الخميس , 5 أغسطس, 2021
إخبــارات
الرئيسية » دراســات » رهانات تاريخ الأدب

رهانات تاريخ الأدب

 ألان فيان، عودة تاريخ الأدب، ترجمة عبد الجليل ناظم، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء،2020.*

تقديم

                يمثل كتاب تاريخ الأدب للباحث الفرنسي ألان فايان**(Alain Vaillant)  جُماع اهتمامات المؤلف الخاصة بالبحث في تاريخ الأدب الفرنسي في علاقته بنظرية الأدب والتواصل الأدبي. يستعرض المؤلف في هذا الكتاب مكونات هذا  التاريخ الأدبي ومختلف التحولات التي عرفها ويعرفها في علاقته بالعلوم الانسانية وعلوم التواصل، حتى إنه يُعرِّف التاريخ الأدبي “كتاريخ للتواصل الأدبي”، وكنسق من الأنساق الثقافية الأخرى. فإذا كان تاريخ الأدب يهتم بالأشكال الأدبية الملموسة لهذا التواصل، بما فيها الشفوي، والمخطوط، والمطبوع، والإعلامي، وطرق تداوله في الفضاء العام، مثل أوساط النخب الأدبية في القرن التاسع عشر، والصالونات والمقاهي والنوادي والمجموعات الخاصة، وفي سوق القيم الثقافية، فإن هذا التواصل لا يمكن تحقيقه إلا داخل التاريخ الكلي للتواصل الاجتماعي المتعدد الأنساق، أو ما يسمى بنسق الأنساق. ومثل هذا التواصل الأدبي لا يتحقق ولا يثبت مصداقيته إلا في بناء شعرية تاريخية أدبية تركز في موضوعها على تطورات “الفعل” الأدبي، من حيث تحول الاشكال، والسيرورات، والأساليب، وممارسات الكتابة، والأجناس الأدبية.  وقد حاول المؤلف أن يسير على هدي هذه المبادئ الإبستمولوجية في بحثه في تاريخ الأدب الفرنسي، ومن ثم في نظرية تاريخ الأدب بصفة عامة. وقد جاء هذا الكتاب، الذي نقله إلى العربية الباحث ناظم عبد الجليل*** أخيراً بعنوان عودة تاريخ الأدب، ليعرض مسار هذا التاريخ الأدبي بطريقة منهجية تجمع بين التركيب النظري المكثف، والتحليل المركز لأهم معالمه الدالة المتعلقة بمختلف المنعطفات التي عرفها، واستشراف الآفاق التي تفرضها التحولات التي يعرفها النسق الثقافي والتواصلي المعاصر.

لماذا الاهتمام اليوم بتاريخ الأدب؟

لعل الاهتمام بتاريخ الأدب اليوم، أو ما يدعى بعودة تاريخ الأدب إلى دائرة البحث الأدبي وتاريخه والدراسات الثقافية، يرجع إلى التطورات التي عرفها العالم في العقود الأخيرة، وما عرفه عالم الأدب وتاريخه من تزحزح طال الهويات الوطنية بفعل العولمة التي حاولت أن تفرض تصوراتها الاقتصادية والسياسية والثقافية، وما نتج عنها من انسياب التواصل العالمي الذي يسائل الهويات الوطنية والثقافات الوطنية والمحلية، وما يعرض عليها من إغراءات الانفتاح التي قد تؤدي إلى الاندماج أو الاندثار، وانعكاس كل ذلك على وضعية اللغات الوطنية والتواريخ الأدبية الوطنية.

قد يكون اهتمام ألان فايان بتاريخ الأدب وليد ما لاحظه من التغيرات البطيئة الداخلية التي وقعت في حقل الدراسات الأدبية في فرنسا وأوروبا والعالم الأنجلوسكسوني، وهي تغيرات شبهها بما يقع في قعر بحر الجليد من هزات وصدمات في وقت الشتاء تتطلب زمناً طويلاً لتظهر آثارها على السطح في أوائل الربيع.  فما وقع من تزحزح في عالم الدراسات الأدبية ليس وليد الصدفة، وإنما هو جُماع تراكم تغيرات وقعت في مستويات كبرى، سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية، بل وعلى مستوى الأدب الذي يعتبر مكوناً أساساً من مكونات الكيان الوطني، بله الإنساني، وأن ما بدأ يعتري هذا الكيان من تصدعات شملت مفهوم الأدب ومناهج مقاربته، وكذا علاقته مع مختلف العلوم الإنسانية والاجتماعية واللسانية، وبخاصة علوم التواصل ووسائطه المختلفة والمتنوعة.  

هل يمكن الإمساك بأهم مفاصل هذه التغيرات والتحولات من خلال استعراض تاريخ الأدب الفرنسي؟ قد تسعف تجربة المؤلف الطويلة في دراسة الأدب الفرنسي، والقرن التاسع عشر بخاصة، ودراساته النظرية العامة، على استعراض تاريخ الأدب الفرنسي في علاقته مع الآداب الأوروبية والأنجلوسكسونية، والوقوف على مواقع شقوق تاريخ الأدب، وبعض انزياحاتها النظرية والمنهجية والتحليلية، ومن ثم استخلاص مجموعة من المفاهيم والتصورات النظرية التي قد تستوعب بعض مجريات تاريخ الأدب الفرنسي المعاصر، وتبصيره بمنافذ جديدة تجعله يستوعب ما يجري حوله ويعبر بشكل أعمق عن روح الأزمنة الأدبية والثقافية المعاصرة.

I– مسار تاريخ الأدب        

يرى المؤلف أن التفكير في موضوع تاريخ الأدب والوعي بموضوعه من الأولويات العلمية التي لم يتم الاهتمام بها كثيراً في معالجة موضوع تاريخ الأدب خلال مساره.  فقد يجمع في موضوعه بين الأدب، والنقد، والتاريخ؛ وأنه مجرد تقديم أو فرش تاريخي عام للموضوعات الأدبية قبل مناقشتها.  وهو بذلك وسيلة للموضوع وليس موضوعاً في حد ذاته، أي إنه موضوع بدون موضوع.  كان يجمع بين تراجم المؤلفين المشهورين، وعرض المؤلفات الكبرى المشهورة، وبين نقد النصوص ودراستها وتصنيفها، واستعراض عام للموضوعات الأدبية. كان في النهاية وسيلة للدخول إلى عوالم النصوص الأدبية، فيوضع في مقدمات الكتب الأدبية.

ظهرت فلسفة التاريخ في عصر الأنوار والتيار الرومانسي والاهتمام بالسيرورة التاريخية مع تنامي الدولة الوطنية، والاتصال بالشعوب الأخرى وانفتاح الدولة بعد الثورة الفرنسية واكتشاف التنوع الجغرافي بعد الانغلاق الذي عرفته فرنسا. كان التعريف الرومانسي لتاريخ الأدب الذي يعتمد في علاقته مع الماضي بالمذكرات والتراجم، والاعتماد على الوجوه البارزة المجسدة للنموذج الوطني.  هذا هو المفهوم القديم لتاريخ الأدب الذي يركز على المؤلفين الكبار والمؤلفات المشهورة. والعلاقة الوثيقة بين تاريخ الأدب والنص الأدبي هي علاقة تلازم بينهما، لأنه لا يمكن أن يوجد الواحد بدون الآخر.

كانت وظيفة تاريخ الأدب هنا لا تسعى إلى معرفة الماضي الأدبي لذاته، وإنما للوصول إلى إدماج الماضي في حاضر القراءة أو الكتابة.  فقيمة تاريخ الأدب تتمثل في فعله الثقافي، حيث يُحَفِّز على قراءة المؤلفات والمؤلفين. وتوسيع دائرة القراءة والقراء للمؤلفات والمؤلفين. وهنا كان الأدب يتداخل مع تاريخ الأدب والنقد الأدبي، واعتبر تاريخ الأدب نقداً أدبياً بإحالات تاريخية أو تدقيقات بيوغرافية.

وقد تم التركيز هنا كذلك على الأصول اليونانية لتاريخ الأدب التي كانت تمثل فيه النصوص الهُومِروسية في الحياة ما كانت تمثله النصوص الدينية المقدسة. فالشعر والملحمة والدراما، كانت تقوم بتمجيد عظمة المجتمع بأساطيره ومنجزات أبطاله.  ذلك أن القصيدة الملحمية كانت تُلقى وتتواتر شفوياً لإبراز قوة الجماعة والتعبير عن تبجيل الأبطال. وكان الاهتمام يتركز على حيوات المتميزين منهم، حتى أصبح مثل هؤلاء الشعراء الكبار يعبرون في القرن التاسع عشر عن “قداسة الكاتب”، حسب تعبير بول بنيشو(Paul Bénichou)  مؤرخ الأدب الرومانسي الفرنسي، مقابل قداسة الآلهة. وبذلك تم الانتقال من تقديس الآلهة أو التقديس الديني إلى التقديس الدنيوي، ومعناه هنا تقديس الشعراء والكتاب.  ولهذا سيكون الأدب اليوناني مشوباً بشبهة الإلحاد في نظر الكنيسة الكاثوليكية في فرنسا العصر الوسيط.

ارتبط تاريخ الأدب بسيرورة الهوية الوطنية في علاقته بالبعد السياسي منذ تراجع القصيدة لصالح الخطابة في عصر  الديموقراطية الأثينية (ق 5 ق. م).  وقد أدى ذلك النقاش السياسي إلى ظهور نخبة تقوم بالدور السياسي والثقافي والتربوي، وهو الدور الذي ستقوم به الجامعات والمدارس فيما بعد. ذلك أن الأدب كان مرتبطاً بالساحات والفضاءات العامة، ثم انتقل إلى فضاء المدارس والجامعات.  ولعل ما احتفظت به مكتبة الإسكندرية والعهد الهليني في ق 4 ق. م. هو ما يشكل تاريخ الأدب الإغريقي المحتفظ به في تلك المكتبة وبعض الأديرة.

كان الرومان يقيمون نسقهم الأدبي على مفهوم التقليد، أي تقليد ما هو قديم، يوناني. في حين أن اليونان قد أقاموا أدبهم على المحاكاة؛ محاكاة الواقع بمختلف أنواع المحاكاة كما عبر عنها أرسطو في كتابه فن الشعر.   وكان التقليد الروماني اللاتيني يقوم على تقليد الأعمال الكبرى اليونانية، وكانت  الأسبقية دائماً للأعمال الإغريقية التي كانت تعتبر معياراً أساساً في التاريخ الأدبي اللاتيني، ونماذج مرجعية يجب إعادة إنتاجها.  فحاولوا مقايسة شعرائهم وكتابهم بشعراء وكتاب اليونان. كما قامت النزعة الوطنية الرومانية على النزعة اللغوية لإثبات مضاهاة اللغة اللاتينية وأدبها للغة الإغريقية وأدبها. 

وفي العصور الوسطى تم التركيز في الأدب على ما هو ديني ومقدس، وأهمل كل ما هو دنيوي، وفي مقدمته التاريخ.  فلماذا النفور من التاريخ في العصر الوسيط؟  كان ذلك لأن التاريخ يعود إلى الماضي، إلى النصوص القديمة اليونانية ذات الثقافة الملحدة المتعارضة مع العقيدة المسيحية والتعالي الغيبي.  ولذلك كان كل ما وصلنا عن الثقافة القديمة هو عبارة عن مختصرات خالية من أبعادها الفلسفية ومن سياقها التاريخي، احتفظت بها بعض الأديرة وجامعات العصر الوسيط.  كما كان من خصائص العصر الوسيط كذلك حضور الأدب وغيابه، علماً بأن الأدب القديم هو الذي حافظ على امتداد أوروبا التاريخي، ولعب دور الذاكرة الجماعية لأوروبا.  وكان الولع في عصر النهضة بالبحث الفقه اللغوي/ الفيلولوجي بامتياز، أي إعادة الولع بحرفية النصوص التي شوهتها سلسلة نسخ المخطوطات. وكان الدفاع عن اللغة الفرنسية ونشرها، والمطالبة بعزة الأدب وكرامة الأدب الفرنسي لمنافسة تقليد القديم اللاتيني الذي قلد بدوره الإغريق، عن طريق شعراء لابلياد (La Pléiade)، وترسيم اللغة الفرنسية للدولة الفرنسية سنة 1539.  ومثل هذا التقليد للاَّتينيين والإغريق هو الذي يختلف فيه الأدب الفرنسي عن الأدب الألماني الذي اتخذ من الإغريق مباشرة نموذجه دون المرور باللاتينية وآدابها.  لذلك لم تواجهه الصعوبات التي واجهت الأدب الفرنسي في التوفيق بين الإعجاب بالإغريق القدماء والبحث عن أشكال أدبية جديدة، واستطاعوا بذلك التخلص من التقليد وعززوا إبداعهم.

عمل القرن السابع عشر على استمرار   وتوسيع الخصائص التي ظهرت في عصر النهضة. فطهر البعد السياسي لتاريخ الأدب الوطني بعد انتصار الملكية على الخصوصيات الجهوية والقوى الأرستقراطية المعادية لها، وتمت مَركَزة السلطة في فرنسا، وأعطيت الأهمية لمسألة اللغة الفرنسية، ومحاولة إبراز أهميتها وقيمتها بالنسبة للغة اللاتينية، حتى أصبحت مرجعاً للغة الأوروبية الجديدة، وريثة اللغة اللاتينية وتفوقها على إيطاليا، واستمرار المرجعية القديمة والتقليد المزعج للقديم.   وأهم ما تميز به هذا العصر هو تفوقه بكتابة التاريخ الأدبي في زمنه الحقيقي، تاريخ يعرف بـ”قرن لويس الرابع عشر”. فأنشأ ريشليو (1585-1642)(Richelieu)  الأكاديمية الفرنسية سنة 1635، مهمتها تحديد المعيار اللغوي بتأليف المعجم الفرنسي، ووضع قواعد النحو للغة الفرنسية. ووضع في القرن السابع عشر على صعيد تاريخ الأدب كتاب ﮔيوم كولتيت (Guillaume Colletet) حيوات شعراء فرنسا  (Vie des poètes français)، وهو الذي سيضع المخطط التقليدي لتاريخ الأدب القائم على حياة المؤلف، والعمل الأدبي، وتلقيه.  وقد فتحت القطيعة الشعرية في القرن السابع عشر الطريق أمام ما سيسمى بالمذهب الكلاسيكي منذ سنة 1640، تبعاً للرهانات المباشرة للحاضر الأدبي الذي كان يسعى إلى إضفاء الشرعية على تطور الملكية الفرنسية.  وكان الأدب الذي يمدح لويس الرابع عشر يُحفِّزُه على القيام بأحسن مما قامت به الإمبراطورية الرومانية. وكانت فكرة “قرن لويس الرابع عشر” هي الأسطورة الرئيسة في تاريخ الأدب الفرنسي التي ترسخت في تاريخ فرنسا وتاريخ أدبها، إذ وضعت التقليد موضع السؤال، مما أدى إلى ظهور مفهوم القدماء والمحدثين في هذا العصر؛ المناصرون لتقليد اللاتينيين والإغريق، والمدافعون عن التجديد والإبداع دون الرجوع بالضرورة إلى القدماء.  وقد برز هنا التناقض الخفي الذي استقر منذ عصر النهضة بين العقيدة الرسمية والمدرسية التي تقيد النماذج الكاملة واللازمنية والقديمة من جهة، وتطور وعي تاريخي ملموس في الأوساط الأدبية والمدنية من جهة أخرى.

وفي القرن الثامن عشر، عصر الأنوار، تعمق التناقض والاصطدام الذي خلفته العصور السابقة.  فظهر التأمل الحقيقي في تاريخية المجتمعات وتطور الحضارات.  وأصبحت الكلاسيكية بعد ترسيخها مركزاً تاريخياً يبحث في الماضي وطريقة التعامل معه من قَبلُ ومن بعدُ.  غير أنه تم إفراغ الأدب من التاريخ في هذا العصر الذي شكل جوهر الأدب الكلاسيكي في القرن السابع عشر، والقاعدة الأدبية في فرنسا لمدة طويلة.  ولكن الثورة الفرنسية لسنة 1789 وضعت حداً للنظام القديم، ودخلت الفلسفة الرومانسية للتاريخ، وعرف هذا القرن تطوراً متزامناً للتواريخ الأدبية في أوروبا.  فظهرت نماذج لتاريخ الأدب، أهمها النموذج الكلاسيكي الفرنسي، والنموذج الفيلولوجي الألماني، والنموذجي النصي الأنجلوسكسونس، ثم بعد ذلك النموذج الشكلاني الروسي في العقود الأولى من القرن العشرين.  وسيرتبط تاريخ الأدب هنا بالهوية الوطنية المتمثلة في الاهتمام بالتراث الشعبي الشفوي المحافظ على الأساطير التاريخية الكبرى للروح الجماعية، وترسيخ تاريخ الشعور الملحمي الذي يمد اللغة الوطنية بهذه الآداب النبيلة.  وتمحور تاريخ الأدب حول “كاتب كبير”، يرمز للكبرياء الوطني ويمثل روح الشعب، أو يمثل كلاسيكية جديدة بديلة للنماذج القديمة، مثلما يمثله شكسبير (Shakespear) للإنجليز، وجوته(Goethe)  للألمان، ودانتي(Dante)  للإيطاليين، وسرفانتس(Cervantes)  للإسبان، وراسين (Racine) للفرنسين، وغيرهم في الآداب الإنسانية الأخرى. 

أثارت الرومانسية القيمة الفنية للأدب، والمقارنة مع الآداب الأخرى لمعرفة قيمة العمل الأدبي، والاهتمام بالعلاقة بين النصوص السابقة واللاحقة بفضل كتاب مدام دو ستايل(Madame de Staël)  من ألمانيا (1810)، الذي حددت فيه مميزات الأدب الفرنسي المتمثلة في الاهتمام بما يسمى بالشكلية التاريخية التي تهتم بالأشكال الخارجية، والوقائع الفنية، والأدب الجرماني الذي يهتم بالمثال، ويرى أن الأفكار هي المحرك لكل الآراء، والدراسات الأنجلو سكسونية التي تعطي الأهمية لمحتوى النصوص ومدى تمثيليتها.  وطرحت مسألة العلاقة بين العبقرية الوطنية والعبقرية الفردية، فظهر مفهوم التأثير والتأثر الذي حكم الأدب الفرنسي المقارن لمدة طويلة.  وأخذت الدراسات البيوغرافية مكانتها في تاريخ الأدب الفرنسي، وهي تجمع بين الجانب النفسي والجانب والاجتماعي. وكان سانت بوف(Sainte- Beuve)   (1804- 1869) هو الذي اهتم بالبحث السيري، أو البيوغرافي، واعتبر سيرة المؤلف المفتاح لفهم عمله.  أما هيبوليت تين(Hyppolite Taine)  (1828- 1893) فقد جمع بين التصور الحضاري والتحليل النفسي في تاريخ الأدب، وركز على العرق والوسط والزمان. واهتم  فردينان برونتيير(Ferdinand Brunetière)  (1849-1906) بتطور الأجناس الأدبية، وفكرة التطور التي تحتفظ بالأجناس التي تلائم العصر، وهو الذي أشاع فكرة التطور الأدبي. أما جوستاف لانسون (Gustave Lanson)  (1857- 1934)، فقد أرسى التقليد الجامعي الحقيقي في البحث الأدبي، وتوسيع منظومة المؤلفات والمؤلفين لتشمل النهضة والأنوار والقرن التاسع عشر عوض التركيز على عصر لويس الرابع عشر فقط.  وحاول أن يحدد موضوع تاريخ الأدب في دراسة النصوص، ويدخله في المنظومة التربوية الفرنسية، ومن ثم كتابة تاريخ هذه النصوص من خلال اكتشاف قوانينها الداخلية وعلاقتها بعالم النصوص الأدبية قبل الشروع في بناء وتأويل تاريخ الحدث الأدبي.    

ونظراً لأهمية آراء لانسون، وكتابه تاريخ الأدب الفرنسي1، ودوره في ترسيخ جمهورية الأدب في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين في المنظومة التعليمية والجامعية الفرنسية، فقد أثارت نقاشاً كبيراً في الأوساط الأدبية والصحافية.  ذلك أن جمهور لانسون جمهور قارئ للكتاب المطبوع، وتكوَّن في مدرسة الجمهورية وجامعتها، وركز على الأعمال الكبرى، في حين أن الجمهور والكتاب ليسا إلا نمطاً من أنماط التواصل الأدبي، لأن الصحافة المكتوبة في ذلك الوقت كانت قد فرضت نفسها كوسيط أساسي في تلقي الأدب وتاريخه، بل إن كثير اً من الأدباء والكتاب قد توجهوا إلى الصحافة ونشروا فيها أعمالهم في حلقات، وأبرزت الصحافة العديد من الكتاب والأدباء، ففرضت أنواعاً جديدة من النصوص الأدبية التي ستفرض نفسها، بعد أن كانت مبعدة من الأدب، مثل المذكرات واليوميات والملاحظات والمراسلات وغيرها.

وقد كان لهذه النقاشات حول تاريخ الأدب في فرنسا آثارها خارج فرنسا، وبخاصة عند جماعة جنيف التي أغنت التصورات النظرية في معالجة تاريخ الأدب بتركيزها على مؤسسة الأدب والنقد الموضوعاتي.  كما ظهرت الشكلانية الروسية التي حاولت التركيز على مادة الأدب، أي اللغة، بعيداً عن العلاقات الخارجية الاجتماعية والنفسية وغيرها، في الوقت الذي كانت فيه الماركسية والنزعة المادية تؤثر في الفكر التاريخي وتركز على البعد الوظيفي والاجتماعي في الأدب والفن، وما تفرع عنها من تصورات أدبية اجتماعية، وبنيوية تكوينية. كان ذلك بفضل الكتابات الفلسفية والتاريخية والأنثربولوجية واللسانية والسيميائية والشعرية التي ازدهرت في القرن العشرين، وبخاصة بعد الحرب العالمية الثانية في فرنسا.  وهكذا ظهرت تصورات جديدة في الأدب وتاريخه تعيد النظر في مفهوم الجمهور والمجتمع والمؤلف والقارئ. وبدأ الاهتمام بوسائل النشر ووظيفة المؤلف، وظهر النقد الاجتماعي الذي يهتم بكل مكونات العملية الأدبية النصية وخارج نصية.  وأمام كل هذه التصورات النظرية والمنهجية التي تحاول تعميق وتوسيع مجالات التعامل مع الأدب وتاريخه، فإن ألان فايان، يرى أنه من الممكن “من وجهة النظر المنهجية وإلإبستمولوجية لتاريخ الأدب الأخذ بكل الوقائع وعلى كل مستوى، ليس من أجل انتقائها أو تراتبيتها، ولكن من أجل بناء نموذج تاريخي يسمح بفهم إسهاماتها المتبادلة وتفاعلها المشترك في “الأدب”2.  ومثل هذا الرأي لا يستقيم إلا إذا أخذنا بعين الاعتبار أن كل نموذج لتاريخ الأدب لا يقوى على جمع كل الوقائع في كل المستويات، وإنما النموذج الممكن في تاريخ الأدب هو الذي يحسن التعامل مع منهجية الانتقاء، ويدخل فيها الوقائع والمستويات المغيبة في نماذج أخرى.

II– المفاهيم الأساسية في تاريخ الأدب

                لعل أول ما يواجه المشتغل بتاريخ الأدب هو المادة التي يشتغل عليها، وهي الأدب. والأدب بمعناه المعاصر لم يستعمل إلا في القرن الثامن عشر. وقد كان من قبل تابعاً للبلاغة.  فقد عرف تعريفات وتحديدات عدة ومختلفة ومتباينة خلال مساره التاريخي. فهناك تصور للأدب مقصور على الأوساط الأدبية وعالم المدرسة والمكانة المخصصة له في الخطاب النقدي الجامعي، وهناك تصور منفتح هو الذي يشكل البنية الحقيقية لسوق الكتاب وتداوله.  والمفهوم الضيق للأدب يحاول حصره في لغته وبنيته الداخلية مثل تعريف الشكلانيين والبنيويين الذين يحصرونه في اللغة وبنيتها الداخلية، فصاغوا منها مفهوم الأدبية، أو أدبية الأدب، ثم الشعرية فيما بعد التي ستوسع هذا المفهوم وتغنيه.  كان هذا التوجه الشكلاني والبنيوي والشعري هو رد فعل تجاه ما عرفه الأدب من إقحامه في مجالات واسعة يتداخل فيها مع العلوم الإنسانية والاجتماعية والنفسية وغيرها.  وإن كان مؤرخ الأدب يرى أن المعطيات التاريخية والشخصية وغيرها ضرورية للتواصل والفهم الملموس للوقائع الشكلية. وأول تعريف للأدب جاء في الشعرية الأرسطية التي جمعت “القول والتخييل”. وهي شعرية تقوم على المحاكاة؛ محاكاة الواقع وتمثله بطرق مختلفة، بخلاف الخطابة التي تقوم على الحجاج والإقناع.  ولعل أهم تصور معاصر للمحاكاة هو الذي قام به جيرار جنيت(Gérard Genette)  في كتابه المتخيل والأسلوب،(1991) حيث استخلص في تعريفه للشعرية ما يمكن أن يكون مؤثراً في الأدب.  فقدم بذلك تصوراً جديداً للأدب وضع فيه حداً للتصورات الأرسطية القديمة وأدخل الأدب في عوالم من التحليل الدقيق للقول الأدبي، وأبرز مفهوم الشعرية كما تتجلى في الخطاب السردي والخطاب الشعري.

واكب مفهوم الأدب التصورات التي عرفها تاريخ الأدب.  فقد كان هناك في القرن الثامن عشر تعارض بين أساتذة البلاغة والأكاديمية والشعراء من جهة، والكتاب والفلاسفة من جهة أخرى. فقذ كان مفهوم مدام دوستايل مفهوماً يُغَلِّب أدب الأفكار. وفي القرن التاسع عشر عرف الأدب ثلاثة مفاهيم كبرى، هي: الأدب كفن، وأدب الأفكار، وأدب الترفيه والتسلية. ولا بد من الإشارة إلى الدور الذي قامت به الصحافة في القرن التاسع عشر حيث مدت الجسور بين الأدب والصحافة، مما سيعطي للأدب تصوراً جديداً ويدخل نصوصاً جديدة في دائرة الأدب ويعرف الأدب انتشاراً بين القراء، حتى عرف ذلك القرن بـ”العصر الذهبي” للصحافة. وبذلك فتح هذا التواصل المفتوح ما يعرف بالشعرية الاجتماعية التي خلقها توسع التواصل الأدبي بفعل توسع النشر والصحافة.

ومن التصورات التي عرفها تاريخ الأدب الفرنسي مفهوم التحقيب، الذي يتم به تقطيع الأدب على أساس القرون، أو التيارات، أو الأجيال. فالتحقيب بالقرون يسهل تخزينه في الذاكرة، ويوهم بالإحساس بالانتماء إلى هوية ملموسة منذ القرن السابع عشر. ولم تكن هناك روابط محددة لتحديد القرن سوى بعض الأحداث التاريخية الكبرى. وهكذا تتحدد نهاية القرن السابع عشر في سنة 1715 بوفاة لويس الرابع عشر، ونهاية القرن الثامن عشر تحدد في سنة 1815 بنهاية الإمبراطورية، ونهاية القرن التاسع عشر تحدد إما ببداية الحرب العالمية الأولى سنة 1914، أو بنهايتها سنة 1918.  وقد أدى هذا النوع من التحقيب إلى تشيىىء الأدب. أما التحقيب بالتيارات فمن شأنه أن يوحد كتاباً، في مدرسة أو جماعة، تربطهم روابط شكلية جمالية وموضوعاتية بينها نوع من التقارب والانسجام، ويهم نمطاً خاصاً من الأدب.  أما الجيل فهو لا يشير إلى كتاب ولدوا في نفس السنة، وإنما برزوا في نفس السنة بفعل السياق الاجتماعي والسياسي والثقافي، مثل جيل لابلياد(La Pléiade)  1550، وجيل 1630 (كورني، ديكارت) وجيل 1680 (عمالقة الكلاسيكية)، وجيل 1830، أي الرومانسيون.  وتتفاوت أزمنة ظهور الأجيال بين عشر سنوات أو عشرين أو ثلاثين سنة.  ويمتاز هذا التحقيب بالجيل بأنه ليس تقطيعاً موحداً مثل التحقيب بالقرن، ولكنه تحقيب فضفاض وأقل إحراجاً وأقل دقة.  وإذا كانت هذه التحقيبات وغيرها التي لم يتحدث عنها المؤلف مثل التحقيب بالمدارس أو المذاهب الأدبية أو بالعصور السياسية، فإنها كلها اعتباطية، ولكنها ضرورية من الناحية المنهجية في تاريخ الأدب.

والتجنيس في الأدب مثل التحقيب، ساهم بدوره في ترتيب المادة الأدبية ومعالجتها من خلال تحديد الجنس الأدبي الذي يضم أجناساً عدة.  ويعود التجنيس في الأدب كذلك إلى شعرية أرسطو التي قسم فيها الأجناس إلى جنس ملحمي وغنائي ودرامي, وهو بدوره تعاقد بسيط معترف به في لحظة تاريخية يقوم على خاصيات بنيوية.  وقد عرف الجنس بأسماء أخرى مثل النوع والشكل.  وهو في النهاية أداة مدرسية وتربوية ساعدت على تعليم الأدب.  وسيُعتمد على مفهوم التجنيس في تصنيف الكتب في المكتبة الوطنية بباريس، وقد تَحدَّد فيها في سنة 1928 في خمسة أصناف، وهي: الأدب، تاريخ الأدب، والشعر، والرواية، والمسرح.  وقد ساهم مثل هذا التجنيس في تطوير البحث الببليوغرافي والببليوجي.

إذا كان التحقيب قد أبرز عدم التطابق بين التسلسل التاريخي والممارسة الأدبية، فإن هناك بين النص الأدبي والواقع الاجتماعي وسائط متراكبة من الضروري الكشف عنها.  فالسرد التاريخي للنصوص هو بعد من أبعاد التاريخ الأدبي، ولكنه لا يشكله كلية. فإذا كان النص الأدبي يحيل على مرجع واقعي، يحيل على العالم ويعبر عنه، فإن نظرية التعبير عن العالم، أو ما يسمى بنظرية الانعكاس في الأدب، التي ظهرت في القرن التاسع عشر، قد ربطت الأدب بالمرآة ومدى تمثله للواقع الذي يعبر عنه.  وقد عرفت هذه النظريات تصورات كثيرة، أهمها تلك التي اعتمدت عليها النظرية الماركسية في مفهومها للأدب وعلاقته بالمجتمع.  ثم وجدت منظرين لها حللوا ودققوا مفهوم مرجعية الأدب الواقعية والاجتماعية مثل لوكاتش(Lukasc)  وباختين(Bakhtine) ، وجولدمان(Goldmann)  وغيرهم، وعلاقته بالإيديولوجيا.  وقد ترتب عن ذلك ظهور النقد الاجتماعي والنقاشات التي أثارها في أوساط النقاد بين من يحاول تضييق مفهوم النص الأدبي في البنيات النصية ونسقه الداخلي، وبين من يحاول توسيعه وربطه بأنساقه الاجتماعية الخارجية.   وقد أثيرت هنا مسألة المرجعية في الأدب، والوظيفة التوثيقية للأدب، وتباين التعامل مع النص الأدبي عند مؤرخ الأدب وعند المؤرخ العام.  وسيتطور النظر في العلاقة بين الأدب والتاريخ والواقع الاجتماعي في تصورات الدراسات ما بعد الاستعمار والدراسات الثقافية التي كشفت عن عدد من النصوص التي لم يكن يعتد بها في مجال الأدب، رغم ما تتضمنه من قضايا سياسية واقتصادية واجتماعية تم التغاضي عنها بحكم ضعفها الفني وابتعادها عن الأدب الراقي المعيار.  ولتجاوز ثنائية النص الضيق والنص الموسع يقترح المؤلف على مؤرخ الأدب أن يخرج من النص الضيق إلى النص الواسع، ولو مؤقتاً، ريثما يعود إليه بأسئلة جديدة. أي إن المؤلف يرى في خارج النص إمكانية تأويلية لتوسيع زاوية نظره للبنية النصية، وهو ما يسمى بنظرية الابتعاد من أجل الاقتراب.   ولعل المؤلف يعبر هنا عن التوجهات المعاصرة في مفهوم النص الذي أغنته الدراسات الثقافية، والدراسات ما بعد الكولونيالية، والتواصل الأدبي الذي يدعو إليه في مؤلفاته.

إذا كانت الدراسات النصية واللسانية والسيميائية والشعرية والفلسفية، قد حاولت التركيز على النص والكتابة، فإن سوسيولوجية الأدب قد أثارت الاهتمام بالمؤلف  كقطب أساس في العملية الإبداعية وفي تاريخ الأدب، فقد كان تاريخ الأدب إلى حدود سنة 1960 يركز على المونوغرافيات الخاصة بالمؤلفين الكبار، كما رسخته المرحلة الكلاسيكية، ومن ثم التركيز على عصرهم أو حياتهم.  فلما نشر رولان بارط(Roland Barthes)  سنة 1968 مقالته عن موت المؤلف قطع فيها العلاقة بين المؤلف والنص وقارئه.  ذلك أن المؤلف لا يموت، ولكن يغيب عن النص ليستثمر القارئ تجربته، وتبقى الكتابة وحدها الحية والحاضرة.  كما أن ميشيل  فوكو (Michel Foucault) قد أجاب سنة 1969 عن سؤال، ما هو المؤلف؟  وكتابات دريدا  (Jacques Derrida) عن الكتابة والاختلاف. وكان كل ذلك نتيجة صعود حداثة الكتابة وتزحزح ما كان يحيط بالمؤلف من هالة دينية وضبابية.  فالمؤلف هو في وضعية مركبة، واقعية ونصية.  كما أن العلاقة الأساسية بين المؤلف والنص تبقى مُعلَّقة بكل ما ينتجه النقاد والقراء.

اهتمت سوسيولوجية الأدب بعلاقة المؤلف بنصه، وبصيغ نشره، ونسبة النص إلى مؤلفه.  ففرضت عملية النشر صيغاً متعددة في الحفاظ على مسؤولية المؤلف وحقوقه القانونية والمادية والمعنوية.  فقد كان هناك منطق الرعاية حتى القرن الثامن عشر من طرف الأمراء والنبلاء، ثم ظهر منطق التعاقد، القانوني الفرنسي والتجاري الأنجلو كسوني، السائد اليوم. وترتب عن تطور النشر ظهور وظيفة الكاتب كوظيفة اجتماعية في القرن السابع عشر، واستقلت في القرن التاسع عشر وتوطدت الوضعية الاعتبارية للمؤلف وعلاقته المادية بإنتاجه الأدبي والفكري. وبالإضافة إلى هذه العلاقة القانونية والمادية هناك علاقة أخرى تتعلق بالمؤلف داخل النص، وهي تتمثل في الصيغ النحوية والسردية التي يعبر عنها المؤلف في نصه بضمير المتكلم أو الغائب أو الجمع. وقد أبرز جيرار جنيت  (Gérard Genette)  مختلف أنواع هذه الصيغ في كتاباته الخاصة بالسرديات، وبخاصة كتابه صور III  (Figures III) (1972).

والقطب الآخر الذي اهتمت به سوسيولوجية الأدب هو قطب الجمهور والقراء، أو ما يسمى  بتلقي المؤلفات.  يتوزع الجمهور من الناحية الاجتماعية، حسب بيير بورديو (Pierre Bourdieu)  إلى الجمهور الشعبي، والجمهور الضيق، والجمهور الوسط، أو إلى خاص وعام.   ويسعى الأدب إلى التأثير في الجمهور المتعلم وتوسيع نطاقه، باعتباره سوقاً ثقافية ذات وزن اقتصادي يتمثل في استهلاك المنتوج الأدبي وترويجه.  ولذلك يتوخى المؤلفون من مؤلفاتهم الحصول على رضى الجمهور، ومراعاة انشغالاته وقيمه واعتقاداته.  لقد انشغل المهتمون بسوسيولوجية الجمهور بأذواقه وردود أفعاله وجعلتهم يقومون بمحاولات تجمع بين مختلف مكونات العملية الأدبية وعلاقتها بزمنها أملاً في الوصول إلى تصور اجتماعي أدبي عام. وقد حاول مارك أنجينو(Marc Angenot)  أن يقوم بتجميع ما كتب عن الكاتب لمجموعة  1889، وقراءته لربع الكتب التي صدرت سنة 1789، من أجل بناء “خطاب اجتماعي” للمرحلة.  وهي تجربة فريدة في تاريخ الأدب.  هل يمكن كتابة تاريخ أدبي بدون مؤلفين؟ ذاك حلم، حين يصبح المؤلف مجرد مَعبر يمر منه تاريخ الأدب. ولن يتأتى ذلك إلا بخلخلة مفهوم المونوغرافيات القادرة على الإحاطة بعصر مؤلف مثل دراسة راسين لفهم مسرح القرن السابع عشر، أو بلزاك لفهم الرواية في القرن التاسع عشر، “لأن الأمر يتعلق بوقائع من نوع مختلف، وأخذ العمل الأكثر وزناً بمعزل عن مجموع النصوص المعاصرة له يبقى بالضرورة مفهوماً مجرداً ومفرغاً من تاريخيته”3.  أما نظرية التلقي التي اهتمت بدورها بالقارئ من زاوية تاريخ القراءة ودور القارئ في النص الأدبي، كما نظَّرت لها مدرسة كونستانس(Constance)  في ألمانيا،  فقد كشفت، من جهة، عن إمكانية كتابة تاريخ أدبي يقوم على مراعاة تلقيات الجمهور والقراء خلال مراحل تاريخية مختلفة، وتسمى جمالية التلقي. وهي التي نظَّرت لها أبحاث هانس ربرت ياوس(Hans Robert Jauss) .  ومن جهة أخرى، كشفت عن دور القارئ بمختلف أنواعه في النص الأدبي، والتي تعرف بفعل القراءة،  كما نظَّرت لها أبحاث فولفجانج إيزر(Wolfgang Iser) ، والدراسات المختلفة التي عرفتها توجهات هذه النظرية ومناقشاتها بإبراز قوتها وضعفها، سواء في فرنسا أو غيرها من الدول الأوروبية أو أمريكا.

III– التواصل الأدبي

                بعد استعراض المؤلف لمسار تاريخ الأدب الفرنسي ومفاهيمه الأساسية كما ناقشها المختصون في فرنسا وخارجها، يحاول الآن تناول أسس تاريخ الأدب بإعادة تحديد تصوره ومنهجه، وذلك بتعميق البحث نظرياً ومنهجياً فيما يسمى بنسقية تاريخ الأدب، نظراً لارتباطه بالعلوم الإنسانية والاجتماعية واللسانيات التي تتوفر على  أنساقها الخاصة.  هذا التعالق النسقي الذي ظهرت إرهاصاته في التصورات التي كانت تحاول ربط تاريخ الأدب بالنسق البيولوجي، مثلما هو الأمر عند تين، أو عند برونتيير، أو بالنسق الاجتماعي مثلما هو الأمر عند جوستاف لانسون في فرنسا.  إلا أن التنظيرات الأولى لمفهوم النسق الأدبي ظهرت مع الشكلانيين الروس في العقود الأولى من القرن العشرين، وخاصة في مقالة تينيانوف  (Tynianov) سنة 1927.

                من أهم الذين نظَّروا لمفهوم النسق الباحث الألماني نيكلاس لومان(Niklas Luhmann)  في كتابه نظرية الأنساق الاجتماعية (1984). فقد  وضع شروطاً أساسية لوجود النسق، هي: 1- وجود بنية داخلية بطريقة طبيعية. 2- وجود حدود قارة نسبيا تمكن من تحديده. 3- أن يكون مقبولاً في المجتمع ويقوم بوظيفة لم يسبق إليها أي نسق آخر.  ويمكن التعرف على تلك الأنساق بمؤشرات تاريخية أو سياسية أو اقتصادية أو علمية أو ثقافية.  وهناك أنساق كبرى وأخرى فرعية، ومن الأنساق الفرعية التي تفرعت عن النسق الاجتماعي الأكبر، أو نسق الأنساق، الأنساق الثقافية التي يتفرع منها نسق الأدب وتاريخه. ولهذا يركز المنظِّرون لنسقية الأدب وتاريخه على ارتباطه بالنسق الاجتماعي، فوصف بأنه ذو نسق متعدد يسمح له بالتواصل مع الأنساق الأخرى. وقد أفرزت هذه النظرية نقاشات وآراء متباينة حاول أحد اتجاهاتها توسيع مفهوم الأدب وربطه بأنساق التواصل الاجتماعي، وآخر يسعى إلى حصر الأدب في نسقه الخاص وبنيته النصية، أو التواصل النصي.

                ومن أجل إبراز الأنساق الاجتماعية في التواصل الأدبي، ظهر مفهوم الحقل الذي نظَّر له بيير بورديو، وميز فيه بين الرأسمال الرمزي، الذي يدخل ضمنه الأدب، والرأسمال المادي. ولما حاول الإلحاح على الاستقلال النسبي للمنتوج الرمزي مثل الثقافة والأدب وفصل الأدب عن أصله الاجتماعي، وجهت له انتقادات من طرف مدرسة لييج بالخصوص، التي كان من ممثليها جاك دو بوا(Jacques Dubois).  ويقترح هذا الأخير فصل المؤسسة عن الحقل، ويدعو إلى مفهوم أوسع وأشمل هو مفهوم الشبكة الذي هو أكثر مرونة وأقل إلزاماً من الحقل.  وإذا كان استقلال الأدب أو الثقافة قد تأتى في بعض المراحل التاريخية في فرنسا، مثل القرن التاسع عشر، إذ أصبح فيه الأدب يلعب دوراً هاماً في المستوى الإيديولوجي والسياسي، فإنه سيكون من الصعب الحديث عن ذلك الاستقلال النسبي للرأسمال الرمزي في مراحل أخرى من القرن العشرين والواحد والعشرين.  ويمكن اعتبار النسق الأدبي بمثابة النسق الاجتماعي- التاريخي الذي يشمل مجموع الفاعلين المساهمين في تاريخ الأدب. والنسق النصي هو النسق الأدبي المقيد بالبنى الداخلية للنص.

                 ويتكون النسق الأدبي إجمالاً من دائرة الإبداع، ودائرة المعلقين والنقاد والخطاب حول الأدب، ودائرة الاجتماع والاقتصاد التي تمكن الأدب من الحياة من الوجهة الاقتصادية.  وهكذا تم التمييز بين أنماط الأنساق الأدبية بنوع التواصل الأدبي الذي ينتجه.  فهناك من جهة، النسق الشبكي الذي يستند في التواصل الأدبي على الرباط الداخلي لشبكات علائقية داخل الفضاء العمومي الذي يدار أساساً بالعلاقات الاجتماعية التي ترتبط إما بالرعاية الاجتماعية للأدب والكتاب والشعراء من طرف الأمراء أو النبلاء، أو بعلاقة المؤلفين فيما بينهم ونقاشاتهم في فضاءات خاصة أو عامة، وخطابات النقاد والمحللين والمعلقين.  وهناك من جهة أخرى، النسق الأدبي العمومي الذي يتحدد فيه التواصل الأدبي باقتصاد السوق، من صناعة الكتاب والمطبعة والنشر وغير ذلك.  ولكن مع ذلك، لا يوجد نسق أدبي صاف، بل يحصل التداخل بينهما أحياناً، وينتج عنه ما يسمى بالنسق الأدبي المختلط الذي يجمع بين رعاية الأدب والأدباء واستقلالهم.  وقد عرف تاريخ الأدب الفرنسي أنماطاً من الرعاية الأدبية، ومن التيار الطليعي الذي كان يحاول الاعتماد على إمكانياته الخاصة في تمويل ذاته.  ومن الأنساق الأخرى الهامة التي تساهم في التواصل الأدبي نسق النشر ودور رعاية الناشر للصناعة الثقافية الذي يشبه دور الرعاية في النظام السياسي القديم من طرف البلاط أو النبلاء.  ولعل أهم نموذج لدور رعاية الناشر للأدب في فرنسا هو دور الناشر الفرنسي غاستون غاليمار (1881-1975)(Gaston Gallimard)  الذي تطور من محب للآداب والفنون إلى أكبر مقاول في مجال النشر، ووفق بين الرأسمال الاقتصادي والرأسمال الثقافي، حتى أصبحت داره تضم كبار الكتاب الفرنسيين، بل أصبحت الواجهة شبه الرسمية للأدب الفرنسي، رغم الانتقادات التي وجهت له في علاقته مع السلطة السياسية.  وهناك في الأخير النسق المدرسي الذي يشمل الهيئات المكلفة بالتعليق على الكتب المرتبطة بالمدرسة، وهو نسق شبكي أكثر فاعلية وأكثر اشتغالاً في كل العصور والبلدان.  ولا يخفى دور المدرسة العليا للأدب في تكوين الكتاب الكبار مع الجمهورية الثالثة (1870- 1940) ومساهمتها في ربط التعليم العالي بالأدب. ويقترب النموذج الفرنسي اليوم من النموذج التواصلي العام بانفتاحه الأدبي على الإنتاج الأكثر حداثة، وعقد ندوات كثيرة حول الكتاب الذين ما زالوا على قيد الحياة، وانفتاح الأدب على الإبدال الإعلامي المعاصر المؤثر.

IV– تاريخ الأدب والشعرية التاريخية

                سادت الرومانسية تدريجياً في أوروبا القرن الثامن عشر، وفي فرنسا بعد ثورة 1789، وظهر مفهوم الحداثة التي ابتدعها بلزاك(Balzac)  منذ 1822، وأشاعها بودلير (Baudelaire).  وهي تحيل على التغيرات الثقافية الناتجة عن الثورة، وعلى النسق الاجتماعي والاقتصادي – الرأسمالية الصناعية – الذي ترتب عنها.  فقد أدت المثالية الأدبية الثورية إلى انهيار الملكية واختفاء الامتيازات، وظهور التمثيلية الوطنية، والإقصاء الثقافي للأرستقراطية، فتحرر الكاتب من الوصاية الاجتماعية القديمة، وتوجه مباشرة إلى الجمهور، مثلما عبرت عن ذلك مدام دو ستايل في كتابها الأدب وعلاقته بالمؤسسات الاجتماعية (De la littérature considérée dans ses rapports avec les institutions sociales)  (1800).  أصبح الأدب هنا حليفاً للروح الديموقراطية، كما أصبح الأدب الفلسفي وفصاحة الاستدلال من بين أهم تطورات الفكر الإنساني في ضمان الحرية الحقيقية، فعَلا صوت الأدب على صوت الخطيب السياسي بفضل الكتاب المطبوع الموجه إلى كل القراء وخَفَت الفكر الخطابي.  وكان الأدب يستمد كل معناه السياسي في تواصله الأدبي من قوة النشر، وإن كان يستمد قوته العمومية من كونه فضاء مثالياً للسياسة بحكم حمولته الاجتماعية والإيديولوجية، إلى جانب حمولته الجمالية والفنية.  وبذلك يكون عنف الفعل ومثالية الفكر النظري قد حول الجنس الأدبي من الأدب- الخطاب، إلى الأدب- النص، لأن الأدب التجأ هنا إلى فصاحة الفكر وليس إلى فصاحة القول.  ولهذا لم يكن قبول الرواية أمراً سهلاً، فساد أدب الفكر بدون جاذبية، ولكنه عميق في جوهره.  وبعد انقلاب ثورة بونابرت سنة 1799على الثورة عادت المثالية إلى الواقع، وتكيفت الحرية مع النظام الرجعي الذي فرض الرقابة على أشكال التعبير، وظهرت تصورات أخرى للأدب يغلب عليها الطابع الفكري بحكم انصهار المثالية الثورية والدينية.

وبعد ثورة 1830، أولى ثورات القرن 19، تحققت سيادة الفرد وظهر أدب مواز ينزع إلى الترفيه والحكي والانفعالات القوية، وتكوَّن ذوق جديد، وظهرت انتظارات جديدة، وبدأت تظهر صناعات ثقافية تلبي انتظارات الجمهور الثقافية القائمة على الترفيه.  فاستفادت الصحافة من هذا الانفجار، الذي عرف مسرح البوليفار، والإقبال على الرواية وكثرة الطلب عليها، بل ظهرت هذه الرواية في الصحافة في سلسلة حلقات تشد إليها القراء، وظهر النقد الصحفي وعَلَا صوت الرواية في سماء الأدب، وحلت محل القصيدة في النسق الأدبي.  فمنذ بروست لم يعد أي معنى للمرجعية الشعرية بالنسبة للروائي. وتدل الإحصائيات البيبليومترية(Bibliométrie)  فيما بين الحربين العالميتين على أن الرواية  قد ابتلعت النشر الأدبي بأتمه، أو كادت.  

                كان الإبدال الأدبي لسنة 1830 يتمثل في ازدهار الصحافة، التي تعبر عن المنعطف الحديث لتاريخ الأدب الفرنسي لما بعد الثورة؛ فانتعش الإعلام الصحفي والدوريات وتراجع الاهتمام بالكتاب والاكتفاء بإعادة النشر. وظهرت أساليب جديدة في الكتابة بفضل الصحافة، والسخرية الساحرة والواقعية الاجتماعية. ويمكن مقارنة ظهور الصحافة وأساليبها هنا بضمور الكتاب وموت السينما والصحافة في زمن الإنترنت والتلفزة وشبكات التواصل الاجتماعي المعاصرة.  ورغم الانتقادات التي وجهت للروايات المتسلسلة في الصحافة من طرف بعض الكتاب، مثل سانت بوف، المتمثلة في تلاعب الصحافة بـ”الأدب الكبير”، فقد ظهرت جماعات مؤثرة حول الصحافة، وأصبحت الجريدة مؤسسة ثقافية بمعنى الكلمة. ومع الإمبراطورية الثانية لنابليون الثالث (1852-1870)، تراجعت الصحافة وعادت مآدب الأدب والصالونات في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وانبعثت حركة نشر الكتاب ودخل النشر عصر الصناعة، وأصبحت سيرورة استقلال الأدب واضحة رغم سيادة الرقابة الذاتية في هذا العصر.

                أما على المستوى الجمالي فقد ظهرت جمالية البصر في الكتابة الأدبية التي اكتسحت الخطاب الواصف ونقل الواقع بواسطة العين كما يتمثله الروائي أو الأديب. وتم اكتشاف الواقع بواسطة اللغة وصورها البلاغية المختلفة وأساليبها المتنوعة.  كما تمت خلخلة الخطاب العادي وإدخاله في عالم الأدب في السرد والحكي والوصف.  ثم استفادت الكتابة الأدبية من عالم الطبع، مثل عملية نقل النصوص وإلصاقها داخل النص، أو ما يسمى بالروسم. وهو مقطع نصي يلصق داخل نص آخر. وساهمت اللسانيات في الفصل بين الدليل والمرجعية / العالم الخارجي، وركزت على الممتلكات النصية في إطار التصور البنيوي الذي اهتم بالنسق الداخلي للنص على حساب الأنساق الخارجية الأخرى.

                تغير الأدب إذن من الأدب- الخطاب إلى الأدب- النص بفضل النسق الصحفي والدراسات اللسانية والبنيوية، فتغيرت أدوات إسماع صوت الكاتب داخل النص على المستوى النحوي والدلالي.  فلما كان المفهوم التقليدي للكاتب يركز على مدى تطابق الكاتب مع النماذج الأدبية السابقة، فإن قيمة حضور المؤلف وأصالته الأدبية هنا أخذت تركز على مدى تشييد الكاتب لقيمته الذاتية وقيمة نصه.  وهكذا بدأ الانفلات من النماذج الصارمة للأجناس الأدبية ومراعاة ما يتطلبه سوق الكتاب العمومي، لا ما تتطلبه النماذج القديمة السابقة.  وإذا كان الأدب- الخطاب قد ساد إلى حدود الجمهورية الثالثة، لما كانت الرقابة شديدة على الأدب، وعدم تخلي البرجوازية عن متعة قراءتها اليومية، والصحافة ممنوعة من القيام بدورها الإعلامي، فإن الكتاب هو الذي كان يحتل الفضاء الثقافي، في الوقت الذي كانت فيه الصحافة في القرن التاسع عشر تلعب دور الفضاء العمومي مكان دور الصالون في النظام القديم.  وأخذت الصحافة تنوع موضوعاتها وتنظمها وفق مجالات تتصدرها الموضوعات السياسية فالاجتماعية ثم الثقافية.  وقد أثارت الصحافة الاهتمام بالنص المنشور وغير المنشور، وبدأ الاهتمام بالمذكرات واليوميات والمراسلات والمسودات، بما فيها من أسرار الكاتب، والكتابة والأعمال غير المنشورة. وكان فيكتور هيجو(Hugo)  أول من أهدى مسوداته للمكتبة الوطنية، في حين أمر مالارميه(Mallarmé)  في وصيته بإحراق مذكراته.           

                أما على مستوى تقنية الكتابة، فقد تطور فضاء خاص بالكتابة وبرزت ذات الكاتب بشكل واضح في الكتابة الحداثية؛ فظهر فلوبير(Flaubert)  من خلال نصه، والتعبير عن العالم بطرق غير مباشرة واللف والدوران حول الأشياء وعدم التعرض لها بشكل مباشر، فتميزت هذه الكتابة ببلاغة غير مباشرة.  والتجأت الرواية إلى استعمال ضمير الغائب.  كما تعلم محترفو الكتابة منذ ظهور المطبعة توحيد تقديم النص وتصميم صفحة الكتابة، وتوحيد قواعد التسطير، وقواعد الترقيم التي أصبحت قواعد ثابتة لتحرير النص.  ومع ذلك، فإن نظرة فاحصة في مسودة كاتب ما تكشف أن مهمة إخراج الكتاب كانت من مهام صانعي الكتاب وليس من مهمة الكاتب.  ومن دقائق الكتابة الحداثية تجلي ضمير المتكلم ـ”أنا” في النص فأخذ موضع الفاعل المتلفظ وموضوع التلفظ في نفس الوقت، مما يجعله ضميراً مضاعفاً يغني الغنائية الذاتية الأدبية للشاعر وحضوره في النص، فكان الشاعر يتوجه إلى الجمهور بطريقة غير مباشرة من خلال “أنا” نصية، فانتقلت الأنا- الذات  من مكانها فأدمجت في الإنجاز الفني.

ظهرت قصيدة النثر كذلك وتغير توزيع الكتابة في فضاء الصفحة، وأصبح البياض والسواد يقومان مقام الوزن، وتحولت القصيدة إلى مستوى القراءة كنص عوض القصيدة – الخطبة أو المسموعة، مما أدى إلى ظهور جمالية نصية جديدة.  واستندت الشعرية الجديدة بشكل واسع على السرد بخطاب ضمير المتكلم، وحضوره في الرواية الواقعية بضمير الغائب بطريقة ملتوية.  فهو حاضر بالعوالم التي يخلقها بالخيال الذي ينتجه دون أن يفصح عن نفسه.  ويدل هذا الحضور بالغياب على الارتباك الذي كانت توجد فيه الرواية.  وعلى مستوى الأسلوب كان الحرص على تعبير الكتابة عن الكاتب عملاً بمقولة بوفون(Buffon)  “الأسلوب هو الرجل”، مما يجعل علاقة الكاتب الروائي بأسلوبه علاقة حتمية ومتبادلة، بل كان هوجو  (Hugo)يرى أن الذاتية هي القادرة على وضع الكاتب في مصاف الأدب.

                ابتدأت المرحلة الأخيرة من تاريخ الأدب الفرنسي مع الجمهورية الثالثة. فقد أخذ فيها الأدب يقوم بتمثيل الهوية الوطنية في فرنسا بطريقة جدية أكثر من باقي الدول الأوروبية.  فأوكل الجمهوريون، وخاصة كبار المصلحين لسنوات 1880 للأدب مهمة تجسيد قيم الجمهورية، فتم بذلك توطين الأدب وتوريثه للأجيال، فأدمجت الجمهورية الأدب في المدرسة، لأن التربية على القول الجيد كانت مهمة تعليمية.  وكانت الجمهورية تنتظر من المدرسة التربية على المواطنة التي كانت تأمله ثورة 1789 و 1793 من البرلمانات والأندية.  وهكذا وضعت الدولة الأدب في جميع مستويات التعليم وتم تغيير برنامج التعليم الثانوي في ق 19.  وتراجعت اللغات القديمة أمام إقرار الأدب الفرنسي لنموذج كلاسيكي جديد.  وتطور الأدب في الجامعة لما فرض جوستاف لانسون الأدب في جامعة  السوربون.  وكانت باريس تنشر الكتب الناجحة بينما تنشر الجهات المنتخبات الشعرية.  ولم يتغير هذا التقسيم الجغرافي إلى اليوم، أي مركزية باريس السياسية والثقافية.  وغير الاستهلاك الإعلامي قواعد اللعبة الأدبية وأصبح الإشهار يروج للكتب الأكثر مبيعاً والمحافظة على تراتبية الأدب؛ فتقاطعت القيم التي رسختها المدرسة مع حاجيات صناعة النشر، واستفادت الرواية من هذا السياق التاريخي بصفة خاصة. وحققت الرواية بفضل فن التخييل الذي أصبح مقبولاً جمالياً يجمع بين الواجب (الجمهوري)، وفن التكوين ومتطلبات المتعة (الاقتصاد).  

ساهمت شعرية ياكوبسون(Jakobson)  ومفهوم الأدبية ثم الشعرية في المبالغة الشكلية حتى أصبح أسلوب الكتابة من أهم مقومات الوجود الأدبي، بل أصبحت صفة مرتبطة بالأدب الفرنسي ساهمت في تغيير معنى الذاتية وفرضت نفسها في الكتابة حتى لم يعد هناك أي تعارض بين الخطاب والنص، وبذلك ضيعت الذاتية معناها التاريخي وغايتها الأدبية وفرضت نفسها في الكتابة.   لقد استوعبت الشعرية ما هو غير مباشر وأصبحت الذاتية هي النواة المركزية لفن الكتابة الجديدة وأصبحت البلاغة الجديدة في النص، واستقل الأدب بموضوعه في الخطاب الواصف، وعاد المؤلف “أنا” في السرد ليفرض نفسه بشكل واضح.

 يمكن التمييز هنا في فرنسا بين أدبين: الأدب الوفي لعاداته الفنية القديمة والتقاليد، والأدب الموازي للجمهور الواسع يزود سوق القراءة المسلية. فقد ظهرت سلاسل رخيصة، وكتب الجيب، ونوادي الكتاب التي اعتنت بالرواية بشكل خاص.  وهناك أدب مواز استثمر العلاقة مع الصحافة، مثل روايات المغامرات والرواية البوليسية، والعاطفية واستثمار الروايات للتحقيقات الحساسة، أي ممارسة نصية مع الصحافة.   وكان للاستهلاك الجماهيري للمطبوع، ثم المسموع والرقمي أن انبثقت منه ثقافتان: ثقافة مكتوبة من طرف المؤسسات العمومية (المدرسة)، وثقافة تنتسب للمحيط الإعلامي وتخضع للتصنيع.  فاحتل الناشرون  في الآداب سوق الأدب مثل فايارFayard ، وفرينزيFrenesi ، وتلاندييTallandier ، بفضل سلاسل الكتب الرخيصة. ويمثل جورج سيمونون(Georges Simenon)  نموذج كتاب الأدب الموازي بإنتاجه الغزير والسريع.  وظهرت أنواع كثيرة من سلاسل الكتب منذ 1920، وكذلك الكتب المصورة وكتب الحرب. ودخلت الصحافة في عهد التوزيع الجماهيري وكمية السحب المدهشة.  وحققت الصحافة الفرنسية قبل سنة 1914 سحباً بالملايين بفضل عناوينها الأربعة الكبيرة:  لوبوتي جورنال(Le Petit Journal) ، لوبوتي باريزيان(Le Petit Parisien) ، ولومتان(Le Matin) ، ولوجورنال(Le Journal) .  فهاجر الأدب إلى الصحافة بفضل هذا المد الذي عرفه قطاع النشر.  وأصبح الشعر في المجلة والنثر في الكتاب. وانتقلت التحقيقات الصغيرة في ق 19 إلى التحقيقات الكبيرة في ق 20.  وكان ألمع المحققين من صحافيي الجرائد الشعبية، والمحققون الكبار من كبار الروائيين، فتصاعدت الروح الوطنية والارتباط بالأرض.  وكان أدب ما بين الحربين يحقق المثالية الرومانسية التي لا تفرق بين السياسي والأدبي.  واعتبر الروائي ألبير كامو (Albert Camus)  من كبار المحققين بعد الحرب العالمية الثانية.  وظهرت الرواية الجديدة في الخمسينيات لمواجهة الميثاق الواقعي الذي ساد في فترة ما بين الحربين، وصادفت أفول التحقيقات الصحفية الكبرى التي نافستها صور الإعلام الجديد.

يمكن أن نرصد انعطافين كبيرين في الأدب الفرنسي الحديث: الأول حصل بعد الحرب العالمية الأولى حين حولت كثافة السيرورة اقتصاد وثقافة المطبوع، وأدى إلى إنتاج تأقلَم كثيراً مع إكراهات التواصل الأدبي والأدب- الخطاب. والثاني يحاول انتقاد التركيز على اللغة وعودة الأدب- الخطاب بالخصوص في سنوات الحرب. غير أن الحياة الثقافية استعادت في سنوات 1950 حيويتها وانخرط الأدب في النقاشات السياسية والاجتماعية، وظهرت الرواية الجديدة الطليعية وتصورات فكرية وأدبية حاولت أن تُنظِّر للتحولات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والخطابات الجديدة التي تنتجها. ولكن سرعان ما امتص ذلك الحماس عالم الإعلام الحديث وتبعته المؤسسات المدرسية والجامعية. فترك فراغ المدرسة العليا المكان للمهندس، وظهرت ثقافة الاستهلاك الرأسمالي على الطريقة الأمريكية، وأصبح الأدب من الممارسات التقليدية المحترمة، ولكن نافسته آليات الإعلام السمعي البصري والتواصلي المعاصر.

 حلت الموسيقى والغناء محل الأدب المطبوع في العهد الرومانسي، واهتزت صورة مدرسة الجمهورية، التي كانت أساس النسق الأدبي المبني على مثالية المدرسة الابتدائية (المجانية، واللائكية والإجبارية).  وظهرت عقبات جديدة أمام هذه المدرسة وكثافة التعليم الثانوي والجامعي.  فعرف الأدب في ظل هذه المدرسة الجديدة الموزعة تراجعاً داخل النسق التربوي الفرنسي.  وأصبحت الأولوية ليس للذكاء الإنساني وإنما للذكاء الرياضي، بحكم إكراهات التكيف مع متطلبات المجتمع الحديث ابتداء من سنوات 1980.  وهكذا انتهى قرن من الإمبريالية المدرسية للأدب، وتعذر  على الأجيال التي تكونت في تلك المدرسة وقيمها الانقياد بسهولة مع تطور العصر.  وكان من أسباب الأفول الأخير  ارتباط تطور الآداب الوطنية ارتباطاً وطيداً بالهويات الوطنية، وبأهمية اختلاف الأوطان وتمثيليتها في الأدب.  لقد فقدت فرنسا بعد الحرب العالمية الثانية قوتها التاريخية العظمى وتقلص دورها التاريخي وتخلت عن ثقتها في قدرها الكوني فانتهت وساطتها بين المعسكر الشرقي والغربي في سنوات 1980.  ومع ذلك فقد تحسنت السردية والشعرية وكفاءتها الفنية.  وحافظ النشر على مستواه الدينامي ولكن ليس بنفس الزخم السابق.  وما زال القراء يهتمون بالكتاب الأدبي، وإن غلب الرجوع إلى أدب السرد الخام منذ بضع سنوات، (السيرة الذاتية، والرومانس) على الانشغالات الأسلوبية التي قد تنبئ بتجاوز محتمل للجمالية للذاتية.

V– آفاق دراسة تاريخ الأدب

ما هي تخمينات المؤلف  لمستقبل الأدب؟  من الصعب على مؤرخ الأدب، مثل المؤرخ، أن يتنبأ بالمستقبل. ولكن كمتتبع للوضع الأدبي والثقافي في فرنسا تكونت لديه قناعتان حول أدب الغد:  الأولى، هي أن أدب الغد لن يشبه أدب اليوم أو الأمس. والثاني يستحيل تخيل ما سيكون عليه أدب الغد. ويرجع هاتين القناعتين إلى تسارع سيرورة العولمة،  وصعوبة معرفة ما ستكون عليه حالة الأدب في هذه العولمة.   فمن الممكن الحلم بحضارة متعددة الثقافات قائمة على الحوار وعلى المواجهة الخصبة لكل الآداب.  وستمكن كثافة الترجمة في القرية الكونية، بدون شك، من التعرف أكثر على أدب الآخر، مع ضرورة حماية الإبداع الثقافي والممارسات الأدبية من كل تنميط تفرضه هيمنة اللغة الإنجليزية.  وقد تساعد الاستراتيجية التجارية المكثفة على تكوين أدب موحد مفصول عن التواريخ الأدبية الوطنية.  كما أن انفجار تكنولوجيات التواصل الجديدة المتصلة بالثورة الرقمية سيساعد على تغيير التعامل مع ثقافة المطبوع التي تكونا فيها.  فنحن بدأنا نتقن استعمال آليات التواصل، ولكن نمط تفكيرنا وخصائصه الجمالية ما زالت مرتبطة بأدب الكتاب وجماليته.  لقد دخلنا في عهد كتابة جديدة بدأنا نرى فيها إنتاج كتابات جديدة في آسيا وحوض المتوسط، وهناك تكنولوجيا قادرة على إنتاج النص، والنص هو كل ما يظهر على الشاشة.  وسيغير التفاعل، الذي يعتبر المكون الرئيس للإعلام الإلكتروني، العلاقة بين الناسخ في زمن فضاء الكتابة نفسه، وإدراكه لذاتيته وتأليفه.  وما مصير النسخ والتجسيد الأدبي إذا تخيلنا غياب ملامس الحروف بدورها؟  قد تتطلب هذه التقنية ثلاثة أجيال حتى يطبقها الآباء وتصبح لغة ثانية.  ستتغير بدون شك طريقة إدراك خطابية ونصية أدبية جديدة تماماً.  وسيكون النسيج الضيق لأدبنا – النصي الذي ولد مع انتصار الكتاب المميز بجماليته النرجسية لعالم التأليف ذاته، وسيظهر لنا عجباً رائعاً، لكنه عجيب، كما هو حالنا مع ملحمة هوميروس أو فرجيل. ومع ذلك، سوف تبقى مواصلة كتابة تاريخ الأدب، في زمن الشك والتقلبات التي تعرفها الممارسة الأدبية، السبب الوجيه لاستحضار حضارتنا الكتابية.

____________________________

  هوامش

*Alain Vaillant, L’histoire Littéraire, 2ed. Paris, Armand Colin, 2017.

** ألان فايانAlain Vaillant ، هو مؤرخ تاريخ الأدب الفرنسي، ومختص في أدب القرن التاسع عشر. وتدور أبحاثه أساساً حول الرومانسية والحداثة في الشعر والنثر، والشعرية التاريخية للكتابة الأدبية، ونظرية التاريخ الأدبي، وأنثربولوجية الضحك. وهو الآن أستاذ في جامعة باريس- .نانتير . من مؤلفاته:

–  Histoire de la littérature française du xixe siècle (en collaboration avec Jean-Pierre Bertrand et Philippe Régnier), Paris, Nathan université, 1998 [réédition en 2007 aux Presses universitaires de Rennes; Presse et plumes. Journalisme et littérature au xixe siècle, Marie-Ève Thérenty et Alain Vaillant dir., Paris, Nouveau-Monde éditions, 2004; L’Histoire littéraire, Paris, Colin, coll. « U », 2016 (2010 ; * Qu’est que le romantisme?, Paris, CNRS éditions, « Libris », 2016.

*** عبد الجليل ناظم، أستاذ الأدب المغربي الحديث، جامعة محمد الخامس، الرباط، كلية الآداب والعلوم الإنسانية. من مؤلفاته: نقد الشعر في المغرب الحديث، دار توبقال، 1992؛البلاغة والسلطة، دار توبقال، 2002؛ديوان الشعر المغربي التقليدي، منشورات وزارة الثقافة، 2003؛عبد الفتح كيليطو، متاهات الكتابة، مشاركة وإشراف، 2013.  ومن ترجماته: كيف نفكر في الفن الإسلامي؟، (بالاشتراك مع سعيد الحنصالي)، 1996؛منهجية الكتابة الأكاديمية والكتابة المهنية، 2008.

1- Gustave Lanson, Histoire de la littérature françaiseHachette1894.

2- ألان فايان، عودة تاريخ الأدب، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، 2020، ص 98. 

3- نفسه، ص 193.

- أحمد بوحسن

جامعة محمد الخامس – كلية الآداب – الرباط

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.