الخميس , 23 نوفمبر, 2017
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » من حماية العباد إلى حماية البلاد

من حماية العباد إلى حماية البلاد

kiraat_13.2قال العربي المشرفي في مؤلفه الرسالة في أهل البصبور الحثالة: “فواجب على كل من يؤمن بالله واليوم الآخر أن لا يجالس أهل الحماية ولا يصادقهم ولا يؤكلهم ولا يعاشرهم ولا يناكحهم، وأن يوصي كل من لقيهم بمجانبتهم ومباعدتهم وترك معاملتهم ردعا لأمثالهم، لأن هذا المنكر- وهو التعلق بالعدو- من أعظم المفاسد في الدين التي يتعين فيها الزجر والتغليظ، ولا يسمح فيه بوجه ولا حال، وحيث لم يكفهم من له الكلمة من أهل العقد والحل، زادهم ذلك غلظة وفظاظة، وربما شارك المحتمي مسلم آخر، فقوى العدو، وانتشر المدد، واتسع الخرق على الراقع، وعظمت المصيبة، وفسد اعتقاد العامة، حتى ظنوا أن ذلك الدين الفاسد هو دين الحق، وأساءوا الظن بدين الإسلام والعياذ بالله، ومن أعان المحتمي أو عاشره أو خالطه، أو أرضته حالته فهو فاسق ملعون”.

شكلت هذه الفتوى صرخة تأمل الاستجابة لدق ناقوس الخطر من بلاء داهم أدى، حسب تعبير أحد السفراء الفرنسيين، إلى “اندفاع الرعايا جميعهم وخروجهم فرادى وجماعات كالأغنام من الزريبة”. صرخة في شكل موقف حازم وحاسم للرد على رأي آخر يبحث عن مبرر للحماية القنصلية بالقول: “لو كانت الحماية حقيقة مفسدة لما أقدم عليها هؤلاء التجار، ومن حج منهم إلى بيت الله الحرام وله علاقات مصاهرة وغيرها من الروابط العائلية مع كبار علماء وفقهاء المغرب”.

هذا الوضع المعقد  الذي أفرزه نظام الحماية القنصلية، والذي قسم المجتمع المغربي إزاءه بين مؤيد وعارض، حفز الباحث محمد كنبيب للانخراط في البحث عن عناصر إجابة عن مختلف أسئلته وقضاياه منذ أواسط السبعينات من القرن الماضي، عبر سلسلة مقالات، قبل أن يتوج هذا المجهود بعمل أكاديمي لنيل دبلوم الدراسات العليا نوقش بباريس سنة 1980 تحت عنوان المحميون: إسهام في تاريخ المغرب المعاصر، صدر لاحقا في شكل كتاب من منشورات كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالرباط سنة 1996. ثم حرص الباحث بعد خمسة عشر سنة على هذا التاريخ على إصدار تعريب منقح ومزيد لهذا العمل في 489 صفحة سنة 2011 عنونه بـالمحميون من منشورات نفس المؤسسة الناشرة للكتاب الأول.

اختار محمد كنبيب أن يقسم عمله، موضوع القراءة، إلى ستة فصول، عالج في الأول منها موضوع الضغوط الأجنبية التي أوجدت البيئة الحاضنة للحمايات عبر آلية الامتيازات وترسيخها التدريجي من خلال المعاهدات، ثم أفرد الباب الثاني لنظام الحمايات وتأثيره على بنيات الدولة،  وتتبع في الباب الثالث من كتابه مسار الحماية وتلاشي الهياكل التقليدية، قبل أن ينتقل في الباب الربع إلى موضوع التعبئة السياسية- الدينية، ثم عكف في الباب الخامس من الكتاب على تحليل تعقيدات الوضع المتأزم للمغرب في علاقته بالدول الأجنبية بين  الخيار الدبلوماسي والبوارج الحربية، لينتهي في الفصل السادس والأخير من عمله إلى تكثيف قضايا موضوع دراسته التي قادت إلى الانتقال من حماية الأشخاص إلى حماية الدولة.

يستعير صاحب الكتاب مفهوما سوسيولوجيا للباحث مارسيل موس (Marcel Mauss)، ويدخل تعديلا طفيفا على مفرداته ليعرف الحماية بكونها “واقع شمولي” اجتمعت فيه عدة مكونات، وأخذ أبعاد شتى ومتداخلة. يفكك الباحث تعقيدات الموضوع بالقول: “يتمثل بعد الحماية السياسي في خلخلة هياكل المخزن وبنياته المتقادمة، ويتجلى بعدها الاقتصادي في تنشيط المبادلات البحرية ونسف البنيات الزراعية الموروثة عن الماضي البعيد، في حين تتجلى مظاهر البعد الاجتماعي والثقافي للحماية في تقوية مكانة النخبة التجارية وفي صدمة الحداثة والتحول في العقليات. وهذا فضلا عن بعدها القانوني المتجسد في الوضع الاستثنائي للأجانب وفي تحديد دعائم الجنسية المغربية وبناء على جميع هذه الأسباب المتداخلة، وعلى غيرها من الاعتبارات الأخرى، فإن دراسة موضوع الحماية لا يمكن أن يكون البتة حكرا على المؤرخ، ومن ثمة فإن الاقتصار على اعتماد المقاربة التاريخية الصرفة لا يكفي للإحاطة الدقيقة بكل حيثيات هذا الموضوع المتسم بالتعقيد والشساعة”.

نحن إذن أمام موضوع شائك وشاسع ومعقد استدعت معالجته استحضار مقاربات مختلفة يتقاطع فيها الاقتصادي بالاجتماعي والثقافي بالذهني والقانوني بالفقهي، لفك كومة التعقيد التي تلف الموضوع، ولعل أبرز تجلياتها أن يتحول شريف يتبرك به إلى منافح عن الحماية ومنخرط في سلكها، وأن يستجير تاجر من تجار السلطان بحماية أوربية بعد أن أنهت معاهدة 1856 زمن الاحتكار والوصاية المخزنية على التجارة الخارجية، وأن ينتقل موظف مخزني سامي من رادع لانتشار الحماية إلى مستظل بظلها. وربما الأكثر تعقيدا أن يتحول بعض ممن احتموا بالأجنبي بالأمس إلى مقاومين للغزو الاستعماري منذ سنة 1907 وإلى أعضاء قياديين في الحركة الوطنية لما أصبح الاستعمار الفرنسي أمرا واقعا على أرض المغرب. على أن تعقيدات الموضوع لم تنته بإقرار الحماية سنة 1912، بل استمر إرث المعاهدات الثنائية ضاغطا بثقله طيلة فترة الحماية لذلك لم يكن من المستغرب أن تحتضن محكمة العدل الدولية بلاهاي في صيف سنة 1952 جلسة للبث في نزاع فرنسي أمريكي في الموضوع. فما هي أصول هذه النبتة التي زرعت مبكرا في أرض المغرب، وعملت بالتدريج على إفساد الحقل المغربي برمته بعد تلقيحها المتوالي بالسماد الأجنبي؟ وكيف تمكن هذا الداء العضال، على حد تعبير المخزن، من الفتك بالمجتمع المغربي؟ وما هي امتدادات نظام الحماية القنصلية وتداعياته؟ وكيف تفاعل المخزن ومختلف مكونات المجتمع المغربي مع هذه الدينامية؟

  1. الحماية القنصلية بين الدبلوماسية والشريعة:

لم يشكل المغرب استثناء في موضوع الحماية القنصلية، فقد جرى العمل به كأداة للتغلغل والغزو الهادئ بصيغ وآليات مختلفة في جهات مختلفة من العالم قصد التفكيك والتفتيت. كما أن فرض معاهدات غير متكافئة بين المغرب ومختلف الدول التي كانت لها مصالح تجارية أو نوايا توسعية، والتي سعت إلى ضمان وضع مريح لأفراد جاليتها ولاستقطاب السكان المحليين لخدمة أغراضها، لم يكن وليد النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وإن كان الوضع قد تعمق أكثر بعد المعاهدة مع بريطانيا سنة 1856. فالاتفاقية التي وقعت بسان جرمان بين المولى إسماعيل ولويس الرابع عشر سنة 1682 اشتملت بعض بنودها على تنظيم حالة الأجانب في المغرب فيما يتعلق بحق الفرنسيين في التنقل والعبادة والتجارة وحرمة المساكن بالمغرب وحماية أنفسهم وأموالهم، كما تركت لهم حق فصل المنازعات التي تقع بينهم في سائر الأحوال الشخصية على الخصوص. ثم جاءت فترة السلطان سيدي محمد بن عبد الله، المطمئن إلى حالة البلاد من جهة، ولمحدودية الوجود الأجنبي فيها من جهة أخرى، حيث حصلت مجموعة من الدول على امتيازات همت بالأساس القضاء القنصلي والقضاء المشترك وحماية من يكون في خدمة القناصل أو التجار الأجانب؛ كما جاء في المعاهدة الموقعة مع السويد يوم 16 ماي 1763، إذ نص فصلها الخامس عشر على أن للسويديين “أن يجعلوا من القنصوات ما يريدون ويختارون لأنفسهم من السماسير ما يحتاجون إليه (…) و كل من انضاف إليهم من أهل الذمة وغيرهم ممن يقضون لهم أغراضهم لا يكلفون بوظيف ولا مغرم إلا الجزية فإنها لا تسقط على أهل الذمة”. أو في المعاهدة المغربية الفرنسية الموقعة يوم 28 ماي 1767 التي جاء في الشرط الحادي عشر منها: “ومن استخدمه القنصوات المذكورين من كاتب و ترجمان وسماسير وغيرهم فإنه لا يتعرض لمن استخدموه، ولا يكلفون بشيء من التكاليف أيا كانت في نفوسهم و بيوتهم، ولا يمنعون من قضاء حاجات القنصوات والتجار في أي مكان كانوا”. في حين نص الفصل السابع عشر من المعاهدة الأولى والفصلان الثاني عشر والثالث عشر من المعاهدة الثانية على القضاء القنصلي والقضاء المشترك، وهو ما يعد انتقاصا مبكرا من السيادة المغربية. ويستشف من نصوص هذه المعاهدات أن المفاوضات من الجانب المغربي تمت بذهنية الفقيه وليست بذهنية الدبلوماسي المحنك، عكس المفاوض الأجنبي الذي كانت الدبلوماسية بالنسبة له علما واحترافا.

استمرت المعاهدات الممهدة ثم المرسخة لنظام الحماية القنصلية، وكان الرهان على مؤتمر مدريد لاستئصالها. وحري بالباحث أن يتوقف عند طبيعة المفاوضين المغاربة عبر هذا المسار الطويل والشاق. ففضلا عن غياب التكوين الدبلوماسي، كثيرا ما صنف هؤلاء المفاوضون في خانة أصدقاء الآخر الأجنبي، أو المستعدين لقبول هداياه “وضبلونه”، أو العاجزين صحيا عن أداء مهامهم. ونستحضر في هذا الصدد ثلاث نماذج أساسية؛ فالوزير ابن عثمان الذي وقع المعاهدة المغربية الإسبانية ليوم فاتح مارس 1799 والتي تعتبر حلقة مهمة في مسار التمهيد لوضع نظام الحماية القنصلية بالمغرب، هو نفسه الذي احتمى بالإسبان ومكث عندهم بعد عزله عن السفارة التي كلفه بها المولى اليزيد إلى كارلوس الرابع ملك إسبانيا بطلب منه، وظل ينتظر وفاة السلطان ليعود إلى المغرب، وينال حظوة كبيرة عند المولى سليمان. وبعد تعيينه مكلفا بالشؤون الخارجية للمغرب، كتب لصديقه الوزير الإسباني قائلا: “ولأجل ما علي من حقوق لملك إصبانيا السلطان الشهير دون كارلوس الرابع تعين علي أن نكاتبك لتعلمه بأنني دائما في خدمته بصدق وإخلاص بجانبنا وجانبه وأنا نفرح كثيرا أن يأذن لقناصيله ووكلائه ورعيته الاصبنيوليين أن ياتوا إلى مراسي بلادنا بمراكبهم في قضاء أغراضهم وجميع ما يريدون من بلادنا بأمان و طمأنينة، فلي تشوف كثير إلى إسعاف من يأتي إلينا لنظهر بذلك صدق ما أنطق به من ودادكم”. أما المعاهدة الشهيرة مع بريطانيا سنة 1856 فلا يمكن فهمها إلا في إطار ما أسماه الباحث محمد كنبيب بـ”سياسة الضبلون”، إذ يقول في هذا الشأن: “وعلى غرار منافسيهم الفرنسيين ولجوئهم خلال المفاوضات التي مهدت لاتفاقية لالة مغنية (1845) إلى سياسة الضبلون لحمل المفاوض المغربي على قبول بنود خطيرة وبخه عليها السلطان فيما بعد أيما توبيخ، فإن الأنجليز ساروا هم كذلك على نفس المنوال ولم يكتفوا بالاستنكار والتهديد بل خصصوا ميزانية ومبالغ هامة لارشاء المفاوضين المغاربة وحثهم على الاستجابة لمطالبهم وتمريرها أمام السلطان”.

هكذا لما استعصى على السلطان المولى عبد الرحمان بن هشام الاقتناع بمزايا معاهدة قائمة على بنود من شأن دخولها حيز التنفيذ والعمل بها تجريده من سيادته في مجال المبادلات التجارية البحرية، وإنهاء احتكاره لتسويق بعض المنتوجات الأساسية، وخلع سيادته وسلطته على عدد من رعاياه وهم يقيمون فوق تراب مملكته، لم يستسغ “نصائح” النائب محمد الخطيب والوزير محمد الصفار والتاجر مصطفى الدكالي، وهم المفوضون الثلاثة الذين باشروا الأمر مع جون دريموند هاي (John Drummond Hay)، إذ من غير المستبعد أن تكون قد وصلته أخبار وإشاعات تفيد أن الممثل البريطاني استطاع نيل ثقة هؤلاء المفوضين وإقناعهم عبر ما أسماه محمد كنبيب بـ”سياسية الضبلون” إذ يشير الباحث إلى أن هاي وعدهم سرا بهدايا ومكافآت مالية (صرفت لهم فعلا بالجنيه الاسترليني بعد التوقيع على المعاهدة حيث تقاضى كل واحد من الصفار والخطيب 200 إبرة إنجليزية)، فإن المولى عبد الرحمان رفض المصادقة على المعاهدة في صيغتها الأصلية نظرا لخطورة مضامينها وما كان ينتظر أن يقطعه المخزن من التزامات على نفسه بمقتضاها”. وأمام تصلب السلطان وثباته على رفضه، اضطر هاي، الذي رأى أن الارتشاء وحده لا يكفي، إلى الانتقال إلى أسلوب الوعيد والتهديد بلغة خالية من اللباقة الدبلوماسية المألوفة، وبنبرة حادة وجه خطابا إلى السلطان جاء فيه “لقد لاحظت بكامل الأسى خلال الإحدى عشرة سنة التي مثلت فيها جلالة الملكة البريطانية في المغرب، أنه كلما رفضت الموافقة على قبول نصائحي، إلا وأرغمت الحكومة المغربية في نهاية المطاف على الرضوخ تحت الإكراه رضوخا غير مشرف، فيتم التنازل عما سبق لي أن طلبت الموافقة عليه عبر تسوية مشرفة”. وانتقل هاي من سياسة الجزرة أو الضبلون إلى سياسة العصا، واستقدم سفينتين حربيتين لمياه طنجة، وهدد بإرسال إحداهما إلى موانئ الأطلسي للوقوف على تطبيق شروط المعاهدات القديمة تطبيقا صارما. وتحت تهديد المدافع، وأمام خطر استفحال توتر العلاقات مع انجلترا والعواقب الوخيمة المترتبة عن ذلك دبلوماسيا وسياسيا، لم يجد السلطان بدا من الرضوخ للمطالب البريطانية والموافقة على معاهدة طالما تحفظ على بنودها وطالب بإعادة صياغتها، لوعيه بخطورتها على مستقبل البلاد و العباد.

أما مؤتمر مدريد سنة 1880 الذي كان الرهان عليه كبيرا من طرف السلطان الحسن الأول لحسم أمر الحماية القنصلية بالمغرب، خاصة بعد أن أخفقت سفارة الزبيدي إلى أوربا سنة 1876 ومفاوضات السفراء الأجانب بطنجة بين 1877 و1879، فتستوقف الباحث المهتم بالأداء الدبلوماسي للوفد المغربي المشارك فيه الرسالة التوجيهية التي بعثها السلطان إلى وزيره في الشؤون الخارجية محمد بركاش في الموضوع، لأنها كفيلة بشرح جانب من الأداء الدبلوماسي المغربي بهذا المؤتمر والتي جاء فيها: “خديمنا الأرضى الطالب محمد بركاش وفقك الله وسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته وبعد، فقد وصلنا كتابك جوابا عما كتبنا لك في شأن سفرك لمدريد للحضور في الجمع على قضية الحماية، وذكرت أنك لا تجد انفكاكا منهم بخاطرهم إلا بمدافعة من جانبنا العالي بالله لكونهم يذكرون أن غيرك إذا توجه لهذه القضية لا يتمكن من الغرض غير أنه تخيل لك من كثرة إلحاحهم عليك في التوجه أن لهم في ذلك شيئا مع مشاهدتهم لمرضك وملازمتك للفراش ولولا أخذ ولدك بيدك لتعذرت عليك مباشرة الأمور. (…) فأما توجهك للمحل المذكور، فقد تقدم لك كلامه وما أخبرت به من أن غيرك إذا توجه لهذه القضية لا يتمكن من الغرض هو الذي توسمناه وهجس في الخاطر والباطن ولذلك شرح الله صدرنا للإذن لك في التوجه (…) وإذا عزمت فتوكل على الله. وأما ما تخيل لك من أن لهم في توجهك شيئا، فخذ في ذلك بالحزم واحتط ما أمكنك ولا توافقهم على ما فيه ضرر أو شبهة أو مخالفة للشرع فإنا لا نقبله ولا نوافق عليه أصلا إذ المقصود من هذا هو التطهير من هذا الرجس لا إبداله بما هو أقبح وأفظع في المثل كمن غسل دما بدم أو بزيادة آخر عليه في المثل جاء يطب فأعمى وفيه أيضا جاء ليستفيد قرنين فرجع بلا أذنين”.

تحققت نبوءة السلطان، وحصل ما حذر منه في شكل أمثال بعد أن وجه البلد العليل بمرض الحماية سفيرا عليلا وعاجزا عن الحركة بسهولة فحسمت الدول الأجنبية الأمر لصالحها منذ البند الأول من معاهدة مدريد الذي جاء فيه “والشروط التي تقبل بها الحماية هي المقررة في شروط النجليز والصبنيول مع دولة المغرب والوفق الواقع بينهما وبين الفرنسيس والأجناس [الأخرى] عام 1863 سوى التراتيب التي ستقع في هذا الوفق”. و هو ما يعني عمليا أن مؤتمر مدريد جاء بصيغة “تركيبية” للامتيازات التي حصلت عليها الدول الأوربية منفردة وبالتدريج، وأضفى عليها وعلى امتيازات أخرى مستجدة صبغة قانونية، وأهمها أحقية الأجانب في تملك العقار في المغرب الذي كفله البند الحادي عشر من مؤتمر مدريد. في حين جاء في البندين الثاني عشر والثالث عشر من نصوص نفس المؤتمر حديث عن ترتيب مخصوص سيقع الاتفاق عليه لاحقا لضبط كيفية أداء المستفيدين من هذه الأملاك و العقارات للجبايات، وهو ما صدر في شكل قانون 30 مارس 1881 الذي بالقدر الذي يبدو منصفا للجانب المغربي من خلال إجباره الأجانب والمحميين ذوي الأملاك في المغرب على أداء الجبايات، بالقدر الذي أبانت نصوصه عن دهاء دبلوماسي اغتال الحلم المغربي في المهد. إذ ورد في الفصل الثاني منه أن “الرعايا الأجنبية وأهل حمايتها تكون في خلاص الصاكات والعشور والزكاة على حد سواء مع رعية الحضرة الشريفة”. ومن ثم رفض الأجانب والمحميون أداء ما عليهم من واجبات حتى يؤدي الرعايا المغاربة، وهو مطلب تعجيزي تذرعوا به لجعل قانون 30 مارس 1881 حبرا على ورق، مجمدا غير ملزمين به في ذلك الوقت، طالما أن السلطان عاجز عن إخضاع جميع القبائل لأداء الجبايات.

عكس المفاوض المغربي، عبر المسار الطويل للمعاهدات التي تعرضت لموضوع الحماية والمحميين عن قصور واضح في الأداء الدبلوماسي دون الحديث عن الأمانة وبراءة الذمم، فبين معاهدة 1856 مع بريطانيا التي نهجت أسلوب الارتشاء وبين مؤتمر مدريد، الذي مثل المغرب فيه رجل مريض طاعن في السن، تحضر تسوية بيكلار (Béclard) مع فرنسا سنة 1863 التي سارع المفاوض المغربي إلى تبني صيغتها العربية دون الانتباه إلى اختلافها عن الصيغة الفرنسية التي ورطت البلاد في مطب نظام المخالطة. وهو مؤشر على خلل بنيوي اعتور الدبلوماسية المغربية خلال هذه المرحلة، وأسهم في استشراء آفة الحمايات التي تحولت إلى نازلة استدعت فتاوى العلماء وآراء الحاخامات، التي استعان بها السلطان للخروج من المأزق الدبلوماسي الذي وضعته فيه المعاهدات غير المتكافئة مع الدول الأجنبية. فاعتمد التعبئة بناء على آراء الفقهاء والعلماء لتوعية الرعايا بمساوئ الاحتماء بالنصارى، وإبراز المخاطر المحدقة بالدين وبالبلاد في حالة استفحال هذه الظاهرة، وما يواكبها من أطماع أجنبية، كما اعتمد على تدخل الحاخامات وأعيان اليهود المحافظين قصد حثهم للعمل على تنبيه إخوانهم في الدين من مغبة السقوط في تصرفات طائشة قد تؤدي إلى ردود فعل المسلمين في حالة حدوث تجاوزات مخالفة لتقاليد وأسس تعايشهم مع جيرانهم اليهود. ويكفي أن نذكر هنا عناوين بعض المؤلفات التحريضية ضد الاحتماء بالأجنبي لنعي الرأي الواضح والصريح للعلماء المغاربة في نازلة الحماية القنصلية، وأهمها: “هداية الضال المشتغل بالقيل والقال” للمامون بن عمر الكتاني الحسني الفاسي، و”الرسالة في أهل البصبور الحثالة” للحاج العربي بن علي المشرفي الحسني، ثم خطبة أبي الحسن علال بن عبد الله الفاسي الفهري المعنونة بـ”إيقاظ السكارى المحتمين بالنصارى”، أو “الويل والثبور لمن احتمى بالبصبور”، و”الدواهي المدهية للفرق المحمية” لجعفر بن إدريس الكتاني، و”كشف النور عن حقيقة كفر أهل البصبور” لمحمد بن إبراهيم السباعي.

هذا الإلحاح من طرف علماء المغرب على المفاسد المنسوبة لانتشار ظاهرة الاحتماء بالأجنبي، التي وصلت إلى حد التكفير، استدعت رد فعل من طرف المحميين الذين سعوا بدورهم إلى التحصن خلف الدين لاستصدار فتاوي دينية تجيز لهم حق الاحتماء بالأجنبي هربا من شطط الجابي أو تسلط الحاكم، فعبئوا علماء وفقهاء للإفتاء في هذا الاتجاه المبرر لطلب الحماية، برز منهم اسم الفقيه الجزائري الأصل محمد بن دربة، إذ وجدوا في غياب العدل الجبائي، وتورط أسماء معروفة في الحاضرة العلمية فاس في عمليات سمسرة وتعامل تجاري مع الدور والشركات التجارية الأوربية مسوغا للرد على فتاوي العلماء ضد الحماية والمحميين.

  1. الحماية القنصلية بين أصحاب الرأس المال المادي والرأسمال الرمزي:

انتهى مؤتمر مدريد إلى توصية يتيمة بإقرار قانون يلزم الأجانب والمحميين المالكين للأراضي والعقارات بأداء الجبايات، لكن هذا المسعى سرعان ما أجهضه البند الثاني من قانون 30 مارس 1881 كما سبقت الإشارة إلى ذلك. وهو مؤشر على تعميق حرمان المخزن من مورد جبائي مهم في وقت تزايد فيه ترامي المحميين على مزيد من الأراضي بصيغ وآليات مختلفة، وقد طالت عملية الترامي على أملاك جديدة أراضي مخزنية وأراضي الكيش و الأحباس. وتكرست هذه الحركة ضمن سياق عام امتاز بتنامي اهتمام كبار التجار المسلمين واليهود (المحميين منهم والمجنسين) بالفلاحة، وبتعزيز رصيدهم العقاري في البادية لتحقيق أرباح إضافية، وتأمين أنفسهم ضد تأرجح قيمة الرواج التجاري وتقلبات السوق. ونسج الأجانب على منوالهم بشكل متزايد وواضح عقب الاعتراف لهم بحق الملكية العقارية وتطبيع الوضع القانوني لما سبق لهم اقتنائه قبل 1880، مما أدى إلى انتشار بؤر الاستيطان الزراعي منذ وقت مبكر.

أسهم تفشي الرشوة في صفوف العدول، وسهولة تزوير الرسوم اللازمة لـ”إثبات الملكية” في تنامي حركة الامتلاك على حساب المخزن، في وقت أصرت فيه المفوضيات الأجنبية بطنجة على الدفاع عن “المتعلقين بها” ومساعدتهم على الحفاظ على ما “اقتنوه” بغض النظر عن مصداقية وثائق الإثبات. هكذا استدعى القنصل الأمريكي قطعا من أسطول بلاده الحربي للضغط على السلطان في قضية أرض بضواحي فاس ادعى محميون أمريكيون ورثوا حماية والدهم المدعو عمر بن تاهلة الفاسي أنها كانت في ملكيتهم، وأن لديهم الحجج الكافية لإثبات ذلك. وبعد إجراء المخزن للتحريات الكافية، وعدم اقتناعه بمزاعم الورثة المحميين. وبعد تعقد الوضع، توج الاستنجاد بالقنصل الأمريكي بظهور سفن حربية أمريكية في مياه طنجة في ماي 1882، فما كان من السلطان في هذه الحالة وحالات متشابهة إلا البحث عن صيغة توفيقية ترضي المستحوذين على أملاكه تفاديا للدخول في مواجهات مباشرة معهم ومع حماتهم.

يستحضر الباحث محمد كنبيب، في معرض حديثه عن هذا النوع من المحميين، نموذجا آخر، يتعلق الأمر بأسرة أولاد الضاوية، التي كانت في الأصل جزءا من المخزن المحلي بمنطقة الغرب ثم تحولت دون مراعاة لهذا الوضع إلى الاحتماء بالفرنسيين، نموذجا للأعيان الذين راكموا الثروة باسم المخزن أولا ثم على حسابه ثانيا؛ إذ لم يكتفوا بالاستحواذ على عدد ضخم من رؤوس الأبقار والأغنام، بل “تراموا” على مئات الهكتارات من الأراضي الخصبة التي تدخل ضمن الأملاك المخزنية، واقتطعوها لفائدتهم. وقد تأتى لهم ذلك بفعل الحماية الفرنسية التي حصل عليها المشرف على آل الضاوية المدعو محمد، باعتباره (نظريا) سمسارا لشركة عقارية فرنسية. ومقابل هذه الحصانة، التزم السمسار المذكور بالتفاني في خدمة مصالح فرنسا، ووصل افتخاره بما أنجزه إلى حد التباهي بنفوذه و”جليل الأعمال” التي أسداها لحماته إذ قال: لقد منحت لي فرنسا حمايتها، أما أنا فإنني وهبتها إقليما بكامله”.

إذا كان هذا هو حال المخزن مع بعض أعيان البوادي ممن تحصنوا بالحماية القنصلية لإضعاف هيبته وتقليص مداخيله، فإن وضعه مع تجاره السابقين الموسومين بتجار السلطان، صار أكثر حرجا بعد المعاهدة المغربية البريطانية لسنة 1856، فبين خطاب للمفوضيات الأجنبية يدبج رسائل وتقارير الإشادة بفوائد هذه المعاهدة المجددة حسب رأيها الهياكل العتيقة للدولة المغربية والمنعشة لمداخيلها والموفرة لشروط العيش الكريم للأهالي، وخطاب للسلطان ووزراءه لا يرى في هذه المعاهدة سوى السلبيات الجسيمة الناجمة عن تخفيض الرسوم الجمركية وتحديدها في 10 % فقط من قيمة البضائع المستوردة، وتكسير نظام “الكنطرادات” وإنهاء الاحتكارات السلطانية وتسريح فئة مهمة من تجار السلطان والتحاقهم بالأجانب، لم يتوان هؤلاء التجار في استثمار خبرتهم الواسعة ومهاراتهم العالية للتكيف مع الوضع الجديد، وتحولوا بين عشية وضحاها إلى “سماسرة” محصنين قضائيا وجبائيا، وموالين لحماتهم الجدد مطمئنين على أنفسهم وأموالهم من المصادرة، فربطوا مصالحهم بمصالح الدول الحامية واعتبروها فرصة سانحة لتحقيق التراكم المالي الذي أجهضته أساليب التتريك المخزني.

وكان لهذه الحصانة مفعول فوري ومباشر تجلى في دفاع المفوضيات عنهم فور تكسير نظام الاحتكارات، وشروع المخزن في مطالبتهم بتصفية ما بذمتهم من أموال السلطان. “فمن كان منهم يود التقاعد على ما بين يديه من مال أو ديون لبيت المال أو عقارات مخزنية تتستر وراء حمايته ورفض المثول للمحاسبة أو نهج المماطلة والتسويف وطبقا لمبدأ مناصرة المحمي ظالما أو مظلوما، ساندت المفوضيات التجار الرافضين لأي مساءلة أو محاسبة، وصعدت لهجة الدفاع عنهم بل هناك سفراء (ومن ضمنهم سفير إيطاليا) تجاوزا حدود المساندة الدبلوماسية، وأقدموا على التهديد بقطع العلاقات الدبلوماسية واستدعاء بوارج حربية في حالة تشبث المخزن بمطالبه، واستمراره في التضييق والتحرش على هؤلاء المحميين”.

يدقق محمد كنبيب مسألة تآكل ولاء جزء من فئة التجار المغاربة للمخزن، ويحلل هذا التحول الذي أضر كثيرا بمداخيل البلاد من خلال نموذجين معبرين عن تحول قدماء تجار السلطان إلى محصنين بحماية دولة أجنبية؛ فمصطفى الدكالي الذي كان من عناصر النخبة التجارية المتميزين ومن دعائم نظام الاحتكارات والمشارك، نظرا لهذه الخبرة والمكانة، في المفاوضات الممهدة لمعاهدة 1856، لم يتوان، على غرار زملائه الآخرين، في التأقلم مع مستلزمات الوضع الجديد للحفاظ على موقع الصدارة في المبادلات التجارية البحرية، فتحرك للحصول على حماية أوربية يؤمن بها الثروة الهائلة التي حققها في ظل الاحتكارات السلطانية. حصل الدكالي على ما أراد، وتحصن بالحماية الإيطالية. وإثر وفاته، قدرت ديونه تجاه بيت المال بمئات الآلاف من الفرنكات الذهبية، فدخل المخزن في صراع مرير وطويل مع ورثته لاسترجاع ما أمكن استرجاعه، لكن الورثة تحصنوا بدورهم بالحماية الإيطالية فتعقدت مساعي المخزن أكثر. إذ بمجرد إلقاء القبض على أحد الورثة، سارع المفوض الإيطالي سكوفاسو (Scovasso Stefano) لاعتراض طريق الفرقة العسكرية المكلفة بمرافقة المعتقل، وأشهر مسدسه في وجه قائدها مهددا بإطلاق النار ما لم يطلق سراح المعتقل فورا، فكان له ما أراد. ولم يكتف بهذه الإهانة التي ألحقها بالمخزن أمام الملأ، بل اختار أسلوب التصعيد أكثر، فاستقدم بارجة حربية لمحو ما اعتبرها إهانة ناجمة عن “تجرؤ” المخزن وتجاهله للحماية الإيطالية الممنوحة لأحد رعاياه والحقوق المخولة لإيطاليا بمقتضى المعاهدات. فكان المخرج الوحيد للسلطان هو طلب وساطة بريطانية لإيجاد حل لهذه الأزمة التي انتهت دون إلحاق ضرر بالمحمي الإيطالي، الذي تعلق لاحقا بحماية أقوى، تمثلت في حماية الألمان.

النموذج الثاني هو المختار بن عزوز الذي يمكن اعتباره تاجرا “رأسماليا” مغربيا ناشئا بصفته وكيلا ماليا للسلطان في إنجلترا، ووكيلا لدور تجارية أوربية بالمغرب، لكن في نفس الوقت نموذجا للتجار “الغارقين الذمة” في آن واحد تجاه بيت المال وشركات أجنبية. وقد تزامنت قضيته مع وضعيتين اقتصاديتين صعبتين محلية ودولية؛ ففترة 1878-1884 هي فترة انهيار المحاصيل الزراعية بالمغرب بفعل توالي سنوات الجفاف، والتي تزامنت مع دخول العالم الرأسمالي في مرحلة ركود حاد، نتجت عنها تسجيل حالات إفلاس للعديد من كبار التجار المغاربة الذين كان بن عزوز واحدا منهم. ونظرا لهذه الظرفية التجارية الصعبة، سارع السلطان الحسن الأول، الذي كان يعي ثقل الديون التي لهذا التاجر من لدن دائنيه الأجانب وخوفا من أي تفاهم قد يجريه خلسة معهم على حسابه، إلى حث الأمناء على مصادرة ممتلكاته بفاس وبيعها بالمزاد، ودفع عائداتها لبيت المال، وهو ما أثار حفيظة الدائنين الأجانب، وخاصة الدور التجارية البريطانية. فلم تسلم هذه الدور بالأمر الواقع، ولم تقنعها تفسيرات السلطان واستعداده لاعتقال المدين المفلس وإيداعه السجن رغم حمايته، فطالبت المفوضية البريطانية بطنجة بالتدخل وإرغام المخزن على تعويضها وجبر الضرر الذي مسها جراء مصادرة ممتلكات مدينها، محملة المولى الحسن المسؤولية المباشرة في هذه القضية، باعتباره شريكا تجاريا لابن عزوز وعليه أن يتكفل بدفع ما بذمته للأجانب. وأمام إلحاح الدائنين الإنجليز، احتج الوزير الأعظم المغربي محمد بن العربي المختار بكون “تعمير ذمة” ابن عزوز تجاه المخزن كان قبل تعمير ذمته اتجاه الدائنين الأجانب، خاصة البريطاني كارتر (E. Carter)، فاستنتج أسبقية المخزن وحقه في استخلاص ديونه قبل غيره من الدائنين، خاصة وأن المبالغ المالية التي كانت بذمة المدين للسلطان كانت من الأهمية التي لا يمكن التنازل عليها. وإذا كان الدائنون الأجانب لم يقتنعوا بمسألة الفرق الزمني المشار إليه، وألحوا على المسؤولية المباشرة للسلطان بصفته شريكا تجاريا مباشرا، فإن “تراخي” جون دريموند هاي في الدفاع عن مصالحهم لا يفهم إلا في إطار محاولة هذا الدبلوماسي المحنك، الذي كان يومئذ مشرفا على التقاعد، حث المولى الحسن على فتح مفاوضات حول معاهدة تجارية جديدة لتحرير المبادلات البحرية بشكل نهائي، مقابل تقديم وعود للسطان بدعمه في مسألة الحماية والتجنيس، وتعديل ما ورد بشأنها في مؤتمر مدريد. “وبصفة عامة، وبصرف النظر عما آلت إليه قضيتا المختار بن عزوز وأحمد الدكالي، فإن أطوار القضيتين تعكس إلى حد ما حقيقة المنحى الذي صار عليه موقع السلطان التقليدي بصفته فاعلا مباشرا في التجارة البحرية، ومتدخلا في المبادلات بواسطة تجار، كان بعضهم يتحرك في إطار النظام الذي كسر غداة دخول معاهدة 1856 حيز التنفيذ، وامتاز فعلا هذا المنحى بالتهميش التدريجي للسلطان بصفته فاعلا مباشرا في التجارة البحرية. وما اعتماده بعد 1856 على بعض التجار لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من بنيات وممارسات الماضي للاستفادة من ارتفاع حجم و قيمة المبادلات البحرية، إلا رد فعل ذي دلالة أملته عليه صيرورة عامة جردته من احتكاراته ومن السلاح الجمركي ودفعت به نحو الإقصاء وشبه تجفيف لمداخليه التجارية”.

هكذا فقد المخزن دعم جزء لا يستهان به من “النخب الاقتصادية” سواء في البوادي أو الحواضر، وفقد بذلك عائدات مالية مهمة. وتم تقييد يده في إجراء الأحكام على جزء من رعاياه من جهة، وفي التحكم في مبادلاته التجارية مع الخارج التي كانت تذر عليه أموالا مهمة من جهة أخرى. وما زاد في معاناته على الصعيد المالي، سعي المحميين والأجانب ومفوضياتهم إلى الابتزاز المالي الفج، عبر تحميل الدولة وخزينتها مسؤولية ديون الخواص تجاه الأجانب والمحميين، رغم الطابع الربوي وغياب أدلة إثبات لهذه الديون، فضلا عن التعويضات اللازم دفعها في حالة استقدام بوارج بحرية. وتعكس قيمة ما دفعه المخزن من ديون للفرنسيين ومحمييهم لوحدهم حجم الثغرة المالية التي أحدثتها مسألة التعويضات في خزينة الدولة، فقد ارتفع ما دفعه المخزن لهم من 160.000 فرنك سنة 1861 إلى 3.000.000 فرنك سنة 1889 وهو ما حذا بالسفير الفرنسي دو مونبيل (De Monbel) إلى القول في إحدى تقاريره: “إن الحماية أتاحت للقوى الأوربية إمكانية تحقيق اختراق بطيء للدولة المغربية بواسطة رسوم الدين الوهمية القائمة على الربا”. ليخلص إلى الاعتراف في نهاية تقريره بأن هذا “الاجتياح يشكل خطرا سياسيا جسيما على المغرب“. فهل اقتصرت معاناة المخزن مع المحميين على أصحاب الرأسمال المادي؟ أم أن الدعامات الروحية التي طالما استغلها لتثبيت نفوذه طالتها هي الأخرى عدوى الحماية فحرمت المخزن من رأسمالها الرمزي الذي حولته لفائدة الأجانب؟

وعيا من الدول الأجنبية لنفوذ الزعامات الروحية وشبكات علائقها وقوة تأثيرها، سعت إلى التهافت في استقطاب أبرز رموزها واضعة رهن إشارتهم حمايتها الخاصة. ويحضر في هذا الصدد اسمين معروفين عالج من خلالهما محمد كنبيب ركيزة النفوذ الروحي التي اعتمدها المخزن في الحكم، والتي تعرضت بدورها للتفسخ، وتحول جزء من رأسمالها الرمزي لخدمة الوجود الأجنبي في المغرب. يتعلق الأمر بكل من شيخ الزاوية الوزانية الحاج عبد السلام الوزاني أو “الوزاني” حسب التعبير المقتضب والدال للمولى الحسن بعد أن احتمى بالفرنسيين سنة 1884، ثم شيخ زاوية تامصلوحت الذي حذا حذوه واحتمى بالإنجليز سنة 1894، واللذين قبلا معا التعامل المكشوف مع حماتهم واضعين نفوذهما الروحي والاجتماعي رهن إشارتهم. وكانت قفزة من هذا القبيل ومن هذا الحجم، أي تقرب شخصيتان دينيتان بارزتان من النصارى والكفار (ومن وجهة نظر عامة الناس) بمثابة انقلاب مرعب على اعتبار دور الزوايا التقليدي في تاريخ المغرب”.

مما لا شك فيه أن شيخ الزاوية الوزانية كان من القوة والنفوذ والوزن السياسي والاجتماعي والروحي ما جعل انتقاله إلى صف المحميين الفرنسيين مؤشرا على ثغرة كبيرة في الكيان المغربي، وخرقا يصعب رتقه حسب التعبير المخزني، وهو الذي استفاد من ظهائر التوقير والاحترام، وامتد نفوذ وإشعاع زاويته في كل الاتجاهات، وامتدت معه أملاكه وعزائبه. والمثير للانتباه أن احتماءه بالفرنسيين لم يدفعه للتفريط في ظهائر التوقير والاحترام الممنوحة لأسلافه في سياق تعاملهم التقليدي مع المخزن. وبعد وفاته، استصدر ورثته بدورهم ظهائر سلطانية ضمنت لهم امتيازاتهم التقليدية بعد أن ضمنت لهم فرنسا حمياتها “الخاصة” بشكل وراثي في خرق سافر لمقررات مؤتمر مدريد.

قال أحد الملاحظين الأنجليز في مقال صدر بلندن تحت عنوان “الفرنسيون في المغرب”: “لقد أحدث الفرنسيون بوزان ما يمكن اعتباره بمثابة محمية لهم (…)، وها هم الآن يبذلون قصار جهودهم لمراقبة أضرحة الشرفاء (الوزانيين) ومزارهم في المغرب والريف. (…). إذا استمر الوضع على ما هو عليه الآن فسيؤدي لا محالة إلى سقوط هذين الإقليمين تحت قبضة فرنسا، وسيتحول سكانهما بين عشية وضحاها إلى رعايا فرنسيين”. وهو تحليل يطابق ما جاء في جريدة “المغرب الأقصى” الصادرة بطنجة باللغة الأنجليزية في عددها ليوم 17 يناير 1884: “إن الحماية الممنوحة للوزاني خلقت دولة فرنسية قوية داخل الدولة المغربية، وإن فرنسا خطت بذلك خطوة حاسمة على درب فرض حمياتها على الإمبراطورية الشريفة”.

لا يتعلق الأمر في الواقع بمزايدات صحفية أو تكهنات غير مؤسسة، فقد كان الأمر أكثر من جدي ومقلق، فالسفير الفرنسي لادسلاس أورديغا (Ordega, Ladislas)، صاحب فكرة “تونسة المغرب”، لم يتوان في تهديد السلطان الحسن الأول صراحة بتدخل عسكري للإطاحة به، وتعيين عبد السلام الوزاني في مكانه. في حين واصل حاكم الجزائر حثه الحكومة الفرنسية على تحريك شريف وزان وتشجيعه على القيام بالاستعدادات اللازمة للاستيلاء على الحكم، وإخضاع المغرب برمته أو بعض جهاته لسلطته بعد انهيار النظام القائم في البلاد وانقسام الإيالة الشريفة”. وهو كلام صادر من شخص خبر مساعدة الوزاني للفرنسيين وتسهيل مهمتهم للتغلغل وقضم أجزاء مهمة من خريطة الوطن شرقا. وتعبر رسالة موجهة من السلطان إلى جون دريموند هاي بشأن تصرفات أحد أبناء عبد السلام الوزاني عن مدى خطورة الأوضاع الناجمة عن تصرفات هذا المحمي الفرنسي سواء على المستوى الأمني أو الاقتصادي، إذ ورد فيها أن: من جملة ما وقع في هذه الأيام من الضرر الواقع في الحماية، هو أن كل من في طبعه الفساد من قبائل الغرب وبني حسن والحيالة يمشي لعند السيد محمد (بن عبد السلام) ويقبلهم، ويقول لهم كل من أراد يكون عندي فيأتي بالسلاح، وصاروا يشترون الخيل والمكاحل. وهذا لاشك ينشأ عنه فساد كبير، ولا يبقى أمان على متاع التجار الذين يسافرون به نوابهم لأسواق القبائل، ويقع الخوف في الطرقات، ويفسد العمل للمخزن والتجارة”. وأضافت الرسالة أن ولد الشريف الوزاني “الصادر منه خرق كبير فسد به ضابط المخزن”، قام باعتقال رجل يقوم مقام حاكم وزان قال أنه تكلم فيه بسوء. ولتأديبه ومعاقبته، “صار يضربه الضرب القوي، ويصب الماء الغليان على رأسه حتى أهلكه”.

كان طبيعيا أن تثير هذه المكاسب التي حققتها فرنسا عبر محمييها الخاص وفوق العادة عبد السلام الوزاني مزيدا من المنافسة والتهافت بين القوى الأجنبية لضمان ولاء زعامات وازنة. وإذا كانت إسبانيا قد ضيعت فرصة استقطاب الوزاني سنة 1867، وصارت تبحث بأي ثمن عن رأسمال رمزي محلي لاستثماره سواء في شمال البلاد أو جنوبها، فإن بريطانيا المهتمة بالوضع القائم في الحوض الغربي للمتوسط لم تكتف بالخدمات التي كان يسديها لها محميها النافذ التاجر بوبكر الغنجاوي المقرب من الدوائر المخزنية العليا، بل نجحت في استقطاب الحاج محمد المصلوحي شيخ زاوية تامصلوحت، ذي النفوذ الروحي الواسع في جنوب البلاد، والمعروف بشساعة أملاكه وأراضيه الفلاحية، وتحكمه في موارد مائية مهمة في حوز مراكش. ومنحته حمايتها ووظفته في خدمة مصالحها في المغرب. وعن ظروف احتضان المصلوحي قال المفوض البريطاني نيكولسون (Nicolson, Arthur): “منحت الحماية البريطانية لشريف تامصلوحت سنة 1894 للحيلولة دون احتمائه بالفرنسيين (…)، ولمنع هؤلاء (من الإفادة من احتضانهم لهذه الشخصية) وتحويل جنوب المغرب إلى منطقة (خاضعة) لنفوذهم وقاعدة لدعايتهم السياسية (وما يمكن أن يقوموا به) لاستغلال النفوذ الذي يحضون به (في الشمال)، وتوسيعه بواسطة شرفاء وزان في اتجاه مختلف أرجاء الإمبراطورية الشريفة”.

هي إذن لعبة التوازنات بين القوى المتنافسة على المغرب، وظفت فيها الزعامات الروحية لقطع الطريق على بعضها البعض، والواقع أن المصلوحي كان فرنسي الهوى في البداية، لما كانت له من علاقات ببعض التجار الفرنسيين المقيمين بمراكش، والذين لم يكن يخفي عنهم تطلعه للاحتماء بدولتهم، وهو الخبر الذي التقطته آذان الغنجاوي وآذان مخبريه، وتم نقله إلى المفوضية البريطانية بطنجة. وهو الخبر الذي وصل أيضا إلى باريس، التي كانت تعي مدى اهتمام غريمتها بريطانيا بموضوع المصلوحي، فآثرت عدم الدخول في المنافسة عليه لتفادي نشوب أزمة مع الأنجليز. “وعلى غرار السابقة الوزانية وتراجعه تحت ضغط فرنسا التي لوحت جيوشها لفرض الحماية الممنوحة لشريف وزان، رضخ المولى الحسن للأمر الواقع عندما بلغه نبأ إقدام الدولة المحبة على بسط حمايتها على شخصية دينية لها وزنها الروحي في جنوب البلاد”.

  1. المسلم واليهودي / الفقير والوزير معا في مركب الحماية:

تفادت بريطانيا الوصول إلى حد التهديد بالإطاحة بالدولة العلوية وإبدالها بأسرة موالية لها عندما قررت منح حمايتها لشيخ زاوية تامصلوحت، لقطع الطريق أمام منافستها فرنسا في جنوب البلاد. وإذا كان الحاج المصلوحي لم يصل في تحدياته للسلطان مبلغ سلوكات الحاج عبد السلام الوزاني وما أثارته من انتقادات شديدة، فإن تصرفات وشخصية محمي بريطاني آخر يدعى بوبكر بن البشير الغنجاوي، أثارت زوبعة من الانتقادات داخل المغرب وخارجه. ذلك أن التقارير التي كان يسودها جون دريموند هاي عن هذا الشخص كانت تكشف عن تورطه في أمور دنيئة جعلته لا يستحق “سوى ثقة محدودة للغاية” في نظر السفير البريطاني بطنجة رغم قوته وشبكة علاقاته ونفوذه وتقربه من الدوائر المخزنية العليا بما فيها السلطان الحسن الأول وحاجبه باحماد.

يتتبع محمد كنبيب سلوكات هذا المحمي البريطاني، كاشفا أخطرها بالقول “ارتبطت أخطر الاتهامات الموجهة له، وهو محمي دولة قائمة على الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان، بتورطه في تجارة الرقيق وإشرافه على دور تمارس فيها الدعارة لحسابه، ويزج فيها بإماء ونساء وفتيات يتم اختطافهن من القبائل المجاورة لمراكش وإرغامهن على بيع أجسادهن لصالحه”. وعلى إثر ذلك، تحركت جمعيات بريطانية مناهضة للرق والدفاع عن الأهالي في إفريقيا وآسيا، وقامت بتحريات ميدانية على ضوء شهادات كثيرة ومتقاطعة، واستمعت إلى إفادات بعض الضحايا. فشنت هذه الجمعيات حملة واسعة للتشهير بالغنجاوي، كما صوبت سهامها نحو الحكومة البريطانية التي قبلت حماية شخص بمثل هذه الأفعال، في وقت سكت فيه مفوضها بطنجة عن الممارسات الدينئة لـ”عميله ومخبره”. كما انخرط في هذه الحملة زوار أجانب وصلهم خبر ما كان يقترفه مخبر المفوضية البريطانية، الذي صارت تصرفاته مادة لمقالات بالصحف البريطانية، ثم أثيرت هذه القضية أمام البرلمان البريطاني. وأمام كل هذا الضغط، اضطرت الحكومة البريطانية لفتح تحقيق رسمي في الموضوع مطالبة الغنجاوي بتفنيد التهم الموجهة إليه، فسلك هذا الأخير منهج الاستعلاء معتبرا أن “سمعته والاحترام الذي يحظى به كافيان لوضعه فوق أي شك أو التباس”. وهو ما لم يقتنع به أحد، خاصة وأن التقارير الفرنسية عنه تحدثت عن “أن عناصر ملثمة من أعوان الغنجاوي كانت تختطف كل من حاول رفع شكوى للسلطان، وتزج به في دهاليز سجون خاصة”. غير أن كل هذا لم يدفع المفوضية البريطانية للتبرؤ منه أو على الأقل مؤاخذته بشكل جدي، ربما لمعرفته لجزء كبير من خبايا وأسرار حماته، أو لسعي هؤلاء لعدم الظهور بمظهر من يتخلى عن عملائهم و مخبريهم وكل من يكون في خدمتهم. غير أن هذا الاختيار البريطاني قد يفهم في سياق مسعاه البراغماتي المؤسس على المصالح لا على الأخلاق، بيد أن العسير على الفهم هو موقف المخزن المركزي تجاه الغنجاوي، رغم كل مؤاخذاته عليه ورغم فضائحه التي كان يعرفها الخاص والعام، إذ لم يغلق الباب في وجهه، ولم يقطع علاقاته معه، بل كل ما فعله هو إغلاق بعض دوره التي كانت مستعملة للدعارة المكشوفة، وهو ما حذا به إلى التجرؤ على المطالبة بتعويضات مادية مقابل إغلاق هذه الدور. هذه الخطوة المزدوجة من الحماة ومن المخزن هي التي جعلت الغنجاوي وأمثاله من المسلمين يتمادون في خرقهم للقانون إلى أن صاروا مادة للتداول الصحفي على المستوى الدولي. فماذا عن وضعية اليهود على هذا المستوى؟

 في هذا الصدد يجد قارئ كتاب المحميون تدقيقات كثيرة ونماذج معبرة تستدعي التكثيف والتركيب، إذ شكلت ما عرف بـ “قضية إسحاق عمار” مادة نقاش وسجال في أوساط المفوضيات الأجنبية، ومادة دسمة للتناول الصحفي عشية مؤتمر مدريد. فبعد أن سلك مثل بعض إخوانه اليهود مسلك التمرد على مجموعة من الضوابط الملزمة لوضع الذمي، تجرأ في أواسط 1879 على قتل مسلم بمدينة الدار البيضاء، ورفض المثول أمام القضاء الشرعي، بحكم الحصانة المخولة له بمقتضى حمايته الإسبانية (المزعومة). فهبت كبريات الجمعيات اليهودية الأجنبية لمناصرته خاصة بعد أن رفض أهل القتيل الفدية المقترحة عليهم، وتوجيههم النداء مباشرة للسلطان لمطالبته بإصدار الأوامر لكي يمثل الجاني أمام القضاء. وإذا كان السفير الإسباني قد أعلن في البداية أن اسم هذا المحمي قد تم شطبه من لوائح الحماية الإسبانية، فإنه ما لبث أن تراجع عن موقفه في صيف 1879، إثر تعرضه لانتقادات في الصحف الصادرة بطنجة التي حملته مسؤولية الحكم بالإعدام على إسحاق عمار في حالة مثوله أمام القضاء الشرعي، “لأنه جرد من الحماية الإسبانية في ظروف حرجة وترك وجها لوجه أمام القضاء المغربي”. فتم تحويل النقاش في اتجاه إقناع السلطان بالضغط على أقارب الهالك لقبول الفدية، مع العلم أن قضية من هذا النوع قد تشكل ضربة قاضية لمشروع نظام الحمايات والتجنيس. وأن كل تلك الحملة الدعائية على المستوى الصحفي أو عمل الجمعيات أو المفوضيات إنما كان يهدف إلى الإبقاء على فوضى الحمايات، لأن إعدام الجاني إسحاق عمار كان سيشكل متغيرا وربما بداية ردع لهذه الفوضى. وإذا كان هاي قد صرح “أن الناس في أوربا سيعتبرون أن اليهودي المذكور لم ينفذ في حقه الحكم بالإعدام إلا لأنه جرد من حمايته الإسبانية”، فإن الجمعيات اليهودية والصحف الموالية لها اعتبرت أن التفريط في هذه القضية إنما هو تفريط في حياة وأمن اليهود في المغرب ككل، إذ رددت الصحف الصادرة بطنجة وجبل طارق ولندن ونيويورك هذا الرأي بالقول: “لا أمن أو أمان ليهود المغرب على أرواحهم وممتلكاتهم دون يقظة وحماية الدول الأوربية والولايات المتحدة الأمريكية، ولا خلاص لهم إلا بفضل أو رعاية هذه الدول”. لذلك لم يكن مستغربا أن ترحب جل الحكومات الأوربية بمساعي كبريات الجمعيات اليهودية المطالبة عشية مؤتمر مدريد (1880) برفض الإصلاحات التي كان المخزن يلح على ضرورة إدخالها على نظام الحمايات.

شكلت مسألة التجاسر على الولاة والأمناء والمحتسبين والقضاة، ورفض المثول أمامهم والامتثال لأوامرهم، إحدى أهم القضايا التي أرقت المخزن من تصرفات اليهود المحميين، وزاد الأمر استفحالا بتصرفات استفزازية مثل رفض خلع النعال بجوار “الأماكن المعظمة”، ووصل التحدي حد القتل والرغبة في الإفلات من العقاب. فهل شكلت الحماية وتجاوزات المحمي مسلما كان أو يهوديا أداة للعمل الجمعوي والإعلامي لطبيعة المحميين ووضعهم الاجتماعي؟ أم أن الحماية طالت مختلف شرائح المجتمع المغربي؟

سجل الرائد المتقاعد مومني، وهو أحد مبعوثي اتحاد المناجم، وقد سبق له بحكم مهمته الاستكشافية أن زار المغرب طولا وعرضا، أن “مرض الحماية المستشري (في البلاد) يلحق بها أضرارا (جسيمة) (…) و كل الناس يحاولون اقتناءها”. وأشار إلى أنه استغرب أمر رجل فقير، ليس لديه ما يخشاه من المصادرة أو الضياع، رغب بدوره في طلب الحماية، فكان جواب هذا الأخير لتبديد استغراب السائل: “إنني لا أملك في حقيقة الأمر أي شيء إلا أنه (يتحتم) على المرء في (هذا البلد) حماية ولو جلدة من قبضة قوادنا ومولانا السلطان”. ولعل هذا الإحساس بالظلم وغياب العدل الذي دفع الناس إلى الاحتماء بالنصارى خوفا على أنفسهم أولا، هو ما جعل جماعة لسان المغرب توجه رسالة مفتوحة بتاريخ 7 مارس 1909 إلى السلطان عبد الحفيظ مذكرة إياه بحال الأمة تحت حكمه والتي يجوز فيه قول العالم اليوسي إلى المولى إسماعيل: “هذه الأمة البائسة المنكودة الحظ (…) التي هي بالحقيقة كالأغنام قد سلمت إليك أمر رعايتها (…) آملة بك أن (…) تنقذها من حراسها وقادة أمورها وساستها الذين فتكوا بها فتك السباع، وجاروا عليها جور الجزارين فاستفرغوا كل ما في ضروعها واستنفذوا خيراتها وجزوها جزا وسلخوها سلخا ونهشوا لحومها وجردوا عظامها ولم يبقوا على الأكارع والأظلاف فجعلوها في حالة بين الوجود والعدم”.

أدركت جماعة لسان العرب مدى العنف والجور الذي مارسه الولاة والعمال، وما أفرزه شطط الجابي وتعسف القائد من حالة تيه وإحساس بالغبن والظلم، دفع الناس إلى طلب الحماية وبشكل جماعي في بعض الأحيان، كما حصل مع الكونت دو شفانياك De) Chavagnac, comte)بمنطقة الغرب والمعروف بصلته الوثيقة بشريف وزان الذي أدخل تحت حمايته العشرات من الأهالي دفعة واحدة. لكن ماذا بشأن من أمعنوا في الابتزاز والشطط وأجبروا بسطاء الناس على أن يستجيروا من ظلمهم بالنصارى؟

حاول بعض القضاة والعمال أن يقفوا بندية، وأن يجابهوا تطاول الأجانب والمحميين، لكن تخلي المخزن عن مؤازرتهم، أمام ضغط المفوضيات الأجنبية، أحبط عزائم الكثير منهم، في وقت اختار بعضهم منذ البداية التواطؤ والاحتماء عوض المناهضة والمعارضة انسجاما ومنطق تواطؤ مكشوف خير من مواجهة فاشلة أو غير متكافئة أو غير محمودة العواقب. لذلك تحول هؤلاء الموظفون المخزنيون من جهة إلى أداة سحق للفقراء ودفعهم للاحتماء بالنصارى، ومن جهة ثانية إلى وسيلة اختراق تسهل مهمة الأجانب والمحميين في إضعاف هيبة المخزن والإضرار بسيادة البلاد وإنهاك بنياته الاقتصادية والاجتماعية. وقد وصل الأمر ذروته عندما اضطر الرجل الثاني في الدولة زمن حكم المولى عبد العزيز إلى طلب الحماية القنصلية، يتعلق الأمر بوزير الحربية المهدي المنبهي الذي حصل على صفة محمي سياسي إنجليزي سنة 1901، فاستغل هذا الوضع القانوني لتأمين نفسه وممتلكاته بعد إبعاده سنة 1902. والواقع أن عملية الإبعاد هاته لا يمكن فهمها إلا في إطار سياسة الدسائس والمكائد والمؤامرات التي كان البلاط العزيزي مسرحا لها، والتي أشارت لها عدة أعمال تناولت هذه الفترة خاصة محمد الحجوي وبيير كيلين(Pierre Guillen)، إلى درجة الحديث عن انقسام في وزراء المولى عبد العزيز بين حزب فرنسي بزعامة عبد الكريم بنسليمان وحزب أنجليزي بزعامة المهدي المنبهي. وقد سبق للحجوي أن تحدث عن غياب النزاهة والكفاءة لدى وزراء المولى عبد العزيز، فيما أشار بيير كيلين إلى ما جناه هؤلاء الوزراء نظير تسهيلهم للصفقات التي كانت تحصل عليها المؤسسات الأجنبية المتعاقدة مع المخزن. وإذا كان زمن احتماء المنبهي بالأنجليز وكذلك الباعث الحقيقي وراء طلبه للحماية غير دقيق، ويحتمل تأويلات وافتراضات عديدة، فإن صعود نجم المنبهي المعروف بولائه للأنجليز والساعي لتمرير إصلاحاتهم في المغرب على حساب المصالح الفرنسية قد أثار ولا شك حنق وغضب فرنسا والجناح الموالي لها داخل المخزن العزيزي، وهو ما حذا بهذا التيار في مرة أولى إلى الوشاية به لدى السلطان. ولما أفلت من المؤامرة الأولى بفضل مساعدة بعض مناصريه، وأهمهم وزير المالية التازي، عادت لغة المكائد لتشتغل مرة أخرى، خاصة بعد إخفاق وزير الحربية المنبهي في إخماد تمرد بوحمارة، فوجد نفسه مرغما على التنازل والانسحاب، وغادر البلاد في اتجاه المشرق للحج ريثما تستقر الأوضاع. وكانت أهم التهم التي وجهت للمنبهي من طرف السلطان مولاي عبد العزيز، بإيعاز ولا شك ممن حرضه على إبعاده، تتمثل في خيانة ثقة السلطان، واستغلاله لمنصب العلاف الكبير (وزير الحربية) المسند إليه، والهيمنة على المؤسسة المخزنية، ووضع اليد على أموال وممتلكات الدولة (ومنها على الخصوص تركة باحماد بعد مصادرتها)، وابتزاز القبائل، والفساد في قبائل البربر، وتبذير أموال المحلة التي وجهت للقضاء على تمرد بوحمارة… بل تم الحديث عن مكافأة مالية قدرها 10.000 ريال لكل من قام بقتل المنبهي. وهو ما أثار غضب الأنجليز الذين ردوا بشكل قوي على ما طال محميهم الوزير المنبهي، وأملاكه وأقربائه وسماسرته ورجال أعماله. وأعلنوا أن محاكمته، إن ثبتت شرعية متابعته، يجب تكون أمام القضاء البريطاني وليس أمام القضاء المغربي. ولم تكتف بريطانيا بالقول بل أرسلت طرادا حربيا إلى مياه طنجة، أنزل قائده بحارة بأسلحتهم ووضعهم رهن إشارة الوزير السابق لحراسته وضمان أمنه، تاركا له الخيار بين ملازمة بيته – أي القصر الضخم الذي بناه – أو الصعود على متن الباخرة البحرية الملكية.

وهو ما يكشف في العمق التعقيدات المحلية والدولية لموضوع حماية الرجل الثاني في الدولة يومئذ، والتي خصها محمد كنبيب بمبحث خاص في الفصل السادس من كتابه، إذ كانت هذه الخطوة البريطانية تحمل في واقع الأمر رسالتين: الأولى إلى السلطان لمراجعة حساباته مع وزيره السابق المحمي من طرف الإنجليز، والثانية لفرنسا لإفهامها أن الاتفاق الودي لسنة 1904 لا يعني تخلي الأنجليز نهائيا عن مصالحهم بالمغرب. وزاد الأمر تعقيدا بعد تدخل الألمان على الخط، وإشعار السلطان أن ألمانيا “مهتمة” بالوزير المخلوع، وأنها لا تنسى مناداته قبل إقالته بتعاون أمتن معها. وهو ما قام به المنبهي مجددا بمناسبة توقفه بمصر في طريق عودته من الحج، حيث اتصل بالقنصل الألماني بالقاهرة لجس النبض مقترحا عليه ردا ألمانيا – مغربيا مشتركا ضدا على التقارب الفرنسي – الأنجليزي الموسوم بالاتفاق الودي. وكانت النتيجة مسعى أنجليزي فرنسي للتفاهم حول قضية المنبهي والضغط على المخزن لاحتواء الموضوع. وصدقت نبوءة وزير الخارجية البريطاني نيكلسون عندما قال إن “حالة مولاي عبد العزيز أصبحت ميؤوس منها، وأن مجيء سلطان منتخب بطريقة ما وبشرط التزامه بإعلان الجهاد ضد النصارى أمر مرجح”. فكان أن فقد المولى عبد العزيز عرشه بعد عدة محاولات يائسة لصد زحف أخيه عبد الحفيظ القادم متوجا في ركاب النصر من مراكش، فاتجه السلطان المخلوع بدوره إلى طنجة، واستقرار بها هو الآخر بصفته محمي سياسي فرنسي. ومن مكر التاريخ، أن كان المنبهي ضمن وفد الشخصيات التي استقبلته إثر وصوله إلى مدينة البوغاز. وتتحدث بعض المصادر الرسمية البريطانية عن يد خفية للمنبهي في مؤامرة كبار قواد الجنوب ودعمهم للمولى عبد الحفيظ، هذا الأخير الذي اقترح مباشرة بعد توليته العرش على الوزير المخلوع تعيينه نائبا له بطنجة، مكافأة على دعمه، إلا أن المنبهي رفض هذا الاقتراح وآثر الحياد نزولا عند توجيهات حماته البريطانيين. وبعد أن وصل السلطان عبد الحفيظ إلى العرش باسم الجهاد، وجد أن الواقع أكثر عنادا وصعوبة مما توقع، وأدرك أن العلة التي أصابت الجسد المغربي يستعصى على كبار الجراحين علاجها مادام داء العطب قديم، ونتيجة تراكم لمعضلة بنيوية لن تنفع معها وصفات جاهزة أو حلول ظرفية، فانتهى إلى توقيع معاهدة فاس في 30 مارس 1912، التي أعلنت الانتقال من زمن حماية الأفراد بشكل متفاوت بين مختلف القوى الأجنبية إلى زمن حماية البلاد برمتها. وكشف الوضع الجديد أن الحصانات القضائية والجبائية الممنوحة لفئات اجتماعية واسعة في سياق تزايد التغلغل الأوربي، والتي أدت إلى تفكيك هياكل المخزن، وتعميق التناقضات داخل المجتمع المغربي، وعطلت الأحكام، وأشاعت الفوضى في البلاد، بعد أن أوصلت الفرنسيين إلى تحقيق مرادهم، يجب اعتبارها متجاوزة حتى لا تشكل أداة عرقلة بالنسبة للدولة الحامية، وحتى لا يتم استغلالها من طرف الدول الأخرى لمضايقتها في مشاريعها الاستثمارية في المغرب. وهو ما حذا بها إلى محاولة التغاضي عن المعاهدات السابقة للمغرب مع مختلف الدول الأجنبية قبل 1912، وكذا السعي إلى الحد من تأثير مقررات مؤتمر الجزيرة الخضراء للانفراد باستغلال الثروات المغربية. وإذا كانت فرنسا قد نجحت في 10 مارس 1915 في استصدار الظهير المنظم للترتيب لتعميم هذه الضريبة الفلاحية على الجميع، وحاولت التدرج في أمر سحب بطاقات الحماية عبر “بطاقات التوصية” و”سياسة الاعتبار”، ثم وصلت إلى صيغة للتراضي مع الأنجليز سنة 1937، فإن مشكل المحميين الأمريكيين بالمغرب ظل عالقا، ووصل سنة 1952 إلى محكمة العدل الدولية بلاهاي، ولم يتنازل الأمريكيون عن امتيازاتهم القانونية بالمغرب إلا بعد حصول البلاد على استقلالها سنة 1956.

خــــلاصــــة:

سعت القوى الأجنبية مبكرا إلى النفاذ إلى الجسد المغربي وتفكيكه تدريجيا عبر غزو بطيء من خلال معاهدات غير متكافئة، عملت على تمطيط بنودها وتأويلها وفق ما يخدم استراتجيتها في التغلغل. فجندت لذلك مجموعة من السماسرة والمجنسين والمخالطين والمحميين، سواء من المتضررين من الوضع القائم أو من ارتبطت مآربهم بمآرب القوى المتنافسة على ضمان مصالحها في المغرب. وقد استغلت الدول الأجنبية هذه المعاهدة لتضمن اختراقا تدريجيا للسيادة المغربية، وتدخلا سافرا في المنظومة التشريعية للبلاد؛ فبعد التدخل في الشأن القضائي عبر بوابة القضاء المشترك والقضاء القنصلي ومبدأ “المدعي يتبع المدعى عليه إلى محكمته”، جاء الدور على القطاع الجمركي والتجاري بعد تحديد معاهدة 1856 لسقف التعريفة الجمركية في 10 % من قيمة البضائع المستوردة، وإلغاء نظام الاحتكارات السلطانية لقطاع التجارة البحرية، التي كانت تتيح له إمكانية التحكم في الصادرات والواردات حسب حاجياته، وقد تعمق هذا التدخل في الشأن الجمركي للمغرب بإشراف الأجانب على ضبط مداخيل الموانئ المغربية لاقتطاع جزء منها لتسديد غرامة حرب تطوان في مرحلة أولى، ثم لتسديد أقساط قرضي 1904 و1910 في مرحلة ثانية. ثم استكملت القوى الأجنبية مسلسل تدخلها في الشأن التشريعي المغربي بالمجال الجبائي، بعد أن أسهمت في صياغة ضريبة فلاحية سميت بالترتيب، خرجت من رحم مؤتمر مدريد الذي أقر في بنده الثالث عشر أن “هذا القدر لا يزاد فيه إلا باتفاق جديد مع نواب الأجناس”. مما يعني تقييد يد المخزن مستقبلا في أي تشريعات جبائية لا تأخذ رأي المفوضيات الأجنبية بطنجة، و لعل ذلك بالضبط هو ما أشار إليه المشرفي منتقدا إجراءات الترتيب العزيزي سنة 1901 إذ قال: “ومن سوء تدبير القائمين بأمر الدولة يومئذ أيضا، شروعهم في الترتيب على الوجه المذكور قبل اتفاق نواب الدول الأجانب عليه، حيث لا يخفى عليهم أحوال الرعايا التي بالمغرب لها، وذلك ما يزيد المسلمين ميلا للأجانب بإعفاء من انتمى إليهم من الترتيب”. وهي الحجة التي اتخذتها الدبلوماسية الفرنسية ذريعة لرفض الترتيب العزيزي، وتأزيم وضعية المخزن ماليا، وتوريطه في مستنقع القروض. ثم جاء البند الحادي عشر من قانون 23 نونبر 1903 المنظم للترتيب الذي وافقت عليه فرنسا بصيغة أكثر تدخلا في مجال التشريع الجبائي، إذ أصبح من حق النواب الأجانب بدورهم أخذ المبادرة لاقتراح تعديلات جبائية إذ أعطى الحق “للنواب المعتبرين إذا ظهر لهم تعديل بعد الاختبار فلهم أن يتفاوضوا فيه مع الحضرة الشريفة للاتفاق في ذلك”. صارت إذن يد القضاء المغربي لا تطال كل المغاربة أحرى أن تمتد للأجانب المقيمين بالمغرب، ولم تعد الموانئ المغربية وصادراتها وتعريفاتها الجمركية شأنا سلطانيا صرفا، ودخل التشريع الجبائي نطاق المشترك بين المخزن و”النواب المعتبرين”، في وقت فقد فيه جزءا كبيرا من “نخبته الاقتصادية”، خاصة بعد معاهدة 1856، وحرم من الرأسمال الرمزي للعديد من الدعامات الروحية سواء في شمال البلاد أو جنوبها، وتهافت الجميع إلى مركب الحماية مسلم ويهودي، بدوي وحضري، غني وفقير، قوي وضعيف، شريف ومشروف، وكان التحاق كبار رجالات المخزن بالركب إيذانا بالانتقال من غزو بطيء في الزمن الطويل إلى غزو مكثف ثلاثي الأبعاد و المراحل حسب جون كلود آلان: “في ظل المخزن، مع المخزن، و باسم المخزن”. وتم الانتقال من زمن حماية الأفراد إلى زمن حماية البلاد، وصار التوغل فيها باسم المخزن، واختير له عنوان “التهدئة”. وتحول جزء ممن كانوا في خندق الحماية بالأمس إلى خندق المقاومة والعمل الوطني بعد أن تغيرت المعطيات والتحالفات وما استدعته من ضرورة تغيير التكتيكات والاستراتيجيات.

أسال موضوع الحماية القنصلية مداد كثير من الدارسين مغاربة وأجانب وتنوعت نظرتهم للموضوع ومقارباتهم لأسباب وتداعيات الظاهرة بين من ربطها بوضع داخلي مأزوم قل فيه المعاش واشتد فيه ضغط الجباة وتعسف القواد، وبين من ربط لجوء المغاربة إلى الاحتماء الأجنبي بإستراتيجية الغزو الهادئ والتدرجي للأجانب للنفاذ إلى خلايا المجتمع المغربي عبر مسام دقيقة في شكل امتيازات منحت لهم بمقتضى معاهدات غير متكافئة ترسخت مع الزمن. فاختلفت الآراء بشأن هذه الظاهرة/ النازلة ليس بين الباحثين فقط بل طال الأمر كذلك مواقف العلماء بشأنها. وتكمن القيمة المضافة لكتاب المحميون ضمن هذا التراكم المنجز حول مسألة الحماية القنصلية بالمغرب في تجاوزه للنظرة الأحادية أو الضيقة للموضوع بعيدا عن أحكام القيمة أو تحميل المسؤولية في ما حصل لهذا الطرف أو ذاك، وقدرته على تفكيك كومة التعقيد التي تلف الموضوع انطلاقا من مقاربة أكاديمية في حقل التاريخ مستعينا بمناهج حقول معرفية أخرى لفهم الأبعاد المختلفة والمتداخلة للحماية سواء على المستوى الاقتصادي أو الاجتماعي أو القانوني، ومن ثم تكثيف عناصر هذا الموضوع الشاسع والمعقد المخترق لثلاثية الدولة والمجتمع والأجانب. وهو خيار منهجي اعتبره الباحث الفرنسي دانييل ريفي “أفضل وسيلة لحمل الفاعلين وأصحاب القرار على استخلاص الدروس من الماضي وصقل تفكير ( المواطن) المبالي بما يجري حوله”.

 

من أعمال محمد كنبيب حول نفس الموضوع:

 

«Protections” et subversion au Maroc, 1856-1912», in Le Maroc actuel,  CNRS éditions, Paris, 1992. (pp. 45-58).

«Protégés et brigands dans le Maroc du XIXe siècle et début du XXe», Hespéris-Tamuda,Vol. 29, fasc. 2, 1991. (pp. 227-248).

«European protections in Morocco, 1904-1939», in G.Joffé (coord), Europe and Morocco, SOAS, London, 1990. (pp.47-53).

- الطيب بياض

كلية الآداب / الدار البيضاء- عين الشق

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*