الجمعة , 24 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » نـدوات وملفـات » تاريخ اليابان بين التحديث والتقليد

تاريخ اليابان بين التحديث والتقليد

محمد أعفيف، أصول التحديث في اليابان 1568-1868، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2010.

milaffat_12.02الكتاب الذي ينشره مركز دراسات الوحدة العربية في سلسلة أطروحات الدكتوراه، أطروحة كان قدمها أعفيف في كلية الآداب، جامعة محمد الخامس سنة 2005 والتي تميزت مناقشتها بمشاركة استثنائية لعبد الله العروي في مثل هذه التظاهرات.  تعد دراسة أعفيف من الدراسات النادرة التي أنجزت حول دولة أجنبية في جامعتنا بالمغرب، وهي بذلك تعتبر مساهمة في الدراسات الدولية التي نفتقر إليها.  وبالرغم من أن المؤلف  أستاذ ينتمي إلى شعبة التاريخ، فقد أثار اهتمامي سعيه لمحاورة أطروحات ونظريات متداولة في حقول معرفية أخرى الشيء الذي يؤهل نصه أن يكون مرجعا متعدد التخصصات.  سأقتصر في هذه المراجعة على جوانب الدراسة الأقرب إلى العلوم السياسية، مجال تخصصي.

يَدرُس أعفيف التاريخ الياباني خلال عصر التوكوغاوا، وهي الأسرة التي حكمت خلال معظم الفترة الممتدة ما بين 1578-1868. ينطلق المؤلِّف من أن هذا العصر يشكل أصل التحديث في اليابان، معارضا بذلك وبقوة الأطروحات السائدة والأكثر رواجا “طيلة قرن من الزمن” التي تحصر التحديث الياباني في إصلاحات الميجي التي خلفت التوكوغاوا. إن “حركة التحديث في اليابان” يؤكد أعفيف بإلحاح “لم تبدأ مع الميجي في منتصف القرن التاسع عشر، بل “مرت بسيرورة دامت قرونا قبل أن تتبلور في صورة إصلاحات تبدو أول وهلة “قفزة” نوعية في تاريخ اليابان” (ص. 535)

يعرض الكاتب أطروحته في إثنتي عشرة فصلا بالإضافة إلى فصل تمهيدي، تغطي جوانب بالغة التنوع تشمل المؤسسات السياسية، والمعتقدات الدينية، والأنساق الاجتماعية، والموارد الاقتصادية، والتحولات الديمغرافية، والإبتكارات التكنولوجية، والخصائص الطبيعية، والإبداعات الفنية، دون إغفال السياق الإقليمي الذي عاشته اليابان طيلة هذه القرون الثلاثة.  يُبرز المنهج المتبع الطموح الموسوعي للمؤلِّف، وحرصه على أن يقدم تعريفا أقرب ما يمكن للشمولية للتاريخ الياباني لقراء غير متخصصين مع حرص على وضع معلوماته الواسعة ومعطياته الوافرة  في الإطار الذي يخدم أطروحته النظرية التي يَبسِطها بتفصيل في الصفحات الأولى لكتابه.

بالرغم من أن هذا الخلاف في تاريخ أصول التحديث في اليابان قد يبدو للوهلة الأولى نزاع بين مؤرخين متخصصين حول تقنيات التحقيب، إلا أنه يعكس خلافات نظرية ذات أبعاد إيديولوجية أكثر التصاقا بالنقاشات التي عرفتها الساحة السياسة العربية منذ أكثر من قرن، ولم تفقد راهنيتها إلى اليوم.  يرتبط النقاش بين أنصار “الميجي” وأنصار “التوكاغاوا” بالاختلافات بين الأطروحات المتعلقة بأسباب التأخر في العالم العربي-الإسلامي وبالبدائل المقترحة لتجاوز هذا التخلف الذي اكتشفه العرب-المسلمون عندما بدؤوا يقارنون بين أوضاعهم الاقتصادية والعلمية والعسكرية المتواضعة أمام المنجزات المبهرة التي حققتها البلدان الأوروبية.  وكان على المفكرين المسلمين أن يواجهوا التحدي الصعب الذي كان يُظهِر تقدم أوروبا المسيحية مقابل تأخر المسلمين على كافة المستويات كانت تبرزها المقارنات التي فرضتها اكشتاف العرب/المسلمين للانجازات العلمية والتكنولوجية المذهلة لأوربا المسيحية، وتتأكد بشكل خاص ومؤلم مع كل هزيمة عسكرية للمسليمن في مواجهة الأوروبيين.  أفرزت هذه المقارنات تيارين رئيسيين، اعتبر أنصار التيار الأول الغرب مصدرا للأخطار ودعا إلى الاحتراز منه وتقليص التعامل معه ودافعوا على ضرورة التشبث بالتعاليم الدينية وبالتقاليد. بالمقابل، دعا موالوا التيار الثاني إلى ضرورة الاستفادة من التقدم الغربي والانفتاح على علومه ومعارفه.  وتعتبر التجارب الإصلاحية التي عرفتها كل من مصر في عهد محمد علي، والمغرب منذ إصلاحات عهد السلطان مولاي الحسن سنة 1885 الإفراز السياسي لهذا النقاش والذي كانت من نتائجة العملية إرسال البعثات التعليمية إلى أوروبا.

يبرز دور اليابان في هذا السياق على مستويين. المستوى الأولى تمثل في الانتصار العسكري الذي حققه اليابانيون على الإمبراطورية الروسية سنة 1905، والذي لقي صدى واسعا في البلدان العربية وقتها، كما توثق ذلك خاتمة كتاب أعفيف التي سيكون من المفيد والممتع أن تجد من يرغب في متابعتها من الباحثين الشباب.  واعتُبر ذلك الحدث دليلا على الإمكانية الملموسة لأن تلحق دولة غير غربية وغير-مسيحية هزيمة عسكرية بدولة أوروبية مسيحية عظمى.  المستوى الثاني، يرتبط بكون أن البعثات العربية للدراسة في أوروبا صادفت مبادرات مماثلة  قامت بها اليابان في عهد الميجي في القرن التاسع عشر، والتي اعتبرتها الكتابات العربية، بل والغربية أيضا، على أنها تدعم أطروحة كون أن أصول التحديث في اليابان مرتبط بانفتاحه على الغرب وبالقطيعة التي أحدثها مع ماضيه الفيودالي التقليدي ومع سياسة الانعزال التي كان حرص على فرضها حكام عصر توكوغاوا.

يشكل هذا المستوى الثاني السياق الفكري والتاريخي الرئيسي لدراسة أعفيف بل إن كتابه يمثل ردا مفصلا على الأطروحة التي تحصر تحديث اليابان في سياسة الانفتاح على الغرب التي بدأت مع عصر الميجي.  يرد أعفيف أيضا على الكتابات العربية التي قارنت بين إصلاحات الميجي والإصلاحات التي عرفتها مصر في عهد محمد علي.  ويعتبر أن هذه المقارنات خادعة تقود إلى استنتاجات سطحية، على غرار كون أن أحوال مصر كانت مثل اليابان، إلا أن هذه الأخيرة تقدمت بعد أن أحدثت القطيعة مع الأزمنة المتقدمة عليها، في حين ظلت مصر سجينة تقاليدها وماضيها. يرفض كاتبنا هذه الأطروحة بحسم. لم يكن التحديث الياباني نتيجة لانفتاح اليابان على الغرب ولا على “نباهة زعماء الإصلاح وصواب قراراتهم وظرفية القرن التاسع عشر،” (ص. 18)، بل إن “إصلاحات الميجي ونجاحها” يقول أعفيف ما هي إلا “حصيلة للتطورات التي عرفتها اليابان منذ القرن السابع عشر..التي هيأت اليابانيين …لتقبل التحديث والانخراط في تبني مبادئ الحضارة الغربية.” (ص. 20)  ليس التحديث الياباني نتيجة للانفتاح بل إن أصوله تعود إلى عكس ذلك تماما، إلى انعزال اليابانيين على أوربا منذ القرن السادس عشر حيث “…انكفؤوا على ذواتهم، وحصنوا أنفسهم من المد الاستعماري بسياسة عزلة طوعية كانت لها آثار كبرى في التطورات الداخلية التي عرفتها اليابان خلال عصر توكوغاوا.” (ص. 23)  وتميزت هذه الفترة بتوحيد البلاد تحت حكم عسكري قوي تمكن من أن يحقق الأمن والاستقرار الاجتماعي الذي افتقدتهما اليابان في السابق.  ولم يكن عصر التوكوغاوا كما يدعي أنصار الميجي، يقول أعفيف، عصر الانحطاط والتخلف، بل كان عصر إنجازات مبهرة في مجالات التمدين، والتعلم، والفنون، والاقتصاد (خصص المؤلف لعرضها معظم فصول كتابه)، هيأت السياق الذي جعل إصلاحات الميجي اللاحقة استمرارا لسيرورة تحديثية مترسخة ومتجذرة، ومكنت اليابان بعد انفتاحه على الغرب في القرن التاسع عشر، من أن يتعامل مع القوى الغربية من موقف قوة.  وعلى العكس من ذلك، فإن البلدان العربية، مثل مصر، أو المغرب الذي يُذكِّرنا أعفيف بتجربته الإصلاحية الفاشلة هو أيضا في منتصف القرن التاسع عشر، لم تكن مهيأة للمبادرات التي قامت بها للانفتاح على الغرب، وعوض أن تتحول إلى قوة اقتصادية وسياسية، سقطت تحت السيطرة الاستعمارية الأوروبية.

إن دروس هذه الإنجازات التي استخلصها الكُتّاب العرب، بما فيهم المتخصصون القلائل في اليابان، على غرار رؤوف عباس، ومسعود ضاهر وشارل عيساوي،  فشلت في أن تضع الإنجازات اليابانية في سياقها التاريخي الأشمل، وفي أن تغوص في أصول التقدم الياباني الذي يعود الفضل فيه لعصر التوكوغاوا بحيث لم يكن الميجي إلا العصر الذي قطف ثمار ما أن أُنجِز قبله.

لا تقتصر أهمية كتاب أعفيف في أنه يقدم قراءة نقدية لأطروحات متداولة، بل يمكن قراءته في سياق النقاشات الراهنة حول علاقة دور التقاليد والأفكار والمؤسسات غير الغربية في إحداث التحديث، وحول مدى إمكانية الاكتفاء الذاتي المستقل عن الغرب في الدفع بالتقدم الاقتصادي.  بالنسبة لهذا الجانب، فقد ظلت نظرية التبعية التي يعد سمير أمين من أشهر مؤسسيها تشكل مرجعا أساسيا للبحث في التنمية وأسباب التأخر، وتُدولت المصطلحات التي ابتدعتها على غرار المركز والهوامش بشكل واسع في حقول العلوم الاجتماعية طيلة عقد السبعينات بالخصوص. لا يبدي أعفيف اهتماما خاصا بالتبعية كمرجع نظري، بالرغم من تركيزه على الدور الحاسم للاكتفاء الذاتي الذي اتبعه التوكوغاوا في ضمان التحديث والتقدم لليابان، إذ أنه وعلى عكس أصحاب أطروحة التبعية، لم يقارب البعد الاقتصادي للتحديث الياباني من منظور ماركسي، بل خصص اهتمامه للبعد الثقافي للاكتفاء الذاتي.  ولعل مقترب أعفيف هذا يقربه من الأطروحات المتداولة في منطقتنا من الأطروحات الإسلامية التي تركز على أهمية الهوية الثقافية في تحقيق التنمية.  لا يغفل كاتبنا هذا البعد، بل هو يشير إلى أن العامل الديني كان حاضرا في التحديث الياباني، لكن ومساهمة منه في النقاشات الدائرة في الساحة الثقافية الإسلامية ينبه إلى خصوصيات الشنتو، الديانة القومية في اليابان، والبوذية، الواسعة الانتشار هناك أيضا:

“أهم ما يميز اليابان عن كثير من الدول الشرقية، هو عدم خضوع اليابانيين لديانة ذات تشريعات صارمة تقيد حرية الإنسان وتفرض عليه سلوكا معنيا…  وعندما أقدم زعماء الإصلاح على الأخذ بمبادئ الحضارة الغربية، لم يجدوا أمامهم كهانا أو رجال دين يمكن أن يقفوا في وجههم أو يعترضوا على قراراتهم..” (صفحات 21-22)

تدعو مراجعة كتاب أعفيف، بالإضافة إلى تقديمه ضمن الكتابات العربية حول اليابان، قراءته كمساهمة في الدراسات اليابانية على المستوى العالمي.  فالكتاب يعتمد بشكل أساسي على المراجع الأمريكية والتي تعتبر الرائدة حول ما نشر عن اليابان عالميا، وهو ما يتطلب التعريف بسياق الدراسات اليابانية في الولايات المتحدة، وموقع أطرحة أعفيف ضمنها.

كانت المرحلة المؤسسة للاهتمام الأكاديمي باليابان هي الضربة المفاجئة والمذِلَّة من طرف الطيران الياباني ببورل هاربور في 7 دجنبر 1941 التي ألحقت أكبر هزيمة عسكرية عاشتها أمريكا منذ تأسيسها وقضت على أسطولها البحري في منطقة المحيط الهادي. وكثيرا ما ترددت الإشارة إلى بورل هاربور بعد الهجوم الإرهابي على نيويورك في 11 شتبنر 2001 باعتبارهما حدثان خلّفا تحولا نوعيا على نظرة أمريكا للعالم ولنفسها. دفعت هزيمة المحيط الهادي وسياق الحرب العالمية الثانية بصفة أشمل أمريكا لكي تستعد لاحتلال مركز القوة العالمية على مستويات متعددة، بما فيها المستوى المعرفي.  وهو ما مهّد لتطوير التخصصات الجامعية الإقليمية في الجامعات الأمريكية التي هيأت الباحثين الأمريكيين لاكتشاف ودراسة مختلف أنحاء العالم بما فيها اليابان. وقد ساير البحث الأمريكي الإشكالات السياسية والفكرية التي ترتبت عن مرحلة إعادة بناء اليابان بعد التدمير الهائل الذي خلفه لجوء الجيش الأمريكي إلى استعمال القنبلة النووية في كل من هيروشيما وناكاساكي في غشت 1945.  وعلى عكس إعادة بناء ألمانيا التي ارتكزت على الرفض الجذري من طرف الأمريكيين للنظام النازي ورموزه، وسعيهم الدؤوب منذئذ لاجتثاته، فإنهم في اليابان وبقيادة الجنرال ماكارتور، فضلوا المحافظة على مشروعية المؤسسة الإمبراطوية وعلى حماية الإمبروطور هيرو هيتو من كل محاسبة على مسؤوليته في المجازر التي ارتكبت قبل وخلال الحرب العالمية الثانية.  ومنذ تلك الفترة والأمريكيون يعتبرون التقاليد اليابانية تراثا غير متعارض مبدئيا مع المصالح الأمريكية ومع تصوراتهم لمشاريع التحديث بل تبنوها كمصدر ملهم للبحث عن مقتربات لمواجهة الأزمات التي بدأ يتعرض لها النظام الرأسمالي منذ بداية السبعينات بالخصوص حيث أصبح اليابان يبرز على الساحة العالمية كقوة اقتصادية تحقق إنجازات تكنولوجية مبهرة.  وبغض النظر عن الإشكالات المنهجية المتربطة بتحقيب التحديث الياباني، فإن هذا الموقف الذي يبرز التقاليد المحلية، المتميزة بل والمختلفة عن عناصر الحداثة الغربية كعامل في التقدم الياباني، ينسجم مع أطروحة أعفيف.

هذه شجون كثيرة تثيرها أطروحة أعفيف بدون أن تشكل موضوعه المركزي.  لكن إثارة أصول التحديث الياباني بالإضافة إلى أهميتها التاريخية التوثيقية، لا شك وأنها تستفز المهتمين بالموضوع من جانبه النظري، أو بمآلاته في اليابان بعد المراحل التي توقف عندها كتاب أعفيف الغني والممتع.

- عبد الحي مودن

جامعة محمد الخامس – كلية العلوم القانونية والاقتصادية – الرباط

تعليق واحد

  1. قراءة مرجعية لكتاب مرجعي ..

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*