الجمعة , 24 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » إخبــــارات » مالك الحزين يتوقف عن الشدو

مالك الحزين يتوقف عن الشدو

taa-bine_12.1في نهاية ثمانينيات القرن الماضي، كان ملتقى الرواية العربية الذي نظمه اتحاد كتاب المغرب فرصة اجتمع فيها عدد كبير من المثقفين والرائيين والنقاد العرب. تعرفت حينها على ابراهيم أصلان، ولم يكن مضى وقت طويل على قراءتي لروايته مالك الحزين باقتراح من الصديق الروائي عبد الكريم اجويطي. كنا وقتها طلبة نتلمس بداية الطريق، نقتسم نفس المقعد وكثيرا من الهموم والأحلام.

توقعت أن أجد أمامي رجلا يصعب الاقتراب من شموخه الأدبي. فوجئت حين صافحت ابراهيم أصلان برجل خجول يخفي قامة إنسانية وأدبية عالية. لم يكن صوته عاليا، وحين كنا ننتظر شهادته خلال إحدى جلسات الملتقى، فوجئنا به يفوض أمر قراءتها للناقد المصري صبري حافظ وكأنه يقول: “أنهيت مهمتي بعد أن كتبت هذا النص ولم يعد يربطني به سوى ضرورة الانتماء”. فهمت الأمر اكثر بعد سنين عديدة  حين قرأت في كتابه خلوة الغلبان (2003) عبارة: “…لم أكن أجرؤ مثلا على قراءة قصة لي في أي جمع من الناس..” ص44. لم يكن – وهذا اعتقادي من طينة الأدباء الذين يحبون الظهور وجلسات الصالون الأدبي . كان استثناء أدبيا وإنسانيا ضمن من عرفتهم من أدباء جيله.

عرف ابراهيم أصلان خلال تجربته الأدبية باعتنائه الخاص بالمهمشين والفقراء، وبالهامش المكاني الذي عاش فيه أغلب سنين حياته: امبابة والكيت الكات وفضل الله عثمان وأحياء القاهرة العميقة. اعتمد في أغلب كتاباته على الجمع بين تقنيات البساطة والسخرية والوقوف عند التفاصيل الصغيرة في الشخصية والمكان والحدث. وفي كل ذلك كان أصلان يترك لقارئه مهمة كشف أغطية العمق الأدبي والإنساني والسياسي التي تخفيها كتاباته.

شيء ما لفت انتباهي كلما قرأت له نصا قصيرا أو طويلا: لغته الاستثنائية في الوصف والوقوف عند التفاصيل. وسواء كان التعبير داخل الفصحى أو داخل العامية المصرية، كان أصلان يخترق باللغة كل خبايا المشاعر والمواقف. لا يعجز عن تسمية الأشياء بأسمائها بما فيها تلك التي تحتاج منا إلى إنفاق وقت طويل بين صفحات القواميس، حتى أن دقة التفاصيل هاته كثيرا ما تغرق في سخرية سوداء لا نستشعرها قبل إنهاء القراءة وكأن الرجل يود اعتقالنا إلى آخر نفس من النص.

في وردية ليل التي نشرتها دار شرقيات بداية التسعينيات يعود أصلان إلى تجربته المهنية في مجال البريد. ويؤكد هو نفسه في إحدى لقاءاته التلفزيونية النادرة أن الأمر لا يتعلق بفترة عمله ساعيا للبريد، بل بالفترة التي انتدب فيها للعمل في مجال المواصلات السلكية واللاسلكية. في هذه الرواية، كما في أغلب نصوصه الأخرى، يعتمد أصلان على استثمار اللغة بنفي فعل اللغة نفسه كما يقول، أي أنك تقرأ وكأنك تشاهد مشهدا مصورا بكل التفاصيل الدقيقة. ومن هنا التوفيق الذي حالف نقل روايتيه مالك الحزين وعصافير النيل إلى السينما.

 في كل هذه النصوص، لم يكن أصلان يفكر في تصوير ما يحلم به بقدر ما كان يسعى إلى الوقوف عند المعيش اليومي الملتصق بحاجات الناس في بساطتها القصوى. تجربة وردية ليل تقف على نحو من الأنحاء عند تجربة موظف المواصلات في فترة العمل الليلي. لكن الأساسي في هذا النص يكمن دائما –وهذه عادة أصلان – في الوقوف المتأني عند كل التفاصيل المرتبطة بالمكان: المكاتب والعمل الليلي والطرائف المتصلة بالحدث الروائي في كليته. هناك من يعتقد أن النص كرر بعض المشاهد مما أفقد العمل قوته، لكن من يقرأ تقديم العمل يجد أنه يصرح بالطابع المشاهداتي فيه وبقصديته في تتبع دقائق حياة الليل عند من يضطرون إلى ذلك:

طرقات أولى على أبواب الليل: “في هذه المشاهد الأولى، يمد ابرهيم أصلان يده ليوارب الأبواب، ويمضي بنا إلى تلك الحنايا المأهولة بنفر من أهل الليل… الحنايا العامرة بدفء القلوب عندما تتجاور. يلملم الأشجار والأحزان ونجوم الليالي، ويجمع ابتسامات الرجال وآمالهم، ويلامس جراح الروح بأطراف الأصابع برفق، ولكن دون وجل لينتهي بنا، بقدرة الفنان ومهارة المبدع، إلى عالم كامل غير مسبوق، يغنينا، ويملأ نفوسنا بفيض من الأسى والبهجة والتراحم. (ظهر الغلاف)

الشيء الكثير من السيرة الشخصية والثقافية يتضمنه كتابه خلوة الغلبان وكان آخر كتاب قرأته له في السنوات الأخيرة. عدت إليه مباشرة بعد ان بلغني نبأ رحيله، وعيناه لم تكتحلا بعد بكل نتائج ثورة الشباب في بلده. التصنيف الإعلامي يضع الكتاب في خانة المقالة، وأنا أتحفظ كثيرا على هذا التصنيف، لا لأن عناصر المقالة الأدبية غير متوفرة فيه بل لأن عمق الخلفيات السيرية متجذرة بعمق في كل تفاصيل النصوص. كتاب شاهد على مرحلة من التاريخ الأدبي والثقافي العربي وليس المصري وحده. في خلوة الغلبان يعود ابراهيم أصلان بكثير من العمق والسخرية اللاذعة أحيانا مغلفة بحياد ماكر إلى علاقاته بشخصيات ثقافية يعرفها، كما يعود بدفء حميم إلى ذكرى شخصيات أخرى تركت بصماتها على نفسه وعلى المشهد الثقافي في كل العالم العربي. يحيى الطاهر عبد الله، أمل دنقل، نجيب مخفوظ، جاك حسون، عبد الوهاب البياتي، يوسف ادريس، جمال الغيطاني… لم ينس أصلان أن يقف حتى عند شخصيات صادفها هنا وهناك مثل الفتاة المغربية الصغيرة التي استوقفته في معرض باريسي لتبدي إعجابها به على نحو تلقائي دون أن تكون لها به سابق معرفة، وخصص لها نصا كاملا في آخر الكتاب.

خلوة الغلبان نوع من الكتابة نحتاج فيها إلى كرم كتابنا الذين راكموا من التجربة ما يجعلهم شهودا على ثقافة عصرهم بغثها وسمينها. وصورة الثقافة في تاريخ الزمن الراهن لا يمكن أن تكتمل بدون كشف كل التفاصيل والحجب عن سيرورات الضعف والقوة في المشهد الثقافي العربي برمته.

رحل ابراهيم أصلان (1935 – 7 يناير 2012) عن دنيانا وكأن وجوده لم يعد له ما يبرره بعد رحيل رفيق عمره  الروائي خيري شلبي (1938 – 9 شتنبر 2011) صاحب وكالة عطية. لم تفصل بين رحيل الاثنين إلا أسابيع معدودة كانت كافية للقاء المحتوم. رحمهما الله رحمة واسعة

- سعيد الحنصالي

جامعة محمد الخامس – كلية الآداب – الرباط

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*