازي، التأويلية العربية، نحو نموذج تساندي في فهم النصوص و الخطابات. الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، ومنشورات الاختلاف، الجزائر، ط. 1، 2010 .

تقديم

   kiraat_12.8  يعتبر البحث في التأويل و قضاياه مغامرة علمية صعبة و شائكة يظل معها الباحث كمن يجري وراء السراب أو يسير في دروب التيه، إذ ما يكاد يطمئن ويستشعر برد يقين الإمساك بحقيقة المفاهيم والقوانين والخلفيات المعرفية التي تحكم عملية التأويل لدى هذا الباحث أو ذاك، حتى يكتوي بوجع الحيرة بمجرد ما تعاوده حرقة أسئلة من قبيل: ما المعنى؟ كيف تبنى المعاني في الأذهان؟ لماذا يختلف الأفراد في أفهامهم؟ لماذا يفهم البعض فيما يعجز غيره عن ذلك؟ لماذا يُنطق بالمعنى فيما المقصود معنى آخر غيره؟ لماذا تختلف أسئلة التأويل من حقل معرفي إلى آخر؟

     تلك نماذج من القضايا والأسئلة التي حوّلتْ موضوع التأويل إلى مَشغل خصب في مختلف الحقول المعرفية الإنسانية منذ القدم إلى الآن، لا فرق في ذلك بين العلوم العربية الإسلامية التراثية ونظيرتها الغربية الحديثة. فنتيجة التفاسير والتآويل المختلفة للقرآن الكريم لدى المسلمين، والتآويل اللاهوتية لنصوص العهدين من خلال العقيدة الشهيرة حول معاني الكتابة الأربعة1  ، ثُم تجاوز الفعل التأويلي ثنائية الصواب  والخطأ في ظل المنعرج الإبستيمولوجي المنهجي الذي عرفته العلوم الإنسانية الحديثة؛ عرفتْ إجراءات القراءة وسبل الفهم تراكماً نوعياً وتحولاً كيفياً أفضى إلى بروز أسئلة جديدة حول المعنى والمقصدية والسياق والمقام والموسوعة، وأثر كل ذلك في تمهير أذهان المؤولين وأفهامهم على توليد المعاني وتشقيقها.

     ضمن التحول الكيفي الذي شهدته قضايا وأسئلة التأويل في مجال النقد الأدبي، يتنزل اجتهاد محمد بازي في كتابه التأويلية العربية، نحو نموذج تساندي في فهم النصوص والخطابات. وهو الكتاب الذي تكمن جدته وجديته في اقتراح آليتين تأويليتين ذواتي خصوصية تعددية تراعي تفاعل مختلف المستويات الداخلية والخارجية التي يقتضيها فهم النصوص والخطابات. يتعلق الأمر بآليتي التساند والتقابل اللتين قدمهما المؤلف وفق سند نظري وإجرائي تطبيقي متين يجعل من كتابه عملاً نقدياً جاداً وخلاقاً له من الرغبة في التأصيل قدر ما له من طموح التجاوز والتحديث، على نحو لا يقل معه هذا الكتاب شأناً وجسارة من أهم الدراسات العربية المعاصرة المهتمة بقضايا التأويل في الفكرين العربي والغربي.

     وأمام خصوبة وغنى الأبعاد النظرية والتطبيقية التي أعاد بها  بازي الاعتبار والفاعلية والراهنية لنماذجَ من الآليات الأساسية التي يقوم عليها النشاط التأويلي في التراث العربي الإسلامي، ارتأينا أن نقصر قراءتنا لهذا الكتاب على آلية التساند دون آلية التقابل التي نتصور أن اكتمال الصورة عنها نظرياً وتطبيقياً يقتضي الانفتاح على مؤلفين اثنين آخرين للمؤلِّف، أولهما هو كتابتقابلات النص وبلاغة الخطاب، نحو تأويل تقابلي2، والآخر مرتقب الصدور، وهو بعنوان الكون المتقابل، التكوُّن والتأوُّل.

     للاعتبارين السابقين، سنجلي الأبعاد النظرية والتطبيقية للتأويل التساندي في كتابالتأويلية العربية، نحو نموذج تساندي في فهم النصوص والخطابات من خلال إنجاز قراءة في بعض عتباته الدالة و نماذج من تطبيقاته الإجرائية.

1: قراءة في عتبات المؤلَّف.

     من اللافت جداً أن أهم المؤشرات الدالة في الخطاب المقدماتي لكتاب التأويلية العربيةجاءت متصلة بموضوع التأويل من قريب أو من بعيد، فمتى بدأنا بداري النشر اللتين صدر عنهما الكتاب، أي: الدار العربية للعلوم ناشرون ومنشورات الاختلاف، ألفينا للتأويل في منشورات هاتين الدارين حظوة خاصة، ولا أدل على ذلك من نشرهما على سبيل المثال فقط للعناوين الآتية: “اللغة والتأويل” لعمارة ناصر، و”حدود التأويل، قراءة في مشروع أمبرتو إيكو “لوحيد بن بوعزيز، و”فلسفة التأويل: الأصول، المبادئ، الأهداف”، لهانس جيورج جادامير، ترجمة محمد شوقي الزين، و”التأويلية والفن عند هانس جيورج جادامير”، لهشام معافة… وغيرها من المؤلفات مما لم يتح لنا بعد الاطلاع عليها.

     أما اسم المؤلف، فمن الواضح الذي لا يحتاج إلى توضيح أنه يحيل على باحث أكاديمي نحرير ظهر اسمه في المشهد النقدي العربي المعاصر مع السنة الماضية، وتبرز سيرته العلمية التي دشنها بقراءة في المشروع النقدي لمحمد مفتاح بتأطير من محمد خطابي، أننا أمام باحث عرف كيف يَبُزُّ إشكالات التأويلية العربية انطلاقاً من استخلاص أسّ مرتكزاتها وآليات اشتغالها، واضعاً بذلك لبنات مشروع نقدي تأويلي واعد يغري بالمتابعة والمساءلة.

     وحينما نلحظ عنوان المؤلَّف، ألفينا أن بازي ارتأى أن يُفصح عن موضوع مؤلَّفه وكذا الهدف الذي يهفو إليه من خلاله انطلاقاً من عنوانين اثنين: عنوان رئيس حصر فيه بدقة موضوع عمله في التأويلية العربية. ونرى من جهة أولى، أن اختيار المؤلِّف مصطلح التأويلية في هذا العنوان بدل مصطلح التأويل لم يكن من باب الصدفة أو الترف العلمي، وإنما جاء ليبرز أن الفعل التأويلي في الثقافة العربية الإسلامية هو نشاط معرفي متنوع له من الخصوصيات ما ينماز به عن غيره من التأويليات، نظراً لتفرّد طبيعة أسئلة النصوص والخطابات العربية الإسلامية، وتنوع أفهام ومسالك تحصيل الفهم لدى العلماء العرب المسلمين الذين تختلف طرق استنتاجاتهم ومناهج بحثهم تبعاً لتباين تكوينهم المعرفي وانتماءاتهم المذهبية. ذلك أن النحويين والإعجازيين والمفسرين والأصوليين والبلاغيين ونقاد الأدب، وإن تعددت أغراضهم واختلفت اتجاهاتهم، هم قبل كل شيء مؤوِّلون؛ لكل منهم آلياته في التعامل مع أحد النصوص الأساسية التي انبنت عليه الثقافة العربية، نعني النص القرآني    والنص النبوي والنص الشعري ونص كلام العرب3. ومن جهة ثانية، لا نستبعد أن تكون وراء اختيار المؤلِّف مصطلح التأويلية المنسوب إلى التأويل باعتباره نشاطاً ذهنياً بحتاً يقوم على التفكّر والتدبّر والتوليد، رغبةُ الانتقال بصورة النشاط التأويلي في التراث العربي الإسلامي من كونه نتاجاً للصراعات الفكرية والمذهبية التي اختزلته فيه بعض الدراسات العربية المعاصرة4 ، إلى صورة الاشتغال الإجرائي المنهجي الذي تحكمه آليات وضوابط فِقهٍ خاص يستحق الاهتمام به في ذاته، للوقوف فيه على ما يستحق إعادة القراءة من أجل ترهينه وتسخيره لفهم وإفهام النصوص والخطابات العربية المعاصرة.

     أما العنوان الفرعي فجاء ليخصص العنوان الرئيس وتحديد الغاية من المؤلَّف عموماً، وذلك انطلاقاً من اقتراح التساند آلية تسعف في فهم النصوص والخطابات. وهو ما يجعل قارئ المؤلَّف إزاء طرح منهجي قائم على التركيب والتشارك مثلما تعزز الدلالة اللغوية والصرفية للفعل تساند الذي يقتضي تعاضد أكثر من عنصر.

     ولما كان الأمر في هذا الاقتراح المنهجي يتعلق بالتساند في الإنجازات النصية والخطابية من أجل الفهم، فإن توقع قارئ المؤلَّف لن ينصرف سوى إلى العناصر القابلة للتساند في النصوص والخطابات، أي مختلف مكوناتها البنائية الداخلية والمقامية الخارجية. وفي ضوء هذا التوقع ينطوي الاقتراح المنهجي السابق في العنوان الفرعي للمؤلَّف على بعدين اثنين: بعد تكويني يكشف أن فهم النصوص والخطابات هو حصيلة تضافر مكونات نصية ومقامية مختلفة. وبعد معرفي يبرز أن فهم النصوص يقتضي التفاعل مع المعارف التي ترفد انبناء النصوص والخطابات، وذلك بحكم استجابة التساند لطبيعة انتظام المعاني والمعارف في الفكر الإنساني على المستوى المجرد.

     وإذا نحن تجاوزنا عنوان المؤلَّف بوظيفتيه الاختزالية والاستشرافية إلى المقدمة، ألفينا بازي يقدم لمؤلَّفه بغير المألوف في المؤلفات النقدية العربية المعاصرة، ذلك أنه اختار أن يكون تقديم مؤلفه بنص نثري إبداعي وسبعة مفاتيح.

     النص النثري الإبداعي جاء باذخا في لغته ومضمونه، وهو أقرب ما يكون في لغته بالخواطر الصوفية في طابعها الرمزي   والأسراري لدى الحلاج والنفري والقشيري والجنيد وابن عربي. وكأننا ببازي يقدح بهذا النص المفعم باللُّمع واللوائِع زناد الكفاءة التأويلية للمؤوِّل البليغ الذي يبحث عنه، قبل أن يضع بين يديه مَهْيَعاً تأويلياً قائماً على آليتي التساند والتقابل. مثلما نخال هذا النص الحواري المشذر بمجموعة من العبارات الموحية بعالم الترجيح والاحتمال والتأويل من قبيل: المعنى والظاهر والباطن والسر والحقائق والسؤال… يصور أوجاع الباحثين في التأويل، ومأساة المؤولين ذوي الفهوم والأذواق في صراعهم مع أسرار المعاني.

     و تأتي الدعوة الموجهة للمؤوِّل البليغ إلى التضرع إلى الله، لتبرز في هذا النص التقديمي الطابع الكشفي للتأويل باعتباره أداة لفهم لغة الوجود بوصفها كتاباً كبيراً بث الله فيه سر معنى جمالية تجليه وكمالية تعدد مخلوقاته التي أخرجها من صمت العدم إلى لغة الوجود عبر الأمر التكويني ” كُنْ” الذي بدأت معه جدلية الظاهر والباطن ولا نهائية المعنى.

     أما المفاتيح التقديمية السبعة التي مهد بها بازي لكتابه، فلا يخلو عددها المعتمد قصداً من أبعاد رمزية مثيرة لخيارات تأويلية كثيرة في الذاكرة الإنسانية. أما مضمونها فيعرض بشكل مركَّز لدواعي اهتمام المؤلِّف بالتأويل، وكذا الأهداف العامة والخاصة التي حفزته على ذلك.

     في مقدمة تلك الدواعي، كون التأويل في نظره ظاهرة إنسانية تفرضها نسبية المعنى وميل الإنسان إلى الرغبة في فهم المبهم والغامض والمستور. ذلك ما نص عليه المفتاح الثاني بالقول: “أسئلة التأويل ستبقى مستمرة لكون الذات البشرية مسكونة بالنقص الوجودي، كما أن المعنى ليس حقيقة ثابتة ومطلقة “(ص13). وإلى هذه الفكرة نضيف مسوغات أخرى للنزوع التأويلي للإنسان، مثل الطابع الرمزي للغة الإنسانية التي تتميز بتطفيف المعنى مثلما يرى إرنست كاسيرر5، ثم تفرّد الكائن البشري ضمن بقية الكائنات الأخرى التي تساكنه العالم بآليات ذهنية فريدة مثل: التحليل والتركيب والتأويل  والاستنتاج… .

     أما الأهداف التي سطرها المؤلِّف في مفاتيح كتابه، فيندرج ضمن العام، منها ما جاء في المفتاح الثالث من حاجة “إلى بلاغة في الفهم والإفهام توازي بلاغة الإنتاج”(ص15). وقد خصص المؤلِّف هذا الهدف بهدف خاص حصره في المفتاح السادس في “معالجة مسارات ودوائر بناء المعنى بدءاً من الافتراض والتخمين إلى الفهم وإعداد مشاريع في القراءة تنسجم مع موضوع الفهم”(ص17).

     ومن أجل تحقيق الهدفين السابقين، راهن بازي على الاشتغال التساندي لمجموعة من العناصر البانية للمعنى والفهم، مستنداً في ذلك بشكل دقيق ومتأن إلى مرجعيات تراثية وغربية حديثة، أكسبت جهده أساساً نظرياً متيناً يعكس إحاطة أعمق، واستيعاباً أوفى للأفكار الجوهرية في مختلف الاجتهادات العربية والغربية حول التأويل. وهو ما يتيح لقارئ المؤلَّف، متأدباً مبتدئاً كان أو متخصصاً أكاديمياً، كمّاً غزيراً من المفاهيم والمعلومات والشروحات والمقارنات والمراجع باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية، أو بعبارة محمد العمري ” قدَّم الكتابُ معرفة واسعة في الموضوع الذي تناوله، ومهارة كبيرة في قراءة النصوص وتأويلها، مستجمعاً العتاد المناسب لبناء منهج في التأويل، سماه “النموذج التساندي”6. الأمر الذي يبرز أننا بصدد مؤلِّف شديد الإنصات لا يستحضر غيره مسايراً أو منتقداً إلا في حدود ما يخدم طرحه.

2: الاشتغال التساندي للتأويلية العربية.

    2 ـ 1 : على المستوى النظري.

     أقام بازي المظهر التساندي للتأويلية العربية على أساس نظري، بدأه بحفر معرفي عميق في طبيعة التأويل في الموروث العربي الإسلامي، فوجد أن التأويلية العربية قائمة على حركتين اثنتين: الأولى، ارتدادية نحو المرجع الديني والعقدي   واللغوي والنحوي والبلاغي… و الثانية، امتدادية نحو الغاية والمقصد فيما لم ترد فيه نقول، أي: في اتجاه استقصاء المعنى وتكوينه وما يرتبط بذلك من اجتهادات(ص1). وقد ارتقى المؤلِّف بهاتين الحركتين إلى مستوى البلاغة، بحيث اعتبر الحركة الأولى بلاغة ذهنية، فيما الحركة الثانية بلاغة نقلية. وكلتا البلاغتين تتساند مع بلاغة ثالثة هي بلاغة الترجيح التي تقوم على المعرفة القبلية للمؤولين وذخائرهم(ص30). وفي ضوء هذه الخلاصة نتصور أن حركتي الارتداد و الامتداد في التأويلية العربية ليستا في العمق سوى حركة واحدة متى علمنا مع  أدونيس وعلي حرب أن الفهم في التفكير العربي القديم  فهم ارتدادي يحكمه منطق اختزالي ووهم ماورائي7. مثلما نلحظ أن البلاغات الثلاث التي استخلصها بازي لا تهم التأويلية العربية فحسب، وإنما تنطبق على النشاط التأويلي بمعناه العام؛ إذ لا يخلو أي فعل تأويلي لنص لغوي ديني أو غيره من الارتداد نحو شتى المكونات البنائية للغة هذا النص، موازاة مع الامتداد نحو ما تراكم حوله من اجتهادات علمية لا بد معها للمؤول من كفاية ترجيحية لهذا الرأي دون غيره. وقد استشعر بازي مثل هذه الملاحظة، فأكد أن وكد صنيعه هو تحيين التصور الذي يدافع عنه في شكل أنموذج قرائي مقبول قائلاً: ” إن الطرح الذي نتقدم به موجود من حيث هو نسق ضمني خفي في كل اشتغال بالمعنى، إنه بمعنى ما، اشتغال كوني نعمل به بشكل تلقائي، ولكنه غير منظم في إطار نموذج قرائي متلاحم الحلقات، ونحاول هنا أن نعيد له الحياة في قلب الممارسة التأويلية “(ص64).

     وامتداداً للتصور الارتدادي والامتدادي والترجيحي في التأويلية العربية، أبرز  بازي مظهراً تساندياً آخر لهذه التأويلية من خلال وقوفه عند عمليتي التفسير و التأويل، حيث اعتبر التفسير ارتداداً، والتأويل امتداداً، وانتهى إلى أن هاتين العمليتين، رغم ما بينهما من فرق في وجهة صناعة المعنى و اختلاف في درجة الاجتهاد و التدبر، بلاغتان متساندتان تكمِّلهما بلاغة ثالثة هي بلاغة الترجيح. لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا يتعلق بما إذا كانت حركة الامتداد آلية تأويلية بنيوية تهم التأويل فقط دون التفسير الذي نعرف أن فيه نوعا يُعرف بالتفسير بالرأي الذي أساسه الدِّراية أكثر من الرواية، الأمر الذي يجعله أقرب إلى التأويل منه إلى التفسير بمعناه الارتدادي في المؤلَّف قيد القراءة.

     وبصرف النظر عن هذه الملاحظة، أقام بازي تقسيماً منهجياً دقيقاً في التأويلية العربية بين ثلاثة اتجاهات هي: الاتجاه المُفْرِط مع المؤولين الإشاريين والمتصوفة، ثم الاتجاه المُفَرِّط مع المؤولين الشيعة، وأخيراً الاتجاه المعتدل مع ثلة من المفسرين كابن كثير والطبري. ومن هذه النمذجة خلص المؤلف إلى أثر النص القرآني في تنشيط التأويلية العربية، نظراً لصلته الوثيقة بالحراك الديني والسياسي والعلمي للمجتمع العربي الإسلامي الوسيط. وضمن الاتجاهات التأويلية الثلاثة السابقة، رجح المؤلِّف أهمية الاتجاه التأويلي المعتدل، نظراً لخضوعه لمقتضيات بلاغة التأويل التساندي التي أساسها المقومات النصية والسياقية والإرغامات التعاقدية(ص46).

     وتأسيساً على ما سلف، لا بد أن نفتح قوساً هنا لنشير إلى أن التأويلية العربية مدينة أيضاً في نضج أسئلتها و آلياتها للنص النبوي، ولا أدل على ذلك من احتفاء كلام الرسول وصحابته بالمدار المعجمي لمصطلح التأويل، ناهيك عن كون الرسول عليه السلام كان من أوائل من حرصوا على إفهام معاني القرآن قبل أن يتحول القرآن الكريم من مجرد نص تنزيلي إلى نص تأويلي.

     أما بخصوص تقسيم المُنجز التأويلي العربي الإسلامي إلى ثلاثة اتجاهات، فلا يبدو تقسيماً يخص التأويلية العربية الإسلامية وحدها، وإنما هو تقسيم يهم كل التأويليات ذات الأصول الدينية. ولنا في تأويل التوراة والإنجيل لدى المؤولين اليهود والنصارى أوضح مثال. و قد عبّر محمد مفتاح عن ذلك في إطار إبرازه تأثّر التأويلية العربية الإسلامية بالموروث التأويلي الغربي قائلاً: “فلا عجب في هذا التشابه إذا ما أدركنا تأثير تلك التيارات في مفسري الإسلام ومؤوليهم ومعبّريهم، وقد أثبت غير واحد من الباحثين المختصين العلاقة التي كانت قائمة بين المجالين الثقافيين والتأثير الذي مورس على الثقافة الإسلامية من قِبَل التأويل القديم “8. ولو رمنا المقابلة بين الاتجاهات التأويلية العربية الإسلامية الثلاثة واتجاهات الموروث التأويلي الغربي، لوجدنا أن ما يوافق الاتجاه المعتدل في الموروث التأويلي الغربي هو ما يُعرف بالاتجاه الظهوري الذي يركز في تأويل الكتاب المقدس على معاني المفردات وبنيتها القاعدية، يرتبط هذا الاتجاه بالقديس جُرم Georme ومن جاء بعده من أمثال توما الأكويني ونيكولاس ليرا وجون كولت ومارتن لوتر وجان ماكوين9. أما مقابل التأويل المُفْرِط في الموروث التأويلي الغربي فهو ما يُعرف بالتأويل العرفاني الإشراقي، وأبرز ممثل لهذا التيار التأويلي هم حاخامات القَبَالة اليهودية؛ فهذا إيلياهو كوهان إتماري الإزميريElijahu Cohen Ittamari  يقول، حسب ما نقل عنه شاييم جوزيف دافيد أسولاي، Chajim Joseph David Asoulai  ” عندما ينطق الإنسان التوراة، فهو يُوَلّد بشكل دائم قوى روحية وأنواراً جديدة تخرج كالبلاسم المركبة يومياً بطريقة جديدة “10. ومثال ذلك في تأويل الإنجيل قول كلمنت الاسكندري: إن سفينة نوح هي مظهر الكنيسة المسيحية التي كانت منذ البداية محلاً للنظر والعناية الإلهيين.

     وفي محاولة لتعميق البعد التساندي للتأويلية العربية، عمد بازي في مؤلفه إلى تعزيز المظهر التساندي للتأويلية العربية القديمة ببعض مرتكزات النظرية التأويلية الغربية الحديثة. وهو ما انتهى منه إلى حكم عام يؤكد فيه أن “كثيراً من القضايا التي توقف عندها منظرو التأويلية الحديثة عاش تراثنا الأدبي والتفسيري والنقدي قلقها  ومشكلاتها، لسبب بسيط وهو كونها مشكلات إنسانية مشتركة”(ص4). لكن، يبقى مع ذلك للخلفيات الابستيمولوجية أثر لا يستهان به في جعل ما هو مشترك إنسانياً ذا خصوصيات متباينة تبعاً لاختلاف الأنساق الثقافية الإنسانية. وأيا كان الأمر، فإن الرغبة السابقة أبرزت مدى سَعة اطلاع  بازي على تفاصيل التأويل الغربي الحديث، ذلك ما يعكسه وقوفه عند مفاهيم تأويلية غربية حديثة على درجة عالية من التنوع والثراء. فمن التأويل الفلسفي الألماني استوحى من فريدريك شلاير ماخر وهانس جيورج جادامير مفهومي الفهم والدائرة التأويلية، ومن التداوليات استوحى مفهوم المقصدية، ومن السيميائيات وعلم الدلالة البنيوي استوحى مفاهيم: التشاكل والموسوعة والمقومات والتناص والانفتاح، ومن نظرية التلقي استوحى مفاهيم: السجل وأفق الانتظار       والذخيرة ومواقع اليقين ومواقع الشك، ومن العلم المعرفي Cognition استوحى مفهومي الأطر والسيناريوهات… .

     وهكذا تضافرت في المؤلَّف جنباً إلى جنب آراء القدماء العرب مع تصورات أكابر المؤولين الغربيين أمثال: شلايرماخر وجادامير و هيرش ويول وسورل وإيكو وتودوروف وريكور وكوسدورف وراستي، من أجل تمتين الأساس النظري للبعد التساندي للتأويلية العربية، وهو ما تحقق للمؤلف حقاً عبر ما يلي:

ـ ضبط الأدوات التي تسعف في إنجاز تأويل نصي سياقي.

ـ انتشال العملية التأويلية من المنحى المنهجي الأحادي.

ـ إخضاع العملية التأويلية لضوابط دقيقة تعصمها من الذاتية والشطط في الفهم.

ـ التمييز في بناء المعنى الذي هو حصيلة تساند العمليات النصية والسياقية بين ثلاث.

   مراحل هي: ما قبل الفهم ولحظة الفهم وما بعد الفهم.

ـ التمييز بين ثلاث بلاغات أساسية هي: البلاغة الإنتاجية وتهم منتج المعنى، والبلاغة النصية وتهم النص المُؤوَّل، والبلاغة التأويلية التي تهم الذات المؤوِّلة.

ـ ربط البلاغة التأويلية بالقارئ البليغ أو الأبلغ قياساً على القارئ النموذجي لدى إيكو.

   والقارئ المثالي لدى إيزر.

ـ إبراز جملة من الظواهر النصية المشوشة على أفهام المؤولين مثل: ازدواج المعنى .

   والمجاز والاشتراك اللفظي والجهل بالسياق وتباين المقاصد.

2ـ2 : على المستوى التطبيقي

     بعد أن أرسى بازي الأساس النظري الذي يقوم عليه الاشتغال التساندي في المنجز التأويلي التراثي العربي، حاول تجريب وأجرأة تصوره انطلاقاً من متن خطابين تأويليين تراثيين هما: خطاب التفسير وخطاب الشرح. وهما الخطابان التأويليان اللذان أخصب من خلالهما المؤلِّف طرحه التساندي، جاعلاً مقترحاته وما يتصل بها من مفاهيم أكثر إجرائية وإقناعاَ، نظراً لما أشفع به تحليله من مقاربات وتفسيرات واستنتاجات ومفاهيم جديدة يمكن السير على هداها للوقوف على أهمية التساند في البلاغة التأويلية لخطابات تأويلية تراثية أخرى، مثل: الخطاب الإعجازي و الخطاب النقدي و الخطاب البلاغي والخطاب الفلسفي. وهي الخطابات التي سكت عنها المؤلف وعياً منه بما ذهب إليه حميد لحمداني حينما أكد أنه “كلما تشعبت النصوص المدروسة وتعددت، كلما ضعفت قدرة الناقد على التركيز، وابتعد عمله عن تحقيق الانسجام الضروري “11.

     ففيما يخص خطاب التفسير، فقد حاول بازي أجرأة تساند الآليات التأويلية فيه انطلاقا من تفسير كل من الزمخشري وابن كثير سورةَ “الفاتحة”، فوجد أن تفسيرهما تتساند فيه الدوائر الصغرى بمكوناتها المعجمية والصرفية والنحوية والبلاغية… مع الدوائر الكبرى بما يشكلها من معلومات عامة حول السورة، فضلاً عن آيات أخر وأحاديث الرسول وأقوال الصحابة وكلام الشعراء. وهو ما انتهى منه إلى خلاصة مؤداها أن “الخطاب التأويلي غير مكتف بذاته، ولا هو حبيس الآليات النصية وحدها، وإنما هو إجراء لفهم المعاني والوقوف على المقاصد، تتفاعل فيه أنساق معرفية متعددة و تتقاطع فيه خطابات ونصوص تقترحها الثقافة، ويتخذها المؤول سنداً صلباً لا غنى عنه”(ص180). وقد خلص بازي إلى الخلاصة السابقة نتيجة ما قام به من وصف دقيق، ومقارنات هامة كشفت له أهم المسالك المتضافرة في بناء معنى سورة “الفاتحة” في شرحي كل من الزمخشري وابن كثير.

     أما بالنسبة لخطاب الشرح، فقد أبرز بازي من خلاله كيف نحى أبو البقاء العكبري في شرحه معاني أبيات المتنبي منحى تساندياً تعاضدت من خلاله الدوائر الصغرى بمداخلها اللغوية والمعجمية والاشتقاقية الصرفية والبنائية النحوية… مع الدوائر الكبرى بما تنطوي عليه من معطيات سياقية ومقامية ونصوص موازية. ومن التفاعل القائم في شرح العكبري بين مجموع عناصر الدائرتين السابقتين، خلص بازي إلى أن “خطاب الشرح ظل مقيداً بشروط التعاقد التأويلي التي أنتجتها الثقافة العربية من خلال علومها النحوية والبلاغية واللغوية والصرفية والتاريخية”(ص216).

خاتمة:

     كان مجمل ما تقدم من فقرات هذه الورقة إلماعات بسيطة جداً بخصوص قضايا تأويلية كبرى عالجها بازي بتؤدة رصينة وندية كبيرة تجعل من كتابه ” التأويلية العربية، نحو نموذج تساندي في فهم النصوص والخطابات “إضافة نوعية استطاع بها صاحبها أن يحفر أخدوداً منهجياً يميزه ضمن الدراسات العربية المعاصرة المهتمة بقضايا التأويل. ولاغرو في ذلك متى تذكرنا أن صاحب هذا الكتاب كرس مساره العلمي كله للتأويل وقضاياه، فضلاً عن تتلمذه على باحثين ممن اختبروا بعمق أسئلة التأويل، وفي مقدمتهم محمد خطابي ومحمد مفتاح وأحمد بوحسن. لهذه الاعتبارات كلها نتفهم أهمية قضايا هذا الكتاب ولغته النقدية التي يكفينا قول محمد العمري عنها: “لغة تجمع بين القوة الاصطلاحية في موقعها، والتصوير الشعري البياني في موقعه. فالكتاب متميز من هذه الناحية، بل يذكرنا بأعمال فحول القدماء في اختيار الألفاظ والابتعاد عن المبتذل”12.

                الهوامش:

1-     Paul Ricœur, De l’interprétation, essai sur Freud, Ed. Seuil, Paris, 1965, p.33.

2-   محمد بازي، تقابلات النص و بلاغة الخطاب، نحو تأويل تقابلي، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، ط. 1، 2010

3-     للتوسع بخصوص مركزية النص في الثقافة العربية، ترجى العودة إلى كتاب مفهوم النص، دراسة في علوم القرآن  لنصر حامد أبي زيد،    المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، ط. 3، 1996، ص. 9 وما بعدها.

4-     من الدراسات التي سارت في هذا المنحى، كتاب النص القرآني بين التفسير والتأويل، لعبد الغفار السيد أحمد، دار المعرفة الجامعية، القاهرة، ط. 1، 1996.

5-     يراجع في هذا الصدد كتاب مدخل إلى الحضارة الإنسانية لإرنست كاسيرر، ترجمة، إحسان عباس، دار الأندلس، بيروت، ط. 1، 1961، وخاصة الفصل الخاص باللغة، ص. 198 – 240 .

6-   محمد العمري، قراءة أولية في كتاب التأويلية العربية، نحو نموذج تساندي في فهم النصوص والخطابات،الملحق الثقافي لجريدة الاتحاد الاشتراكي  المغربية، الجمعة 25 مارس 2011، العدد : 9740، ص. 1

7-   للتوسع في هذا الطرح، ترجى العودة إلى كتاب الثابت والمتحول، بحث في الإتباع و الإبداع عند العربلأدونيس، و دراسة “العربي بين اسمه و حقيقته أو نقد العقل الوحدوي” لعلي  حرب، مجلة  عالم الفكر ، المجلد 26، العدد : 3 – 4، أبريل / يونيو، سنة : 1998 . 

8-     محمد مفتاح، مجهول البيان، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، ط.1، 1990، ص. 92 .

9-   محمد تقي فعالي، “تفسير النصوص المقدسة في قراءتين، دراسة في الهرمينوطيقا المعاصرة”، ترجمة، الشيخ حيدر حب الله، مجلة  المنهاج، العدد: 23، سنة: 2001، بيروت، ص. 182.

10- Umberto Eco,  Sémiotique et philosophie du langage, Traduit de l’Italie par Myriem Bouzaher, Ed. puf, Paris, 1988, p. 218.

11-          حميد لحمداني، سحر الموضوع، منشورات دراسات سال، فاس، ط. 1، 1990، ص. 15 .

12-          محمد العمري، مرجع سابق، ص 1

- ابراهيم أسيكار

94

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*