الخميس , 5 أغسطس, 2021
إخبــارات
الرئيسية » قـــراءات » الدّولة والمجتمع والجماعة السِّياسيّة: وجهة نظر العلوم الاجتماعيّة

الدّولة والمجتمع والجماعة السِّياسيّة: وجهة نظر العلوم الاجتماعيّة

عبد الإله بلقزيز، الجماعة السِّياسيّة والمواطنة، ، المركز الثّقافيّ للكتاب، الدار البيضاء 2020م.

مقدمة

الكتاب الذي بين أيدينا، الجماعة السِّياسيّة والمواطنة، للمفكّر المغربيّ المتمّيز عبد الإله بلقزيز، يطرح قضايا في غاية الأهمية من منظور النظريّة السِّياسيّة، ورُغم صغر حجم الكتاب نسبيّاً (223 صفحة)، إلا أنّه يعجّ بكثيرٍ من المفاهيم السِّياسيّة التي تتمحور حول الدّولة، والأمة، والجماعة السِّياسيّة.

وللكاتب باعٌ طويلٌ في المجال الفلسفيّ، وخاصةً الفلسفة السِّياسيّة، وليست المكتبة العربيّة التي تفتقر إلى هكذا دراساتٍ، بل أيضاً الواقع العربيّ، والذي يتطلّب معرفةً عميقةً بهذا الموضوع في سياق المخاض العسير الذي تمر به الدُّول والمجتمعات العربيّة، وخاصةً بعدما رشح من الثورات العربيّة (2010-2011م) من تخبط في الرؤية، والأهداف، والمآلات السِّياسيّة، والتي كانت بحاجةٍ ماسّةٍ إلى التّنظير السِّياسيّ والعمق في فهم التّغيير.

قبل أن نستعرض فصول الكتاب العديدة علينا أن ننوّه بأنّ المراجعة ستكون من وجهة نظر العلوم الاجتماعيّة، والتي بنيت على النّظريّات الفلسفيّة، مع الأخذ بعين الاعتبار السّياقات التّاريخيّة والثّقافيّة والإمبريقيّة التي تطوّرت خلالها الجماعة السِّياسيّة والدّولة والمواطنة، وأهميّة هذه المسألة تكمن في أنّ الكتاب يعاني من إبستمولوجيةٍ مبنيةٍ على النّموذج الأوروبيّ، دون التمعن في التّجارب المختلفة خارج الأطر الغربية، والتي تشكّل نماذج مختلفةً، صاغتها سياقاتٌ وممارساتٌ مختلفةٌ.

هناك ما يبرّر هذا الارتكاز على التّنظير الغربيّ في قضايا الدّولة والمجتمع والمواطنة؛ حيث إنّ هذه التّجارب انتقلت إلى عالمنا عن طريق الغرب سواءٌ بطريقةٍ مباشرةٍ عبر التّجربة الكولونيالية، أو بالمحاكاة والتعلّم من المؤسّسات الغربية، ولكن صيرورة هذه التّجارب تطوّرت وتغيّرت بتلامسها وتفاعلها مع تقاليد متجذرةٍ في مجتمعاتٍ مختلفةٍ ليس من ناحية المورث التّاريخيّ والثّقافيّ فحسب، ولكن من جهة درجة الحداثة والتنمية، كما سنرى لاحقاً.

وهناك عاملٌ آخر لا يجب إغفاله في معرض النّقاش حول هذه القضايا ألا وهو السّياق الدوليّ، فتشكُّل الدّولة وتطور المجتمعات في القرن العشرين لا ينفصم عن سياقاتها الدولية، بعكس القرن السابع عشر الذي شهد ولادة الدّولة-الأمة نتيجةً لحروبٍ طاحنةٍ، وإقرار اتفاق وؤيسفاليا في العام 1659م، واستطراداً كيف يجب فهم تكوين الدّولة في أطراف النّظام العالميّ وفي واقع التّبعيّة الاقتصاديّة والسِّياسيّة والثّقافيّة، وأيضاً كيف صيغت مفاهيم مثل: المواطنة، والمجتمع المدني، والجماعة السِّياسيّة تحت هذه الظروف، وهل صاحَبَ هذه المفاهيم تشوهاتٌ معيّنةٌ بسبب عوامل التّبعية والعولمة، وبسبب خروجها عن سياقاتها التّاريخيّة؟

وأخيراً هناك خصوصيةٌ في العالم العربيّ تتعلّق بالدّولة الوطنيّة، والتي تواجه تحدياتٍ من حركات عابرة للحدود الوطنيّة، سواءٌ أكانت من التّيارات العروبية، أم من تياراتِ الإسلام السِّياسيّ، فهذه التّيارات وخاصةً الأخيرة لها رأيٌ حول مفاهيم الجماعة السِّياسيّة والمواطنة، فحركةٌ مثل: الدولة الإسلامية (داعش) لا تعترف بالحدود الوطنيّة أحد مرتكزات الدّولة، وتعتبرها مصطنعةً، وبالتالي غير شرعية، كما أنّ المواطنة لا يحدّدها الانتماء إلى الجماعة السِّياسيّة، بل الانتماء إلى الأمة العابرة للحدود.

الكتاب:

الغرض من الكتاب- حسب ما يقول المؤلف- هو نقد مفاهيم “الدّولة، المجتمع، المواطنة، حقوق الإنسان…”من أَرُومتها الفلسفيّة، إلى إعادة “فحص مفاهيم السِّياسيّ فحصاً نقديّاً وتاريخيّاً”، أي كيفية انتقال هذه المفاهيم الفلسفيّة إلى سياقاتٍ تاريخيّةٍ متنوعةٍ، وما قد يتحوّر من هذه المفاهيم بسبب سوء التطبيق، أو عدم وعيٍ والتباسٍ بالمفاهيم (ص9).

وينبري المؤلف إلى أوّل المفاهيم الفلسفيّة التي يعالجها الكتاب وهي المواطنة، لماذا؟ لأنّ أيَّ حديثٍ عن المواطنة هو بالضرورة حديثٌ عن الدّولة، والمواطنة ما هي إلا علاقة سياسيّة بين أفراد المجتمع والدّولة؛ حيث يمارسون حقوقهم السِّياسيّة والمدنية، ويشاركون في الشأن العامّ، ولا شكّ أنّ المؤلف يعي أنّ معظم الأفراد، إلى عهدٍ قريبٍ، على وجه البسيطة لا ينطبق عليهم هذا التّوصيف؛ فالشّعوب في الاتحاد السّوفييتي، وشرق أوروبّا، ناهيك عن شعوب آسيا، وأفريقيا، وأمريكا اللّاتينيّة، رغم مشاركتهم في الشأن العامّ، إلا أنّهم لا يتمتعون بالحقوق المدنيّة والسِّياسيّة التي يراها كاتبنا بضرورتها لتتحقق المواطنة الكاملة.

ولكن ما هو التّوصيف لأغلبية الشّعوب السّاحقة التي ذكرناها آنفاً؟ حسب مفهوم الكاتب هم رعايا، وهنا يصّعد المؤلف من نبرة التأكيد حين يعلن “أنّه لا وجود لمواطنين لا يشاركون في إدارة شؤون الدّولة، ومراقبة عمل أجهزتها، كذلك لا مجال للحديث عن دولةٍ وطنيّةٍ لا يتنزّل فيها المواطنون منزلة الفاعلين في المجال العامّ”(ص11-12). ولكن إذا كانت كلمة رعايا تقابل مواطنين في الأنظمة التّسلّطية، فما هو المقابل للدولة في هكذا نظامٍ؟

ولماذا المواطنة تعريفُها سياسيٌ؟ فبالنسبة للدّول الشّمولية في المعسكر الاشتراكي سابقاً، هي ترى أنّ المواطنة حقوقٌ اقتصاديّة واجتماعيّة، ولكنّ التعريف السِّياسيّ للمواطنة لا يتّفق مع النظام الرأسمالي – من حيث توافق مفهوم الحرية ميتافيزيقياً مع حرية الأسواق- ولكنْ لأنّ النّظريات السِّياسيّة التي ترتكز عليها هذه التوصيفات خرجت من رحم الفكر الفلسفيّ الأوروبّي، بينما المواطنة الاقتصاديّة مرتكَزُ الأنظمة الاشتراكية، ولدت من القطيعة مع هذه الفلسفات. فالفلسفة، بالنّسبة للأخيرة هي فلسفة عملٍ وتغييرٍ جذريٍّ، وليست فلسفة تفسيرٍ للواقع؛ كما ترى الأبستمولوجيا الماركسية، أو كما يضعها كارل ماركس في أطروحاته حول فيروباخ: “إنّ الفلاسفة لم يفعلوا غير أن فسروا العالم بأشكالٍ مختلفةٍ، ولكنّ المهمة تتقوم في تغييره”.

ويتّضح البعد الأيديولوجيّ والمثاليّ مقابل البعد التّحليليّ في قضية المواطنة حين يرفض الكاتب المفهوم القانونيّ للمواطنة، فبالنسبة لبلقزيز: المواطنة ليست مجموعةَ تشريعاتٍ وقوانين، بل قيماً تصوغها التّربية والتّعليم، وتروضها الممارسات اليومية، وبالتالي: يستحيل تحقيق مواطنة خارج الأنظمة الدّيمقراطيّة؛ وما عدا الدّيمقراطيّات استخلاصاً، فإنّ المواطنة منعدمةٌ أو كسيحةٌ.

في الفصل الأوّل يلج المؤلف في موضوعٍ عويصٍ يتعلّق بمفهوم الدّولة، ويتحسّر على غياب وعيٍّ فلسفيٍّ حول هذا المفهوم، وتقزيم مفهوم الدّولة على أنّها مؤسسةٌ قهريةٌ، ورمزٌ للعنف والتسلّط، ويضيف المؤلف بأنّ “الصّورة النمطيّة عن الدّولة كغولٍ، أو كوحشٍ ضارٍ تستشري في البيئات البدوية ذات التقاليد العريقة في التفلّت من سلطان السّلطة المركزية”(ص31).

قد تصحّ هذه الرؤية في بعض البيئات، وتختلّف في بيئاتٍ أخرى؛ ففي الأقطار النّفطيّة والتي تلعب الدّولة فيها دوراً إيجابياً في التّحول الماديّ لهذه الأوساط، ورفدهم بمقوّمات الحياة الحديثة، فإنّ الدّولة مرحبٌ بها؛ حيث إنّها ليست دولةً جابيةً، بل دولةٌ مانحةٌ، وصورة الدّولة كغولٍ متوحشٍ، وكسلطةٍ قاهرةٍ تتأتّى من مفكرَينِ أوروبيينِ كبيرينِ، الأوّل هو توماس هوبس الذي عنون كتابه اللوياثان، في إشارةٍ إلى الدّولة المسيطرة والمنظمة لأحوال المجتمع، ومن وقوع حرب الكلّ على الكلّ، أمّا الثّاني فهو ماكس فيبر؛ حيث يعرّف الدّولة أنّها منظمةٌ قسريةٌ تحتكر وسائل العنف الشرعية في رقعةٍ جغرافيةٍ محددةٍ.

فإذا لم تكن الدّولة منظمةً قسريةً، ولم تكن غولاً يتسلّط على المجتمع، فما هي الدّولة إِذاً؟ يرى المؤلف أنّ الدّولة هي الهيكل العظميّ للمجتمع، بل وأسمنت المجتمع، فلا ينتظم المجتمع بدونه، ولا تكون له قائمة بدونه، ويؤكد الكاتب في تعريفه أنّه “ليست الدّولة شيئاً آخر غير المجتمع منظماً“(ص40، البنط العريض في الأصل). ويضيف: إنّ فهم  الدّولة  على أساس أنها سلطة قابضة على رقاب العباد فهمٌ خاطئٌ، واختزالٌ مخلٌّ.

ويستمر الكاتب في دفاعه المستميت عن مفهوم الدّولة من منطلقاتٍ هيجليّة بالطبع، والتي يراها فكرةً عُليا فوق وقبل أن تكون مؤسساتٍ وأجهزةً، فالدّولة كما يرى المؤلف “ليست شيئاً آخر سوى الأمًة، وقد تجسّدت في جماعةٍ سياسيةٍ موحّدةٍ“(ص53، البنط العريض في الأصل)، وفي هذا المضمار، فإنّ ما نراه من قمعٍ في كثيرٍ من الأقطار لا تتحمل الدّول أوزاره، بل تتحمله الأنظمة السِّياسيّة، وأنّ الفقر المعرفيّ يقود إلى مطابقةٍ بين السّلطة السِّياسيّة ونظام الحكم والدّولة.

ويسترسل بلقزيز أكثر في الفكرة بشكلٍ أكبرَ ليعلن أنّ الدّولة ليست نظام الحكم “لتعاليها وحيادها”، ولأنّ مجال الدّولة أوسع؛ بالمقارنة مع مجال السلطة والنظام السِّياسيّ، ولكن إذا كانت الدّولة كذلك من المنظور الهيجيليّ، فإنّ المفكرين الآخرين لا يرونها كذلك، ولعلّ هذه الدّولة موجودةٌ في “عالم المثل” الأفلاطونية، ففي الواقع لها تحولاتٌ كثيرةٌ، وتقلّباتٌ تتفاعل مع التّحولات الاجتماعيّة والاقتصاديّة، وتجاذب النّظام العالميّ، فالنّظرة الماركسيّة للدّولة لا ترى أنّها محايدةٌ ومتعاليةٌ عن الواقع الاجتماعيّ والاقتصاديّ، وفي أحد تجلياتها ما هي إلا انعكاسٌ للواقع المُعاش، بل إنّ الدّولة ما هي إلا لجنةٌ تنفيذيةٌ للطبقة الحاكمة.

هنا تسهم العلوم الاجتماعيّة في فهم انتقال المفاهيم الفلسفيّة إلى مفاهيمَ داخل الاجتماع السِّياسيّ، والتي ترصد وتحلّل التّحولات التي طرأت على الدّولة عبر التاريخ وعبر الجغرافيا.

أولاً: التفريق بين الدّولة والأنظمة السِّياسيّة تفريقاً يتعلّق بالتّنمية السِّياسيّة، ففي الأنظمة السِّياسيّة المتطوّرة سواءٌ أكانت ديمقراطيةً أم شموليةً، كما في عهد الدول الفاشية ما بين الحربين العظيمتين ودول شرق أوروبّا البائدة، مرتكزة على أنظمة عقلانية-بيروقراطية بالمفهوم الفيبيري ودرجة المأسسة في هذه الأنظمة تجعل التفريق بين المؤسسات واستقلاليتها أمراً وارداً، ولكنّ الحال في الدّول النامية مختلفٌ، فإنّ درجة التفريق والاستقلالية تكاد تكون منعدمةً، فالدّولة والنظام السِّياسيّ تَوأَمٌ سِياميٌّ.

وليس هناك أدلّ على تعاضد، بل تطابق الدّولة والنظام السِّياسيّ من حالة العراق[1]؛ فحين أنجزت الولايات المتحدة انقلاباً في النظام السِّياسيّ في 2003م انهار النظام السِّياسيّ، وتباعاً الدّولة؛ فاختفت الدّولة مع اختفاء النظام السِّياسيّ، وهكذا الحال في دول الربيع العربيّ التي شهدت انهيار الدّولة مع الإطاحة بالنظام السِّياسيّ؛ كما في اليمن، وسوريا، وليبيا. وكذلك كان الحال حين سعت الحركة الوطنيّة لإسقاط النّظام الطائفيّ في لبنان، فانهارت الدّولة (1975م)، ولم يكن حال الصومال أفضل؛ فحين أسقط نظام سياد بريّ في1990م سقطت الدّولة، ولم تقم لها قائمة إلى يومنا هذا، ولعلّ الحالتين المصريّة والتونسيّة تستحقان دراسةً مقارنةً لجهة مأسسة الدّولة، حيث شهدتا ثورات الربيع العربيّ، ولكنّ الدولتين صمدتا في وجه انهيار نظامَيْ مبارك، وبن علي.

ونرى- زيادةً في التأكيد على هذه النقطة- أنّ الانقلابات من داخل الأنظمة- مثل الانقلابات البعثية في سوريا والعراق- لم تؤدِّ إلى انهيار الدّولة؛ لأنّ النّظام السِّياسيّ ظل متماسكاً، وعطفاً على ذلك، وبعكس ما يعتقد المؤلف، فإنّ الدّولة بطبيعتها منظمةٌ قسريةٌ، وأنّ النظام السِّياسيّ إذا كان ديمقراطياً، يقيّد حرية الحركة للدولة بالتّشريعات والقوانين، وإذا لم يكن كذلك فإنّه يطلق العنان لمؤسسات الدّولة القمعيّة لعمل ما يلزم لحفظ أمن النّظام والنّخبة الحاكمة.

وتجدر الإشارة هنا إلى تقسيم لويس ألتوسير لأجهزة الدّولة إلى أجهزة قمعيةٍ ترتسم بالجانب الماديّ للدولة، مثل الأجهزة الأمنية، والشرطية، والجيش، وإلى أجهزةٍ أيديولوجية تتمثل في المدارس، والجامعات، والأسرة، والكنائس، والتي ترسّخ الأيديولوجية السائدة لدى الأفراد والمجتمع، ولأنّ الدّولة لا تستطيع إنفاذ القوانين المتعلقة بعلاقات الإنتاج، والملكية الخاصة، دائماً وفي كل حينٍ بوسائل القمع، فإنّ دور الأجهزة الأيديولوجية مهمٌ في إعادة إنتاج النظام في المجتمعات الرأسمالية، وهنا تتجلّى محدودية استقلالية أو حياديّة الدّولة حسب مفهوم المؤلف، ولا مشاحّة في أنّ النّظام السِّياسيّ ليس محايداً، ولكنّ النّظام السِّياسيّ هو الذي يكبل أو يسمح بتغوّل الدّولة حسب بنية النظام وتوجهه.

ثانياً: إنّ معظم دول العالم النّامي هي دول ما بعد الكولونيالية، ولأنّها كذلك، فإنها مستوردةٌ من المتروبول الاستعماري، ومفروضةٌ على مجتمعاتها؛ أي إنّ تطور هذه الدول لم يكن مترافقاً مع تطور مجتمعاتها، ولم يخرج من رحمها. ويطرح المفكر الباكستاني الراحل حمزة علوي إشكاليةً مهمةً في مقالة كان لها صدىً كبيرٌ: “الدّولة في مجتمعات ما بعد الكولونيالية: باكستان وبنغلاديش”. يرى علوي أنّ الدّولة في المجتمعات ما بعد الكولونيالية مختلفةٌ بنيوياً عن الدّولة في المتروبول الاستعماري؛ فالدّولة في المركز الاستعماري تشكلت- حسب المنظور الماركسي للدولة- إمّا أداةً في يد البورجوازية المحلية، أو بونابرتية مستقلةً سياسياً عن أيّة طبقة، ولكنها وظيفياً تعمل لحماية مصالح البورجوازية، أمّا بالنسبة للدّولة في مجتمعات ما بعد الكولونيالية وعلاقاتها مع جميع الطبقات فإنّها علاقة أكثر تعقيداً، ولماذا؟ لأنّ الدّولة ومؤسساتها البيروقراطية والعسكرية فُرضت قسراً على التركيبة الاجتماعيّة في المستعمرات، بل إنّ وظيفتها الأساسية ليست خدمة طبقةٍ معينةٍ في المستعمرة، ولكن خدمةً للبورجوازية في المركز الاستعماري، وتباعاً السيطرة المحكمة على القوى الاجتماعيّة في المستعمرة؛ لذا فإنّ “الدّولة الكولونيالية تتمتّع بجهازٍ بيروقراطيٍّ وعسكريٍّ قويٍّ، وآلية حكومية تساعد من خلال عملياتها الروتينية بالسّيطرة على الطبقات الاجتماعيّة المحلية”[2].

وعندما يحين الاستقلال عن الدّولة الاستعمارية تجد الطّبقات الحاكمة نفسها وريثةً لمؤسسات عسكرية وبيروقراطية متطورة جداً بالنسبة للبنية الاقتصاديّة والاجتماعيّة في المستعمرات، كما أنّ البورجوازية المحلية الضعيفة تجد نفسها تحت سيطرة البيروقراطية الموروثة من الاستعمار؛ وبالتالي يستطيع الذين هم على قمة الهرم مِن استحكام قبضتهم على المجتمع بعد أن يفطموا من المستعمر السابق.

وما نريد أن نستشهد به في حالة دولةٍ ما بعد الكولونيالية أنّها منزوعةٌ من مجتمعها وتطورها، متقدمةٌ نسبةً إلى مجتمعاتٍ تعاني التخلف، ولا يمكن أن نطلق على دولةٍ كهذه أنّها تجسدت في جماعة سياسيّة كما يقول المؤلف، أو أنّها تمثل المجتمع منظماً كما جادل المؤلف، فالدّولة هنا غايتها إخضاع المجتمع إجمالاً للمركز؛ وورثت هذه الدّولة متسلطةً على كافة القوى الاجتماعيّة.

ولكن ما هي وظائف الدّولة في المجتمعات؟ ولعلّ أهم وظيفة للدولة هي الحفاظ على الأمن من أيّ اعتداءاتٍ داخليةٍ أو خارجيةٍ، وهي الفكرة الأساسية عند هوبس، ولكن هذا الإقرار من قبل المؤلف لا يتناقض بالضرورة مع ما قاله آنفاً بأنّ الدّولة فكرةٌ، فالدّولة هي حاميةٌ للأمن من ناحية وظيفتها، ولكنّها فكرةٌ من جهة ماهيتها.

وفي مضمار الأمن يناقش المؤلف قضية الإرهاب، والذي يراه آفة العصر، ولكن لا يضيف جديداً في الموضوع من حيث شرعية العنف السِّياسيّ في سياقاته المتعددة، بل يكرّر نفس النقاش حول ما هو نضالٌ شرعيٌ ضد الاحتلال مثلاً، أو إرهابٌ ضد المدنيين، ونرى أنّ المؤلف فوّت الفرصة لمناقشة تأثير العنف السِّياسيّ في سياق الدّولة ووظائفها، فالعنف السِّياسيّ أو الإرهاب- حسب التوّجه السِّياسيّ- يقوّض سلطة الدّولة من ناحية احتكارها لوسائل العنف الشرعية، وينسف وظيفتها كحامٍ للأمن العامّ؛ وبالتالي شرعيتها كدولة.

ويفرد الكاتب مساحةً لمناقشة دور الدّولة في المجال الاقتصاديّ، ولا يتعدّى النقاش حول تدخل الدّولة في الاقتصاد الخياراتِ الأيديولوجية بين الاشتراكية والرأسمالية – حيث يكيل لليبرالية الجديدة أكثر مما قاله مالكٌ في الخمر- ولكنه لا ينظر لأي علاقةٍ سببيةٍ لتدخل الدّولة في الاقتصاد عدا عن تحقيق العدالة الاجتماعيّة، ولعلّ غياب نصوصٍ نظريةٍ عند مفكري الحداثة (ما عدا هوبس، وماركس، وآدم سميث) حول تدخل الدّولة في الاقتصاد، حال دون نقاشٍ وافٍ حول المسألة، إلّا في حدود السّياسة لتحقيق نتائج معينة، وهنا نرى أنّ للعلوم الاجتماعيّة قولاً مهماً؛ فعلى سبيل المثال فإنّ الدول الريعية تنخرط إلى أذنيها في الاقتصاد دون أن تقصد نتائج اجتماعية معينة، بل إنّ كثيراً من الدول الريعية تنهج منهج السوق في سياساتها الاقتصاديّة، مثل دول الخليج العربيّ.

تدّخل الدّولة في الاقتصاد ليس حتماً مرتبطاً بالأيديولوجية، بل هناك مسبباتٌ بنيويةٌ في المجتمع تدفع إلى تدّخل الدّولة في الاقتصاد، وهذه الأسباب تتعلق بضعف البورجوازية المحلية، واستحالة لعبها دوراً كبيراً، خاصةً في الاستثمارات المتعلقة باستخراج المعادن، والنفط، والغاز، ولا تستطيع الطبقة التجارية أو الصناعية أن تخوض غمار المجازفة في الاستثمار في الثروات الكامنة تحت الأرض. وعليه فإنّ الدّول في مواطن التعدين والنفط تتشارك مع الشركات العابرة للحدود في عمليات الاستكشاف، والاستخراج للثروات الطبيعية؛ لما يتطلّبه ذلك من رساميل كبيرةٍ عند بداية الاستثمار.

وتلعب الدول الريعية- خاصة في دول الخليج العربيّ لوفرة الثروة وقلة عدد السكان- دورا كبيرا في المجال الاقتصاديّ لتشييد البنية التحتية، والاستثمار في التنمية الاجتماعيّة والبشرية، وتوزيع الثروة، إضافةً إلى الدّور في الاستثمار من فوائض النفط في مجالاتٍ عدةٍ، أهمها الصناعة النفطية، والبتروكيماويات، والاستثمارات الخارجية، والصناعة، والزراعة والأمن الغذائي، والسياحة وما إلى ذلك من مجالاتٍ.

ومن هنا نرى ألا نظلّ حبيسي الفلسفة السِّياسيّة في الإشكاليات المتعددة للدولة، والقضايا المتعلّقة بالموضوع؛ لأنّ هناك مستجداتٍ وتطوراتٍ لهذه المفاهيم طرأت عليها في تفاعلها مع الوقائع المختلفة، لا مِرْيَةَ بأنّ توظيف مفاهيم العلوم الاجتماعيّة، والتمحيص الإمبريقي لهذه المفاهيم مردودها أكبر لفهم القضايا المعاصرة من مناقشات مفاهيمَ بتجردٍ غايتهُ المفاهيمُ نفسُها، وليست كوسيلةٍ لفهم ما استجدّ من تطورات في هذه المفاهيم نفسها.

ويطفق الكاتب في مناقشة علاقة الدّولة بالمجتمع، ويرى خطرا في التحليل حول مفاهيم الدّولة والمجتمع المدني بما يجر ويلاتٍ على العالم العربيّ؛ في مقابلة الدّولة والمجتمع مقابلةً زائفةً وخطيرةً: إنّ “الجهل الكبير للمفهوم النظري للمجتمع والدّولة على السواء، ولعلاقات الترابط والتلازم بينهما يؤدّي بالضّرورة إلى وعيٍ ضالٍ وغير منزهٍ عن العبث ونتيجة هذه العبثية والضلال أن تفتح الأبواب إلى “جر البلاد إلى اختباراتٍ سياسيةٍ واجتماعيةٍ مرعبةٍ”(ص115).

ولن يختلف الكثيرون في أنّ الكوارث التي أتى بها الربيع العربيّ تفوق المنافع؛ وأنّه- كما يقول الفقهاء- “درء المفاسد مقدمٌ على جلب المصالح”. ولكنّ رؤية المؤلف بأنّ من صنع الاضطرابات مسؤولٌ- عن جهلٍ أو عمدٍ- على ما نتج من الثورات العربيّة قد يجانب الرؤية الشاملة لقضية العلاقة بين الدّولة والمجتمع. فالتعارض بين الدّولة العربيّة ومجتمعها له أساساتٌ تاريخيّةٌ وبنيويّةٌ، كما ذكرنا سابقاً؛ من حيث إنّها دولة ما بعد الكولونيالية، وأنّها دولةٌ متغوّلةٌ، إضافة إلى ذلك فإنّ عملية تشكّل الدّولة في العالم الثالث لم تتح مساحةً لتنمية المجتمع المدنيّ، كما حصل مع نظيراتها الغربية.

وهنا بيت القصيد! فعندما سقطت الدّولة في بلدان الربيع العربيّ، لم تكن هناك مؤسساتٌ مجتمعيةٌ تستطيع أن تحافظ على تماسك المجتمع، والقيام بوظائف مؤسسات الدّولة، ولم يكن هناك خيارٌ للأفراد والجماعات إلا مؤسسات الولاءات الأولية: القبائل، والعشائر، والطوائف. فالمسؤولية لا تقع وحدها على الجهل المعرفي وحسب، بل على الدّولة التي فتتت المجتمع إلى ذراتٍ، أو احتوت القوى الاجتماعيّة في هياكل تضامنية[3] لإعادة بنائها تحت سيطرة السلطة السِّياسيّة، والتي أعاقت تطور وانتشار مؤسسات المجتمع المدنيّ.

ويطفق المؤلف بالحديث حول قضيةٍ مهمةٍ وهي العولمة وتأثيراتها السلبية على الأنظمة والدول، ويقول: إن قوى العولمة تسعى إلى تمتيع المجتمع المدنيّ، وليس لتعزيز الحريّات كما يدّعي المروّجون للفكرة، والذين غالباً ما يجهلون ماهية المفهوم، ويصبح هؤلاء المروجون لفكرة المجتمع المدنيّ حصان طروادة لاختراق الدّولة، وإسقاطها، وإشاعة الفوضى، “هكذا”، يصرخ المؤلف، يستغلّ مفهوم المجتمع المدنيّ، ويصبح “عدةً بدائيةً لبناء هندسةٍ سياسيّةٍ لدولة مسخٍ لا تحمل من الدّولة غير الاسم”(ص134).

لا مِرْيَةَ في أنّ قوى العولمة، مثل باقي المنظومات، تسعى لحماية مصالحها، حتى إذا أدّى إلى تدمير خصومها، سواءٌ أكانت دولاً أم حركاتٍ مناوئةً لها. ولكن لن تستثبت إذا لم تكن قوة بناء وديمومة، ولا يمكن لأي نظامٍ أن يكون معول هدمٍ وحسب، إذا ما تَغَيّا البقاء والاستمرارية[4]، فعلى سبيل المثال: إنّ النَّظام العالميّ هو الذي يحفظ الدول الضعيفة، ولولا ذلك لاختفت دولٌ كثيرةٌ تحت وطأة الدول الكبرى، أو تحت عبء المشاكل الاقتصاديّة والبيئية والوبائيّة، ويجادل عالمان سياسيّان مرموقان في أنّ الدول الأفريقية الضعيفة بقيت ولم تتفتت إلى دويلاتٍ بسبب وجودها الشرعي، رغم واقعها الضعيف في النظام الدوليّ والذي حمى عبر مؤسساته هذه الدول[5].

ولكن ماذا عن المجتمع المدنيّ ذاته؟ يرى المؤلف أنّ هناك إساءةً في فهم ماهية المجتمع المدنيّ، كما أشرنا سابقاً، وفي “افتعال المعركة المصيرية بين المجتمع المدني والدّولة”، وأنّ هذا الخلط، كما يراه “فعلٌ سياسيٌّ ساذجٌ ومحفوفٌ بالمخاطر“(ص159، البنط العريض في الأصل).

وإذا قبلنا جدلاً أنّ المجتمع المدنيّ ليس في مواجهة الدّولة، فما هو المجتمع المدنيّ؟ يقول المؤلف: إنّ المجتمع المدنيّ رديفٌ وصنو للدولة. فالدّولة الحديثة ليست في حالة تنافرٍ وعداءٍ مع المجتمع المدنيّ، بل توأم سياميّ. وقد يتساءل أحدهم: لماذا اجترحت دالّتان لمفهوم واحد؟ والجواب ببساطةٍ شديدةٍ: إنّ المفهومين لهما دلالاتٌ مختلفةٌ، ورغم تقاطع وترابط المفهومين إلا أنّهما كيانان مختلفان، وهذه ليست دعوةٌ لحربٍ بين الكيانين، بل لفهم المدلولات المختلفة لهما.

هناك بلا شكٍ خلافٌ نظريٌ حول ماهية المجتمع المدنيّ، ولكن هناك إجماع على حدٍ أدنى من التعريف لهذا المفهوم، فيرى كثيرٌ من علماء الاجتماعيّات أنّ المجتمع المدنيّ يتشكل من مؤسساتٍ تتوسط بين الدّولة والأفراد؛ لحماية الأخيرين من خروقات الدّولة والسلطة السِّياسيّة على حقوق الإنسان والجماعات، كما أنّها في الوقت نفسه تربط الأفراد والجماعات بالدّولة[6]. ولا يمكن أن تكون جزءاً من الدّولة؛ بمقتضى التعريف للفظة “مدنيّ”. فالجمعيات الأهلية أو المدنيّة هي خارج أُطُر الدّولة بطبيعة الحال؛ ولا تشترط حالة عداءٍ أو تضاربٍ بينهما، ولتقريب الصورة أكثر فإنّ المحامي يدافع عن الأفراد أمام مؤسسات الدّولة (المحاكم)، وليس بالضّرورة أن يكون في حالة عداءٍ لا مع القضاء ولا مع الدّولة، وإذا أدّى كلٌّ من الجهتين دوره المنوط به، تتحقق سلامة المجتمع، وتحفظ حقوق الناس. وتجدر الإشارة إلى المنظمّات المسلّحة خارج أُطُر الدّولة، فهي بحقٍ وحقيقةٍ تقوض الدّولة في كينونتها كمحتكر لوسائل العنف الشرعية، ولا يمكن تصنيفها البتة كجزءٍ من المجتمع المدنيّ؛ بل إنّها تناقض تعريف المدنيّ؛ بحملها للسلاح.

وبعد نقاشٍ واسعٍ وعميقٍ حول الدّولة والمجتمع دلف المؤلف إلى موضوعٍ مركبٍ وذي علاقةٍ وطيدةٍ بالنقاشات السابقة، والموضوع الذي تركه المؤلف إلى الأخير يتعلق بمفهوم المواطنة، ويذكرنا بلقزيز بأنّ المواطنة ليست انتماءً إلى قطرٍ معينٍ، ولكن مجموعة من مضامين تتعلق بالحقوق والواجبات، وتتشكّل المواطنة كتعاضدٍ بين الدّولة والمجتمع، لا ينفرد بها طرفٌ دون الآخر، سواء أكانت معارضةً أم سلطةً سياسيّةً. ويظلّ السؤال: لماذا تقبل الدّولة الاستبدادية أو السلطة المطلقة بمبدأ المواطنة السِّياسيّة، والذي يعني تحديد قوتها وسلطاتها ضمن أُطُرٍ قانونيةٍ وسياسية، وإذا كانت الدّولة لا تتقبل المواطنة بالمعنى السِّياسيّ فهل يعني ذلك المُنَاوَأَةُ بين الرعايا والحكومة لبلوغ المواطنة الحقيقية؟

أسئلةٌ كثيرةٌ حول الموضوع يتعامل معها المؤلف بالوصايا – كيف ينبغي أن تكون الأمور- لا بالتحليل، كيف، ولماذا يتحول الأفراد من رعايا إلى مواطنين، ولا يفوت المؤلف الحديثُ عن موضوعٍ ذي شجونٍ يتعلق بالمواطنة المحليّة والمواطنة العابرة للحدود، أي الانتماء إلى الدول الوطنيّة أو إلى الوطن العربيّ؛ لأنّ المواطن في الدول العربيّة يحمل هويةً مزدوجةً وطنيّةً، وقوميّةً.

والإشكالية لا تكمن في التنابذ بين الهويتين، بل الإشكالية تكمن في إصلاح العلاقة بين الدّولة والمجتمع، والقول بأنّ العربيّ “اليوم سؤال سياسيٌ وثقافيٌ وهُوِيَّوي ملغزٌ وشديد الإعضال “صحيحٌ جزئياً، ولكن أُسّ المشكلة هو في المواضيع التي ناقشها المؤلف من الجماعة السِّياسيّة، إلى المجتمع، إلى المواطنة، ومتى ما توصّل العرب في أقطارهم المتعّددة إلى حلولٍ ستكون الهوية الوطنيّة منسجمةً مع الهوية القومية؛ كما هي منسجمةٌ بين الهويات الوطنيّة والهوية الأوروبية، وهو ما يقرّ به المؤلف حين يقر بأنّ العلاقة بين الهوية الوطنيّة والعربيّة بإمكانهما أن ينسجما في كياناتٍ فضفاضةٍ تتسع للهويتين، ويعلن أنّ بإمكانية الفرد العربيّ أن يعيش “عروبته ووطنيّته في تجاورٍ تآلفيٍّ لا يتضاربان فيه، في وجدانه ووعيه”(ص190).

وفي الفصل الأخير يتعرض الكاتب إلى قضيّة حقوق الإنسان، والتي بلا شكٍّ تتسق مع مواضيع الجماعة السِّياسيّة والمواطنة، وينعى المؤلف حقوق الإنسان التي تحولت من فكرةٍ إلى أيديولوجيةٍ غايتُها السيطرةُ والتحكمُ بالدّول، ومسخ سيادتهم الوطنيّة، وكما يقول فإنّ حقوق الإنسان انتقلت “من فكرةٍ نبيلةٍ إلى أيديولوجيا شريرةٍ”(ص200).

ويصرّ المؤلف على معالجة قضية حقوق الإنسان داخل إطار المؤامرة على الدّولة الوطنيّة لشرذمتها، وأنّ حقوق الإنسان ما كانت إلا ذريعةً للنّيل من يوغسلافيا والذي أدّى إلى بلقنتها، وكذلك الحال بالنسبة للعراق، وسوريا، وليبيا. وأنّ حقوق الإنسان مطيةٌ للنّظام المعولم للنّيل من أعدائه، مثل: الصين، وروسيا. ولا بدَّ من استدراكٍ سريعٍ هنا حول هذه القضية المهمّة؛ فالقول بأنّ استخدام حقوق الإنسان يبطل أهميته، كالقول بأنّ استخدام الدين من قبل الحركات المتطرفة يعني بالضرورة التخلّي عن الدين أو الهوية الإسلامية. يستوجب علينا هنا أن نغربل الحقوق الشّرعية للشّعوب والأفراد من مطامع الهيمنة، لا أن نرفض الفكرة.

هناك صحةٌ في القول بأنّ الدول العظمى تستخدم حقوق الإنسان كما استخدمت نشر الثقافة والحضارة؛ لاستعمار الكثير من البلدان، ولكن حقوق الإنسان في العمق تتعلّق بحق الأفراد على الجماعة؛ فالليبرالية السِّياسيّة والاقتصاديّة تقدم الفرد على الجماعة، بينما مذاهب أخرى مثل الاشتراكية أو التضامنية[7] تهتمّ بحق الجماعة على الفرد، فكيفية الحفاظ على حقوق الأفراد والجماعات تحدٍ يتطلب حساسيةً ومرونةً كبيرتين، وتوازناً كمن يرقص على حبلٍ مشدودٍ.

هذا كتابٌ مهمٌ لمفكرٍ شهيرٍ، يستحقّ القراءة والتجاذب معه من قبل المختصين في حقول الفكر السِّياسيّ، والعلوم الاجتماعيّة، وكاتب هذه القراءة شاهدٌ على سعة اطّلاع المؤلف على الفكر السِّياسيّ الغربي، وتجد الفقرات تزدحم بمراجع الفكر السِّياسي الفلسفيّ الغربي، ولكن دون تمحيصٍ أو مراجعةٍ نقديةٍ لهذه المفاهيم. بل إنّ الواقع هو المنتقد لعدم تطابقه مع هذه المفاهيم الغربية، ولعلّ عدم تجاوز الفكر الغربيّ، من خلال تقييم الواقع المُعاش في الدول النامية، هو من مثالب الكتاب التي قد تؤخذ عليه.

 

الهوامش:

[1]حول العراق انظر فالح عبد الجبار، كتاب الدّولة: اللوياثان الجديد، بيروت: منشورات الجمل، 2017 (نقله إلى العربيّة: فريق ترجمة)

Samir al-Khalil [Kanan Makiya], Republic of Fear: The Inside Story of Saddam’s Iraq, New York: Pantheon Books, 1990.

[2] Hamza Alavi, “The State in Post-Colonial Societies: Pakistan and Bangladesh,” New Left Review, 74, (1973): 61.

[3] Philippe C. Schmitter, “Still the Century of Corporatism?,” The Review of Politics, 36, (1974): 85-131

[4]انظر تحليل ماركس حول الاستعمار كمعول هدم وبناء لعلاقات إنتاج مختلفة Karl Marx “The British Rule In India,” in K. Marx and F.Engels, [1853] On Colonialism, Moscow: Foreign Languages Publishing House, [n.d.].

[5] Robert H. Jackson and Carl G. Rosberg, “Why Africa’s Weak States Persist: The Empirical and the Juridical in Statehood,” World Politics, 35 (1982): 1-24.

[6] لا شك بأنّ موضوع المجتمع المدني تطور وتحور عبر القرون وهو مفهوم مركب ومختلف عليه: انظر جون إهرنبرغ، المجتمع المدني: التاريخ النقدي للفكرة، بيروت: المنظمةس العربيّة للترجمة، 2008.

[7]في قضية التضامنية والتي ترى أن الدّولة مجرد يد ممتدة من المجتمع وليس هناك من تناقض بين الجسد واليد الممتدة. انظر كتاب

            Alfred Stepan, The State and Society: Peru in Comparative Perspective, Princeton: Princeton University Press, , NJ, 1978.

- البدر الشاطري

كاتب وأكاديمي من الإمارات العربية المتحدة

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.