الأحد , 9 مايو, 2021
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » المغاربة وسياسة الغذاء

المغاربة وسياسة الغذاء

محمد حبيدة، المغرب النباتي، الزراعة والأغذية قبل الاستعمار، الدار البيضاء، منشورات ملتقى الطرق، 2018.

   يخوض هذا الكتاب في موضوع يتقاطع فيه الإنتاج والتوزيع والاستهلاك، حيث انصب فيه جهد المؤرخ محمد حبيدة على المغرب ككل، خلال فترة تاريخية طويلة وشاسعة،بدءاً من القرن السادس عشر إلى نهاية القرن التاسع عشر.

   ارتبط المغاربة، قبل الاستعمار، بالأرض والسماء، بما يحمله هذا الارتباط من دلالة مادية ورمزية، لأن الأرض هي الشرط الأساس للإنتاج. ويتعلق الأمر بإنتاج يقوم على الضرورة والعادة، إنتاج لا يخرج عن منطق البيولوجيا والثقافة، بما تعنيه البيولوجيا من ضرورة وإكراه، وما تحيل عليه الثقافة من حد فاصل بين الإنسان والحيوان، حد يؤسس للرمز وللقيمة اللذين يميزان كل ما ننتجه أو نوزعه أو نستهلكه.

   يتميز موضوع هذا الكتاب، بتنوعه وشساعة زمانه.ونلمس هذا التنوع أيضا في المصادر والمراجع المتعددة التي يعتمدها الكاتب، وهو الذي يبدأ بنصوص تاريخية وينحاز لبراديغمات العلوم الإنسانية والاجتماعية الأخرى، كالأنثروبولوجيا والإثنولوجيا. يجمع الباحث مادته من كتب النوازل والتراجم، كما ينقب في كتب الفلاحة والطبيخ، إذ لا يستثني الأرشيف وطنيا كان أم أجنبيا. نحن أمام مؤرخ ينفلت من دُوغْما الوثيقة الواحدة وينتصر للبحث فيما تراكم حول المغرب،حيث يبحث في نصوص الحكايات والمرويات والأساطير والأغاني، وينقب أيضا فيما خلفه الأجانب الذين زاروا المغرب وكتبوا عنه. يبدأ الكاتب أحيانا بالوصف الذي تركه الحسن الوزان، وينتهي بشهادات الرحالة الأوربيين الذين زاروا المغرب خلال القرن التاسع عشر. وعندما يفعل ذلك، لا يقبل الأشياء كما تقدم أو تسجل، بل يفحصها ويقارنها بغيرها من المصادر، وأكثر من ذلك، فهو ينتقدها ولا يقبل منها سوى بما كان منها واضحا ومتميزا كما يقول ديكارت في قواعد المنهج.

    أما موضوعه، فهو تاريخ الأغذية في المغرب، أو كما يقول عبد الأحد السبتي: “يقترح محمد حبيدة أطروحة حقيقية مفادها أن المعطيات المتوفرة حول أطعمة عامة المغاربة في الماضي، تدعم فكرة وجود نظام غذائي نباتي قبل أن يظهر هذا المفهوم في شكله المتداول خلال القرن العشرين”(ص. 9-10).

   ومن حسنات هذا العمل، أنه يجعلنا نتصالح معرفيا مع لغة متأصلة فينا، ومتداولة بطريقة أو بأخرى، ولكننا قد نجهل حياتها وحكايتها، كما يمكن أن نجهل سيرورتها أو تحولاتها.

   إذا كان محمد حبيدة يؤكد أنه لا يركز على عوائد علية القوم، بقدرما يهتم بالأغذية الأساسية النباتية التي يستهلكها عامة الناس، في أوقاتهم العادية، فإننا نجده على طول صفحات الكتاب لا يقف عند الحياة اليومية أو العادية لهذه الفئة من الجمهور، بل يقارن حالهم ووضعيتهم بحال ووضعية فئات أخرى وفي أوقات مغايرة.

يكشف النظر فيما كان المغاربة ينتجونه ويوزعونه ويستهلكونه في ارتباط بالأرض، عن طبيعة التوازنات الصعبة بين الإمكانات المتاحة للناس وظروفهم الطبيعية والسياسية. فالاقتصاد السياسي، هنا، هو اقتصاد مرهون بالكفاف والقلة، في القرى والمدن ولدى عامة الناس، أما الفئة الخاصة فهي فئة قليلة ووضعها خاص مقارنة بالفئة الأولى.

يسجل صاحب الكتاب أن المجتمع المغربي قبل الاستعمار مجتمع زراعي. ويستند في ذلك على شهادات ونصوص عديدة[1]، ويؤكد أن خصوبة الأرض يقابلها مجتمع يتسم بالعقم والعجز والخضوع، مجتمع يتشبث الفاعلون فيه بتقنيات بدائية تعيق تقدمهم وإنتاجهم. في مثل هذا المجتمع تغيب الأسمدة ولا يحضر منها سوى الطبيعي. في ظل هذا الوضع يسود نظام ديموغرافي يتأثر بالاقتصاد الزراعي (ذي العلاقة بالأرض وتحولات المناخ). ويخلص إلى أن النتيجة هي غياب التراكم على المستويين التقني والكيفي.  ومن ثمة يتم اجتثاث الأرض باستمرار وتتحول إلى ملكيات مجهرية، وهذا عائق ينضاف لعوائق يحددها الباحث في نمط الاستغلال الزراعي والاضطرابات الاجتماعية التي كانت البلاد مسرحا لها.

    لنقف عند بعض هذه العوائق.

1ـ نمط الاستغلال الزراعي: يقف من خلاله على نظام الخِماسة، وهي مؤسسة عرفية (بالبوادي) تمكن الخماس من الحصول على خمس المحصول. وتجدر الإشارة هنا أن محمد حبيدة، لا يقف عند حدود الوصف، رغم أهميته، بل يتعداه بالوصول إلى خلاصات عامة أقرب إلى قانون مفسر للظاهرة التي يعالجها. لنستمع إليه: “يحيل هذا الواقع إلى معادلة اجتماعية أساسية، هي بنية المجتمع وبنية الاقتصاد. ومعنى ذلك أن العلاقات الاجتماعية القائمة على تبادل الخدمات، في إطار الخِماسة التي كانت خدمة اجتماعية أكثر منها اقتصادية، هي التي كانت تفرض وتيرتها على الاقتصاد، وتعمل على انحباسه في نمط من الكفاف يعيد توزيع الإنتاج الزراعي ضمن خدمات اجتماعية متبادلة” (ص.33).

2ـ الاضطرابات الاجتماعية: لما لها من تأثير على عمليتي الحرث والحصاد.

3ـ الجباية: الضرائب التي يؤديها الفلاح للمخزن في شكل عشور وزكاة. وعند إثقال كاهل الفلاحين، كان هؤلاء يلجئون للتمرد، مما يفضي إلى تدخل الجيش لإخضاعهم. كما أن إثقال كاهل الفلاح بالجبايات ساهم في ضعف الإنتاج الفلاحي. وهنا يفيدنا الباحث بملاحظة مفادها أن الأغنياء في مظهرهم، كانوا لا يختلفون في شيء عن البؤساء، وما هي إلا حيلة يتم اللجوء إليها بغية الإفلات من كثرة المغارم.

      ومن جهة أخرى، يميز في المجال الزراعي، بين ما يعرف ببلاد البور وبلاد الساقية. وفي هذه الحالة، شملت الزراعة عندنا، مجالين: البور والسقي. أما الزراعات البورية، فكانت إما “بكرية” وإما “مزوزية”. ويعتمدان معا على مياه الأمطار. أما الزراعات السقوية، فهي خليط بين الزراعة والغراسة والبستنة، وهي زراعات انتشرت في البوادي كما في هوامش المدن.

   إن الارتباط بالأرض، ليس فعلا عفويا وطبيعيا، بل أملته عوامل سياسية ـ جبائية، والأمر له علاقة أيضا بتشبث المغاربة بازدواجية الرعي والزراعة، مما يجعلنا أمام نمطين يتعايشان، إن لم نقل يتكاملان.

   يقف المؤلف على مسألة إنتاج الحبوب، كمياتها ومخزوناتها، كما ينبه على مسألة الأوزان واختلافها (المد والصاع، الصحفة، الوسق، القنطار..الخ). وينبِّه إلى التخزين وظروفه، ويكشف عن المطمورة أو المرس أي الطرق التي خزن بها المغاربة أقواتهم بعيدا عن أماكن تواجد الماء. وسواء أكان التخزين فرديا أو جماعيا، فقد كان محكوما بهاجس الأمن الغذائي وتزويد السوق بالمواد الضرورية والاحتكار. وفي ذلك نطلع على نماذج جبلية في التخزين كالإيغرم أو الأكادير. أما الهري فهي محلات للتخزين وُجدت بالمدن وسهرت عليها الدولة.

    ثم ينتقل الكتاب إلى الأطعمة اليومية. فما الذي كان يميز طعام المغاربة؟ إن الغذاء الأساس عندهم كان هو الخبز بنوعيه الأسود والأبيض. ولم يكن الخبز الأبيض هو النوع المفضل لدى المغاربة وحدهم، بل حتى بالنسبة للأجانب. ويسمى أيضا بالخالص. خبزٌ يمكن اعتباره علامة على التميز والتمايز الاجتماعي. في هذا السياق، يؤكد الباحث أن “تراتبية الطعام ذات الصبغة السوسيو-جغرافية، والثقافية أيضا، هي بالأحرى جمالية أكثر منها غذائية. لأن الخبز الأبيض، بطبيعة دقيقه الصافي، له وجهان: هو لذيذ، مشهي، ولكن فقير من حيث القيمة الغذائية، بسبب عملية الطحن والغربلة التي “تقتل العنصر الحيوي في القمح… وتحذف أهم ما فيه”” (ص.61).

ويدخل المؤلف في تفاصيل إعداد الخبز كاشفا عن محتوياته، ويجمع أهم التقنيات الموظفة في ذلك، وطقوس الاستهلاك، كما يقف على الفوارق الاجتماعية والعائلية (البيوت الفقيرة، الأعيان، دار المخزن..الخ). وعندما نواصل قراءة الكتاب، نجد أن أغلب هذه الأطعمة ما تزال حاضرة في موائد وعوائد المغاربة لحد الآن، مثال ذلك بوشيار، والثريد..الخ.[2]

   أما الخبز الأسود، فهو خبز يستخلص من الشعير. إنه الطعام الخشن أو خبز البوادي، الذي كان يستهلك حافيا أو “بالموجود” من الزيت والفاكهة ومشتقات الحليب. وكان منتوج الشعير هذا يتحول أحيانا أخرى إلى عصيدة (طعام الأطلس بامتياز). والطريف في الكتاب أنه يقف حتى على طرق إعداد هذه الأطعمة، وهنا تظهر تأثيرات الإثنولوجيا في هذا العمل.

    وعندما يتحدث عن الكسكس، فهو يؤكد أن هذا النوع من الطعام، متجذر في التاريخ والثقافة المغربيين، في البوادي والمدن. وهو الطعام الذي استعمل بديلا عن الخبز والعصيدة،واتخذ في المغرب تسميات عديدة: نعمة، عيش، طعام. وكان اسمه يتغير بتغير مادته: كسكس إذا كان مصنوعا من القمح، وبلبولة (من الشعير)، وبدّاز (من الذرة). وقد تتبدل هويته إذا ما أضيفت إليه مكونات أخرى كالخضر أو الحليب. كما يقف صاحب الكتاب، على طرق الإعداد بمناهج وتقنيات علوم الإثنولوجيا.غير أن الفرق بينه وبين الإثنولوجي هو أنه لا يستجوب الناس، بل يستنطق النصوص، وهي عملية ليست بيسيرة كما يمكن أن نتصور. 

   وعندما يقف صاحب الكتاب، على مهارات الإعداد وتفاصيل الأشياء، يستدل ببعض الشهادات: “انبهر الأسير جيرمان مويط أمام نساء ماهرات يفتلن حبات الكسكس، يضاهي حجمها حجم الخُردُق الصغير، بل أفضل من ذلك بكثير”(ص.67). ثم ينتقل إلى الطبيعي، ويغوص بنا في تفاصيل تجلب لنا المتعة وتسيل لعابنا وذاكرتنا الجماعية. وهنا يغدو التاريخ شفاءً، عندما يعود بنا إلى الماضي، حيث نزيل اللثام عن ماضينا، وتاريخنا، وكأننا بهذه الطريقة نعيد بناء موائدنا ومطابخنا، بمكوناتها، بتعددها وبغناها. ومن ثمة نعيد تركيب وتشييد ثقافتنا ولغتنا وحضارتنا.

   يقف صاحب الكتاب على طريقة العرض: “كان طعام الكسكس، وهو معروض في شكل هرم… لذيذا” (ص.69). ثم طريقة الأكل: “كانوا يصنعون كويرات بأيديهم، ويرسلونها إلى أفواههم ببراعة” (ص.69). بالنسبة لعامة الناس، كان الكسكس طعاما وزردة. لكن الكاتب لا يقف عند هذا الحد، بل يبرز الحمولة الثقافية للطعام، ويبيِّن أن الارتباط بطعام البلد ظاهرة ثقافية معروفة في تاريخ الأغذية. بل إن هذا الارتباط، يولِّد لدى الجماعات البشرية نوعا من التمركز حول الذات، فمن الناحية الأنثروبولوجية، كل جماعة بشرية هي جماعة متمركزة حول ذاتها.[3]

   وماذا عن تناول اللحوم؟ عندما يعالج هذا الموضوع، فهو يتناوله من خلال ثلاثة مؤشرات: المجازر وعيد الأضحى والوزيعة. يبيِّن المؤشر الأول أن المجازر ظاهرة حضرية. أما المؤشر الثاني فيحيل على كل من المدن والبوادي، وبهذه المناسبة كان الناس يتناولون كميات كبيرة من اللحم، ويستمتعون بما هو نفيس كالكبد والملفوف، ويجفِّفون قطع اللحم لإعداد “القديد”. أما الوزيعة، والتي همت البقر والغنم، فقد شكلت نظاما اقتصاديا جماعيا، وتخطت التقليد والعادة. وبتعبير جاك بيرك،كانت “مؤسسة غنية من الناحية السوسيولوجية” (ص.74). ولا يزال هذا التقليد ساريا حتى اليوم في معظم بوادينا، وغالبا ما يستهدف البهيمة المهددة بالموت، والتي يعرضها صاحبها على الجماعة، فتتضامن معه وتذبحها وتوزعها بحسب عدد الكوانين المتوفرة بالقرية. وهنا تحيل الوزيعة على التضامن والعادة.

   يقف محمد حبيدة على أنواع اللحوم التي يتناولها الناس، ويميز بين ما يُتناول في المدن وما يُتناول في البوادي. ففي السهول والمدن، غالبا ما يتناول الناس لحم الغنم. أما سكان الجبال فيتناولون لحم الماعز. وأما لحم البقر فكان أقل شأنا لديهم، إذا ما استثنينا لحم العجل الفتي. وفي الغالب كان لحم البقر يترك للتجفيف و”الخليع”. أما لحم الجمل فكان يستهلك في المناطق شبه الصحراوية. وبالنسبة للدجاج، فتقول عنه النصوص الموظَّفة في الكتاب “طعام رفيع” ولا يعرض إلا في المناسبات الغالية. وبخصوص السمك، يقر الباحث بندرة وشح المصادر التي تناولت موضوعه، ويتساءل إن كان الشح يرتبط بهامشية السمك في النظام الغذائي[4]. وينتهي الكاتب بالقول، إن المغاربة في استهلاكهم للحوم كانوا مكرهين اجتماعيا، ومحكومين بمراتبهم الاجتماعية والمناطق الجغرافية التي يقطنونها وبالمناسبات التي ينظمونها أو يعيشونها. وفي الأخير، يؤكد أن الأغذية الرئيسية في المغرب، لدى جميع الشرائح الاجتماعية، هي أغذية نباتية، متنوعة في التحضير ومتعددة على مستوى الأطباق والأذواق.

هذه هي أهم مظاهر النظام الغذائي في الحالات العادية. فماذا عن أوقات القحط والمجاعات؟ لجأ الناس وقت الجوع إلى البراري للحصول على طعامهم. وعندما تقل التساقطات وترتفع الأسعار، فإن المجاعة لا تضرب الأهالي إلا في الموسم الموالي. وعندما يشتد ضيق الناس، يلجئون للصلاة(الاستسقاء)، ويتضرعون إلى الله وأوليائه.

لم يرتبط الإنتاج الزراعي بالتجارة، بل بالكفاف. ولذلك بقي محصورا في تبادل الخدمات بين الفلاحين وأصحاب الأراضي والخماسين وغيرهم. لقد بقي الإنتاج الزراعي رهينا بالتقلبات المناخية، وبمنطق الاحتكار الذي يحكم الأعيان وكبار الملاك الذين يخزنون الزرع. لهذا فإن اللجوء إلى النباتات البرية، كانت تمليه ضرورة الحياة، وهي ضرورة دفعت إلى تناول المحرمات (لحم سري). بمنطق البيولوجيا، يعد الطعام كل مادة غير سامة، قادرة على تلبية حاجيات الجسم من الغذاء. ولهذا،نجد الناس يقبلون في حالات الشدة، على تناول نباتات برية وغيرها، منها: البلوط، ويرني أو الدغفل، والبقول، التي شكلت في أوقات الخصاص أساس ما يأكله الناس لخداع الجوع، ثم الخروب، والترفاس، واللفت المحفور، والكرنينة، فضلا عن أنواع أخرى، كالكلخ والخردل والدفلى…الخ. هذا وقد لجأ الناس خلال اشتداد المجاعات إلى صيد الوحيش، كالأسود والثعالب والخنازير والظباء والقنافذ والطيور، التي كان بينها تفاضل في لذة لحومها وكره رائحتها. غير أن الحاجة للطعام، كانت تقضي على الأذواق، بل تتغاضى عن التوجيهات الدينية الحاكمة للتغذية، وفقا لقاعدة “الضرورات تبيح المحظورات” (ص.94). وأكثر من ذلك، خلال هذه المجاعات، انقلب الإنسان على حيوانه الأليف، وهو الذي لم يستثن لحم الحمير والكلاب والقطط فضلا عن الجراد والزواحف والضفادع والحلزون.

   من هنا نخلص مع الباحث إلى أن الجوع آلة اجتماعية ونفسية طاحنة، تغير حياة الناس تغييرا كبيرا، ليس فقط على مستوى السلوك الغذائي، ولكن أيضا بالقياس إلى مظاهرهم الفيزيولوجية والاجتماعية والذهنية.

وماذا عن تطويع الأذواق؟ يسجل مؤرخو تاريخ الأغذية أن “مطاعمنا لا تعبر بالضرورة عن أطعمتنا المفضلة” (ص.96). ففي الأزمة يخضع الإنسان للضرورة وللأمر الواقع، أما الممارسات الغذائية فهي التي تعمل على “تركيب الذوق وتطويعه ليوافق الطعم الاعتيادي والنظام المطبخي اليومي، مشكلة بذلك “نسقا معياريا مشيدا تشييدا اجتماعيا”(ص.97). نسق يستدخل وجبات جديدة مكونة من نباتات وحيوانات وحشرات. وفي كثير من الحالات تدفع المجاعةُ الناسَ إلى الخروج عن المعتاد(بيع الأطفال، العهارة..الخ)،كلما اشتد الجفاف وتوالت سنوات الجوع والخصاص.

   من خلال هذه التجارب وغيرها، “استطاع المغاربة في إطار بيئتهم ونظامهم الاجتماعي، إيجاد بدائل كثيرة لضمان بقائهم البيوكميائي بالتكيف مع الظروف والأحوال، تنقيبا في البراري والغابات وخروجا على العادات والتقاليد” (ص.103).

   ويطرح الباحث سؤال العلاقة بين الأغذية والتغذية؟ يرتبط الغذاء عموما بالحاجة.يظهر للقارئ غلبة الحبوب في مغرب ما قبل الاستعمار، مع استدخال بعض الخضر كاللفت والجزر، فضلا عن الحليب ومشتقاته. أما المواد الدهنية (زيت الزيتون، أركان) فلم تكن متاحة للجميع.هذا مع التأكيد على أن السكريات في موائد المغاربة كانت نباتية، واتخذت مظاهر كثيرة، نذكر منها الخبز المرفوق بالفواكه(العنب، التين، البطيخ، رمان، زيتون، وغيرها). وينبغي أن نشير إلى أن الاستهلاك عرف تغيرا وتنوعا اقترن بمواسم الإنتاج. أما عندما يشير إلى السكر، فيؤكد أن المغرب بدأ في إنتاجه انطلاقا من القرن السادس عشر،لكنه ظل مادة مرتبطة في الغالب بالتصدير أو مقتصرة في توزيعها على بيوت الأعيان.

   رغم ما يميز النظام الغذائي المغربي من تقلبات محكومة بالطبيعة والسياسة، فإن الباحث يسجل من منظور علم التغذية مزايا النظام الغذائي الذي اهتدى إليه المغاربة، وهو نظام غالبا ما كان يضمن للمستهلك توازنه.نظامٌ يقوم على ثلاثية القطاني والفواكه والألبان. وقد بيَّن استنادا إلى شهادات أطباء وعلماء التغذية مدى الأهمية والفائدة الكامنة وراء هذا النظام الذي يصفه بالمتكامل. وهذا النظام الغذائي النباتي، الذي يبدو فقيرا من الناحية الاجتماعية،كان غنيا من الوجهة البيولوجية. نظامٌ ضمِن الحياة والاستمرارية للمغاربة. وحتى النحافة التي كان يظهر عليها المغاربة، لا تخلو من توازن، كما لا تتعارض والصحة الجيدة بمقاييسها الراهنة لدى المختصين في الصحة والتغذية، “فالنحافة التي كان عليها سكان المغرب قبل الاستعمار، كما يتضح من شهادات الملاحظين الأوربيين، بسبب “طبيعة الأطعمة التي يأكلونها”، لم تمنعهم من العيش في توازن غذائي نسبي”(ص.116). غير أن هذا التوازن الغذائي غالبا ما كان يختل خلال الفترات العصيبة. والخلاصة هنا، هي أن الناس كان عليهم التكيف مع اقتصاد القلة، وقساوة البيئة وتقلباتها.

   إن الطعام بقدرما يستند على البيولوجيا، بقدر ما تؤطره الثقافة، وبقدرما لا يتحرر من التمايزات والتراتبيات المبنية على متغيرات عدة، منها الطبيعي (مواسم)، ومنها الاجتماعي، ومنها العائلي. يؤكد ليفي ستروس أن “مطبخ مجتمعٍ ما لغةٌ تترجم بنيتَه بطريقة لا واعية، وتكشف عن تناقضاته”(ص.126). في المغرب قبل الاستعمار،تنوع الطعام وتعدد، بتعدد المراتب الاجتماعية، التي ضمت سائر الناس (العامة)، والخاصة (التجار والأعيان وخُدّام المخزن) وخاصة الخاصة (الفقهاء والعلماء والشرفاء). من هنا كان “الناس يأكلون، كما تقول لوسيت فالنسي، ليس فقط لتجديد طاقاتهم، بل أيضا لحفظ مرتبتهم الاجتماعية وإعادة إنتاجها” (ص.130).

شكل هذا الكتاب إضافة قيمة، لكونه تناول موضوعا مهما، وهو الموضوع الذي بدأ يعرف تراكمات على المستوى المعرفي، ويعرف تسارعا لا مثيل له على مستوى طبيعة الحياة اليومية للمغاربة وما يستهلكونه.


 ـ يضع المؤلف في ملحق الكتاب 25 نصا تمتد من الصفحة 143 إلى الصفحة 165، وهي نصوص ذات أهمية كبرى، يستمد الكتاب منها قوة إضافية. [1]

 ـ انطر بهذا الصدد، عبد الله هرهار، “ذاكرة الطعام، في أسس النظام الغذائي وعاداته”،مجلة الثقافة الشعبية،البحرين، العدد 11، 2010.[2]

https://www.folkculturebh.org/ar/index.php?issue=11&page=showarticle&id=74

ـ انظر: عبد الله هرهار، التنوع الثقافي، قضايا وإشكالات، الدار البيضاء، أفريقيا الشرق، 2020.[3]

 ـ انظر بوجمعة رويان، الطب الكولونيالي الفرنسي بالمغرب، 1912 ـ 1945، الرباط، منشورات الرباط نت، 2013، ص: 27ـ 53.[4]

- عبد الله هرهار

جامعة ابن طفيل القنيطرة/المغرب

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.