الأحد , 19 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » نـدوات وملفـات » لقاء علمي حول “كليفورد غيرتز والأنثروبولوجيا التأويلية”: كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقنيطرة (28 ماي 2011)

لقاء علمي حول “كليفورد غيرتز والأنثروبولوجيا التأويلية”: كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقنيطرة (28 ماي 2011)

تقديم

 milaffat_12.01كليفورد غيرتز (1926-2006) من الأنثروبولوجيين الأمريكيين الذين جدَّدوا الأنثروبولوجيا بتحريرها من أشكال التفسير السببي، السيكولوجي أو البنيوي أو الاجتماعي، على النحو الذي يظهر مع رواد الأنثروبولوجيا في الثلثين الأولين من القرن العشرين. استطاع غيرتز، بفضل انفتاحه العريض على فكر ماكس ڤيبر، الذي يرى أن “الإنسان سجين شبكات من المعاني نسجها بنفسه”، أن يبلور فكرة رئيسية مفادها أن شبكات المعاني هذه هي التي تشكل الثقافة، وتجعل منها  “نسقا” يتجسد في “الرموز المنقولة تاريخيا”. وهذا النسق، برأيه، هو “الذي ينظم الحياة الذاتية ويوجه السلوك الخارجي”. وتظهر هذه الفكرة، التي تقطع مع تصور الثقافة على الطريقة السوسيولوجية الموروثة عن دوركايم، في الكثير من أعماله، إذ أبان أن تفسير الثقافة هو علم تأويلي يبحث عن معاني، أكثر منه علم تجريبي يبحث عن قواعد. وهذه القناعة هي التي جعلته يصر على ضرورة “الوصف المكثف” للظواهر وللمجال موضوع الملاحظة. لقد ارتبطت أفكار كليفورد غيرتز بالرصيد النظري الذي وفَّره ماكس ڤيبر، لكن أيضا بملاحظاته ومشاهداته الميدانية في بقاع مختلفة من العالم، إذ تأمل أنظمة الديانات والعقائد وأساليب التفكير والقيم والممارسات التي تتأسس ضمنها ومن خلالها الحياة الاجتماعية، ليخلص إلى نتيجة أساسية، كون أن هذه الأنظمة الثقافية هي التي تضفي المعنى على الوجود في أعين الناس. كما ارتبطت أعمال كليفورد غيرتز بتاريخ الأديان المقارِن والدراسات الثقافية، هذا بالإضافة إلى تشبعه بالأدب الذي منحه مساحة من الخيال، خلقت نوعا من التلاقح بين الكتابة الأدبية والكتابة الأنثروبولوجية. وكل هذه الروافد، الفلسفية والتاريخية والأدبية والميدانية، أسست لنظرية تأويلية كان لها كبير الأثر، ليس فقط على ميدان الأنثروبولوجيا، وإنما أيضا على ميادين أخرى في الآداب والعلوم الإنسانية والاجتماعية.

ومعلوم أن كليفورد غيرتز، الذي درّس أفكاره في جامعات شيكاغو، وبيركلي، وبرينستون، قد اشتغل على مجالين اجتماعيين ودينيين وثقافيين هامَّين، يتنافران من حيث النموذج، ويتكاملان من حيث التفسير، وهما إندونيسيا (بالي الهندوسية، وجافا المسلمة) خلال الخمسينيات من القرن العشرين، والمغرب (صفرو) خلال الستينيات. وقد أسست هذه الأعمال، التي تجاوز من خلالها هذا الأنثروبولوجي نظريات كبار الأنثروبولوجيين من أمثال إيفانس بريتشارد وكلود ليفي ستروس، لمدرسة قائمة الذات هي المدرسة التأويلية، برز ضمنها عدد من الأنثروبولوجيين الذين اشتغلوا بدورهم حول الثقافة الدينية لفهم المجتمع المغربي، منهم فينسينت كرابانْزانو (الطريقة الحمدوشية، 1973)، وبول رابينو (الهيمنة الرمزية بقرية سيدي لحسن اليوسي، 1975)، وديل أيكلمان (الإسلام بالمغرب، 1976).

 من هذا المنطلق يُطرح علينا أكثر من سؤال بخصوص التأثير الذي تركه كليفورد غيرتز فيما يتصل بفهم المجتمع الإسلامي عموما، والمجتمع المغربي على نحو خاص، وطرق اقتحام هذا الفهم، الذي لعبت فيه الأنثروبولوجيا دورا هاما جدا خلال القرن العشرين، ومدى تقاطع هذا الفهم، أو مجابهته، مع الفهم التاريخي الذي يقدمه المؤرخون المغاربة من جهة، والفهم الكولونيالي، التاريخي والسوسيولوجي، كما تركته المدرسة الفرنسية، من جهة أخرى.

على هذا الأساس، وبمناسبة صدور الترجمة العربية لكتاب تأويل الثقافات، تناظر باحثون مغاربة ينتمون إلى مجالات التاريخ والفلسفة والأنثروبولوجيا في موضوع “كليفورد غيرتز والأنثروبولوجيا التأويلية”، بكلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقنيطرة، يوم 28 ماي 2011، بمبادرة من “مختبر تاريخ وسوسيولوجيا المغارب” ومجلة رباط الكتب الإلكترونية. وقد أثمر هذا اللقاء العلمي ملفا هاما يتكون من أربع مساهمات لكل من عبد الأحد السبتي، وعبد المنعم الشقيري، وعبد الغني منديب، والجيلالي العدناني، تتقاطع فيه وتتواجه نظرات علوم الإنسان. وكل هؤلاء سبق لهم أن تعاملوا مع أعمال كليفورد غيرتز، بشكل من الأشكال، في أبحاثهم أو في الطريقة التي شيدوا بها موضوعاتهم.

يقدم عبد الأحد السبتي قراءة كثيفة في مفهوم “الوصف المكثف” الذي يعتبر “بمثابة بيان في منهج الأنثروبولوجيا التأويلية، ومنعطف هام في هذا التيار الذي تميزت به المدرسة الأنثروبولوجية الأنجلوساكسونية”. وقد ركز على ثلاثة نصوص أنتجها كليفورد غيرتز في مساره كباحث ومجدد في ميدان الأنثروبولوجيا، وهي “الوصف المكثف”، و“سوق صفرو”، و“صراع الديكة في بالي”، مبيِّنا نقاط التقاء مفهوم الوصف المكثف ومفاهيم أخرى أساسية في التحليل الاجتماعي والثقافي، وخاصة مفهوم “النموذج الذهني” الذي اقترحه ماكس ڤيبر، ومفهوم “الظاهرة الاجتماعية الكلية” الذي صاغه مارسيل موس، والذي اعتمده عبد الأحد السبتي في فهم ظاهرة “الزطاطة” وامتداداتها الاجتماعية والثقافية. ومعنى ذلك أن الاطلاع على أعمال كليفورد غيرتز وفهمها والاحتكاك بها على نحو مباشر، أو غير مباشر بواسطة أعمال تلامذته، من شأنه أن يوفر للمؤرخ إمكانيات هامة لبناء الموضوع التاريخي، وتوسيع مساحة إدراك الماضي والجسور الرابطة بين الحاضر والماضي.

        

 ومن جهته، يقتحم عبد المنعم الشقيري في مقالته “الأسس الثقافية للدِّين عند كليفورد غيرتز”أعمال هذا الأخير بأدوات فلسفية، من خلال مناقشة قضية الدِّين. ينطلق الشقيري من تعريف غيرتز للدين، كونه نسق ثقافي، نسق من الرموز والدلالات، تتشكل عبره تصورات للوجود ذات هالة واقعية، ويتتبع منطقه في هذا التعريف الذي يستند إلى أسس ثقافية مستمدة من فكر ماكس ڤيبر، ثم يفتح نقاشا بهذا الخصوص على ضوء الانتقادات التي بلورها طلال أسد، والتي تتلخص في كون الخطاب الغيرتزي سقط في “حبال المركزية الغربية” بتعميمه لنموذج ثقافي كوني يرتبط ارتباطا شديدا بالثقافة الدينية الغربية، اعتُمد في تفسير ديانات أخرى ذات خصوصيات من حيث العلاقة بالسلطة، بالمؤسسات الاجتماعية، بالانضباط الجسدي، وغيرها من الأمور التي يصعب تذويبها في “مجموعة من الأمزجة والحوافز الشاملة” كمكون أساسي للدِّين.

 وبالعلاقة مع المغرب وممارسة الدِّين فيه، يقترح عبد الغني منديب عرضا حول“الأنثروبولوجيا التأويلية والإسلام” من خلال مقارنةٍ بين كليفورد غيرتز وديل أيكلمان. وإذا كان هذان الباحثان قد اجتهدا في فهم المجتمع المغربي وآليات اشتغاله الثقافية، من خلال دراسة المعتقدات الدينية والممارسات المرتبطة بها، انطلاقا من رؤية تأويلية تجمع بينهما أكثر مما تفرِّق، بحكم استنادهما إلى نظرية ماكس ڤيبر حول التفاعل الحاصل بين المنظومات الثقافية والمعتقدات الدينية، فإن لكل منهما أسلوب خاص في الكتابة ومقاربة الظواهر. فعلى خلاف كليفورد غيرتز الذي يتميز أسلوبه في الكتابة بالتعقيد وكثرة المجازات والتشبيهات والإغراق في البرهان النظري، فإن ديل أيكلمان يبقى أسلوبه في الكتابة سلسا وعميقا في ذات الوقت، كما أن درايته بالمجتمع المغربي تبدو أكثر عمقا، من حيث المعرفة الدقيقة بتفاصيل الأحداث ومحاورة الكتابات الكولونيالية، الفرنسية تحديدا، وما بعد الكولونيالية، الأنجلوساكسونية بالخصوص. ويرى عبد الغني منديب أن الاطلاع على إنتاجات هذين الأنثروبولوجييْن التأويلييْن البارزيْن حول الدين والمعتقد بالمغرب، يسير بالقارئ النبيه إلى الكشف عن مواطن اختلاف دقيقة بين الرجلين، يعبر عنها ديل أيكلمان، بطريقة غير معلنة، بفضل أسلوبه وحذقه ودقة تفكيره.

     ويختم الجيلالي العدناني هذه الحلقة من النقاش بمساهمة حول “استعمالات السيرة لدى رواد الأنثروبولوجيا التأويلية” انطلاقا من أدوات المؤرخ. فقد تتبع استعمال الأنثروبولوجيِين، المنتمين للمدرسة التأويلية، للسِّير والتراجم بغرض فهم الظواهر والرموز وتفكيكها وتأويلها، وعاد في عملية المتابعة هذه إلى الإنتاج الكولونيالي الفرنسي، التاريخي والسوسيولوجي، ليستنير به لفهم طروحات كليفورد غيرتز. يقف الجيلالي العدناني على تأثر كليفورد غيرتز بجاك بيرك فيما يتصل بنقد طرح إرنست غيلنر الانقسامي، وتأثره بألفريد بيل بخصوص فهمه للإسلام بالمغرب، كونه خضع في تاريخه لإعادة صياغة منحته سمة عربية وإسلامية تارة، وسمة أمازيغية ووثنية تارة أخرى، في تأويلاته للثقافة الدينية بالمغرب، وذلك عبر سلسلة من القراءات والاقتباسات والاستنباطات، من دون الرجوع إلى النصوص التاريخية، رغم توفرها، للتحقق من أمور كثيرة كان من شأنها تنسيب الأشياء وضبطها، ليخلص صاحب المقال إلى عبارة مقتبسة عن قول الفقهاء، كون أن “الأنثروبولوجيين يفضلون التيمم بالرغم من وجود الماء”.

 

- محمد حبيدة

جامعة ابن طفيل – كلية الآداب القنيطرة

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*