الخميس , 24 يونيو, 2021
إخبــارات
الرئيسية » دراســات » غنائيات بتاء التأنيث

غنائيات بتاء التأنيث

ظلت شعرية القصيدة العربية تحتفظ لنفسها بقدر من الغنائية حتى لدى أكثر الشعراء حرصاً على تطوير جمالياتها، والنزوع بها نحو فلسفة تعبيرية جديدة تشحنها بعناصر أسلوبية كالسرد والدراما والتقشف الجمالي، ونستحضر ههنا تجربة محمود درويش وسعدي يوسف وعز لدين المناصرة…يقول محمد صابر عبيد “شعر عز الدين المناصرة في أحد أهم مظاهر اشكاليته وخصوصية حركيته التعبيرية أنه لا يطوق لغته بوساطة الإمكانات الغنائية، فهو مقتصد فيها من غير بخل، لكنه حذر بشأن انفلاتها بلا حدود، وهو في الوقت ذاته يجتهد في استحداث بدائل نوعية تقلل من مساحة الغنائية بالقدر الذي يبقي الكلام في دائرة جنس الشعر”[1].

وتكشف القراءة في التجربة الشعرية للشاعرتين المغربيتين الزهرة رميج و مليكة معطاوي عن غنائية طافحة ببلاغة التأنيث، مهووسة بمشاعر الأنثى، ولغة حالمة تغوص في أركيولوجيا الذاكرة، وتمتح من وعيها الفردي والجمعي، فتتحرر الألفاظ والعبارات من عقالها، لتسبح في ملكوت من المعاني الملتصقة برحم التجربة الشعرية التي تخلق دلالاتها الخاصة بها، فـ”حين لا يعود للكلمات معنى تصبح أية كلمة صالحة لأي شيء، ولأي معنى”، فالشاعر هو الذي “يفرغ اللغة من ليلها العتيق ويردها إلى براءتها الأولى”[2].

في ديوان “ترانيم” تطالعنا من الوهلة الأولى غنائية فاضحة، يحبل بها نص العنوان المترع بتلقائية الطبيعة، وسجية الطيور والجداول، وعلى الطرف الآخر من التجربة يكشف عنوان النص “أسرار الظل الأخير” عن جدلية البوح والتواري، حيث إن سيكولوجية الأنثى تقود الشاعرة للتخفي خلف ظل مشاعرها، وهوس الكتابة وسلطتها يرغمانها على تمزيق ستائر الظل للكشف عن هواجس الذات وهمومها وانفعالاتها بوساطة لغة إيحائية مراوغة تتمنع عن قول كل شيء.

  • تجليات الغنائية في ديوان ترانيم
  • في عتبات النص

    إن لفظة “ترانيم” الواردة مفرداً بصيغة الجمع تفجر أفقاً دلالياً يحتفي بالوحدة والتعدد ويَعِد بكون شعري يحبل بتشظي المعنى، ويحيل على تمزق أنا الشاعرة وحيرتها، وهو ما تعبر عنه تعدد الموضوعات/ الترنيمات في نص الديوان؛ (ترانيم للوطن؛ ترانيم للشعر؛ ترانيم للحب وترانيم للألم) – ويفيد ترتيب الموضوعات دلالات خاصة سنكشف عنها في سياق قراءتنا للنصوص- فالترانيم أصوات فطرية تحيل على استجابة لحاجات غريزية، لا تكلُّف فيها، وقد تكون استجابة لنداء خارجي، وترتبط في الثقافة المسيحية بالتراتيل المقدسة.  وأياً كان الأمر فإننا نرجح  أن تحيل دلالة الترنيم السياقية على العفوية والتلقائية في تعبير الشاعرة، بوصفها سمة أسلوبية مميزة لنصوص الديوان. وتعبر نغمة الترنيمة على الحالة النفسية للذات، فقد تكون مشحونة بالحزن والتوتر واليأس، وقد تكون مفعمة بالفرحة والحبور والأمل، تماماً كما تختلف نغمة الترانيم باختلاف أحوال الطيور.

 ويكشف التضافر الأسلوبي[3] لعناصر الخطاب الشعري، بلغة الناقد الأمريكي مايكل ريفاتير (19242006) (Michael Riffaterre)، على تأكيد فرضية الغنائية بوصفها سمة أسلوبية، يفسرها الدليل الأيقوني (صورة الغلاف)، والدليل اللغوي (توطئة الديوان)؛ فاللوحة التشكيلية التي تؤثث واجهة الغلاف عبارة عن منظر لمنزل ريفي معزول ومحاط بالأشجار، ممتد على مساحات شاسعة، يغري باجتذاب الطيور، ويحفزها على الغناء بتلقائية، مؤكداً دلالة العنوان.  وفي السياق ذاته تخبرنا الشاعرة بوساطة خطاب تقريري صُراح تصف به أسلوبها الشعري بالعفوي والتلقائي: “كما أني لست من عشاق التصنع، أو لنقل “الصنعة العقلانية الخالصة”، لأن الشعر كما عرفه القدماء في الشرق والغرب مرتبط بالشعور، وبالعواطف الجياشة، وبالتالي بالعفوية”[4].

ويتشكل معمار النص وبناؤه من أربع تيمات متداخلة، تؤكد فرضية المفرد/ المتعدد، وتفسر وحدة الذات وتعدد الموضوعات تبعاً للمزاج الشعري والنفسي الذي يحيط بالتجربة الإبداعية في سيرورتها الفنية والأنطلوجية، ويكشف عن هندسة لاشعورية في توزيع النصوص ضمن دائرة تضيق كلما اتجهنا نحو النهاية من حيث الدلالة والعدد: (ترنيمات وطنية 22 قصيدة – ترنيمات للشعر 14 قصيدة- ترنيمات للحب 11 قصيدة – ترنيمات للألم 14 قصيدة)، ويمكن أن نمثل لذلك بالخطاطة أسفله:

  • بلاغة الغنائية في النص الشعري:

سنختبر في هذه الخطوة فرضية غنائية القصيدة من خلال تتبع الخصائص الأسلوبية والفنية التي أتاحت للشاعرة التعبير عن انفعالاتها الشخصية وهمومها واهتماماتها الوطنية والقومية، وسننتقي نصوصاً تشكل بؤراً دلالية تبعاً للترتيب الذي حددناه سلفاً.  فقصيدة “الشهب المتصاعدة” تعبر عن الترنيمة/ الوطن التي يتجلى فيها حس المبدعة القومي، فيدفعها للتساؤل والإجابة عن الأسئلة التي تسم المرحلة شعرياً، بل أكثر من ذلك نجدها ترفق النص بخطاب نثري مواز تستعين به على إبراز موقفها ومشاعرها، وعلى توجيه دلالة المعنى – وإن كانت القراءة النقدية الحديثة لا تمنحها هذا الحق- حيث تُصَدّر القصيدة بعبارة الإهداء: (إلى روح الطفل الفلسطيني الشهيد محمد الدرة)[5]، وتذيلها بنص على الهامش تبين فيه مناسبة وسياق كتابتها.  وتتألف هذه القصيدة من اثنا عشر مقطعاً، تتفاعل فيه المبدعة مع حدث استشهاد الطفل الفلسطيني محمد الدرة على مرأى ومسمع من العالم، حيث إن وجع اللحظة يستدعي ألماً أكبر يخز الذاكرة، ويوقظ جرح العربي الغائر في نفسها.  ووفاء منها للعفوية والتلقائية فقد جاء النص عبارة عن نشيد حماسي، بنبرة خطابية، و لغة سهلة ومعان شفافة، يفسرها تكرار صيغة الأمر(افتحي، ارفعي، دعي)، كما يلي:

 اِفتحي صدركِ أيتها البراءة ُ

اِفتحي دِرْعكِ الوَاقي

بِلاَ وَجَلٍ

لِرصاصِ الْهَمَجِّيَّة ِ

                       اِرفعي هامتكِ العارية ِ

في وجه نِيرَانِها

دَعِي دمكِ الزّكيَّ المِدْرَارَ

يغسِل عارَ العروبة ِ

أسيرةَ الأهْوَاءِ المُذِلَّة[6]

إن دلالة المؤامرة/ التخلي واضحة من خلال هذا المشهد التصويري الذي يصف كيف يواجه الشعب الفلسطيني الأعزل غطرسة الهمجية الصهيونية تحت مظلة صمت عالمي وقومي؛ فلا يجد إلا صدر الطفولة البريئة درعا يحتمي به.  وبقدر ما تعلي المبدعة من حدث الاستشهاد (ارفعي هامتك …)، بقدر ما تجعل منه وصمة عار على جبين العروبة اللاهثة وراء الأهواء والمصالح… وفي مقطع آخر تشيع المبدعة البطل بمشاعر الأنثى بأسلوب فيه من الحسرة والتفجع ما يناسب المقام، تقول:

لِلشُّهُب الصغيرةِ المتساقطة

لمحمد الدُّرة

 آه عليك يا محمد

 يا درّة الدُّرَر[7]

أما في المقطع ما قبل الأخير فتلوذ الشاعرة بالذاكرة الجمعية، تستحضر البطل الغائب/ الحاضر “صلاح الدين الأيوبي” بوصفه رمزاً تاريخياً يحيل على مجد الأمة العربية ويستنهض همة العربي من أجل تحقيق العودة،  تقول:

  فَيَا صلاح الدّين

 هات خلاياك

 نستنسخُ منها الملايين

                                          (…)

وتعودُ الحَمَائِمُ إلى أوْكارها

 (…)

بعْد الفقد الطويل

على أنغام الزُّمُور والطُّبول

ذاتُ الجَدائِل الحَرير

عروسُ العَرائِس

فلسطين ![8]

        ومن سياق تفاعل المبدعة مع القضايا المحيطة بها اقليماً وقومياً إلى سياق أضيق، تنكفئ فيه الأنا على ذاتها في حوار داخلي يتكشف عن قلق وجودي تصرفه في دوائر تتقاطع كثيراً ولا تتطابق، تجمع بينها ومضة الإحساس بوخز اللحظة في آلامها وآمالها…؛ فالشعر والحب والألم قضايا موغلة في الالتصاق بأغوار الذات العميقة وطياتها وتموجات النفس في انفعالاتها.  ففي تجربة الحب تتجلى الغنائية المحمومة بحرارة المشاعر المتطلعة إلى معانقة كل جميل في الوجود في تموجات وجدانية فارضية المنزع، تُخرج دلالة الحب من المفهوم الضيق إلى رحابة العشق الصوفي الذي ينشد ذوبان ذات العاشق في المعشوق، تقول في قصيدة “اسقني حبا”:

اِسْقني حبا حتى الثَّمالة

       (…)

يُرْعِبُنِي خَواءُ الْقِيعَان

فَارِضِيَّةُ الأَهْوَاء أنَا

أذُوبُ في مِحْرابِ الحب والجمال

نهْرٌ فَيّاضٌ أنا

يتدفّقُ من أَعالي الجِبال

يعانقُ الحقولَ الفسيحة

وهو في طريقهِ

يحثُّ الخُطى

يحلُم بالوِصَال.[9]

ومن حب يمتح من فلسفة ابن الفارض ويهيم في شطحات المتصوفة ويسبح في ملكوت روحانياتها، إلى الهيام بلحظات الكتابة التي تشبه دفء الحضن بعد شوق طويل أو طقوس الدراويش والطرقيين في اندماجهم الكلي بحضرة التجلي والوصول إلى أعلى مراتب النشوة؛ ففي قصيدة “في محراب الشعر” تصور الشاعرة لحظة الإبداع الشعري مشهداً درامياً، يجسد طقساً صوفياً يفيض بإشراقات روحانية، تقول:

أَغْلِقوا النّوافذَ والأبْواب

حبيبي عاد

دَعُوني في بحْرِ الظّلام

بيْن يديه

أتلوى

أتأوه

أتشظى

أذوب

دَعُوني

على أنغامِ السّكون

أرقصُ رقصة َالدّراويش

بشَعْري المسدول.[10]

وتكشف ترنيمات الألم عن باقة من البكائيات تحيل على فلسفة الفقد وتنفتح عن سؤال الوجود ضمن جدلية الموت والحياة، فيبدو ذلك واضحاً من تصدير أغلب النصوص بإهداء مثل (إلى روح أبي/ إلى روح صديقتي السعدية الشادلي…)، تسعفها في ذلك صدق المشاعر وتدفقها العفوي، وعباراتها الشفافة التلقائية التي تفضح رؤيتها وفلسفتها لمعنى الموت/ الغدر والعبثية والسخرية.  ففي قصيدة “عبث الوجود” تقول:

عَبثٌ أنتِ أيتها الأقْدار

تُذِيبِين شمعةً شامخة

منها تنبعثُ الأنْوار

ومن قصيدة “سخرية القدر” تقول:

                                 يا لِسُخرية القدَر

                                 هي ذي العيون التي رافقتْ

في دورانها القمر

                                        (…)

 يُقدِّمُها الرَّدَى

مأدبة ًللدِّيدان.[11]

  • شعرية البوح في “أسرار الظل الأخير”
  • في عتبات النص

تعد العناوين مفاتيح أساسية لتوجيه القراء، وذلك لمكانتها من العمل الأدبي؛ فهي صدره وبوابته ورسوله إلى القارئ، لذلك خُصَّت العنونة بعناية من طرف المؤلف والناشر والناقد جميعاً، واعتبرتها كثير من الدراسات النقدية مؤشراً أساساً لفتح مغاليق النصوص وتوجيه أفق الدلالة، فعنوان الديوان الشعري “أسرار الظل الأخير” تركيب لغوي مراوغ، يوهم بالبوح والتواري في الآن نفسه؛ “أيكفيك البوح الرابض/ في حناجر الكلام؟”[12]،  ويوحي بالهروب إلى الداخل في سمفونية الرقص بين الاتصال والانفصال بلغة تستبطن لواعج الأنا وتستدرجها إلى الانشطار الصوفي اللذيذ بين الظل والظل؛ فلفظ “أسرار” في صيغة الجمع النكرة يحبل بالبعيد النائي، والغائر الخفي المتغلغل في وجدان الأنا، المتعدد، المترع بالتشظي والانفلات، سيما إذا أضيف إلى لفظ “الظل” الذي قد يفيد التعتيم وقد يفيد الاحتماء “أوت إلى ركن ظليل”، ويحيل على الآخر الغائب الحاضر دائما “أدمنت الظل في غيابك والقلق “، وينغلق المشهد الدلالي على كلمة “أخير” التي تأخذ المتلقي في سفر لاهث وراء القبض على تفاصيل الرحلة/ السيرة من الظل إلى الظل.  إن تركيب العنوان يعتمد الخرق على مستوى الإسناد حين يسند “أسرار”- بوصفها نكرة – إلى لفظ “الظل” الذي يجمع بين الانفلات والتعتيم والهلامية، الأمر الذي يؤكد أن لغة النص لغة مراوغة، تتمنع عن قول كل شيء؛ تلمح ولا تصرح.  وإذا تأملت غلاف النص تجده صورة ناطقة بالبوح المتواري، توازي دلالة العنوان وتؤكدها؛ فصورة الشاعرة زمن الغروب، خلف شجرة، تكشف عن جزء من ملامحها وتخفي جزءاً آخر، لوحة تجمع بين العتمة والوضوح، وتوجه القراءة إلى تأويل فيه احتمال كبير أن النص جزء من السيرة الذاتية.

  • بلاغة البوح بين التجلي والتواري

إن الشاعرة وهي تغوص في وهدة الذات وتنغمس في ملكوت وجدانها المكتظ بمشاعر الأنثى نحو الرجل، في معادلة معكوسة ضمن مشهد الغزل العربي، كان لا بد لها أن تجد لغة أليفة تنقل دفء أنوثتها وتشتبك في الآن نفسه مع شكلها التعبيري؛ فتقول ما تقول دون أن تتنازل عن كبرياء حواء بداخلها، وهو ما نلمسه جلياً في مجموعة من قصائد تُصرِّف البوح في جرعات مفعمة بوجع الانكسار والألم أكثر من إحساس التفاؤل والأمل على امتداد مساحة الديوان الذي يتألف من عشرين قصيدة، تشغل ثلاثاً وثمانين صفحة من الحجم المتوسط. وفي قراءة نجمع فيها بين مطلع النص الأول- “عارية على حدود الظل الأخير” (منذ البدء/ كانت مسامير الغربة/ تدق في الدم/ وآهات الحزن/تلوك ربيع العمر)[13]. ومقطع النص الأخير “عينان وحلم” (والعينان يائستان،/ تائهتان في قاع .الفراغ…؟)[14]– نكشف عن مساحة الوجع وعمقه لدى أنا المبدعة؛ فأي إحساس هذا الذي تنوء به أنثى في ربيع العمر؟ أي شيء أفظع من وخز المسامير والتيه في فراغ لا حد له؟ إنه الإحساس بخيبة أن تعيش تجربة السراب والجري خلف ظل قابل للاختفاء في كل لحظة، يجعلك تائهاً في يأس فراغك في وقت كنت تعتقد أنه الركن الظليل الذي تحتمي به.  تقول الشاعرة في قصيدة “عارية على حدود الظل الأخير”:

سقطتْ أوراقُ ظلّها

فتعالتْ أصواتُ السّماءِ،

على حدودِ الظلِ الأخيرِ

صارتْ وظلَّها عارِييْن،

صارَا مأوى للمنهَكينْ.

بعد صرختيْن،

تغيَّرتِ الأشياءُ،

سحَبَ الزَّمانُ البَياضَ،

أسرابُ أحْلامٍ لفَّها الضَّيَاعُ،

على بُعْد وَمْضَتيْن،

تعلّقتِ الأنفاسُ منْ أطرافِها

تلاشتِ الظِّلالْ.

ثمة َموضعٌ للتّيه

في دُروبٍ من سرابْ.[15]

تُزاوج المبدعة في خطابها الشعري بين شعرية السرد وشعرية الانزياح كخيار أسلوبي للتعبير عن تجربة ذاتية تتوارى فيها خلف ضمير الغائب، فتتنازل عن سلطة السرد لسارد خارجي يحرك فعل السرد- شعري ضمن مشهدين سرديين متكاملين ومترابطين سببياً ومنطقياً؛ فأحداث المقطع الأول تدور حول السقوط في الخطيئة في مشهد جنائزي، تكشفه توالي الأحداث (سقطت أوراق ظلها/ تعالت أصوات السماء/ صارت وظلها عاريين/ صارا مأوى المنهكين)[16]، وفي سيرورة الفعل السردي يشير السطر الشعري الأول من المقطع الثاني من نفس القصيدة (بعد صرختين) إلى زمن السرد بوصفه مؤشراً أسلوبياً يفصل بين مشهدين، ويحيل على الصيرورة والتحول في اتجاه التيه الذي تكمن مقدمته في الأحداث (تغيرت الأشياء/ سحب الزمان البياض/ أسراب لأحلام لفها الضياع/ تعلقت الأنفاس من أطرافها/ تلاشت الظلال) ليصل الفعل السردي ذروته وتتوج الأسباب بالتيه نتيجة منطقية؛ (ثمة موضع للتيه/ في دروب السراب).

وإذا تجاوزنا البوح المتواري في الأسلوب الشعري كما أسلفنا الذكر نجد توازياً من نوع خاص، يكمن في استدعاء مرجعية ثقافية تتمثل في الخروج من الجنة حيث يبدو فعل التناص مع الخطيئة الأولى جلياً؛ فالمعجم (سقطت أوراق ظلها/ صارت وظلها عاريين/ ثمة موضع للتيه…) يحيلنا على النص القرآني: “فَأَكَلَا مِنْها فَبَدَتْ لَهُما سَوَءاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفان عَلَيْهِما مِنْ وَرَقِ الَجَّنِة وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى”[17]، وكذا ما جاء في سفر التكوين (3) “فَأَخَدَّتْ حَوّاءُ مِنْ ثمَرَهِا وَأَكَلَتْ، وَأَعْطَتْ رَجُلَها أيضاً مَعَها فَأَكَلَ. فانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُما وَعَرَفا أَنَّهُما عَرْيانانِ فَخَاطا أَوْرَاقَ تِينٍ وَصَنَعا لِأَنْفُسِهِما مآزِرَ”.[18]

ومن البوح المتواري إلى البوح الصراح، فأنا الشاعرة تسمي الأشياء بمسمياتها – هذه المرة – في خطاب شعري بضمير المتكلم؛ تقول في “قصيدة أحبك ولا أكابر”:

  يا سيدي

كم أحبُ أن أحْحِزَ لي مكانًا

بين ضلوعكَ،

    (…)

أهواكَ، أهواكَ

أقولُها ملءَ فمِي

أقُولُها ملْء دمي

ولا َأُكَابِر[19]

فالشاعرة اختارت أن تعبر عن حبها الصريح بكثافة أسلوبية عالية، حشدت لها أسلوب الكناية (كم أحب أن أحجز لي مكاناً/ بين ضلوعك)[20] ، والتكرار (أهواك، أهواك/ أقولها ملء، أقولها ملء)[21]، والتوازي (أقولها ملء فمي/ أقولها ملء دمي) والنفي (لا أكابر)، وهو تأكيد، بل تفصيل لمضمون عنوان القصيدة الذي جاء في صيغة جملتين تقريريتين إخباريتين مرتبطتين بحرف العطف “أحبك/ و/ لا أكابر”.  ومن الأمثلة الدالة على البوح الصراح الدال على انكسار الذات وخيبتها ما جاء في قصيدة “خمرة الحزن” ( ينزف البوح شظايا وانكسارات/ تحت سقف الحلم أمضي…/ أمتطي صهوة رأسي/ كأسي،/ أمسح الحزن على خد المساء،/ أشتهي نورا/ يشق القلب لما…/ ترزح الأضواء/ من تحت الظلام)[22]

         وفي الأخير ليست هذه سوى قراءة من بين القراءات الممكنة في تجربة المبدعتين الشعرية، وقد ارتأيت الجمع بينهما بناء على أن الديوانين الشعريين يمثلان أول اصدار شعري لهما من جهة، ومن جهة أخرى اشتراكهما في خصائص أسلوبية؛ منها انتماؤهما إلى الكتابة الشعرية النسائية المغربية الحديثة، واعتمادهما أسلوب السرد شعري…فضلاً عن الغنائية التي كانت موضوع دراستنا.

الهوامش:

  1. محمد صابر عبيد، بلاغة التجربة الشعرية، فضاءات للنشر والتوزيع، ط 1/2020، ص.32. 23
  2. أدونيس علي أحمد سعيد، زمن الشعر، دار العودة، بيرو، ط 1/1972،ص209.
  3. من معايير الأسلوبية البنيوية ، أورده “مايكل ريفاتير” في كتابه “أبحاث في الأسلوبية البنيوية“، ويقصد به إركاماً لكثير من الإجراءات الأسلوبية ،تتضافر حول تقوية مثيرة للانتباه بطريقة متميزة.
  4. الزهرة رميج، ترانيم، سليكي أخوين طنجة، ط 1/2016، ص 10/11.
  5. نفسه، ص63.
  6. نفسه، ص63/64.
  7. نفسه، ص66.
  8. نفسه، ص67/68.
  9. نفسه، ص115/116.
  10. نفسه ،ص99/100.
  11. نفسه، ص159.
  12. مليكة معطاوي العربي، أسرار الظل الأخير، التنوخي للطباعة والنشر والتوزيع، ط1/2011، ص46.
  13. نفسه، ص7.
  14. نفسه، ص83.
  15. نفسه، ص9.
  16. نفسه، ص9.
  17. القرآن الكريم، سورة البقرة، الآية 121..
  18. التوراة، سفر التكوين 3ز
  19. مليكة معطاوي العربي، أسرار الظل الأخير، التنوخي للطباعة والنشر والتوزيع، ط 1/2011، ص71/72.
  20. نفسه، ص71.
  21. نفسه، ص72.
  22. نفسه، ص57.

- عبدالحق الشنوفي

باحث في مناهج النقد الأدبي

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.