الخميس , 5 أغسطس, 2021
إخبــارات
الرئيسية » نـدوات وملفـات » تاريخ الإسلام: من المحلي إلى الشمولي

تاريخ الإسلام: من المحلي إلى الشمولي

مارشال گ. س. هودگسن، الإسلام في التاريخ العالمي، نصوص جمعها وترجمها عن الأمريكية وقدّم لها عبد السلام الشدادي. منشورات ملتقى الطرق، الدار البيضاء، 2016، 210 ص.

 

توالت في الآونة الأخيرة بعض الإصدارات التاريخية غير المألوفة لدى المشتغلين بالتاريخ المحلي أو المُتهمين بتركيب تاريخ المغرب، مثل الترجمة المُنجزة من قبل الأستاذ خالد بن الصغير لكتاب سارة أبريڤايا ستاين، حول اليهود والتجارة الدولية لريش النعام، والذي تتبعت فيه النشاط التجاري والصناعي المُرتبط بهذه المادة في مختلف المجالات العالمية التي احتضنته، مُتجاوزة بذلك الحدود الوطنية الضيقة للدول، باعتبارها عائقا قد يحول دون تحرر الكتابة التاريخية من قيود النزعة الأوربية المركزية. كما نشرت مؤسسة الملك عبد العزيز آل سعود للدراسات الإسلامية والعلوم الإنسانية منذ بضعة أشهر الترجمة العربية لكتاب تاريخ العالم في القرن التاسع عشر، والذي أشرف على نسخته الفرنسية الصادرة سنة 2017 كل من بيار سينغارافيلو وسيلفان فينير، وقد تولى الأستاذ محمد حبيدة تنسيق الترجمة ومراجعتها. وقد سعى المشاركون في تأليفه ثم مُترجموه إلى التوعية بأهمية الإصغاء لجميع الأصوات المنبعثة من مختلف أصقاع العالم، مُفسحين المجال بذلك لإعادة التفكير في ماضي العلاقات بين “المركز” و”الهوامش”، والنظر من جديد في مفاهيم الحدود والمجال، فضلا عن تقديم طرق مختلفة لدراسة بعض التحولات المهمة التي تناولها المؤرخون في السابق ضمن وحدات ثقافية مُستقلة عن بعضها البعض، وهو ما سيُخلّصُ الكتابة التاريخية مستقبلا من المقاربات الجُزئية والمُتحيزة للغرب. وموازاة مع هذا الجُهد التّرجمي الرّامي إلى تسليط الضوء على هذا النوع الجديد من المُمارسة التاريخية، في ظل الاكتساح المُلاحظ للدراسات المونوغرافية، خصّصت مجلة هيسبريس-تمودا المُجلد الأول من عددها الخامس والخمسين لمُعالجة قضايا التاريخ العالمي في علاقتنا به، تحت إشراف الأستاذين عبده الفيلالي الأنصاري وعبد الأحد السبتي، ومُشاركة نخبة من الباحثين المغاربة والأوربيين والأمريكيين، سعيا منهم إلى إثارة انتباه المؤرخين المغاربة أو المشتغلين على المغرب أو المنطقة المغاربية إلى حصيلة الدراسات المُنجزة حول التاريخ العالمي، ومناقشة أسسها الابيستيمولوجية، والكشف داخلها عن الاستمراريات والقطائع مع المقاربات الإسطوغرافية السابقة، فضلا عن تحديد أثرها على تصورنا لكيانات تاريخية مثل المغرب والمغارب والفضاءات العربية الإسلامية.

لم تكن هذه الكتابات الأولى من نوعها في التنبيه إلى أهمية انتقال التاريخ من المحلي إلى الشمولي، فقد بادر الأستاذ عبد السلام الشدادي منذ سنة 2016 إلى ترجمة عدد من المقالات المنشورة للمؤرخ الأمريكي مارشال هودگسن ما بين سنتي 1960 و1970، فضلا عن فصول من كتابه مُغامرة الإسلام، والذي صدرت ترجمته العربية الكاملة السنة الماضية على يد الشاعر والمُترجم أسامة غاوجي، ضمن منشورات الشبكة العربية للأبحاث والنشر في بيروت. فما المُميز في كتابات هودگسن عن تاريخ الإسلام؟

انطلق هذا المؤرخ في كتابة تاريخ الإسلام من نقد التصور الغربي القروسطوي للعالم، مُتوقفا بشكل خاص عند واحد من انعكاساته الجَليّة على الخرائط كوسيلة للتعبير عن مشاعر الغربيين. فقد نبّه في هذا الصدد إلى تشويه إسقاط مِركاطور وإسقاط فان دير گرنتن لتصوراتنا، عبر إظهارهما أوربا بمقياس أكبر بكثير من الشرق الأوسط والهند والصين كمراكز للحضارة، ومنحهما إياها موقعا متباينا مع حجمها كجزء تابع لكيان أكبر، لتصِير بذلك جُزء من أجزاء العالم الرئيسية. كما رسّخ العرض التقليدي للتاريخ التقسيم الثنائي العِرقي الكلاسيكي بين النَّحن والآخرين، اليهود والوثنيين، الإغريق والبرابرة، الغرب والشرق. فقد حاول العلماء الغربيون منذ القرن XIXم تقديم المنطقة الأفرو-أورو-آسيوية الممتدة ما بين المحيطين الأطلنطي والهادي، كمجموعة مُكونة من عوالم تاريخية مُغايرة، يمكن فهمها في حد ذاتها بصفة منعزلة عن بعضها البعض، الشيء الذي جعل من أوربا الغربية على وجه التحديد، جزءا مستقلا عن باقي العالم، بتاريخ لا يحتاج إلى الاندماج في تاريخ باقي الإنسانية. وهو ما فنّده هودگسن في دراساته وأبحاثه الرصينة، مؤكدا استحالة وضع خطوط فاصلة دقيقة داخل المجموعة التاريخية الأفرو-أورو-آسيوية، وتجاوز العلاقات بين مناطقها الرئيسية [أوربا، الشرق الأوسط، الهند والشرق الأقصى] تلك البصمات والتأثيرات الثقافية الخارجية أو العَرضية، إلى سلسلة من الحوادث والنماذج الثقافية المؤثرة على كافة المستويات، كما هو الشأن بالنسبة للتقنيات والاختراعات [البارود، البوصلة، المطبعة، تقنيات النقل…] والتي كانت تتراكم في كل منطقة على مدى ألف سنة، لتنتشر عاجلا أو آجلا في المنطقة الأفرو-أورو-آسيوية بأكملها، علمًا أن تيار العِلم في هذه المنطقة كان يسير في اتجاه واحد: من الصين والهند والشرق الأوسط، وبالخصوص من البحر الأبيض المتوسط نحو الغرب، ولم يسِر إلا القليل في الاتجاه المعاكس.

كما أعاد هودگسن إلى دائرة النقاش العلمي مقولة انحطاط الثقافة الإسلامية بعد سقوط الخلافة العباسية في العصر الأول من التاريخ الإسلامي، أو على أبعد تقدير عند الاجتياح المغولي في القرن XIIIم، وصولا إلى ظهور الإمبراطوريات الإسلامية الكبرى، العثمانية والصفوية والمغولية في القرن XVIم. فقد أعلن تحفظه بهذا الخصوص، داعيا إلى مُراجعة عدد من الافتراضات المُسبقة وطرق البحث الأحادية الجانب والتي تضافرت من أجل خلق وهم الانحطاط والانحلال. ومن أبرز المُيولات الطبيعية التي أثرت بشكل كبير على تصوراتنا حول العالم الإسلامي في هذا الصدد، تركيز الاهتمام على مناطق البحر الأبيض المتوسط بسبب قربها من الغرب، فضلا عن المُطابقة بين المُسلمين والعرب، وهو ما تسَبب في ظهور مجموعة من التصورات الخاطئة حول الإسلام. فالوقائع التاريخية تدفعنا إلى توطين مراكز الإسلام الأكثر إبداعا في شرق البحر الأبيض المتوسط، من سورية إلى حوض سيحون وجيحون، أي في مناطق غير عربية، حيث نشأ أكثر الرجال تأثيرا في البلدان الإسلامية، وظهرت أهم المؤسسات مثل  المدارس والطرق الصوفية وكذا الدول. أما بخصوص التراجع الاقتصادي الذي مَسّ أغلب مناطق العالم الإسلامي ما بين القرنين التاسع والسابع عشر الميلاديين، فقد كان راجعا في بعض الحالات إلى ظروف تتجاوز القدرة البشرية، دون أن يتسبب ذلك حسب هودگسن في أية انتكاسة ثقافية. علمًا أن التراجع المُسجل من قبل العلماء الغربيين على مستوى الأعمال العلمية بعد سنة 1300م، والكُتب المُبسطة بعد سنة 1500م، لم يُعتمد في تقريره سوى على المُعطيات الصادرة في أغلبها عن منطقة البحر الأبيض المتوسط، وبالتالي فهي لا تُمثل إلا مناطق هامشية نسبيا ضمن المجموعة التاريخية الكبرى الأفرو-أورو-آسيوية. ومن جهة أخرى، أرجع هودگسن نجاح الإسلام مدة طويلة قبل حلول القرن XVIIIم بتغيراته الكبيرة إلى عاملين أساسيين، وهما: الدين بالمعنى الدقيق، والذي تميز بالمُساواة، وعدم فسحه المجال للمناصب الوراثية للأرستقراطية الفلاحية، وأيضا للنظام الاجتماعي المُتسم بمرونة غير معتادة، مَنَحت لكل من اعتنق الإسلام فرصة تنمية مواهبه بحُرّية نسبية، فضلا عن أهمية الطبقة التجارية في النموذج المؤسساتي الإسلامي، بمُيولها نحو النظام الاجتماعيال مستقل عن الطبقة النبيلة الصغرى، وإتباعها سلوكا أخلاقيا مُساواتيا ملائما للسوق.

وفي مقارنته للنماذج الثقافية على مُستوى كل من الإسلام والغرب، توقف هودگسن عند المُساهمة المهمة للمسلمين خلال القرن XIIIم في التغيرات التي طرأت على المجال الأفرو-أورو-آسيوي، بسبب قوة الإسلام نفسه والسيرورة التراكمية. فقد تحسّنت الأهلية التقنية للإنسان في المجال المذكور، بفضل اختراع النار اليونانية والبوصلة وانتشار الورق والطباعة، وهو ما ساعد جزئيا على توسع مجال العلاقات المتبادلة بين المناطق المُتحضرة، فضلا عن نضج الحياة الصوفية والمؤسسات التي جسّدتها. مُنبها في الآن نفسه على أحَادية التبادل بين الإسلام والغرب خلال العصور الوسطى المتوسطة، فإذا كان المسلمون قد أخذوا بعض الأشياء عن الغربيين مثل فن التحصين زمن الحروب الصليبية، فقد استعار الغربيون من الإسلام، كمَنبع للأفكار وكتَحَدّ، مُمارسات ثقافية وتصورات متنوعة، كان لها دور بارز في تطور ثقافتهم. وقد أكّد في هذا السياق، على محدودية الآفاق الجغرافية للثقافة الغربية قياسا بالثقافة الإسلامية، حيث استمرت الأولى منهما سجينة حدود شبه جزيرتها الصغيرة، فلم تكن مؤلفات طوماس الأكويني على سبيل المثال قادرة على تجاوز المجال الممتد من إسبانيا إلى هنغاريا، ومن صقلية إلى النرويج، بينما كان ابن عربي يُقرأ من إسبانيا إلى سُومطرة، ومن السواحل السواحلية إلى كازان على ضفاف الفولغا. وترجع هذه الجاذبية المُميزة للثقافة الإسلامية ومؤسساتها الناشئة ولا شك إلى التركيبة الدينية البسيطة للإسلام، فتعابيره المركزية مُجرّدة وصريحة، وطقوسه التعبدية الرئيسة واضحة ومائلة إلى الصرامة، فضلا عن تأسيس المشروعية والسلطة الاجتماعية النهائية على النموذج التعاقدي، والمُشتمل على وحدات مُتساوية وقابلة للتحويل، تستجيب لسلسلة من المعايير الثابتة في حقل قابل لمستويات متعددة وشاملة الامتداد، وهو ما أفرز سلطة ومؤسسات قانونية حقيقية وغير اعتباطية، زيادة على خضوع الخلافة للاختيار والمُفاوضة، وبالتالي استبعاد من لا أهلية له، خلافا لما كان عليه الحال في النموذج الشّكلي الهيأوي في الغرب، والمُتأسس على قواعد خاصة بالمنصب، تتسم بنفس الشّكلية المُميزة للقانون بشكل عام.

وسعيا من هودگسن إلى تحرير تاريخ الإسلام من تلك الحدود الضيقة التي فرضتها عليه الإسطوغرافية العربية والغربية، دعا إلى دراسة الحضارة الإسلامية ككُل تاريخي وكعنصر رئيسي في تشكيل مصير الإنسانية جمعاء، مُثيرا الانتباه إلى خطورة الآراء القبلية المُوالية للعرب، والتي لا تأخذ بعين الاعتبار المسلمين الموجودين في الشرق، مُطابِقة بذلك بشكل ضمني بين لفظي “عربي” و”إسلامي”، وهو ما تشهد عليه بعض المقالات المنشورة في الموسوعة الإسلامية (Encyclopaedia of Islam) حول بعض المؤسسات أو الأشكال المعمارية أو الفن الإسلامي، والتي لا تكاد تتجاوز العالم العربي إلى غيره من المناطق الإسلامية، رغم مُساهماتها البارزة في هذه المجالات. وقد توقف في هذا الصدد عند التاريخ الإسلامي المتأخر، من أجل ابراز وحدته رغم تعدد الكيانات المُمثلة له في النصف الشرقي للكرة الأرضية. فقد شهد تراجعا عاما لأهمية السياسة والفكر السياسي، وأصبحت الأنظمة ذات الطابع الديني والمستقلة عن السياسة والثقافة الرسمية مثل الطرق الصوفية، مُهيمنة على المشهد الديني وعنصرا من العناصر الضامنة لتماسك المجتمع الإسلامي، فضلا عن تراجع الحياة الفكرية ودخولها مرحلة الانعزال وخنق الإبداع الفكري، وتصدع القوات التي كانت تساعد على إقامة مُجتمع إسلامي مُوحد، لا مركزي وسياسي، لتخضع البلدان الإسلامية بعد سنة 1500م لثلاث إمبراطوريات راسخة، إمبراطوريات البارود التي شيدت حياتها الاجتماعية الخصوصية وأثبتت شخصيتها الثقافية بمتانة وصراحة، وهو ما انعكس على العقيدة الإسلامية التي صارت تتطور طبقا لطرق منفصلة ترسمها الإمبراطوريات الثلاث، فقد تمكن إسماعيل رئيس الطريقة الشيعية الصفوية من فرض المذهب الشيعي في إيران الصفوية، وتحول العثمانيون إلى إمبراطورية سُنية، كما ظهرت الإمبراطورية المغولية شمال الهند، والتي تميز إسلامها بمرونة خاصة في علاقته مع الهندوسية. وقد ترك ذلك أثرا واضحا في الحياة الثقافية، حيث صارت الفنون المرئية تستخدم لإبراز وتمجيد المجتمعات الجهوية الكبرى المتنوعة، وأمسى الشعر مُعبرا عن الثقافات الجهوية على مستوى اللغة والمواضيع، فضلا عن تزايد أهمية التاريخ المحلي أو الجهوي للعلماء والملوك. وبحلول سنة 1700م، أخذت البنية الاجتماعية والمؤسساتية لكل إمبراطورية من الإمبراطوريات الثلاث تضعف وتضمحل موازاة مع تزايد النزعة إلى الاستقلال الإقليمي وتدهور الحياة الثقافية من جهة، هذا في الوقت الذي بدأ الغرب تدريجيا يتفوق على مستوى التنظيم الاجتماعي والاقتصادي، ثم ما لبث أن هيمن على العالم ابتداء من سنة 1800م، وهو ما يمكن نعته بـ”التحول العظيم الحديث”، والذي شارك في صناعته المجال الأفرو-أورو-آسيوي برُمته.

لقد أسهم هودگسن في تجديد تاريخ الإسلام، عبر نقد الاستشراق والافتراضات الأوربية المُسبقة حول التاريخ العالمي، وتحويل مركز ثقل التاريخ الإسلامي من المنطقة العربية غربا إلى آسيا الفارسية التركية شرقا، ومُراجعة التحقيب الإسلامي، وذلك عبر التمييز في تاريخ الحضارة الإسلامية بين حقبة النشأة والحقبة الوسيطية وحقبة إمبراطوريات البارود والعصور الحديثة.

- سمير أيت أومغار

باحث من مراكش

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.