الجمعة , 24 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » نـدوات وملفـات » مشاتل التحديث في اليابان

مشاتل التحديث في اليابان

أعفيف محمد، أصول التحديث في اليابان 1568-1868، بيروت- مركز دراسات الوحدة العربية، 2010.

 milaffat_12.02

 I

الكتاب

يتكون كتاب محمد أعفيف، أصول التحديث في اليابان 1568-1868، من فصل تمهيدي وقسمين. استعرض في التمهيد واقع المجتمع الياباني قبل عصر توكوغاوا ومقوماته، وطبيعة اليابان الجغرافية، و مرحلة التوحيد، ثم فترة الاحتكاك مع الغرب.

وتناول في الفصول السبعة من القسم الأول مجتمع توكوغاوا ومؤسسات السلطة، شارحا تاريخ تلك الفترة وكيف تطورت وتعقدت، معتمدا في ذلك على تحليل مجموعة من المعطيات المتعلقة بالفئات الاجتماعية والاقتصادية والإيديولوجية والنسب والتنظيمات الإدارية “الدايميو”، بالإضافة إلى مؤسسة “الهان” والإمبراطور وسياسة العزلة.

وتطرق في القسم الثاني إلى التطورات التي طرأت على المجتمع الياباني، خلال الفترة السلمية التي مرت منها البلاد بعد فرض العزلة الطوعية، ليحمي نفسه من التدخلات الأجنبية. كما تناول العوامل التي مهدت لتقبل الثقافة الغربية في عصر ميجي، من قبيل دخول العلوم والمعارف عن طريق التجار الهولنديين والصينيين، وبداية النمو الاقتصادي والزيادة السكانية، وتطور المواصلات والمدن والقلاع، زيادة على انتشار التعليم الذي شمل جميع فئات المجتمع، وشيوع الطباعة ودور النشر ورواج الكتاب والمسرح والمعرفة الأولية، وتسرب الدراسات الغربية من باب العزلة الضيق الصيني والكوري.

ويعتبر الكتاب مرجعا لجميع الباحثين العرب في تاريخ اليابان، وتحديدا عصر ميجي. فهو ـ من جهة ـ محاولة علمية مهمة لفهم سر نجاح التجربة اليابانية، لا سيما بعد ما حصل من تحول في التوجه السياسي لليابان بعد الحرب العالمية الثانية، حين مضت في إعادة هيكلتها وتنظيم ذاتها،  فتحولت إلى ثاني أكبر دول العالم اقتصاديا، ورسمت سياستها الجديدة وفق التغييرات المستجدة، متناغمة مع السياسة الدولية في ظل الأمم المتحدة، لتحافظ على تميزها وتفوقها بين الأمم.

وهو من جهة أخرى، كتاب متميز بالكم الكبير من المعلومات التي يقدمها عن المجتمع الياباني قبل عصر الميجي، معتمدا في ذلك على قاعدة منهجية تحليلية. وبالرغم من أن الكتابة في هذا الموضوع ليست بالأمر السهل، نظرا لغياب الدراسات الأكاديمية العربية، فقد بدأنا نشهد اهتماما من قبل الباحثين العرب بموضوع اليابان. والملاحظ فيما يخص الكتابة التاريخية العلمية، أن الكتاب يضم عددا من الصفحات الخالية من أي مرجع أو مصدر، وذلك على الرغم من اعتماد صاحبه على وثائق مهمة، وإشارته إلى ظهور وثائق عن الفترة عبارة عن سجلات نظمت في عهد توكوغاوا، ولم توظف بشكل جيد.

ويطرح الكتاب أيضا عددا من القضايا المثيرة للنقاش، والتي اعتبرها المؤلف ممهدة لقبول الأفكار التطورية وبوادر التحديث، من قبيل خصوصية هذا البلد وتاريخه والأحداث التي مرت عليه في ظل تأثره بقربه الجغرافي من كوريا والصين من جهة، واستقلالية حدوده من جهة أخرى. هذا بالإضافة إلى شخصيته الصارمة الملتزمة، والتجانس العرقي واللحمة التي خلقت لدى الياباني شعورا بوحدة الانتماء إلى نفس الأصل. وقد ساهمت عزلة اليابانيين الجغرافية في اكتسابهم مزيدا من اللحمة في مواجهة الأخطار، من دون الشعور بأي فوارق دينية واجتماعية، فتمازجوا مع بعضهم البعض دون أي تمييز ضمن تراتبية تطورت إلى تعاقدية.

      والملاحظ أن نظرة العربي إلى اليابان مرت عبر عدة مراحل. ففي مرحلة أولى، أصاب بعض الذين زاروا اليابان حالة من الانبهار، فهللوا لها ولنجاحها في إبعاد الخطر الأجنبي عن التغلغل في أراضيها واكتساب علوم الأجانب ونقلها إلى البلاد، بحيث استطاعت في العقد الأول من القرن العشرين فرض نفسها كقوة كبرى في مواجهة أعظم الدول1

غير أن هذه النظرة سرعان ما تبدلت بعد الحرب العالمية الثانية وهزيمة اليابان واستسلامها، حيث انتهجت سياسة سلمية سمحت لها بالتقدم الاقتصادي. ويرى البعض أن هذه الإصلاحات تواصلت أفقيا منذ مطلع الثلث الأخير من القرن التاسع عشر، أي مع بداية تتويج الإمبراطور ميتسو هيتو (Mutsihito) خلف الامبراطور ميجي، الذي أجرى مصالحة وطنية ودعا الحكام الفيوداليين للتشاور في شؤون البلاد. وهذا ما أثار جدلا في الوسط النخبوي لدى العديد من الباحثين والدارسين والأكاديميين وعلماء التاريخ والاقتصاد والسياسة في غير بلد من العالم، بشأن توصيف الحراك الحداثوي النهضوي الياباني الذي بات أقرب إلى الأسطورة من التطور العقلاني، إذا ما لو نظرنا إليه بشكلٍ مجزأ من دون العودة إلى فترة العزلة اليابانية التي استمرت قرنين ونصف القرن.

وفي أواخر القرن العشرين وبداية القرن الحالي، بدأت تظهر الأبحاث المهتمة بالشرق الأقصى وحضارته، وازداد اهتمام العرب بكل من البلدين: الصين واليابان. فبرز عدد من الباحثين في هذا المجال، وكأننا نبحث عن سر نجاح اليابان في عملية التحديث والإصلاح بعد الفشل الذي نعيشه للاستفادة من نقاط القوة التي نملكها، في حين لا نجدها في اليابان نفسها.

لكن ما أود توضيحه في معرض هذا الحديث، أن لا مجال للمقارنة بين الوضع في العالم العربي واليابان للاختلاف الكبير والعميق في الإيديولوجيتين، فضلا عن عوامل كثيرة منها: العامل الديني والتجانس الايكولوجي وغيرهما.

وهناك أسئلة تطرح نفسها على الباحث في موضوع اليابان قبل التبحر في أسرار نجاحها في عملية التحديث، من قبيل: لماذا تأخر العرب ونجحت اليابان؟ وكيف استطاعت اليابان أن تحمي نفسها من أطماع الدول الغربية وأبعدت شبح الاستعمار؟ ولماذا أهمل العرب العلاقة مع اليابان؟ وغيرها من الأسئلة. ولا سيما بعد ظهور الدراسات وإقامة المحاضرات ونشر الكتب عن اليابان. ولا يزال هناك الكثيرون الذين يتساءلون لماذا اليابان؟ وما هي النقاط الإيجابية التي ساهمت في إنجاح عملية التحديث في عصر ميجي (المتنور)؟ وما هي الظروف التي مهدت لهذه المرحلة؟ وكيف أثرت مرحلة توكوغاوا على عصر ميجي؟ وهل فعلا استطاعت اليابان تقديم نموذج لحضارة آسيوية بتكنولوجيا الغرب وبروح الشرق؟

 رأى البعض أن فترة توكوغاوا أسست للنهضة اليابانية، ومن هؤلاء مسعود ضاهر الذي وجد أن التراكم المعرفي والتعليمي والاقتصادي، سمح بالنهضة في عصر ميجي. بينما وجد محمد أعفيف في كتابه الذي تضمن إشارات كثيرة عن أهمية مرحلة توكوغاوا والتي قادت إلى اليابان الحديثة، أن النهضة بدأت في عصر توكوغاوا، واستكملت خطواتها في عصر ميجي. أما البعض الآخر، فلم يحسن فهم الصيرورة التاريخية ففسر ذلك ب”الـمعجزة”، التي عجز عن تحقيقها المصريون أحفاد الفراعنة. ومن جانبه، وجدها أدوين ريشاور فترة خالية من التأثيرات الإيجابية.

وما نريد عرضه ومناقشته هنا، هي العوامل التي ساعدت اليابان على بناء هذه النهضة المتفردة النموذجية، والبحث في أسباب نجاحها في الانفلات من القبضة الغربية. ويتمحور النقاش حول ما إن  كانت نتيجة ظروف متعددة وانجازات متراكمة من عصر توكوغاوا؟ أم تولدت نتيجة وعي بالمخاطر التي بدأت تهدد البلاد من خلال الاحتكاك المباشر مع الدول الغربية، مستخلصة العبر مما حصل في الصين التي واجهت القوى الغربية في النصف الأول من القرن التاسع عشر؟

في مقدمته، طرح المؤلف سؤاله المركزي: هل يتعلق الأمر حقا، في عصر ميجي، بقطيعة مع العهود السابقة له؟

وقصد من السؤال، الوصول إلى نتيجة أنه لا يمكن أن يكون في تاريخ المجتمعات ونشوئها أي انقطاع، باعتبار أن الأحداث تتطور إلى نتيجة والنتيجة تتطور إلى حدث، فنجد أن الحركة التاريخية تتطور بشكل أفقي متوازنٍ، أو إن صح التعبير هي حلقات متداخلة لا يمكن فصلها، فكل حدث ذيل بنتيجة ما تطورت إلى أن أصبحت حدثا، ليبرر أن عصر توكوغاوا وضع الركائز الأولى لتاريخ اليابان الحديثة.

ومما لا شك فيه، أن المؤلف بذل جهده من أجل إظهار أهمية تنظيم المجتمع الياباني خلال الفترة التي سبقت عصر ميجي، وجعلها ذات صلة بأصول التحديث في عصر التنوير الياباني، بل بداية التحديث. وعلى غرار غيره من الباحثين، وجد أن فترة العزلة الطوعية سمحت لليابان ـ حكاما وشعباـ  بإدراك أهمية  التحديث. لذا، نجد أنه من الطبيعي أن نفهم قدرة اليابانيين على استيعاب متطلبات الحياة، من خلال تطور المجتمع والاستقرار والسلام الداخلي الذي سمح لهم بالانصراف للاهتمام بالشؤون الحياتية الأخرى.

وانطلاقا من تباين التفسيرات السابقة الذكر يمكن مناقشة المؤلف في المستويات الثلاثة التالية:

ـ تاريخ اليابان والعلاقة الاجتماعية – الاقتصادية (بداية النظام الفيودالي).

ـ الدين والتعليم.

ـ الاحتكاك بالغرب وبوادر التحديث.

II

 تاريخ اليابان والعلاقة الاجتماعية – الاقتصادية

 (بداية النظام الفيودالي)

 

بدأت محاولات توحيد اليابان  منذ 1395، وذلك بعد إلحاق الإقطاعات الصغيرة بالكبيرة، التي تلتها حرب أونين. في حين بدأت عند  المؤلف مع أودا نوبوناغا (1534-1582)، أي مع التوحيد السياسي، ونويوتومي هيدي يوشي (1536-1598)، وتوكوغاوا إياسو (1442-1616) على التوالي بعد عهد “الدويلات المتحاربة”. أما التوحيد السياسي، فكان عام 1568 بعد أن استولى Oda Nobunaga  (1534-1582) على كيوتوKyoto، بحجة مساندة آخر ملوك آشيكاجا، وحقق تقدما كبيرا نحو توحيد البلاد، بالرغم من اصطدامه بالفيوداليين. أما هيديوشي Hedeyoshi  الذي أحكم قبضته على البلاد، فاتبع سياسة مناقضة لسلفه نوبوناغا في التسامح مع اﻹرساليات التبشيرية، وقد تمادى في قمعهم إلى حدّ منع الديانة المسيحية منذ عام 1587 وتطور الأحداث، مما حمله على قمع المبشرين وتصفيتهم على الأراضي اليابانية. كما استطاع هيدويوشي أن يحكم سيطرته على جميع أنحاء البلاد بواسطة أتباعه، وأخضع جميع الحكام وحوّلهم إلى أتباع له ومستأجرين للأراضي، واحتكر التجارة ونظم الأراضي. “وفي سنة 1591، أصدر أمراً يقضي بأن يحترم جميع اليابانيين انتماءهم الدائم إلى الطبقات الاجتماعية الثلاث: طبقة المحاربين وطبقة التجار وطبقة الفلاحين، بالإضافة إلى جماعات المنبوذين أو الصعاليك”، وذلك خصوصاً بعد إعلان بعض قادة الساموراي انتماءهم الصريح للمسيحية.

خلف هيديوشي اياسو توكوغاوا  Iyeasu Tokugawa الذي حصل على لقب الشوغون، أي الحاكم العام للمقاطعات اليابانية، فبسط سلطته. وأصبحت إيدو عاصمة البلاد الشرقية، وأخذت تنافس كيوتو عاصمة الأباطرة. وكان وصول الأجانب إلى الشواطئ اليابانية قد سبق هذا التاريخ، فشعر اليابانيون بحاجتهم لتوحيد أراضيهم تحت حكم قوي.

    وبدلاً من أن تؤدي العزلة إلى حالة من الركود، نجدها تؤسس للمرحلة الجديدة عبر وحدة مركزية صارمة “جسدتها سلطة الشوغون العسكرية، وحكومة الباكوفو، والوحدات اﻹدارية بقيادة حكام المقاطعات من الدايميو والوحدة الاقتصادية التي مهد لها غياب الحواجز الجمركية”.

ومما لا شك فيه أن الموقع الجغرافي لليابان وما تملكه من موارد طبيعية ساعداها على شق طريقها نحو حقبة التطور. بدايةَ، تشكلت الدويلات وفق النظام السياسي ونظام الأراضي اللذين كانا سائدين في الصين، وانطلاقا منها بدأت محاولات توحيد البلاد، فتم بلوغ طور اليابان الموحدة، ثم اليابان المعزولة سياسيا وجغرافيا. غير أن هذه العزلة لم تكن بالانقطاع عن الآخرين، بل كانت موجهة نحو تمتين الأواصر الداخلية. و سمح منع التدخلات الخارجية في ظل نظام فيودالي بعلاقة محدودة مع جارتيها الصين وكوريا. وكل ذلك انعكس على تطور المجتمع.

ولو أقمنا مقارنة بين ما كان سائدا في عصر توكوغاوا والتغييرات التي طرأت على المجتمع الياباني في عهد ميجي لوجدنا أنها طالت جميع مرافق الحياة. وحصل تبدل كبير لا سيما بعد أن أخذ الفلاحون يتركون أراضيهم لينتقلوا للإقامة والعمل في المدينة، فراحت المدن تتوسع على حساب الريف. وكانت طبقات المجتمع في عهد توكوغاوا على الشكل التالي:  الساموراي – الفلاح- الصناع- التجار (shi no ko sho). أما في عصر ميجي، وبناءً لما أقر به القسم الإمبراطوري في 14 مارس 1868، فقد استهل الإمبراطور ميجي عهده بسلسلة قرارات مهمة، رسمت السياسة الخارجية للبلاد وهدفت إلى تثبيت السلطة. ودعا القسم الإمبراطوري إلى نبذ العادات الموروثة التي تعيق الإصلاح، كما قسم الوظائف ثلاثة أقسام، وألغي التميز بين الوظائف المدنية والعسكرية، و بين النبلاء وعامة الشعب.

قام النظام الاجتماعي في اليابان قبل ميجي على أساس الوحدات الاقتصادية-الاجتماعية العائلة، والتي لم تكن وحدة قرابة بقدر ما كانت وحدة اقتصادية، في ظل المجتمع الزراعي والديانات الروحية، خصوصا الكونفوشيوسية، التي تقول بوجوب طاعة الأب على الأبناء والزوجة، والإخوة الصغار لمن هو أكبر منهم، فجعلت المجتمع الياباني أكثر انسجاما وكرست الطبقات الاجتماعية.

وربما قامت حجة المؤلف في أن بوادر التحديث بدأت في عصر توكوغاوا على ظهور عائلات اهتمت بالتجارة، تعزز دورها في عصر ميجي، ومنها Mitsui Takahira . وذلك في الوقت الذي كان اليابانيون يحتقرون التجار ويضعونهم في مرتبة دونية. وهنا يصح القول أن نظرة الياباني قد تبدلت بعد الظروف التي مرت بها  اليابان.

حاول المؤلف في الفصل الثالث من الباب الأول أن يظهر، من خلال عرضه لفئات المجتمع وطريقة عيشهم ومصادر رزقهم، مدى تطور العمل التجاري والصناعي. في حين يركز الباحثون على الأعمال الزراعية، حيث كان الأرز أساس العمليات التجارية والتبادلات الإنتاجية قبل ميجي. وخلص المؤلف إلى كون إصلاحات ميجي جاءت نتيجة لما وصلت إليه الأمور قبل هذا التاريخ. غير أن الصدمة الغربية التي شكلت التحدي والتهديد المباشر لليابان أثرت على مقومات المجتمع في عصر توكوغاوا، المتمثلة أساسا في الإنتاج الزراعي والتراتبية في التقسيمات الاجتماعية، إضافة إلى الإقبال على التعليم والاقتباس غير المباشر عن الغرب منذ الاحتكاك الأول بالبرتغاليين والهولنديين كما ذكرنا سابقا. وجميع هذه العوامل ساهمت في تقبل الأفكار التي جاء بها الغربيون، وهي علمية خضعت لقانون المنطق العقلاني الذي يؤمن به اليابانيون. ويتحدث المؤلف كذلك عن تطور الحركة التاريخية في ظل التعرض للصدمة والالتفاف عليها وتفكيكها لتحويلها إلى أجزاء يسهل علاجها، عبر خطوات إصلاحية.

من جهة أخرى، سعى المؤلف إلى الربط بين الطبقات الاجتماعية وبين نوع العمل، وهو تقسيم كان معروفا لدى اليابانيين، لكنه ليس بالشكل المتعارف عليه في الأنظمة الاقتصادية، لأن وحدة الأخلاق ساهمت في تعزيز النجاح العملي والمؤسساتي بعيدا عن النظام الشيوعي والرأسمالي، كما عرفناهما وكما يظهر بهذا النمط الجدي. لذا، نجده يحلل أصل المنبوذين: الطبقتان Eta  و Hinin، وهذا التصنيف يعود للمعتقدات البوذية والشنتوية التي استمر الانتماء إليها وراثيا. وقد ألحق هؤلاء بالمجتمع في عهد ميجي بعد مرسوم 1871، مما يشير إلى تبدل أوضاع الشعب وتغيير التقسيم الاجتماعي والوظائفي.

       وطرأ على المجتمع الياباني الكثير من التبدلات التي استلزمها  التطور التكنولوجي، فأوجد عدداً متزايداً من المجموعات العائلية المهيمنة على المجتمع الياباني الجديد. فعمل الجيل الأول لميجي، الذي رأى من المستحيل إحلال الاستقلال طالما التوارث العائلي قائما، على نقل المعرفة الغربية. وقد كافح الياباني من أجل قضايا مهمة تؤطرها ثنائيات الحداثة والتقليدية، الغربية واليابانية، واليابانية القديمة والجديدة. وأثّر تطور الفلسفة الأرثوذوكسية في اليابان على نحو متزايد، فأسهم (Takutomi (1860-1957)، في تطبيق نظرية اليابان المستقبلية، ورفض الميزات التقليدية التي كانت تراث تجربة طويلة للإقطاع الياباني، ودعا الشباب اليابانيين لاستبدالها بالمظاهر الحديثة. وحاول Fukuzawa Yukishi  تنوير الشعب وتعريفه بحريته، بعد تعلمه اللغة الإنكليزية واطلاعه على المعارف الغربية بحرية والمشاركة في لرحلات اليابانية إلى أوروبا وأمريكا.

III

الدين والتعليم

شكل العامل الديني أحد الركائز الأساسية في المجتمع الياباني، حيث تداخلت الأديان الثلاثة (الكونفوشيوسية والشنتو والزن) في اليابان، وكان لها كبير الأثر  لدى اليابانيين. وفي هذا السياق، توصل محمد أعفيف إلى أن القيم الكنوفوشيوسية برزت في برامج التعليم، وكذلك في التراتب الاجتماعي الصارم وغيرها من الجوانب.

ومن جهة أخرى، ساهمت الشنتوية باعتبارها أخلاقا وعادات يابانية خاصة، في تشكل الارتباط التاريخي بالجذور والتعايش السليم مع الطبيعة، دون أن يؤثر ذلك على المجتمع الياباني. كما برزت مبادئ الزن ذات النزعة التوفيقية بين التقاليد القومية والتأثيرات القارية. ولعبت هذه الديانات دورا مهما في عملية التحديث على مستوى استخدام التكنولوجيا التي كانت لا تزال مجهولة في عصر توكوغاوا، وإن كان اليابانيون  قد اطلعوا عليها من منظار ضيق جدا من خلال القنوات التجارية مع الصين وهولندا. لكن عملية التحديث في عهد ميجي تخطت عملية السطحية لتطال جميع المجالات.

 كما دخلت المعرفة الغربية في العلوم السياسية والاقتصاد وعلم الاجتماع والتعليم إلى اليابان عن طريق الترجمة عن اللغة الهولندية وانتشار المدارس. وظهر اهتمام الشعب بهذه العلوم، فلعب التعليم دورا مكملا لدور العائلة في التحول الثقافي، وظهرت في أدو مجموعتان من المعلمين من هولندا أو الغرب: مجموعة Shitamachi وYamamanto. وأصبحت هاتان المجموعتان مركزاً لدراسة العلوم الاقتصادية والسياسية والتاريخ والجغرافيا وجميع العلوم الغربية. وهذا ما قاد فيما بعد إلى ما عرف بالمتعاطفين مع الغرب.

وأضعفت المدارس الجديدة من قيمة المراتب العائلية في المجتمع الياباني، وسعت إلى بناء شخصية الياباني المميزة، مرتكزة على الأخلاقيات الشرقية، والآخذة بثقافة الغرب وخاصة في مجال التعليم، وترسيخ الوحدة القومية والإخلاص الوطني. ودعا Fukuzawa الى تحرير المرء وتحديثه من أجل الوصول إلى مجتمع قادر على التطور. وقد دعا الإمبراطور في القسم الإمبراطوري في 14 آذار 1868، المعروف بـ Imperial Oath on the Five Principales” “، إلى نبذ التقاليد الشكلية القديمة والعمل على أن تظهر مساواة طبيعية بين الجميع دون تمييز.

نجحت اليابان في استيعاب العلوم الغربية وتوطينها وتطويرها في عصر ميجي. كما نجحت في رفض تغريب المجتمع الياباني عبر تغيير أنماط السلوك الاجتماعي والعمراني وأساليب التعليم والإنتاج وغيرها. فحافظت على السمات الأساسية للشخصية اليابانية المتمثلة في الرحمة والشجاعة والتعاطف والجسارة والأدب وضبط النفس والعدل وواجب الولاء. وساهم كل ذلك في تحقيق هذا النجاح على مستوى الشعب والحكام. وجاءت الثورة بالتوافق بين فئات الشعب، وتخلى فيها أصحاب المراتب في عصر توكوغاوا عن مكانتهم الاجتماعية عندما اكتشفوا عجزهم عن مواجهة الغرب. وذلك لصالح العناصر الصاعدة التي اكتسبت المعرفة.

IV

الاحتكاك بالغرب وبوادر التحديث

ما يريد محمد أعفيف توضيحه هو أن السياسة الإصلاحية بدأت مع توكوغاوا. وهذا لا يتنافى مع ما ورد من معلومات موثقة عن إصلاحات تمت خلال هذه الفترة، لكنها لم تأت بنتائج كبيرة الأثر. وتناول المؤلف في كتابه (ص 246) إصلاحات كيوهو على إثر تراجع مداخل الشوغون التي كانت من وحي أغيو سوراي (1688- 1728) أحد أعظم المفكرين في تاريخ اليابان، ومحاولة يوشي- موني (1716-1735) و كانسيئي (1787-1793) التي جاءت بعد سلسلة أحداث أو كوارث.

وأمام الأزمات المتنوعة والزيادة السكانية، توالت محاولات معالجة الوضع عن طريق الإصلاحات التي بدأت منذ وقت مبكر. ومنها  إصلاحات الشوغون(1831-1867) Tempo    بين عامي 1831-1844، وذلك في الوقت الذي ازدادت فيه الضغوطات الخارجية لفتح البلاد أمام التجارة الدولية. لكن هذه الإصلاحات التي سبقت عصر ميجي، بقيت مجرد محاولات لتثبيت الحكم داخليا، وهي سياسة تتبعها جميع الأمم التي حاولت الاستمرار في الحكم. أما ما حصل في عصر ميجي، فهو مرتبط بأخلاقيات الياباني وطريقة تفكيره وسوسيولوجيته وإمكاناته وثقافته وغير ذلك. لذا، لا بد من الربط بين الأحداث وتطورها. فعصر ميجي كان عملية تكيف في مرحلة دقيقة وخاصة جدا، لشعب عاش في عزلة طيلة قرنين ونصف من الزمن، وكان عليه أن يختار، فاستمد الحكمة من ديانات الشرق الأقصى. وبما أن هذا الشعب لم يكن معزولا ثقافيا عما يجري في الغرب، فقد اطلع على ما يملكه وعلى أخباره، وخصوصا قبيل وصول سفنه قبالة الشواطئ اليابانية. وأيقن أنه عاجز عن مواجهته بالإمكانات التي يملكها، وحرص على عدم تعريض البلاد لما تعرضت له الصين، وقبل بالاعتراف بتفوق الغرب عليه، وانضوى جميعا تحت حماية الإمبراطور سليل الآلهة، دون أن ينبهر بحضارة الغرب القوي ولا بعظمته وقوته، فقد كانت وحدته السلاح الذي جرده في وجهه، وإن كان قد حصل تمرد هنا أو هناك.

غير أن الانتقال من عصر توكوغاوا الى عصر ميجي لم يمر دون اضطرابات،  حيث كادت هذه الأخيرة أن تؤدي بالبلاد إلى الانقسام والغرق في صراعات داخلية.

انتهى عهد الشوغون توكوغاوا، الذي استمر مائتين وخمسين سنة، باتفاق شامل بين أبناء الشعب، تحت راية الإمبراطور الذي أصدر قراراً بفتح الاتصال مع الأجانب في 10 شباط 1868، بعدما قدم ملاحظاته على الفترة التي سبقته. ذلك أن “المعاهدات التي وقعت مع الباكوفو تشوبها الأخطاء، وهذه الأخطاء يجب معالجتها بعد قرار حر وبعد فتح المناقشة حول مسائل مختلفة” . وأظهر الإمبراطور بذلك، وعلى عادة اليابانيين وروح المحارب (الساموراي) ، شجاعة غير مسبوقة في تحمل المسؤولية الوطنية. وهكذا، ظهرت اليابان، في اللحظات الأكثر صعوبة، كدولة قادرة على رسم خطوط سياستها المستقبلية نحو إيجاد شعب متنور بثقافة العصر ومتحكم بمستقبله ومؤمن بنفسه، دون أن يثير الشكوك لدى الدول الأجنبية. وتجلى الشكل الأول في توسع البلاد ونموها وتراكم ثروتها على قاعدة سمات التغيير والاستمرار والنهوض، في ﺇصلاحات تامبوTempō   التي لم تطبق، دون السماح للأجنبي بالانخراط في المجتمع الياباني والحد من تدخله في الشؤون الداخلية للبلاد.

وبناء على هذا التقييم، أختلف مع المؤلف محمد أعفيف في اعتباره أن حركة ميجي كانت حصيلة الصراع الداخلي بين شريحة الساموراي المهيمنة والشرائح المهمشة (ص189). واعتقد أن في ذلك تبسيط لهذه الثورة وأسبابها من خلال تسميتها بالحركة. في حين أنها قدمت ثورة متكاملة ونموذجية، جاءت نتيجة تململ الشعوب وتحركها قبل ذلك التاريخ، وهو نوع من التفاعل من أجل تغيير واقع معين نحو آخر أفضل منه. وتضافرت في هذا التغيير أسباب عدة دفعت اليابانيين بجميع فئاتهم لمعالجة الأمور بشكل مسؤول. ولا  نجد مجالا للمقارنة بين اليابان في عصر توكوغاوا وعصر ميجي، ولا يتسع المجال للبحث في هذه النقاط بشكل مفصل وهي كثيرة.

استمرت الإصلاحات تدريجيا طيلة عصر ميجي، الذي تكلل بصياغة الدستور على شاكلة الدساتير الغربية، من دون أن يجد اليابان حرجا في الأخذ عن الغرب، وإرسال البعثات إليه للنهل من علومه، وتطبيق القوانين وممارستها. وكل ذلك من دون الاقتصار على دولة واحدة، وإنما بأخذ ما يناسب عن الجميع. كذلك قدمت اليابان نفسها بشكل فريد وخاص، تمثل في تنظيم الدولة الحديثة ودستورها عام 1889، والذي ضمن استقلالية الأفراد وحريتهم وتقبل المساواة بين جميع أبناء الشعب، فالتزم بحقوق الإنسان الأساسية على أنها حقوق خالدة لا تنتهك، وألغيت جميع الألقاب والرتب التي من شأنها أن تميز بين المواطنين، وهي من صلب الأمور التي تتعارض مع الأفكار السائدة قبل ميجي المرتكزة على مبادئ الكنوفوشيوسية.

وتغيرت النظرة إلى أصحاب المسؤوليات الصغيرة والكبيرة، فأصبحوا يعتبرون  خداما للشعب. وهوما لم يكن معروفا في ظل النظام الفيودالي. إلى جانب ذلك، أطلقت الحرية للأعمال العلمية، ووحدت الضرائب، وعولجت مشاكل أخرى عانى منها اليابانيون خلال فترة توكوغاوا.  وساهم انتشار التعليم في استمرار هياكل التنظيم الاجتماعي الذي كان سائدا في السابق مع دخول الرخاء إلى المجتمع والعادات الجديدة. أما المؤسسات الكنوفوشيوسية فبقيت دون تغيير.

في النهاية، لا بد من الإشارة إلى أن ما عاشه ويعيشه اليابانيون يختلف عما مر في العالم العربي والإسلامي. ونحن لا نبحث هنا عن نقاط تشابه بين الحضارات، بل عن نقاط القوة في سلوكنا الاجتماعي وموروثاتنا الاقتصادية والاجتماعية والدينية، لاستحداث نظام اقتصادي- سياسي- اجتماعي لا يرتبط بنظام محدد، بل يكون بمثابة عقد اجتماعي جديد بصيغة حديثة ونتاج البيئة التي نعيش فيها، بعد الاطلاع على العلوم الغربية والكف عن البكاء على الأطلال والاعتراف بالتراجع والتخلف والدونية التي نحن فيها، والسعي لتغيير الواقع وجعل الإصلاح المستدام أساس سياستنا المستقبلية والاستثمار في العناصر البشرية، على غرار ما فعلته اليابان متخذة العلم أساس التحديث.

وما يهمنا كباحثين، هو كيف يمكننا أن ننقل بلادنا لتعيش العصر وتتماشى مع التطور والتقدم الحاصل على غرار ما حصل في اليابان قبل ميجي أو بعده. فاليابان بلد متطور بكل المقاييس، يعيش في حالة تكامل، في ظل غياب المحسوبية، وفصل الدين عن الدولة، واحترام حقوق الإنسان. ولو بحثنا في تاريخ الحضارات جيدا، لوجدنا أن هناك أمما عاشت قبل الميلاد كانت أكثر تطورا من يابان توكوغاوا، وتركت آثارا أعظم أبهة منها، ولكنها اندثرت، حيث لم تستطع أن تفهم التبدلات المجتمعية والتغييرات الإنسانية.

ويمكن القول أن اليابان استطاعت أن تختصر الوقت والمجهود الذي بذله غيرها من الأمم، مستفيدة من علوم الغرب من خلال التواصل معه والاطلاع على معارفه وإرسال البعثات إليه بشكل دائم، لتكون على بينة من أسباب تقدم وتطور المجتمعات، وقادرة على الانخراط في بوتقة المجتمع الدولي من دون الانجرار إلى الوقوع في مستنقعات الصدامات الجانبية، باستثناء الحروب التي خاضتها في رحلة إثبات ذاتها كقوى كبرى في عصر استعراض القوة.

وختاما، يتدرج عمل محمد أعفيف ضمن اهتمام عدد من الباحثين بالمواضيع الجديدة على أساس المنهج التاريخي الاجتماعي. وقد قدم دراسة علمية مفصلة عن فترة توكوغاوا، تناولت جميع النواحي الحياتية اليابانية: الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والإدارية، التي سبقت عهد  ميجي وبداية التحدي الغربي لعزلته.

كما تكمن أهمية العمل في موضوعه، الذي يعالج قضية مجتمع ياباني آسيوي متفرد، تقاطع في تشكله التاريخي إلى حد كبير مع الكثير من المكونات التاريخية لمجتمعنا العربي. لكن الاختلاف كامن في قدرة اليابان على الاستجابة لمتطلبات عملية التحديث. ففي حين أخذت اليابان بمبدأ المراكمة المستمرة، بقيت التجربة العربية أسيرة اللحظة والظرفية وذات تبعية غربية.

وتميز كتاب محمد أعفيف  بالتوثيق الغني، والتفاصيل التي تدل على معرفة المؤلف العميقة بالحضارة اليابانية، والمصطلحات اليابانية، وصياغة الاستنتاجات، ومحاولة إبراز مدى وعي الياباني بأهمية التحديث، وانتقاد الباحثين الذين اكتفوا بدراسة عصر ميجي باعتباره وسيلة لتفسير ما حصل بكونه قفزة نوعية. غير أننا نميل إلى  القول ان ما حصل هو “ثورة شاملة، لشعب آمن بقدرته، فتحمل الأعباء المطلوبة لبناء الدولة الحديثة، الساعية لتلبية حاجات العصر، بوسائل العصر، وذلك بالإعمار لا بالدمار، بالعلم لا بالسيف، بالإيمان بالإمبراطور والوطن والتوحد حولهما، لتحقيق دولة غنية ، وجيش قوي”.

يفسر كتاب محمد أعفيف، فعلا وبشكل تفصيلي، ديناميكية المجتمع الياباني، وتبدل أوضاعه بين  الركود والحراك. كما يوضح المسببات والظروف التي حكمت فترة دقيقة من تاريخه، ويتتبع آثارها في الفترة اللاحقة.

 ———————————————–

1-انظر مثلا مصطفى كمال في كتابه الشمس المشرقة، والشيخ علي جرجاوي في كتابه صورة اليابان في رحلة الجرجاوي 1906، و محمد عابد الجابري لما يستعيد صورة اليابان في المغرب العربي 1906-1912، وغيرهم.

 

- أمل بو غنام

104

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*