الخميس , 5 أغسطس, 2021
إخبــارات
الرئيسية » نـدوات وملفـات » ملف التاريخ المشترك وتحديات التاريخ العالمي

ملف التاريخ المشترك وتحديات التاريخ العالمي

تقديم:

تتفاعل مجلة رباط الكتب في هذا الملف مع موضوع التاريخ العالمي من خلال تقديم رؤى وسرديات جديدة تتجاوز الاتجاه الأحادي الذي ساد منذ عصر النهضة وإلى حدود المرحلة الكولونيالية، وقد أصبحت لفظة العولمة تروج مند أواخر ثمانينيات القرن الماضي في حقل التاريخ والأنتربولوجيا والسوسيولوجيا، وأصبحت تعبر عن وعي جديد بأهمية البعد العالمي وخصوصا بعد انتهاء الحرب الباردة وتغير طبيعة العلاقات الدولية أمام التهديدات المشتركة التي غدت تواجه الإنسانية.

إن التاريخ العالمي يمثل تغيرا في تاريخ العقليات، حيث أصبح العالم يفكر بطريقة جماعية خاصة بعد الانتقادات التي تعرضت لها النزعة المركزية الأوروبية، مما يعني أن اللحظة الغربية التي فرضت نفسها باعتباره كونية، والتي أثرت في العالم منذ عصر النهضة وتعمقت خلال فترة التوسعات الامبريالية بدأت تتراجع وتتفكك تدريجيا مع تصاعد خطابات ما بعد الكولونيالية، ولدراسات التابع دور كبير في إعادة التفكير في الماضي وفي تاريخ العالم بطريقة أخرى كما عبر كريسيان غراتالو أستاذ الجيو-تاريخ بجامعة باريس.

يُمكن اعتبار التاريخ العالمي نوعا من دمقرطة الماضي، وتمثل مساهمات شاكرابارتي رؤية نقدية مباشرة للتاريخ العالمي بمفهومه الأوروبي، حيث اقترح في كتابه في صحوة دراسات المهمش حداثةً مغايرةً، حداثةً بديلةً تحترم التقاليد المحلية وتنفتح على الرؤية الكونية دون أن تقع أسيرة التنوير الأوربي. تلك التي سماها “حداثة ما بعد كولونيالية”. وهي رؤية تتوافق في مضمونها مع أطروحات راناجيت غوها التي حاولت تحرير الماضي البشري من التَّبعية للكولونيالية، وقد ركزت أفكارهما معا على مفهوم الحقل كموضوع للدراسة بدل الحقبة، ولنجاح دراسات التابع دور كبير في هذه التحولات باعتبارها الإستوغرافيا الأكثر تأثيرا في مرحلة ما بعد الكولونيالية، فلم يعد تاريخ العالم إقصائيا ومقتصرا على سردية الدول والأمم الأوروبية، بل أصبح يستحضر دور الأقليات والإثنيات والشعوب غير الأوروبية، والتي تمثل في الواقع القسم الأكبر من البشرية بثقافاتها ودياناتها وفنونها وفلسفاتها وأصواتها التي ظلت محجوبة.  تعددت اليوم طرق تناول التاريخ العالمي الذي كان سابقا حكرا على سردية تاريخية أحادية، وقد كرست سلطات الاستعمار هذه السردية بالقوة والسيطرة ونجحت في تشكيل أتباع أنتجوا في العالم الثالث طبعات متناغمة مع التاريخ العالمي بالمفهوم الغربي وقضوا هم أنفسهم عن تمثيلات الماضي البديلة الموجودة في ثقافاتهم الأصلية.

التاريخ عند نهاية التاريخ العالمي هي سلسلة محاضرات قيمة ألقاها راناجيت غوها المحرر المؤسس لدراسات التابع بالأكاديمية الايطالية للأبحاث التابعة لجامعة كولومبيا في عام 2000، ونشرت سنة 2002 في كتاب أحدث ضجة كبرى في الغرب، لم يكن غوها ذلك الكاتب الغزير الإنتاج، وغالب كتاباته مقالات نشرت في مجلات عالمية أمريكية وأوربية، لكنها ذات تأثير كبير، لاتسامها بالتحليل المكثف والتروي الدقيق والقوة في الطرح، ومثلت مقالاته وأبحاثه تحولا كبيرا في دراسات ما كان ينعت سابقا بالتاريخ العالمي، وقد حاول من خلال حجج عديدة إظهار تواطؤ الفلسفة الغربية مع الاستعمار وأشكال المعرفة الناتجة عنها، حيث كان قد اختزل مسار التاريخ البشري في الدول والإمبراطوريات الغربية، في الوقت الذي تم فيه الحط من تجارب وإسهامات المجتمعات الأخرى لدرجة تبدو فيه غير مرئية من منظور التاريخ العالمي ذي البعد الواحد، حتى أنهم جعلوا تاريخ باقي الشعوب جزءا من فترة “عصور ما قبل التاريخ”.

يمكن وفقًا للتعريف الأرسطي الشهير العثور على كل شيء ضمن المركز، و المقصود بكل شيء هنا تاريخ العالم الذي شكلته الدول والأمم الغربية في سياقات معينة. أما خارج هذا العالم الأوروبي فلا يوجد شيء يمكن العثور عليه،  فقط العدم واللاشي، أي ما يمكن وسمه بمناطق ما قبل التاريخ (المهمشين). ليس الحاضر وحده من تعرض للاستعمار الأوروبي بهذا المفهوم بل الماضي أيضا تعرض بشكل أو بآخر لنوع من الهيمنة، وهو ما يمثل نقدًا للتأريخ المبني على الإقصاء من خلال رفض المفهوم الهيغلي للتاريخ العالمي.

إن التاريخ العالمي يعني العودة مجددا إلى الأدب والأنتربولوجيا والفنون المحلية لكل الحضارات والبلدان والمجالات لجعل روايات وسرديات مختلف الشعوب أوضح، فعبرها يمكن توسيع نطاق التاريخ اللامرئي وإفساح المجال لبروز إسهامات مختلف حضارات العالم منذ القديم وإلى اليوم، وبالتالي تجاوز الاتهامات التي ربطت بين النهضة الأوربية باعتبارها مهدت بشكل أو بآخر للعولمة المتوحشة، وهي الفكرة التي حاول المؤرخ جان لوغال تفنيدها في كتابه دفاعا عن عصر النهضة. حسب ما أكد هايدن وايت فإن العناصر الأولية للروايات التاريخية الجديدة تشكلت حين أصبح التاريخ العالمي يقدم روايات وقصص جديدة، وهو ما يمثل انتصارا ضمنيا على جوقة مناصري التاريخ العالمي ذي البعد الواحد. تشكلت في الزمن الراهن لمحات مغايرة تتجاوز التواريخ القومية وتعطي للقاريء منظورات جديدة عن التاريخ الذي يجب أن يُكتب باستحضار التاريخ العالمي، وهو كتابة الماضي كقصة لوجود الإنسان في العالم واستحضار مختلف الصراعات والتفاعلات والعلاقات والروابط التي تشكلت بشكل بطيء في الماضي وتسارعت بقوة في الألفية الثالثة، دون تجاهل الاختلافات التي ظلت قائمة رغم التأثيرات الثقافية المتبادلة، ولا يزال إلى الآن رهان كتابة التاريخ العالمي قائما، والمؤرخون الجدد على عاتقهم استكمال هذه المهمة التي لا تزال في بداياتها، مما سيساهم في تغيير منظورنا بشكل كلي للتاريخ.

إن من معاني التاريخ الكوني اليوم البحث في كيفية تطور الثقافات العالمية عبر الزمن، وهنا يصبح تاريخ العالم أكثر شمولية من التاريخ التقليدي الذي يقتصر على المحلي ويُهمِّش الاتجاهات التي تتجاوز الحدود الترابية الضيقة. يؤكد تاريخ العالم على ضرورة معالجة التفاعل بين المجتمعات واستحضارها، بل وملامستها بعمق من خلال التعامل مع الأرشيف والمصادر المختلفة التي تم تجاهلها في الماضي.

يمكن للتاريخ العالمي تتبع التفاعلات المحدودة بين الشعوب في العصور القديمة، كما يمكنه أيضا تبيان التطورات التي حصلت لاحقا بفعل العلاقات الكثيفة التي تشكلت بفضل التطورات المتلاحقة في مجال التجارة والمواصلات، وبذلك يقدم التاريخ العالمي بمواضيعه ومداخله المتعددة قراءات مختلفة لتاريخ الكون، وربما قد يعتقد البعض أن من يتناولون بالدراسة تاريخ العالم بحكم عموميته قد يقدمون تاريخا سطحيا وأقل قيمة من التواريخ المحلية أو الوطنية، وهذا أمر غير صحيح، ذلك أن التاريخ العالمي يبحث عن المعنى الشامل والعالمي للتاريخ، من خلال استحضار التغييرات الرئيسية التي كانت الكرة الأرضية مسرحا لها، وذلك منذ ظهور الإنسان على وجه البسيطة ، وغالبًا ما ينظر مؤرخو تاريخ العالم إلى جميع المناطق بطريقة متزامنة ويقارنون الطرق التي استجابت بها المجتمعات المختلفة لتحديات البيئة والتنمية وتفسير أسباب تقدم مجالات دون أخرى.

إن ممارسة تاريخ العالم من خلال البحث والتنقيب في تاريخ الأحداث الكونية والوقائع الكبرى تقدم أدوات تفسيرية تعطي معاني جديدة ومختلفة، وتمكن من التعرف على سرديات متعددة كانت غائبة بفعل الانكماش والتقوقع داخل التاريخ الوطني باعتباره المبتدأ والمنتهى، وغالبًا ما يقف مؤرخو العالم على ما يمكن أن نسميها الظواهر المشتركة، ومنها على سبيل المثال القضايا الطبيعية والبشرية التي تؤثر على الجميع دون استثناء، فهي لا تميز بين اختلاف معتقدات وثقافات وعادات الشعوب المتعددة التي تستوطن المعمور، وتتمثل بعض هذه الظواهر في التطورات المناخية أو الكوارث الطبيعية أو الأوبئة المعدية أو الحركات السكانية، بل يبحث التاريخ العالمي أيضا في طرق التعامل مع التقنيات الجديدة وأنماط الحياة المتغيرة باستمرار .

نقف في هذا الملف مع مقالات و قراءات في كتب مختلفة المداخل، قاسمها المشترك استحضار أهمية وقيمة التاريخ العالمي كمبحث جديد واعد بتحولات جوهرية تأثرت بتحولات العولمة وسياق ما يطلق عليه حداثة ما بعد الكولونيالية، فالحداثة هنا ليستْ سيرورة متجانسة، حيث هناك دوماً مساحات للتصورات والبدائل الأخرى الممكنة داخل الحداثة والتي يمكن أن يساهم التاريخ العالمي الجديد في توضيحها، وبذلك يكون قد ساهم بشكل كبير في إعادة النظر في المنظورات التقليدية المنغلقة على ذاتها بما فيها التاريخ العالمي الموجه الذي حاول في القرون السابقة التحدث بلسان الآخرين وإقصائهم من التاريخ الكوني حين منعهم من فرصة التعبير عن أصواتهم بحرية.

- خاليد فؤاد طحطح

أستاذ باحث في التاريخ

أضف ردا

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.